8- الخطاب الإسلامي والتجديد” أطوار وتحولات” = الجزء الثالث

الخطاب الإسلامي والتجديد
أطوار وتحولات

مقدمة البحث
تحتل قضية الخطاب الديني أهمية كُبرى في العصر الحاضر نظراً لما يَرتبط بهذا الخطاب من التباس ، وبما اكتنفه مِن غموض أخرجه أحياناً عن جادة الصواب من قبل فَريق استغل قضية التجديد كوسيلة للعبث بأصول الإسلام وتغيير ثوابته ، وممن جَعلوا من أصول الإسلام مجالاً لتجربة المناهج الفلسفية واللغوية الحديثة ، بزعم تقديم تفسير عَصري أو تأويل حديث أو قِراءة عَصرية ، وغيرها من العناوين التي وفدت للبيئة الإسلامية عَبر العقود الأخيرة بفعل التأثيرات الوافدة ، وفي مقابل هذا الفريق وجد فريق آخر كان يرى أن أي محاولة لتجديد الخطاب الديني تُعد نوعاً مِن المروق من الدين ، يَجب مُقاومتها والتصدي لها ، وأن مَن يَدعو للتجديد هم غالباً مِن أهل الرِّقَّة في الدِّين والمتساهلين في الأصول .
بين يدي البحث
إن الناظر إلى حال الأمة الإسلامية اليوم يجد أنها تعيش في حالة انتكاسة في كافة ميادين الحياة المختلفة ، هذه الأزمة أو الانتكاسة أفقدتها الكثير من منهجيتها وصوابها ، حيث انحصر شهودها الحضاري ، وعجزت عن التقويم والمراجعة ومعرفة أسباب القصور ، وتوقفت عن أداء رسالتها في الشهادة على الناس والقيادة لهم ، وأصبح موقعها – للأسف الشديد – خارج السباق التاريخي ، والواقع المشهود ، والمستقبل المأمول .
ولا شك أن وُصول الأمة إلى ما وصلت إليه مِن تخلف في شتى الميادين جعلها فريسة لما يُعرف بالغزو الفكري والثقافي .
هذه التحديات التي تُواجه الأمة الإسلامية تَحتاج منا أن نساهم بكل ما نستطيع لعودتها إلى ريادتها مرة أخرى ، ومن ضمن هذه الجهود تَجديد الخطاب الديني ، ومفتاح تجديد الخطاب الديني الإسلامي هو وعي الإسلام وفهمه من ينابيعه الصافية بحيث يُفهم فهماً سليماً خَالِصاً مِن الشوائب ، بعيداً عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، فنحن في حاجة ماسة إلى رجال يُحسنون عَرض الفِكر الإسلامي ويَصوغونه صياغة جيدة ، تُنقي الفكر من الخرافة ، والعقيدة من الشرك ، والعبادة من البدع والأهواء ، والأخلاق من التحلل والانهيار . رجال يَتَبنون كل تجديد مشروع يَجمع بين القديم النافع والجديد الصالح ، ويَدعو إلى الانفتاح على العالم دون الذَّوبان فيه ، مَنهجهم الثبات على الأهداف ، والمرونة في الوسائل ، والتجديد في فَهم الأصول ، والتيسير في الفروع .
وأمتنا الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى مَن يُجدد لها إيمانها ، ويُحَدد معالم شخصيتها ، ويعمل جاهداً لإيجاد جيل مُسلم يَقوم في عالم اليوم بما قام به الجيل الأول في صدر الإسلام ، والفكر الإسلامي هو الفِكر الوحيد الذي له القُدرة الخلاقة على الإحياء والتجديد ، فهو فِكر قَادر على أن يُجدِّد نفسه داخلياً ، وأن يُجدد الواقع مِن حَوله خارجياً ، لأنه فِكر يُجاري السنن الإلهية في الكون ، وهذا الفِكر يَتناسب طَرداً مع قوة الأمة الإسلامية وسيادتها ، ففي حالة انتصار الأمة وسيطرتها يكون الفكر الإسلامي أصيلاً ، لا يَقبل الزيف أو الجمود ، كما لا يَقبل الذوبان في غيره ، أما في حالة ضعف الأمة وهزيمتها يُصاب الفكر الإسلامي بالعقم والجمود تارة ، وبالتبعية والذوبان في غيره تارة أخرى .
