فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ فضل العمل الصالح في الأشهر الحرم : الشيخ د.محمد عبد الستار السيد

•    الأشهر الحرم حرم الله تعالى القتال وعظم من ظلم النفس فيها بأي وسيلة كانت.
•    ظلم النفس في هذه الأيام من أعظم الذنوب والآثام؛ لما لها من حرمة كبيرة عند الله تعالى.
•    الأشهر الحرم تضاعف فيها الحسنات كما تضاعف فيها السيئات.
•    اختص الله هذه الأمة بأزمنة فاضلة وأمكنة مباركة، ورتب عليها أجوراً عظيمة.
•    العمل الصالح يتميز خلال الأشهر الحرم بمذاق أكثر طيباً، لأن الأجر فيها مضاعف والثمن أكثر والعطاء من الله تعالى غزير.
•    استحب في الأشهر الحرم كثرة الصيام على جهة النافلة.
•    العمل الصالح هو زاد المسير إلى الله تعالى في هذه الرحلة الدنيوية العاجلة على العموم حتى يصل المؤمن إلى رضوان ربه.
•    ديننا هو دين السلام والأمان، دين يحرّم القتال في ثلث العام، ليأمن الناس على حيواتهم وأموالهم وأعراضهم.
  من حكمة الله تعالى وتقديره لعباده أن عظّم لهم مواسم وأيامًا، تضاعف فيها الحسنات كما تضاعف فيها السيئات، فلا يستوي فيها من عمل صالحًا مع من عمل صالحًا في غيرها، ولا يستوي فيها عمل السيئات مع عملها في غيرها، فلها من المزايا في هذا الباب ما لا يقارن بسواها، حيث عظّم الله تعالى شأنها وعظم الحرمات والشعائر فيها.
ومن هذه المواسم الأشهر الحرم، التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وهي ثلاث متواليات وواحد فرد، وقد حرم الله تعالى فيها القتال وعظّم من ظلم النفس فيها بأي وسيلة كانت فقال سبحانه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: 36].
فلا تظلموا فيهن أنفسكم:
ظلم النفس والغير في هذه الأيام من أعظم الذنوب والآثام؛ لما لها من حرمة كبيرة عند الله تعالى، ففيها شعيرة من أعظم شعائر الدين وهي الحج، والتي تحتوي على جميع أنواع العبادات البدنية والمالية والقلبية والقولية والاعتقادية، ولأن القتال في هذه الأشهر قد يعرض مئات الآلاف من الحجاج وأهليهم الذين في ديارهم للهلاك والقتل بلا ذنب أو جريرة أو مشاركة في الحرب، لذلك أمّن الله تعالى هؤلاء الناس -بل والأرض جميعًا-على أنفسهم وأموالهم في هذه الأيام؛ لكي لا تمتد إليهم يد بقتل أو انتهاك للحقوق.
والأشهر الحرم تضاعف فيها الحسنات كما تضاعف فيها السيئات، يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: “(فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) أي في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها آكد، وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج:25]. وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قَتل في الحرم أو قتل ذا محرم، ثم نقل عن قتادة قوله: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم في سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم في أمره ما يشاء”.
ويقول الإمام القرطبي: “لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب؛ لأن الله سبحانه إذا عظّم شيئًا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة، وإذا عظّمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة، فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ، كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال، وقد أشار الله إلى هذا بقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) [الأحزاب:30].”
لقد اختص الله هذه الأمة بأزمنة فاضلة وأمكنة مباركة، ورتب عليها أجورًا عظيمة، فمن الأمكنة المباركة مكة وفيها المسجد الحرام، والمدينة وفيها المسجد النبوي، والقدس وفيها المسجد الأقصى، ومن الأزمنة الفاضلة رمضان وليلة القدر وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة والأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب؛ قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]  ( التوبة: 36. [
وجاء في الحديث الصحيح في خطبة الرسول   في حجة الوداع أنه قال: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان”.وسميت هذه الأشهر الأربعة بالأشهر الحرم لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها، وقيل: إنما سميت حرماً لتحريم القتال فيها، وكان ذلك معروفًا في الجاهلية، وقيل: إنه من عهد إبراهيم  عليه الصلاة والسلام.
قال ابن عباس رضي الله عنهما : “اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرمًا، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم”.
وقال كعب : اختار الله الزمان، فأحبه إلى الله الأشهر الحرم”.
