جبهة العمل الإسلامي تقيم مؤتمرًا تأبينيًا في بيروت بعنوان: شهيد المحراب

في الذكرى الثالثة لاستشهاد العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي أقامت جبهة العمل الإسلامي مؤتمرًا تأبينيًا له في بيروت بعنوان “شهيد المحراب..شهادة أمة” بمشاركة نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة الشيخ ماهر حمود، ونجل البوطي الدكتور محمد توفيق البوطي ورئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الاسلامي عضو جبهة العمل الاسلامي واتحاد علماء بلاد الشام الشيخ هاشم منقارة إضافة إلى حشد من السفراء والسياسيين ولفيف من علماء الدين.
وفي افتتاحية المؤتمر القيت كلمات من وحي المناسبة لكل من نائب الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم، رئيس اتحاد علماء بلاد الشام الدكتور محمد توفيق رمضان البوطي، منسق عام جبهة العمل الاسلامي الدكتور زهير جعيد، رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المقاومة الشيخ ماهر حمُّود أكدت على اهمية الدور الفذ للأمام البوطي.
فضيلة الشيخ منقارة وفي كلمة له في جلسة بعنوان  “الرؤية الشرعية لمجريات الأحداث السياسية عند الإمام البوطي رحمه الله تعال “قال فيها” الرؤية الشرعية لمجريات الأحداث السياسية عند الإمام البوطي رحمه الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فقد مرت ثلاث سنوات على رحيل فقيدنا الإمام الشهيد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى، وما زالت أنوار معرفته تشع مضيئة بيننا.
وقد تشرفت بالمشاركة في هذا المؤتمر لنبحر أكثر في معالم هذه المدرسة النيرة، لا سيما وأن الله سبحانه قد أنعم عليّ أن أكون تلميذًا وأخًا وصديقًا لهذا العالم الجليل المجاهد الرباني والفيض الرحماني.
الإمام البوطي رحمه الله تعالى من المرجعيات الدينية الكبيرة والمتميزة على مستوى العالم الإسلامي، وقد حظي باحترام كبير في أواسط كبار العلماء في العالم الإسلامي، وهو صاحبُ فكرٍ موسوعيّ». ترك الإمام البوطي رحمه الله أكثر من ستين كتابًا في علوم الشريعة، والآداب، والتصوف، والفلسفة، والاجتماع، ومشكلات الحضارة، وكان لها أكبر الأثر على مستوى العالم الإسلامي.
رفض الإمام البوطي رحمه الله أن يتحول الإسلام إلى أداة بيد السياسة، وقد تبنى أطروحات سياسية ترتكز على رفض الاحتلال، ودعم المقاومة الشرعية،  وانطلق في نظرته من مبدأ التجميع لا التفريق، بعيدًا عن الخلافات في الأمور الشرعية والفقهية، والتي قد تتفاوت فيها الفتاوى والرؤى من فقيه إلى آخر طبقًا لمجالات الاجتهاد، وطبيعة الفهم للنص القرآني.
الإمام البوطي رحمه الله مدرسة متجددة، ذات معالم متوازنة وثابتة، اعتمد على المنهجية المعرفية والشرعية المصحوبة بالمراقبة لله والخشية له والخوف منه، وقد برزت مصداقيته في أكثر من حدث وأزمة ومشكلة مرت بها الأمة. شخصيته رحمه الله حررت الفكر والعقل والقلب واللسان والعلم والجوارح من سوى الرب سبحانه، فعاشت لله ومع الله، لا تأسره بريق الشعارات بل يضعها تحت دائرة التمحيص والتحليل العلمي، كما فعل في كتابه “الظلاميون والنورانيون” فقد محص كثيرًا من المفاهيم والشعارات التي روج لها ونقدها نقدًا منطقيًا شرعيًا.
الإمام البوطي رحمه الله اتسمت مدرسته بالحوار العلمي المفتوح لكل ما استشكله العقل الإنساني من قضايا الفكر والثقافة والعقيدة والسياسة والشريعة والمنهج.
وقد اتسم الإمام البوطي رحمه الله من خلال فكره ومواقفه بكونه وحدوي الخطاب والمنهج والنهج والسلوك والمواقف والرؤية، فقد عمل على جمع الأمة باختلاف أطيافها، ودعا إلى وحدة المواقف السياسية للأمة العربية والإسلامية في مواجهتها للصهيونية العالمية والاحتلال الإسرائيلي، ومواجهتها لهيمنة العولمة والغزو الفكري والثقافي وغيره، فهو يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويصلح ولا يفسد، ويضع الأمة أمام الحقائق لا الأوهام.