ولا بد أن يتصف المجدد ببعض الصفات منها: العلم والاجتهاد ، وأن يَكون قُدوة صالحة ، عدلاً مَرضي السيرة ، ولا يَكون مُبتدعاً في دين الله ، وله تأثير واضح في الناس ، وأن يَكون ذا خِبرة بحال زمانه .
ومن أهم الأسباب التي تُظهر حاجتنا لتجديد الخطاب الديني الإسلامي:
1-    التطور المستمر في الحياة .
2-    تلبية حاجات الإنسان .
3-    حل المشكلات وإيجاد البدائل .
4-    الضعف العام لأمة الإسلام .
5-    مواجهة خطر العولمة .
وهذا التجديد المطلوب لا بد له من ضَوابط حَاكمة منها:
الضابط الأول: مراعاة الاختصاص .
الضابط الثاني: الموضوعية والتجرد من الأهواء المذمومة .
الضابط الثالث: الاعتصام بالأصول والثوابت الإسلامية .
الضابط الرابع: الاعتراف بمحدودية العقل البشري وعدم إحلاله محل الوحي .
الضابط الخامس: أن يكون القصد من التجديد إصلاح الفكر الديني لدى الأمة .
الضابط السادس: الالتزام بأساليب اللغة العربية وقواعدها في تفسير النصوص الدينية وتأويلها .
الضابط السابع: الحذر من الحكم على أمر ما اعتماداً على نص واحد ، وإغفال بقية النصوص الدينية التي وردت فيه .
وللوصول بالخطاب الديني الإسلامي للمستوى الذي يَتواكب مع مُقتضيات العصر ، لا بد من اتخاذ بعض الإجراءات المهمة منها:
1-    تَجديد مَناهج الدراسات الإسلامية بما يَكفل تكوين عقلية مُستنيرة ومُعتدلة ، تُميز بين الثابت والمتغير ، والكليات والجزئيات ، والأصول والفروع ، وتراعي الأولويات ، فتجعل أكبر همها الاشتغال بقضايا الأمة المصيرية ، حتى تنهض الأمة من كبوتها ، وتخطو إلى الأمام على هدى وبصيرة .
2-    تَدرِيسُ مَادة الثقافة الإسلامية في مَراحل التعليم العام ، والتي تَعني بإبراز جَوانب الوسطية الإسلامية القائمة على الخير والرحمة والعدل والمساواة ، وتطبيقاتها في التشريع الإسلامي .
3-    على المؤسسات والجهات المسؤولة في العالم الإسلامي تَقدير الدور الديني في حياة الأمم والشعوب ، فلا يتصدى للخطاب الإسلامي ولا يتحدث باسم الإسلام غير المؤهلين ، وعدم استبعاد أصحاب الفكر الإسلامي المستنير .
4-    إنشاء قناة فضائية لا تَنتمي لاتجاه مُعين أو دولة بِعينها ، مُتعددة اللغات ، تكون مُهمتها: نَشر المبادئ الإسلامية الصحيحة ، والتأكيد على سماحة الإسلام ورحمته ، والتركيز على الأولويات في الإسلام ، وغض الطرف عن الاختلاف في المسائل الفرعية والانتصارات المذهبية .
5-    حماية صورة الإسلام من عمليات التشويه المتعمد الذي يَقوم بِها الإعلام الغربي ، وذلك بأسلوب عصري بَعِيدٍ عن الانفعالات والانتصارات والمشاجرات مع الآخر ، مع بيان ما للثقافة الإسلامية مِن فَضل على الثقافة الغربية .