وقال قتادة: “إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظّم الله، إنما تعظيم الأمور بما عظّم الله به عند أهل الفهم وأهل العقل”.
فضْلُ العَمَلِ الصَّالحِ في الشَّهْرِ الحَرَامِ
إن العمل الصالح يتميز خلال الأشهر الحرم بمذاقٍ أكثرَ طيباً، لأن الأجر فيها مضاعفٌ والثمنَ أكثر والعطاءَ من الله تعالى فيه غَزِيرٌ، وقد حرم الله تعالى هذه الشهور لأسبابٍ من أهمها في ظرفنا الآنيِّ أن يتفرغ المؤمنون للمزيد من صور العبادة الموسميَّةِ التي لا يجوز أن تفوتهم، ولهذا نهى الله تعالى عن تحليل الشهر الحرام، قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ ﴾. [المائدة: 2[
 فأما شهر المحرم فقد حرمه الخلق بتحريم الله تعالى ورسوله  ليأمنوا على نفوسهم الطريق في الرجعة من الحج، وهو الشهر المخصص بالإضافة إلى الله تعالى كما قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفَضْل الْعِرَاقِيّ فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ: وَلَمْ يَصِحّ إِضَافَة شَهرٍ مِن الشُّهُور إِلَى اللَّه تَعَالَى عَن النَّبيّ   إِلَّا شَهر اللَّه المُحَرَّم، ولما كان أولَ شهورِ السنة فقد أُضيفتْ إليه صفة تخصيصٍ معيَّنةٍ وأشهر ما يميزه أنه شهرٌ حرامٌ ولذلك سمي المحرم.
وأشهر ما يميز شهر المحرم مع غيره من بقية الأشهر في شأن العبادة الصوم، فقد استحبَّ فيه النبي الكريم    كثرةَ الصيامِ على جهة النافلة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ   (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ) [صحيح مسلم[.
ومن أيام الله في شهر المحرم التي يُستَحَبُّ صيامها على جهة التأكيد يوم عاشوراء، فقد أكدَّ صيامه رسول الله   ، والحديث عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما قال: ( مَا رَأَيْتُ النَّبِي     يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ ) [صحيح بخاري[، والعلة التي من أجلها ذلك هو طلب المغفرة لذنوبِ عامٍ قد مضى، فعن أبي قتادة  أن رسول الله  قال: ( صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ) [الألباني في صحيح الترمذي[.
والاهتمام بصيامه مبنيٌّ على قاعدةٍ دينيةٍ وله في عمقِ التاريخ مع الأنبياء الكرام أفضل الذكرى، فهو اليوم الذي نجى الله تعالى فيه موسى من الغرق كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد يهودَ يصومون يوم عاشوراء فقال: ما هذا فقالوا: هذا يومٌ عظيمٌ يوم نجى الله موسى وأغرق آل فرعون فصامه موسى شكراً قال النبي   : فإني أولى بموسى وأحق بصيامه فصامه وأمر بصيامه ) [مسند الإمام أحم[]
 وعلى هذا سار أصحابه الكرام يصومون يوم عاشوراء ويأمرون أهليهم وحتى الصبيان بصيامه، بل ويحتالون عليهم لعلمهم عِظَمَ الأجرِ، فعن الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله تعالى عنها قالت: (أرسل النبي  غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوِّمُ صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار) [صحيح بخاري[. ولا يخفى عظيم الأجر على التعبد ببقية صور العبادة في شهر الله المحرم.
وأما شهر رجب فهو من الشهور الكريمة عند الله ولذلك كان اسمه “رجب” من الترجيب أي التعظيم، ومن أسمائه “رجب الأصم” لأن القوم لما كانوا يعظمونه في الجاهلية ويتوقفون عن التقاتل فكانت تسكتُ عن الآذان أصواتُ السيوف، ومن أسمائه ” رجب الفرد” لأنه كان وحده حراماً يبن شهريْن حلاليْن، وقد اختلف أهل الجاهلية قبل الإسلام في تحديده تبعاً لهواهم وعلى حسب انتصارهم أو هزيمتهم، كما قال الله تعالى: ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ [التوبة: 37[، فحدده النبي الكريم   كما مر في الحديث  “ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان “.

وورد عن النبي الكريم   أنه كان يدعو بهذا الدعاء إذا أطل عليهم هلال شهر رجب: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان) [رواه أحمد والبزاز والطبراني والبيهقي[.
