مجلة نهج الإسلام – العدد /137/ – المقال السادس

القراءة المقبولة والمردودة
بقلم: د. رفعت علي ديب
مدير معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم

ذكر علماء القراءات قاعدة تعرف بها القراءات المقبولة وتميز بها عن غيرها من القراءات الشاذة المردودة..
هذه القاعدة هي كل قراءة وافقت اللغة العربية ووافقت رسم أحد المصاحف العثمانية وثبتت بطريق التواتر.. هي القراءة التي يجب قبولها.. ولا يحل إنكارها.. وهي من جملة الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم.
ومتى لم تتحقق هذه الأركان كلها أو بعضها في قراءة فهي قراءة شاذة مردودة..
وأهم هذه الأركان هو الركن الثالث (التواتر).. والركنين الأولين لازمان له.. إذ أنه متى تحقق تواتر القراءة لزم أن تكون موافقة للغة العرب ولأحد المصاحف العثمانية.. فالمعول عليه هو التواتر.
ومعنى موافقة اللغة العربية أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحاً..
فلا يشترط أن تكون على أفصح الأوجه..
يقول الإمام أبي عمرو الداني:
وأئمة القرآن لا تعتمد في شيء من حروف القرآن (الكلمات القرآنية المختلف عليها بين القراء من حيث ضبط نقطها وشكلها) على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية.. بل على الأثبت في الأثر.. والأصح في النقل والرواية، وإذا ثبتت عنهم لا يردها قياس عربية ولا فشو لغة.. لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. انتهى
ومعنى قول العلماء : وافقت أحد المصاحف العثمانية أن تكون ثابتة ولو في بعضها كقراءة (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) بحذف الواو التي قبل السين (سارعوا إلى مغفرة من ربكم).. فهي ثابتة كذلك في المصحف المدني والمصحف الشامي.
وقراءة (وبالزبر وبالكتاب المنير) في آل عمران بزيادة البائين فهي ثابتة في المصحف الشامي.. وقراءة (تجري من تحتها الأنهار) في سورة التوبة في الموضع الأخير منها بزيادة لفظ (من) فهي ثابتة في المصحف المكي. وهكذا..
وموافقة المصاحف العثمانية أو بعضها قد تكون تحقيقية وهي الموافقة الصريحة كقراءة (ملك يوم الدين) بحذف الألف.. فهي موافقة تحقيقاً لسائر المصاحف لأن الألف محذوفة في جميعها..
وقد تكون الموافقة تقديرية احتمالية كقراءة الآية المذكورة بإثبات الألف فهي موافقة للرسم تقديراً واحتمالاً على معنى أن إثبات الألف على احتمال وتقدير أنها ثابتة.. وحذفت في الرسم اختصاراً كما في (مالك الملك) فإنها قرئت بإثبات الألف للجميع مع حذفها اختصاراً في سائر المصاحف.
ومعظم القراءات موافقة للرسم صراحة وتحقيقاً لأن المصاحف كتبت بادئ الأمر مجردة من النقط والشكل.. فكانت محتملة لما ورد من القراءات نحو (القدس) بضم الدال وإسكانها.. و (يعملون) بالغيبة والخطاب أي بالياء والتاء.. و(ننشرها) قرئت بالزاي وقرئت بالراء.. و(هيت لك) قرئت بالهمز وبالإبدال والفتح والضم. وهكذا..
والتواتر نقل جماعة يمتنع تواطؤهم عن الكذب عن جماعة كذلك من أول السند إلى منتهاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذهب الإمام مكي بن أبي طالب القيسي (المتوفى 437) وتبعه المحقق ابن الجزري (المتوفى 833) إلى الاكتفاء بصحة السند وجعلاه مكان التواتر.
لذلك قال ابن الجزري:
فكل ما وافق وجه نحوي وكان للرسم احتمال يحوي
وصح إسناداً هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان
وإن اختل شرط أثبت شذوذه لو أنه في السبعة
قال الإمام النويري في شرح الطيبة :
وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم لأن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة منهم الغزالي وصدر الشريعة والمقدسي وغيرهم هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلاً متواتراً.
فالتواتر جزء من الحد لا تتصور ماهية القرآن إلا به، وعلى هذا لا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب لم يخالف منهم أحد.. وهذا ما صرح به جماعة لا يحصون منهم: ابن عبد البر، وابن عطية، والنووي، والأذرعي، والسبكي، والزركشي، وابن الحاجب وغيرهم.
وأما القراء فأجمعوا أول الزمان على ذلك.. وكذلك لم يخالف من المتأخرين إلا الشيخ مكي بن أبي طالب القيسي وتبعه بعض المتأخرين..