الخطاب الديني – النوع والتوجُّه
إن المتأمل في واقع الخطاب الديني الإسلامي يُدرك أنه قد تنوع إلى ثلاثة خطابات دِينية بَارزة على الساحة الإسلامية:
1-    الخطاب الوسطي:
الذي يَجمع بين براهين العقل وأدلة الحُسن في دعوته ، أو “خطاب الوسطية الإسلامية” ، الوسطية في قضايا الاعتقاد ، والوسطية التي تجمع بين مطالب الإنسان المادية والروحية ، والوسطية في قضايا الأخلاق بما فيها من عدل ورحمة وإحسان ، ومنع للظلم والجور والاستعباد . والوسطية في أمور العبادات مِن يسر وسهولة ، وكونها لا حَرج فيها ، وكونها ذَات مَراتب ودرجات . والوسطية في قضايا الزواج والعلاقات الأسرية ، فلا رهبانية ولا تعدد غير محدود ، ولا إباحية متحررة من كل ضابط ، وإنما تُحصن بالزواج مع تحمل المسؤولية والنفقة ، وتعدد محدود ومشروط ، وإباحة للطلاق حماية للأسرة من الشقاق والتنافر . والوسطية في النظام المالي الاقتصادي ، من بين المذاهب الاقتصادية الوضعية . والوسطية في نظام الحكم والإدارة .
ويمثل هذا الخطاب في الفكر الحديث والمعاصر مَدرسة الإحياء والتجديد الإسلامي ، وفي مؤسسات العالم الإسلامي: الأزهر الشريف والجامعات الإسلامية السورية التي احتضنت وتحتضن كل تراث الأمة ، دون تعصب لمذهب أو فرقة ، والتي تستلهم من التراث –  كل تراث السلف والخلف جميعاً – ما هو صالح للإجابة على علامات استفهام الواقع المعيش .
وهذا الخطاب الوسطي يتميز – في “نظرية المعرفة” – باعتماد كل من الوحي – كتاب الله المسطور – والكون وعالم الشهادة – كتاب الله المنظور – ، اعتماد هذين المصدرين والكتابين مصدراً للعلم والمعرفة ، والقراءة لهما وفيهما معاً . والاعتماد – في سبيل المعرفة وآلياتها وطرائقها – على كل من: العقل والنقل والتجربة والوجدان ، لتصبح الثقافة الإسلامية والخطاب الإسلامي مزيجاً مِن ثَمرات هذه المصادر والآليات والروافد جميعاً .
ففي هذا الخطاب يُرقق القلب والوجدان الحسابات المجردة للعقول كي يُنقذها من الجفاف ، وتضبط الحسابات العقلية ، وتوقظ خطرات القلوب وإلهاماتها كي لا تتحول إلى شطحات ، ويُنقِذُ النور القلبي والنظر العقلي النصَّ والنقلَّ الديني من الحرفية والجمود ، ويُسهم كل ذلك في خَلق فَلسفةٍ إيمانية لِتطبيقاتِ حقائق وقوانين علوم “التجربة والحواس” العلوم الطبيعية والمادية ، لتكون هي الأخرى علوماً مُؤمنة ، يُصبح علماؤها هم الأكثر خشية لله سبحانه وتعالى – خالق المادة التي فيها يبحثون ، والعقل والحواس التي بها يَكتشفون الأسرار ، والتي أودعها الله سبحانه في مادة هذه العلوم – فيصبح العلم المادي في هذا الخطاب الوسطي سبيلاً لتعميق الإيمان الديني والعقلانية المؤمنة ، وليس – كما حدث في الغرب ، الذي وقف في مصادر المعرفة عند الواقع المادي وحده ، وفي سبيل المعرفة عند العقل والتجربة وحدها – سبيلاً لإحلال العلم محل الدين ، وجعل الدين “طبيعياً” لا إلهيّاً ، حتى صاح بَعض فَلاسفة الحداثة الغربية تِلك الصيحة المنكرة: “لقد مات الله” عليهم لعنة الله .
