فضيلة الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله

فضيلة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى
شهيد المنبر والمحـراب

ولادته ونشأته :
ولد عام 1929م / 1347هـ في قرية تقع على ضفاف نهر دجلة عند نقطة التلاقي بين حدود سوريا والعراق وتركيا، وتدعى جيلَكَا تابعة لجزيرة ابن عمر المعروفة بجزيرة بوطان.
أبوه العلامة ملا رمضان البوُطي رحمه الله تعالى.
مسيرته العلمية :
التحق بمدرسة ابتدائية في منطقة ساروجة ، لكن تلقيه للعلم لم يقتصر على جهد المدرسة فقط .. بل كان لوالده الدور الأبرز. وعن تلقيه العلم في تلك المرحلة يقول الشيخ: (كان أبي بعد ذلك هو معلمي الأوحد .. علمني أولاً مبادئ العقيدة الإسلامية، ثم علمني موجزاً من سيرة سيدنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، من خلال رسالة صغيرة اسمها: ذخيرة اللبيب في سيرة الحبيب.
ثم أخذ يعلمني مبادئ علوم الآلة من نحو وصرف. وسلّكني في طريق حفظ ألفية ابن مالك في النحو. فكان يفسر لي كل يوم خمسة أو ستة أبيات منها، وكان علي أن أتقنها بعد ذلك حفظاً في بياض ذلك النهار. فأذكر أنني حفظت الألفية كلها خلال أقل من عام. ولم أكن قد ناهزت البلوغ بعد، وفي الفترة ذاتها حفّظني والدي نظم  الغاية والتقريب للعمريطي في الفقه. وهي ألف ومائتا بيت).
توفيت والدته وله من العمر ثلاثة عشر عاماً.
بعد انقضاء المرحلة الابتدائية التحق بجامع منجك عند الشيخ حسن حبنكه الميداني .. ويتحدث الشيخ عن هذه المرحلة بالقول: ( .. أقبل إلي ذات يوم قبل أن يمضي بي فيسلمني أصغَرَ تلميذ إلى شيوخ معهد التوجيه الإسلامي، ينصحني ويحدثني عن آماله التي يعلقها علي  وقال لي فيما قال : اعلم يا بني أنني لو عرفت أن الطريق الموصل إلى الله يكمن في كسح القمامة من الطرق، لجعلت منك زبالاً، ولكني نظرت فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله هو العلم به وبدينه، فمن أجل ذلك قررت أن أسلك بك هذا الطريق.
ثم شدد عليّ وأكد كثيراً، أن لا أجعل قصدي من دراسة هذا العلم أي شهادة أو وظيفة . بعد أيام مضى بي إلى دار الشيخ حسن حبنكة رحمه الله، وتركني أمانة بين يديه وفي معهده، ومضى عائداً إلى شأنه .
ومنذ ذلك اليوم انقطعت عن الدار، وأصبحت طالباً داخلياً في معهد التوجيه الإسلامي، وكنت أتردد على الدار لرؤية والدي أيام الثلاثاء فقط من كل أسبوع، أبقى عنده بياض ذلك النهار، حتى إذا أقبل المساء استأذنته عائداً على منجك.
كنت أشترك مع الطلبة الكبار في الجلوس إلى دروسهم التي يتلقونها من الشيخ دون أن أعي منهم إلا النزر القليل، ولكني تبينت بعد ذلك أن حضوري كان مفيداً .. وفي أيام الثلاثاء كنت أتلقى على والدي مزيداً من الدروس.. تلقيت عليه دروساً في النحو وفي البلاغة، وقد حفظت على يديه عقود الجمان للسيوطي، كما درست عليه كتباً في المنطق، والمقولات العشر، ودرست عليه شرح جمع الجوامع في الأصول).
وفي تلك الفترة تقدم للخطابة وصعد المنبر ولم يكن قد تجاوز بعد السابع عشرة من عمره، وذلك في أحد مساجد الميدان القريبة من جامع منجك.
رغّبه بعض أساتذته في حفظ القرآن الكريم وشجعوه على ذلك، وبالفعل فقد استجاب وبدأ بالحفظ، ولكن والده رحمه الله على الرغم من أنه بيّن له عظيم الأجر الذي ينتظر حافظ القرآن، فقد حذره من الوزر والإثم اللذين يلحقان بمن يحفظ القرآن الكريم ثم ينساه.