ومن كلام علماء القراءة الدال على اشتراط التواتر ما صرح به الإمام الجعبري في شرح الشاطبية حيث قال:
ضابط كل قراءة تواتر نقلها.. ووافقت العربية مطلقاً.. ورسم المصحف ولو تقديراً.. فهي من الأحرف السبعة، وما لم يجتمع فيه ذلك فشاذ ا.هـ
إذا علمت هذا فالذي توافرت فيه الأركان الثلاثة المذكورة إنما هي القراءات العشر فحسب.
قال النويري : أجمع الأصوليون الفقهاء على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على القراءات العشر.. وكذلك أجمع عليه القراء أيضاً إلا من لا يعتد بخلافه. ا.هـ
وقال الإمام ابن الجزري في كتابه منجد المقرئين: والذي جمع في زماننا الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول.
وقال أيضاً في الكتاب المذكور: وقول من قال إن القراءات المتواترة لا حد لها إن أراد في زماننا فغير صحيح، إذ لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء العشر، وإن أراد في الصدر الأول فيحتمل. ا.هـ
ويؤخذ من هذه النقود أن القرآن لا يثبت بطريق التواتر، وأن التواتر لم يتحقق إلا في القراءات العشر.
وعلى هذا فكل قراءة وراء العشر لا يحكم بقرآنيتها بل هي قراءة شاذة لا تجوز القراءة بها في الصلاة ولا خارج الصلاة.
قال الإمام النووي :
ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءات الشاذة، وليست قرآناً، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف أحد وقرأ بالشاذ أنكر عليه سواء قرأ بها في الصلاة أو في غير الصلاة.
هذا هو الصواب الذي لا معدل عنه .. ومن قال غيره فهو مخطئ أو جاهل. ا.هـ
وقد نقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ.. ولا يصلى خلف من يقرأ بها.
وقال ابن الصلاح:
تمتنع القراءة بما زاد عن العشر منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارجها..
وكذلك صرح ابن الحاجب وابن السبكي بتحريم القراءة بالشاذ..
واستفتي الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني عن حكم القراءة بالشاذ فقال:
تحرم القراءة بالشاذ وفي الصلاة أشد.
ولا نعرف خلافاً بين أئمة الشافعية في تفسير الشاذ أنه ما زاد على العشر بل منهم من ضيق فقال ما زاد على السبع. ا.هـ
والحاصل أن القراءة إن خالفت العربية أو الرسم فهي مردودة أجماعا ً ولو كانت منقولة عن ثقة مع أن ذلك بعيد بل لا يكاد يوجد.
وإن وافقت العربية والرسم ونقلت بطريق التواتر فهي مقبولة إجماعاً.
وإن وافقت العربية والرسم ونقلت عن الثقات بطريق الآحاد فقد اختلف فيها.
فذهب الجمهور إلى ردها وعدم جواز القراءة بها في الصلاة وغيرها، سواء اشتهرت واستفاضت أم لا..
وذهب مكي بن أبي طالب القيسي وابن الجزري إلى قبولها وصحة القراءة بها بشرط اشتهارها واستفاضتها، أما إذا لم تبلغ حد الاجتهاد والاستفاضة فالظاهر المنع من القراءة بها إجماعاً.
ومن هنا نعلم أن الشاذ عند الجمهور ما لم يثبت بطريق التواتر، وعند مكي بن أبي طالب ومن وافقه ما خالف الرسم أو العربية ولو كان منقولاً عن الثقاة، أو ما وافق الرسم والعربية ونقله غير ثقة أو نقله ثقة ولكن لم يتلقَ بالقبول ولم يبلغ درجة الاستفاضة والشهرة..
وبناء على هذا فالقراءات التي انفرد بنقلها الأئمة الأربعة الذين زادوا عن العشرة (أو أحدهم أو راو من رواتهم) لا تجوز القراءة بها مطلقاً على رأي الجمهور ولو أنها وافقت العربية والرسم لأنها لم تنقل بطريق التواتر..
وعلى رأي الإمام مكي بن أبي طالب وابن الجزري تجوز القراءة بما وافق العربية والرسم منها حيث كان صحيح السند وظفر بالشهرة والاستضافة والتلقي بالقبول.
وإذا كانت القراءة بالشواذ لا تجوز مطلقاً إلا أنه يجوز تعلمها وتعليمها وتدوينها في الكتب وبيان وجهها من حيث اللغة والإعراب والمعنى واستنباط الأحكام الشرعية منها على القول بصحة الاحتجاج بها والاستدلال بها على وجه من وجوه اللغة العربية وفتاوى العلماء قديماً وحديثاً مجمعة على ذلك.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>