2-    الخطاب النَّصِّيِّ الحرفي:
هذا الخطاب يَقف بالنص عند ظاهره دون إعمال للعقل في المقاصد الشرعية لهذه النصوص ، وأصحاب هذا الخطاب يَغلب عليهم الاهتمام الجاد بالشكليات والمظاهر دون تَوجيه العناية بالأمور الجوهرية في الدين ، وأغلب ما يَكون اهتمامهم – على سبيل المثال – اهتمامهم الزائد بالطهارة الحسية ، والنجاسات المادية ، وأحكام اللباس والزينة إطالة وتقصيراً ، واللحوم المحرمة ، وأحكام الشعور ، وما يُقص منها وما يُعفي ، وما يُنتف وما لا ينتف ، وكشكليات الاقتداء بالرسول  في طريقة أكله وشربه ومشيه ولباسه مع البعد عن هديه وشرعه فيما هو أهم من ذلك .
وهذا الخطاب كثيراً مَا يَتهاون في أمور أساسية في الدين ، سواء أكانت من الواجبات أم المحرمات ، تاركاً الحديث عَنها خَلف الظهر ، كأمور الوحدة بين المسلمين وجمع الشمل بينهم ، بل إن أصحاب هذا الخطاب كثيراً ما يَعملون على إحياء التعصب المذهبي بين التيارات الفكرية الإسلامية ، وتدبير المكايد ضدهم ، وذلك نتيجة الفهم السطحي والحرفي للنص الديني .
ومن مظاهر تهاون هذا الخطاب في أمور أساسية في الدين:
أولاً: جفاف العاطفة لدى التعامل مع الفئات الأخرى من المسلمين ، واستخدام المراكز الإدارية للمصالح الشخصية أو الحزبية ، إلى غير ذلك من أمور كثيرة هي مِن الدين بمثابة الأسس والقواعد ، وذلك لأن الخطاب السلفي أو النصي – كما سُمي – يُؤمن بشيئين كانا سبباً في رفضه التجديد الديني:
الأول: رُؤيته للتاريخ الإنساني – كما تَصفه العقيدة السلفية ، اعتماداً على أفهامها النصية في السنة النبوية – مُتقدماً نحو الأسوأ ، فالزمان يَمضي بالفتن كقطع الليل المظلم ، ولا يَأتي يومٌ إلا والذي بعده شر منه ، وبالرغم مِن أن هذا التصور للعالم يبدو في الرؤية السلفية نصياً إلا أنه في الواقع تأويلي ، فبالإمكان تَقديم فَهمٍ آخر يَقوم على تصور مُغاير كما نَشهده في خِطابات الإصلاح والتجديد .
والثاني: التعامل مع الأزمنة على أنها ثابتة لم تتغير في عمومها ، فالتطورات الحاصلة في التاريخ الإنساني مُنذ عصر النهضة الأول – بل منذ عصر النبوة – وحتى الآن لا تَعدو مُجرد حُصول “تقدم مادي” للغرب قَام على أساس استثمار انتاجنا العلمي “المغتصب” ، وهكذا لَيس هُناك دَاعٍ لإعادة التفكير في فَهم للدين ، فالدين في مَعناه النَّقي والصحيح مَوجود هُناك ، حيث “السلف الصالح” ، ولهذا نَشهد تَعبير “العودة إلى الإسلام” دُون أن يراود السلفي تَفكير إشكالي في مؤدى هذا التعبير ، حيث يَجعل الإسلام خَلف الزمان دوماً وليس معه أو أمامه ، فهو يُردد بلا كلل: “لا يَصلح هذه الأمة إلا بما صَلح به أولها” ، قاصداً مِن هذا النص ليس الدين نفسه ، بل “فَهم الدِّين على طريقة السلف” دُون زيادة أو نقصان .
3-    الخطاب الصوفي:
هو الخطاب الذي يُرَكِّزُ على الجانب الأخلاقي والوجداني ، وإصلاح القلوب ومجاهدة النفس ، مُعتمداً في ذلك على الكتاب والسنة ومُقيداً بهما ، خالياً مِن الانحرافات الفكرية والسلوكية ، والبدع والخرافات التي تتنافى مع مبادئ هذا الدين ، فهو يتنافى مع السلبيات التي عَكَّرَت صَفو التصوف ، ويَدَعُ كل الشوائب الدَّخيلة عليه . إلا أن هذا الخطاب – كشأن بَعض الخطابات الدينية – له مَآخذ تُؤخذ عليه ، كما أنه له فَوائد تُذكر له .