فتوقف عن مواصلة حفظه، لكنه غدا بعد ذلك من المكثرين لتلاوته، حتى إنه كان يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، فكان من نتيجة إكثاره لتلاوة القرآن الكريم حفظه للعديد من السور مع استحضاره لجل السور ومواضع الآيات فيها، من دون أن يقوم بأي جهد للقيام بحفظ شيء منها على الطريقة التقليدية التي يتبعها من يريد أن يحفظ شيئاً من القرآن الكريم.
وكان لإكثاره من تلاوة القرآن الكريم في تلك الفترة الدور البارز في اهتماماته الأدبية وتمتعه بالسليقة العربية، والبلاغة التي تتجلى في أحاديثه وكتاباته.
تزوج وهو في الثامنة عشر .. وله من الأولاد ستة ذكور وبنت واحدة.
وفي عام 1953 أتم دراسته في معهد التوجيه الإسلامي، الذي كان قد تحول حينئذ إلى معهد شرعي نظامي. وبذلك قضى ست سنوات في جامع منجك عند الشيخ حسن حبنكة.
وفي عام 1954 ذهب إلى القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية في الأزهر. ويتحدث عن تلك المرحلة وخاصة عن تجربته الأدبية: (ولما أنهيت دراستي الثانوية وشيئاً مما فوقها وتحولت إلى الأزهر لاستكمال دراستي الجامعية فيها .. كنت أرسل من القاهرة في كل أسبوع مقالاً أدبياً أو اجتماعياً إلى جريدة الأيام التي كان يصدرها المرحوم نصوح بابيل تحت عنوان “من أسبوع إلى أسبوع” كان ذلك خلال عام 1954-1955).
عاد لدمشق بعد حصوله على الإجازة في الشريعة من كلية الشريعة بالأزهر عام 1955.
ثم حصل على دبلوم التربية من كلية اللغة العربية في الأزهر عام 1956.
المناصب التي تقلدها:
عين مدرساً للتربية الدينية في حمص عام 1958 .
أصبح معيداً في كلية الشريعة بجامعة دمشق، فموفداً إلى القاهرة لنيل درجة الأستاذية (الدكتوراه) في الفقه وأصوله، وكانت أطروحته كتاب (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) نال عليها مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالتبادل ..
وفي عام 1965م عين مدرساً في كلية الشريعة جامعة دمشق فأستاذاً مساعداً، فأستاذاً.
وعُين في عام 1975م وكيلاً للكلية، ثم في عام 1977م عيّن عميداً لها، ثم رئيساً لقسم العقائد والأديان.
خلال هذه الفترة وحتى عام 1981 كان بعيداً عن المحافل العامة، ومكتفياً بالحقل الأكاديمي بالإضافة إلى درسين أسبوعيين في مسجد السنجقدار يستقطب الكثير من شباب دمشق وما حولها، ثم انتقل بسبب ضيق المكان إلى مسجد تنكز فمسجد الإيمان .. ومن أبرز هذه الدروس شرحه للحكم العطائية.
ومن أبرز الأفكار التي تميز بها في مسيرته العلمية والدعوية:
– يعتب على بعض المفكرين الإسلاميين انصرافهم عن العبادات والأذكار والأوراد التي هي الزاد الأول في طريق الدعوة إلى الله.
– يناقش العمل على ترويج كلمة “الفكر الإسلامي” و”المفكرين الإسلاميين” وله في ذلك وجهة نظر معروفة.
– يتمتع بروح شفافة .. بكّاء .. ويلاحظ هذا في كثير من دروسه ومحاضراته.
تشعبت اختصاصاته العلمية والفكرية وانعكس هذا على نشاطاته العلمية في سفره وحضره وفي كتبه ومحاضراته: فقد مكنه تبحره في العلوم العقلية والنقلية من تشرب مقاصد الشريعة والفهم الدقيق لمراميها وغاياتها، مما أكسبه مقدرة فائقة على ربط القديم بالجديد، فساعده ذلك على الحضور الدائم في كل المحافل العلمية والفكرية، التي تطرح فيها على بساط البحث والمناقشة أهم وأخطر القضايا التي تشغل الحيز الأكبر من التفكير الإنساني، والتي لها دور الأبلغ في توجيه المجتمعات الإنسانة فكرياً وعلمياً.