وكان رسولنا الكريم    يصوم كثيراً من رجب، كما جاء عن سعيد بن جبيرٍ أنه سئل عن صوم رجب؟ وهم يومئذٍ في رجب فقال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كان رسول الله   يصوم حتى نقول: لا يفطر. ويفطر حتى نقول: لا يصوم [صحيح مسلم[، ولكن الأمر لم يكن على إتمام الشهر كله مثل رمضان، فقد جاء في وصية النبي الكريم   للباهلي الذي حاوره حين قال له حسب رواية أبي داود: ( قال: صم من الحرم واترك).
وجاء من سيرة عمر بن الخطاب  فيه يستحب الاعتمار فقد اعتمر فيه النبي الكريم   ثلاث مرات، فعن أنس بن مالكٍ  قال: (اعتمر رسول الله   أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته) [صحيح بخاري[.
وأما ذو الحجة فهو أيام الحج وأركانه وموسمه الأعظم من التروية إلى عرفه ويوم النحر والتشريق، وفيه الإحرام والطواف والسعي والمبيت والوقوف والحلق والهدي والدعاء والإنفاق، ولكلٍ منها معلمٌ في التوجيه والأخذ والترك، قد اجتمع في هذه الأيام ما لم يجتمع في العام من سواها لراغبٍ في الخير من مطمعٍ، ولهذا فقد أحاطت الشريعة هذه العبادات بالتوجيه الممعن في الاحتياط عند النسيان أو مظنة الخروج عن المأمور به.
وحتى من يقطنون ديارهم ولم يحجوا كانت لهم من مراسيم العبادة ما يتفق مع حالهم، واسمع إلى ما ترويه أم سلمة عن رسول الله    قال: (من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا، حتى يضحي) [صحيح مسلم[، إضافةً إلى أن الإسلام قد أحاط الأضاحي وصلاة العيد والأيام العشر بمزيد الاهتمام ببيان الفضل.
والعمل الصالح هو زاد المسير إلى الله تعالى في هذه الرحلة الدنيوية العاجلة على العموم حتى يصل المؤمن إلى رضوان ربه ورحمته ويبقى عمله عند الله مدخور، ويزيد الأجر إذا كان في شهرٍ قد حرمه الله تعالى، قال الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾ [الأنبياء: 94[.وأصحاب العمل الصالح هم ورثة النعيم المقيم في الجنة، قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 82[، وقال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ [النساء: 124[، وقال الله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [يونس:9].
وعندما يدخل المؤمنون الجنة بعملهم الصالح فلهم عند الله أعلى الدرجات، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ﴾ [طه: 75]، وعندئذ ٍ، يتقلبون بين أصناف النعيم الذي لا ينفد ويتقلدون أبهى الحلل، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [الحج:23].
وفي الدنيا والآخرة سيجد أهل العمل الصالح في الأرض الود الجميل في القلوب جزاءً بعملهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ [مريم:96]، وقد وعدهم الله تعالى بالتمكين والنصر والأمن والاستخلاف في الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾ [النور: 55].
فلا غرو؛ أن لا يتساوى أهل العمل الصالح والطالح: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:58] ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الجاثية: 21].
 والعمل الصالح هو وظيفة المؤمن الذي لا يكاد يفرغ من عملٍ ويحلق به إلى أجواز الفضاء حتى يشرع في عملٍ آخر مصداقاً لقوله تعالى:﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾[الشرح:8،9]، فالمؤمن على طول حياته لا ينفك من العمل الصالح الذي هو قرين الإيمان برب الأكوان، فلا إيمان لمن لا عمل له وآيات القرآن ما فتأت تعلمنا على الدوام أن الإيمان والعمل الصالح قرينان لا ينفكان.

وبعد.. إن ديننا هو دين السلام والأمان، دين يحرّم القتال في ثلث العام، ليأمن الناس على حيواتهم وعلى أموالهم وأعراضهم، ولا يجعل للقتال مبررًا في هذه الأيام إلا رد العدوان، أما ما دون ذلك فلا يجوز للمسلمين بدء القتال، لقد عظم الإسلام الدم، وجعل سافك الدم مرتكبًا لإثم كبير، وفي هذه الأشهر تتضاعف تلك الجريمة، إنها رسالة للعالم وللإنسانية أن هذا الدين دين سلم وسلام، وأمن وأمان يدعو إلى العمل الصالح الذي يتميز خلال الأشهر الحرم فهلاَّ فقهت البشرية وانتبه عقلاء العالم إلى هذا الدين العظيم..

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>