فمما يُؤخذ عليه: أنه لا يَكفي وَحده لعرض جوانب الإسلام كلها ، إذ إنه يُرَكِّزُ تَركيزاً أكثر وأكثر على الخُلُقِ الإسلامي والعبادات الدينية دُون غَيرها من الجوانب الأخرى لخطاب الدين .
ومن فوائده التي تذكر له:
1-أنه يَجمع كثيراً مِن أقوال الصالحين وحكم الزهاد والعُبَّاد وأهل التقوى والبصيرة .
2-أنَّ فيه لَفتات روحية مشرقة في فَهم الآيات والأحاديث والتعليق عليها لا توجد في غير هذا الخطاب .
3-أنه حِين عني الفقهاء بأحكام الظاهر المحسوس ، وعني المتكلمون بالجانب العقلي الجاف ، عَنوا هم – أهل التصوف – بأحكام الباطن ، ودراسة آفات النفوس ومداخل الشيطان إليها ، وكيفية وقايتها وعلاجها .
4-أنَّ في أقوال أهل التصوف حَرارة وحيوية يَلمسها المدعو ، ولعل ذلك نتيجة المجاهدة النفسية والرياضة الروحية التي يُعانونها ، وليست النائحة كالثكلى .
وجمهور هذا الخطاب وَرُوَّادُهُ غَير قَليل ، بحيث لا يُمكن تَجاهلهم ، بل قد يَزيد هذا الخطاب في بعض الأقطار الإسلامية ، حيث يَكون هو أكثر أنواع الخطاب الدينية ذيوعاً وانتشاراً .
نقول: ولكن مَن يَجعل مِن هذا الخطاب وَحده “الإسلام” يَجعل مِن واقع المسلمين أنواعاً كَثيرة للإسلام ، بل إسلاميات عديدة بِعَدد تنوع خطاباتهم ، ولكن هذا الخطاب جُزءٌ في مَجموعٍ يُمثل دِين الله الواحد .
أطوار وتحولات تجديد الخطاب الإسلامي
لقد مَرَّ الخطاب الإسلامي بأطوار من التَّحَوُّلِ في علاقته بمفهوم التجديد ، وتكشف هذه الأطوار عن المفارقات المعرفية ، والوضعيات التي كان عليها الخطاب الإسلامي ، ما بين بدايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين ، كما تَكشف تلك الأطوار أيضاً عن ملامح التطور الثقافي في بنية وتكوينات الخطاب الإسلامي ، وهذه الأطوار هي:
الطور الأول:
حين كان الخطاب الإسلامي يَتعامل بمنطق الرفض والشك لمفهوم التجديد ، ولا يتقبل الاقتران بين الخطاب الإسلامي والتجديد ، والكلمة التي كانت تُفَسَّر بخلفيات التآمر والانفلات والتخريب لفكر المسلمين وعقيدتهم وآدابهم .
وحسب هذا التصور فإن الغربيين هم الذين اخترعوا مفهوم التجديد ، وهم أول من تحدثوا عنه بعد انحلال الخلافة العثمانية ، وحاولوا إقناع المسلمين والنخب الفكرية منهم بالذات بهذا المفهوم ليكون إطاراً يُحَدِّد اتجاهات الفهم والنظر للإسلام والفكر الإسلامي ، بقصد أن يَكون الإسلام عَقبة في تقبل النموذج الثقافي والقيمي الغربي .
وأبرز الكتابات الغربية التي يُستشهد بها في هذا الشأن ، هما كتابان:
الأول: كتب: “الإسلام والتجديد في مصر” للكاتب “شارلز آدمز” من الجامعة الأمريكية في القاهرة ، والصادر عام 1933م . وكتاب “الاتجاهات الحديثة في الإسلام” للمستشرق البريطاني “هاملتون جيب” عضو المجمع العلمي العربي في القاهرة ، والصادر في الأربعينيات من القرن العشرين .