وتميّزت كتاباته بأنه لم يقف فيها موقف المدافع الضعيف، بل واجه الغربيين بتسفيه أفكارهم وإبراز الدلائل العلمية على تهافتها، لا سيما تلك التي تتناول حقائق الإسلام، وملتزماً خلال ذلك جانب الدقة والحيطة في كل ما يكتبه أو يقوله.
نشاطاته على الصعيد العربي والدولي :
له نشاطات عديدة على الصعيد العربي والدولي. منها:
– شارك في الكثير من المؤتمرات والندوات العربية والدولية كالملتقى الفكري الإسلامي في الجزائر لسنوات عديدة.
– حاضر في معظم الدول العربية والغربية من أبرزها محاضرته في مجلس برلمان الاتحاد الأوربي في ستراسبورغ عن حقوق الأقليات في الإسلام سنة 1991.
– وشارك كمستشار في بعض لقاءات المجمع الفقهي الإسلامي
– عضو في هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية
– عضو جمعية نور الإسلام في الغرب / فرنسا
– عضو في مؤسسة طابا / أبو ظبي
–  المشرف العام على النشاط العلمي في الجامع الأموي بدمشق وخطيباً له .
– سمي عضو المجلس الأعلى لأكاديمية أكسفورد
– عضو المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية / عمان
– نال جوائز عديدة منها جائزة دبي لشخصية العام 2004

مؤلفاته:
ومن أبرز مؤلفاته: وهي كثيرة جدا ناهزت الخمسين .. الإنسان مسير أم مخير/ هذه مشكلاتنا/ وهذه مشكلاتهم/ هذا والدي/ محاضرات في الفقه المقارن/ الإسلام ملاذ كلّ المجتمعات الإنسانيّة/ الحب في القرآن ودور الحب في حياة الإنسان/ من الفكر والقلب/ يغالطونك إذ يقولون/ منهج الحضارة الإنسانية في القرآن/ اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية/ السلفية مرحلة زمنية مباركة وليست مذهب إسلامي/ شخصيات استوقفتني/ المرأة بين طغيان النظام الغربيّ ولطائف التشريع الربانيّ/ لا يأتيه الباطل/ عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها/ منهج الحضارة الإنسانية في الإسلام/ نقض أوهام المادية الجدلية/ تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث/ أبحاث في القمة (عشر كتيبات)/ قضايا فقهية معاصرة/ تحديد النسل/ قضايا ساخنة/ المذاهب التوحيدية والفلسفات المعاصرة/ التعرف على الذات/ الإسلام والغرب … وغيرها الكثير لكن أبرز مؤلفات الشيخ على الإطلاق: شرح وتحليل الحكم العطائية (لابن عطاء الله السكندري) 4 مجلدات. فقه السيرة النبوية، كبرى اليقينيات الكونية.
والعديد من مؤلفاته ترجم إلى لغات عدة: كالإنكليزية والفرنسية والألمانية والتركية والروسية والملاوية.
صفاته:
إنه عالم عصري مجدّد، ورع مخلص، سليم الطوية، حسن النية والمقصد، غيور على شرع الله والأخلاق الإسلامية، جريء في الحق، ملأ حياته وحياة الناس بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، والحكمة النافعة بالكتاب والسنة النبوية، متبع للسلف الصالح، محذر من البدع، وداعية إسلامي متفوق في كل ميدان.
وفاته :
استشهد في مسجد الإيمان بدمشق وهو يلقي درسه في تفسير القرآن الكريم مساء الخميس 21 آذار 2013 م ، وشيع جثمانه الطاهر من جامع بني أمية الكبير يوم السبت 23 آذار 2013م وسط حضور كبار علماء دمشق وحشدٍ كبير من طلاب العلم والمحبين ، ، ووري الثرى بجانب السلطان صلاح الدين الأيوبي بجوار الجامع الأموي .