الإمام البوطي رحمه الله مدرسة رفضت التطرف والعنف في التدين، كما رفضته في الفكر والسياسة والسلوك، وعمل على كشف الأقنعة التي يختبئ وراءها الإرهاب، وأوضح مصدره ومموله ومنهجه وسلوكه والأنظمة التي تقف وراءه.
من يقرأ للإمام البوطي رحمه الله ويتابع أطروحاته الفكرية والعلمية، وبحوثاته في اللقاءات والمؤتمرات، وعلاقاته مع المفكرين والمثقفين والعلماء أصحاب التصورات والميولات المختلفة ذات التوجهات المذهبية والحركية والفكرية، يجد أنه عالمي الفكر والعلاقات والمعرفة، لم يحصر فكره ولم يمحور مواقفه، ولم يسخر نفسه وعلمه في صراع أو نزاع مذهبي أو سياسي أو طائفي، التزامًا منه بالعالمية والوحدة الإسلامية والمصداقية.
الإمام البوطي رحمه الله رجل اتسمت مدرسته بتصحيح المفاهيم التي يساء فهمها، واستخدمت استخدامًا سيئًا، وعبث بها العابثون، كمصطلح الجهاد وأحكامه، فكان كتابه “الجهاد”.
إن الإمام البوطي رحمه الله إذا أعمل عقله وفكره في مسألة ما، يضعها على طاولة البحث والتحليل والتحرير لأصولها، وما يترتب عليها من مستجدات كما عمل في كتابه “قضايا فقهية معاصرة” فليس عشوائيًا في طرحه وبحثه.
الإمام البوطي رحمه الله مدرسة لها معالمها الفكرية والعلمية والتربوية والفلسفية، وذات أصالة ومعاصرة واعية ومرونة متوازنة ورؤية عميقة تحكمها أصول الشرع وأحكامه.
إن الإمام البوطي – بفكره الواسع ورؤيته المتسعة وحيوية كتاباته – ستنهل منه الأجيال المتعاقبة لما ستجده من إجابات على تساؤلات معاصرة، ومعالجة لقضايا تهم الشباب وتعالج قضاياهم الفكرية والتربوية وغيرها، وستظل مدرسة الإمام البوطي متجددة في أبنائه وتلامذته ومحبيه.
النظام السياسي في الإسلام لا يفصل الدين عن الدولة، وهذا أمر واضح جليّ، إلا أنّ تقلبَ بعض العلماء مع أحوال السياسة وتعقيداتها – هذه الأيام – يفرز اجتهادات خاطئة في كثير من الأحيان، إن لم نقل اجتهادات مسيسة وحسب الطلب.
لا يخفى على أحد أن دخول العلماء في المضمار السياسي يتطلب رؤية عميقة لمجريات الأحداث وتحولاتها؛ لأن إصدار الفتاوى مسؤولية ثقيلة، خاصة عند اضطراب الأحوال وتشابكها.
نجد الكثير في عالمنا الإسلامي في هذه الأوقات العصيبة والأحوال المضطربة والفتن التي تلف الأمة يظهرون في الفضائيات والإعلام المرئي والمسموع ليصدروا الفتاوى والآراء العجيبة لتحقيق أهداف سياسية، وذلك هو الخطر الواجب الحذر منه، فالتوظيف السياسي باسم الدين كفيل بتشويه صورة الإسلام النقي، وهذا يجعلنا نتمعن أكثر في موضوع التأهل للفتوى ومراقبة الله في إصدار الفتوى.
نحن نحتاج من علمائنا أن يكونوا عونًا لنا وعلى نهج الإمام البوطي، لا أن يُدخلوا أنفسهم دوائرَ الشبهات، وتضليلَ العامة والخاصة، والدخولَ بالأمة في نطاق الفتنة بآراء وفتاوى ظرفية لا تحقق المصلحة الإسلامية العامة.