ولعلّ أكثر كتاب يُعبر عن هذا الطور في علاقة الخطاب الإسلام بمفهوم التجديد ، هُوَ كِتاب “الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي” للدكتور “محمد البهي” ، الصادر عام 1957م ، الذي تَحدث فيه عن التجديد في الفكر الإسلامي ، وخصص له فَصلاً مُوسعاً في كتابه الذي زادت عدد صفحاته على 170 صفحة ، ويَقصد بهذا المنحى الاتجاه الفكري الذي يَتَمَاهَى ويتطابق مع نظم التفكير الغربي ، وحسب قوله: “التجديد في رقعة الشرق الأدنى – مُنذ بداية القرن العشرين – هو محاولة أخذ الطابع الغربي ، والأسلوب الغربي في تفكير الغربيين ، سواء في تَعبيرهم عن الدين ، أو في تحديدهم لمفاهيمه ، ومفاهيم الحياة التي يعيشونها ، أو في تقديرهم للثقافات الشرقية الدينية والإنسانية”  .
وبعد أن تتبع الدكتور “البهي” مسارات هذا الاتجاه خلال ما يزيد على نصف قرن ، منذ بداية القرن العشرين إلى أواخر الخمسينات ، ختم كلامه مع نهاية هذا الفصل بقوله: “والآن نرى أن التجديد في الفكر الإسلامي في الوقت الحاضر يعيش في التفكير الغربي الذي خلقه القرن التاسع عشر , وينقل منه ما لا يفيد التوجيه في الشرق الإسلامي ، ينقل منه آراء المستشرقين الصليبيين فيما يصور الإسلام على أنه رسالة بشرية لمصلح إنساني أو قائد ناجح يرتبط اعتبارها بوقت حياة هذا المصلح , أو ينقل منه آراء بعض المدارس اليسارية والإلحادية ضد الدين عامة”  .
والنماذج التي تحدث عنها الدكتور “البهي” وصنفها على هذا الاتجاه , محاولة الدكتور “طه حسين” في كتابه “في الشعر الجاهلي” الصادر عام 1926م  , وكتابه “مستقبل الثقافة في مصر” الصادر عام 1938م ، ومحاولة الشيخ عبد الرزاق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الصادر عام 1925م ، ومحاولة الدكتور “زكي نجيب محمود” في كتابه “خرافة الميتافيزيقيا” الصادر عام 1963م , ومحاولة الدكتور “مصطفى محمود” في كتابه “الله والإنسان” الصادر عام 1955م ، وأخيراً محاولة الدكتور “خالد محمد خالد” في كتابه “من هنا نبدأ” .
ويتناغم هذا الطرح مع ما يراه الدكتور طارق البشري بعد عدة عقود من الزمن على ذلك الكلام ، حيث يرى بأن المحاولات الفكرية التي رفعت شعار التجديد تَعمدت إقصاء الفكر الإسلامي , والجدير بالانتباه كما يقول بأن “إقصاء الفكر الإسلامي من قبل النزعة الغربية بدأ بلفظ التجديد ، ومن هنا إذاً كان التجديد يُقصد به إقصاء الفكر الإسلامي”  .

ومع أن الخطاب الإسلامي المعاصر قد تجاوز الكثير من تلك الالتباسات والهواجس والرواسب التي أحاطت بمفهوم التجديد في ذلك الطور , إلا أنه ما زالت هنالك بُعض البقايا , وعند الخطاب الإسلامي السلفي تحديداً , كما عبر عن ذلك “جمال سلطان” في كتابه “تجديد الفكر الإسلامي” بقوله: “مصطلح التجديد في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر قد واكب مَرحلة فكرية ومعرفية تجعلنا مَدعوين إلى إعادة النظر فيه , أو تنويع الرؤيا له على ضوء تلك المرحلة وخلفياتها , فقد شاع في مرحلةٍ بَدأت فيها المنهجية العلمانية في أوائل هذه المرحلة الحديثَ عن مفكري الإسلام الذين يقتربون بنسقهم الفكري من القيم الغربية والفكر الغربي والمنهجية العلمانية الغربية ، وأصبح مصطلح التجديد يُثير القلق والريبة والتوجس في نفوس المسلمين”  .
ومشكلة الخطاب الإسلامي في هذا الطور أنه كان متأثراً بصدمتين , صدمة انهيار الخلافة الإسلامية في العقد الثالث من القرن العشرين ، وصدمة تخلي الدولة العربية الحديثة في مرحلة ما بعد الاستعمار عن الهوية الإسلامية والمرجعية الإسلامية , لذلك لم يكن وارداً في تلك الوضعيات الحديث عن التجديد في داخل الخطاب الإسلامي , ولم يكن مقبولاً أيضاً عند طرحه من خارج الخطاب الإسلامي  .
الطور الثاني:
في هذا الطور تغيرت صورة الخطاب الإسلامي بعض الشيء ، وأخذ يتعامل بمنطق الحذر والاقتراب المحدود لمفهوم التجديد ، وكان الهاجس الأساسي في هذا الطور هو محاولة ضبط مفهوم التجديد ، وتحديد طبيعة مجاله , وأن مجاله يتحدد في نطاق الفكر الإسلامي وليس في الدين ، وإنجاز هذه الخطوة وهذا القدر من التطور هو الذي مَهَّدَ لتقبل مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي ، وشكل البدايات الأولية لانخراط الفكر الإسلامي المعاصر في عملية التجديد , ومِن بَعدها تَلاحقت التراكمات المعرفية في هذا المجال .
ولعل المحاولات المبكرة في هذا الشأن – والتي تؤرخ لهذا الطور في تحوله وتحديد صورته – هي محاولة الدكتور “حسن الترابي” الذي نشر محاضرة عام 1973م بعنوان “الفكر الإسلامي … هل يتجدد ؟” وقد اشتهرت هذه المحاضرة بعض الشيء في وقتها ، وفيها حاول الدكتور الترابي أن يَلفت النظر إلى أمرين أساسيين يُشكلان بِداية تحول في حركية الفكر الإسلامي المعاصر , وهذين الأمرين هما:
أولاً: التحول من الحديث عن الغزو الفكري إلى الحديث عن الضعف الذاتي في الفكر الإسلامي ، والالتفات إلى علله الداخلية ، وفي هذا الشأن يقول الدكتور “الترابي”: “قد يحلو لنا أن نتحدث عن الغزو الفكري لنفلت من التبعية بعد أن نلقيها على الآخرين , والأولى بنا أن ننظر في تقصيرنا ، ونتأمل هذه الظاهرة التي عم بها البلاء”  .
ثانياً : تحديد مجال التجديد ، وأن مجاله هو الفكر الإسلامي ولا يشمل الدين ، فحين يتساءل الدكتور “الترابي” عن الفكر الإسلامي هل يتجدد ؟ يُجيب بقوله: “أليس الدين هَدياً أزلياً خَالداً لا مَكان فيه للتجديد ؟ بل الذي يتجدد ويتقادم ويبلى إنما هو الفكر الإسلامي ، والفكر الإسلامي هو تَفَاعُلٌ بَين عقل المسلمين وأحكام الدِّين الأزلية الخالدة”  .
وقد تابع الدكتور “الترابي” هذا الاهتمام , ونشر حوله العديد من الكتابات في أزمنة متلاحقة ، وكان ينطلق من خلفية التخلص من الفكر التقليدي القديم الذي عَبرت عنه الجماعات الدينية والصوفية , وتَجاوز فكر الإخوان المسلمين المصريين بعد أن قَطَعَ صِلَتَهُ عَنهم .
ومع هذا القدر من التطور في العلاقة مع مفهوم التجديد إلا أن وجهة الخطاب الإسلامي العامة ظلت حذرة , وبقيت بعض الهواجس ، ولهذا لم يَحصل أي تقدم مُهم وملحوظ على مستوى التراكم المعرفي في هذا الشأن , والكتابات التي ظَهرت كانت قَليلة ومُبعثرة , ويغلب عليها طابع الحذر وهاجس الدفاع عن الذات .