ولفهم الرؤية الشرعية لمجريات الأحداث السياسية عند الإمام البوطي نعود إلى خطبته المعنونة بـ “ديمقراطيتنا خادمة للإسلام وليس العكس”، وهو يقول فيها:
لا أكاد أجد في كتاب الله عز وجل آيةً تعاني من الغربة في عالمنا العربي والإسلامي، بل تعاني من العقوق بين من يسمَّون إسلاميين أو معرِّفين بالإسلام من تلك الآية التي نقرؤها في افتتاح سورة الممتحنة، إنها قول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ)، إلى أن قال: (وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) [الممتحنة: 1].
ما أكثر ما تُردد هذه الآية على الأسماع، وما أكثر ما تتلوها الأفواه، ولكننا ننظر فنجد أنّ جُلَّ من يقومون بمهمة الدعوة إلى الله عز وجل عن مضمون هذه الآية معرضين، ونجدهم ينبذونها وراء ظهورهم، في حين أن أمريكا تقابلهم وتقبل إليهم قائلة: أعطوني قلوبكم أمتعكم بإسلامكم، وسرعان ما يستجيبون، سرعان ما ينغضون إليهم الرؤوس ويُدْلون إليهم بالولاء ويقبلون إليهم بالاستجابة، يلاحقهم بيان الله سبحانه وتعالى بهذه الآية وبمؤكداتها، يقول لهم الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) [آل عمران: 118].
تردد هذه الآية على الأسماع، وما أكثر ما تقرؤها الأفواه في مناسبات شتى، ولكننا ننظر إلى هؤلاء الإخوة الذين ينهضون بواجب التعريف بالإسلام وإقامة ما يسمى المجتمع الإسلامي، ننظر إليهم فنجدهم يعرضون عن هذا البيان المحذِّر الرباني كإعراض من وُضِعَ أمامه طعام وطال العهد به حتى تبرم به وعافته نفسه. هذا هو الواقع الذي نراه يا عباد الله. بيان الله سبحانه وتعالى يقول: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء)، يقول: (لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً). ولا يتم من وراء ذلك إلا الإعراض عن التنفيذ، وبالمقابل تقبل أمريكا قائلة: عليكم أن تنبعثوا إلى تطبيق الفوضى الخلاقة، ولسوف تجدون كيف ينبعث الإسلام الذي تبحثون عنه في رحم هذه الفوضى التي أدعوكم إليها، وننظر فنجد أن القوم يستجيبون، وننظر فنجد أن القوم يُصَدِّقون، تقول لهم أمريكا: إن إسلامكم سيزدهر أيما ازدهار من خلال انبثاق شرق أوسط كبير، وننظر فنجد أن القوم يتسابقون إلى الاستجابة لهذا الوعد، ونتأمل فنجد الأفواه تتبارى في نفخ نيران هذه الفوضى الخلاقة للقتل، المفجرةِ للدم، أليس هذا مصداق ما أقول يا عباد الله؟
آيةٌ في كتاب الله أقرؤها وأتدبرها، وأنظر إلى العالم الذي أنا في داخله، ويترامى من حولي، أن تترامى أنشطة شتى كلها تدعو إلى الإسلام، وكلها تنادي بالإسلام، ولكن الجميع عن هذا النداء معرضون، إنها آية تعاني من غربة وأي غربة، إنها آية تعاني من العقوق ممن بايعوا الله بالأمس ثم عقوا نداءه اليوم.
عباد الله: أيعقل هذا فيما يتعلق بتصور الإنسان ملتزمًا بدينه أو ملتزمًا بعقله؟ أفإن غاب الالتزام بأوامر الله وغاب الاعتصام بحبله، أفحتم أن يغيب عنا الرشد أيضاً؟ أفحتم أن يغيب عنا سلطان العقل أيضًا؟ متى كان النقيض يُسْتَولَد من نقيضه عباد الله؟ من قال هذا؟ أفينبعث الإسلام حقاً من القرار الذي اتخذه المجلس القومي الأمريكي والذي ينص على أنه يجب إثارة التناقضات داخل المعتقد الإسلامي، ويجب تأليب المسلمين بعضهم على بعض، حتى يتآكل الإسلام ويمحى في أرضه. أفينبثق الإسلام من هذا القرار، أم ينبثق الإسلام من هذا التقرير الذي نقرؤه ونتبينه وهو موجود لدينا ونكاد أن نحفظه غيبًا، من قال هذا؟ كيف يمكن للنقيض أن يُسْتَوْلَدَ من النقيض؟! وإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه أيها الإخوة، أفيتأتى للعدو أن يأتي بذلك الشيء لأصحابه؟ تلك هي المصيبة التي نعاني منها، وها هو ذا الإسلام الأمريكي الذي تعدنا به أمريكا – لا بل تعد أولئك الذين يسمون الإسلاميين – ها هو ذا يطل علينا إسلامًا جديدًا لا عهد لنا به.
فتاوى عجيبة وغريبة تنسخ الثوابت وتثبت ما لا عهد لنا به ولا معرفة لنا به. وبالأمس حدثتكم عن طائفة من هذه الفتاوى المتناقضة، بالأمس كانت الفتوى تتضمن شرعية أمر من الأمور، وإذا بها اليوم تتضمن بطلان هذه الشرعية، ذكرت لكم أمثلة ولا أريد أن أعيد، ولكن ما العلاج أيها الإخوة؟
أولًا ينبغي أن نتساءل أنحن صادقون في أننا نريد أن ننفذ الإسلام الذي ابتعث الله عز وجل به الرسل والأنبياء وكان خاتمتهم محمداً r؟ أفنحن صادقون أننا ننقاد بدافع العبودية لسلطان الله عز وجل، ومن ثم نحن نسعى إلى استرضائه واستنزال رحمته من علياء ربوبيته؟ إن كنا صادقين في هذا فسبيل السعي إلى تنفيذ أوامر الله وإقامة المجتمع الإسلامي إنما هو الانطلاق من أساس لا ثاني له، هو أساس استشعار العبودية لله لا لغيره، هو أساس الاصطباغ بذل العبودية لله عز وجل لا لغيره، فإذا استنبتنا هذه الحقيقة إن كانت معدومة، وإذا أيقظناها إن كانت موجودة وراقدة، فإن الحل بعد ذلك يصبح جللًا ويسيرًا.
وليُّنا هو الله، ليس لنا وليّ من دونه ومن ثم فإنّ منهجنا في تنفيذ الإسلام هو الرجوع إلى وصايا الله عز وجل، هو الرجوع بالتوبة إلى الله قائلين: ها نحن مولانا قد جددنا العهد، لن نتخذ عدونا وعدوك وليًّا لنا قط، لن نتخذ لأنفسنا بطانة من دونك، نعم.
أيها الإخوة: هذا هو قرارنا في شامنا هذه، وهذه هي بيعتنا مع الله سبحانه وتعالى، ولسوف نسير قدمًا ننفذ هذه البيعة، لا نلتفت عنها إلى يمين ولا إلى شمال. الديمقراطية التي تستنبت اليوم ويتم إنضاجها فوق شامنا هذه لن تكون إلا تربة تينع فيها حقيقة الإسلام ويينع فيها النظام الإسلامي الحقيقي، نعم. هكذا تكون ديمقراطيتنا فوق شامنا هذه. وإذا رأينا أن السلطان قد اختلف مع القرآن، فإننا مع القرآن، هكذا نقول دائمًا وهكذا نسير أيًّا كان السلطان الذي يريد أن يبعدنا عن كتاب الله عز وجل، سواء كان دولة عاتية كأمريكا، أو دولة ذيلية من تلك الدول الأخرى، لن نستجيب إلا لنداء الله، نحن مع القرآن، ومن ثم أقول لهؤلاء الإخوة إن كانوا صادقين في انطلاقهم إلى الإسلام من جذوة العبودية لله عز وجل، إن كانوا صادقين في أنهم لا يبتغون عن رضا الله عز وجل بديلًا، إن كانوا صادقين في أنهم ينشدون لقاء الله عز وجل وهو عنهم راض أقول لهم تعالوا إلى بلاد الشام، أدعوهم إلى ذلك بدعوة رسول الله r عندما سئل عندما تدلهم الفتن عن البلدة التي يمكن أن يختارها المسلم قال: (عليكم بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده)، لست أنا القائل، رسول الله r هو الذي قال هذا.
أيها الإخوة: يا من ينشدون الإسلام ابتغاء رضا الله، يا من ينشدون إقامة الدولة الإسلامية ابتغاء تنفيذ أوامر الله عز وجل تعالوا لتمتد منا الأيادي بعضنا إلى بعض، تعالوا لتجدوا تربة الإسلام طاهرة نقية، تعالوا لتجدوا أن شامنا محصنة ضد المؤامرات التي تتمثل في الشرق الأوسط الكبير، ضد المؤامرات التي تتمثل في الفوضى الخلاقة التي تمعن في خلق القتل وفي تفجير الدم، تعالوا – إن كنتم صادقين في ابتغاء الإسلام – فلن تجدوا بعد وصية رسول الله وبعد دعوة رسول الله وبعد القرار الذي أعلنه رسول الله r، خيرًا لكم من مكان تنتجعون فيه وتنهضون فيه بالدعوة التي أمر الله عز وجل بها خيرًا من شامكم هذه، وأنا كنت ولا أزال دائمًا أنهج إلى حسن الظن، ومن منطلق حسن الظن هذا أمد يدي، من منطلق حسن الظن هذا أدعو هؤلاء الإخوة إلى أن نجتمع معًا ونستظل معًا في ظلال قول الله عز وجل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10]. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وكان رحمه الله تعالى يبث في خطبه ودروسه وصايا عظيمة تستحق أن تفرد في التأليف والجمع والدراسة، وخاصة بما يتعلق بفقه الفتن، فكان رحمه الله يحذر من اتباع الأجنبي وتخطيطه، ويحذر من خطة تقسيم سوريا، وكان يصف الوضع قائلًا: “كلهم متفقون على أن تسقط سوريا فريسة، ثم بعد ذلك يأتي دور النهش من هذه الفريسة، والنهش عبارة عن التقسيم”. وكان يحذر رحمه الله تعالى من جهالة القيادة وأهدافها ويتمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ” وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ”، وكان يقول أن الراية العِمية هي لا يُعلم من يحملها ولا يُعلم إلى أي غاية يسير بها. وكان يحذر من العناوين البراقة الفارغة، ويصف الحرية التي نراها بأنها حرية الانقياد للأوامر الآتية من الخارج، وأنها توصلنا إلى الشقاء.
ومن أجمل وصاياه الجامعة المانعة قوله رحمه الله تعالى: ” أنا أهيب بإخواننا وشبابنا أن يضبطوا عواطفهم بالعقلانية، وأن يضبطوا عقلانيتهم بالإسلام، وأن يجعلوا من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مَعْلمًا لهم. وأن يقرأوا أحاديث الفتن التي يتحدث فيها رسول الله عن هذا الواقع تمامًا، ويطبقوا أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم”. وكان لا يترك مناسبة خاصة أو عامة، إلا ويدعو فيها إلى الالتجاء إلى الله بصدق والتوبة والإنابة إليه، ويرى ذلك مفتاح الحل لكل مشاكل الأمة، ويقول: “إذا أردنا أن نصلح الحال فلنبدأ بإصلاح أنفسنا”.
لقد كان الإمام البوطي رجلًا حرًا لا يجامل أحدًا في دين الله، وكان يقول قبيل وفاته: ” أنا لم أكن يومًا ما إلى هذه اللحظة وإلى أن أموت معنيًا لا بمجاملة المسؤولين ولا بمجاملة هؤلاء الناس… أنا معني بأن أستمسك بموازين الكتاب والسنة، وأن أرضي ربي عز وجل، فأنا عندما أقول للناس: يا ناس إذا كانت القيادة مجهولة لا يجوز شرعًا أن ننقاد للمجهول مهما كانت الظروف قاسية”. وقال رحمه الله تعالى: “أنا لم أعش يومًا ما أستجدي رضى مخلوق، لا حكام ولا محكومين، وبيني وبين القبر خطوات، أنا أستجدي رحمة الله ورضى الله، أنا مبدأي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أسخط الناس برضى الله عز وجل كفاه الله مؤونة الناس، هذا مبدأي وعليه حييت وعليه عاهدت والدي بعد الله، وعليه سأستمر وعليه سألقى الله”. ونحن نشهد على ذلك يا شيخنا الحبيب.
لقد عاش الإمام البوطي منذ نعومة أظفاره خادمًا لدين الله ومنافحًا عن شريعته بلسانه وعقله وقلبه وقلمه وقدمه، وسخر كل ما أنعم الله عليه في مرضاته إلى أن استشهد في بيت من بيوت الله، مع كتاب الله، وملقياً درسه لثلة من عباد الله عاشوا معه ينهلون من علمه في ساعة مباركة ما بين صلاة المغرب والعشاء، في ليلة مباركة هي ليلة الجمعة، فرحم الله الإمام البوطي ورحم أصوله وفروعه وجعل في فروعه الخير والبركة وأسأله سبحانه ألا ينزع السر من أهله ويلحق الفرع بأصله، بفضله وجوده وكرمه.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.