وفي تلك الفترة نشر الدكتور “أحمد كمال أبو المجد” مقالاً حول “التجديد في الإسلام” بمجلة العربي الكويتية عام  1977م , شرح فيه واقع الحال فيه آنذاك بقوله: “لا يَكاد صوتٌ يَرتفع اليوم منادياً بالتجديد في الفكر الإسلامي , شَاكياً من الجمود والانغلاق , مُناقشاً في ذلك أَقوال العُلماء من السلف أو من المعاصرين ، أو داعياً إلى مُراعاة ظروف الزمان والمكان , حتى تتناوشه مِن كل جانب صيحات المحذرين والمنذرين , يُذكرون بالمزالق والمخاوف والمحاذير , ويُؤكدون أن الدعوة إلى التجديد مَدخل لإسقاط الالتزام بالشريعة , وباب شَرٍّ ينفذ منه الحريصون على تمييع حقيقة الإسلام , وإذابةِ جوهره في جوهر حضارات وثقافات مناقضة لأصوله معارضة لمبادئه”  .
وهذه الأصوات الداعية إلى التجديد هي التي أدركت أن واقعاً جديداً بَدأ بالتشكل بعد نكسة 1967 م , وأن أمام الخطاب الإسلامي فُرصة التقدم والنهوض المهمة التي كانت بحاجة إلى تحريك مفهوم التجديد الإسلامي .
الطور الثالث:
في هذا الطور وَجد الخطاب الإسلامي نَفسه مَدفوعاً بقوة نحو مفهوم التجديد , ولم يَعد لِتلك الهواجس والإشكاليات السابقة مِن أثر , وتحول التعامل معه من مَنطق الحذر إلى التعامل مَعه بمنطق الاندفاع ، وذلك بعدما شهد الواقعُ الإسلامي صحوة ويقظة غيرت من رؤية الخطاب الإسلامي لذاته , وتشكلت لديه رؤية إلى الواقع مُغايرة للرؤيا التي كان عليها في السابق , ولم يَعد محكوماً بذهنية الخوف على الهوية , ومن الغزو الفكري والاختراق القيمي , أو أنه مَوقف الدفاع عن الذات .
كما وَجد الخطاب الإسلامي نفسه أيضاً – ولأول مرة ومنذ زمن طويل – أمام فرصة لأن يُجرب ويَختبر ما لديه من أفكار وتطورات وأطروحات , ويكون قريباً من الواقع ومكوناته وتعقيداته ، الوضع الذي جَعله يتعرض وباستمرار لمساءلة الآخرين المختلفين معه فكرياً وسياسياً ، وإلى نقضهم وحتى إحراجاتهم ، وهذه المساءلات والنقد والإحراجات كانت تَدور في إطار : هل يَمتلك الخطاب الإسلامي برنامجاً ؟ وما هو تفاصيل ومكونات هذا البرنامج ؟ بمعنى لا يَكفي الادعاء بأن الإسلام هو الحل , وإنما لا بد أن يستند هذا الحل على برنامج واضح ومحدد .
هذه الأرضيات والتغيرات والمساءلات ساهمت في بَلورة بَواعث الخطاب الإسلامي نحو مفهوم التجديد ، ولهذا ظهرت في هذا الطور أوسع الكتابات والاشتغالات الإسلامية حول مفهوم التجديد , وبالذات في عقد التسعينيات , حيث سَجل الخطاب الإسلامي تراكماً كبيراً حول هذا المفهوم , وعُقدت حوله العديد من الندوات والمؤتمرات الفكرية والإسلامية في المغرب والكويت ومصر ومالطا وغيرها , كما خَصَّصَت الكثير من الدوريات الفكرية مَلفَّات مُوسَّعة حوله أيضاً ، مثل مجلّة “الاجتهاد” في لبنان 1990م ، ومجلّة “قضايا إسلامية” في إيران 1996م ، وغيرها ، وفي عام 1997م صدرت دورية فكرية حملت عنوان التجديد ، وهي المجلة التي صدرت في ماليزيا عن الجامعة الإسلامية العالمية ، يُضاف إلى ذلك أنّ هذا المفهوم قد استحوذ على اهتمامات الجيل الجديد من المثقّفين والمفكّرين الإسلاميين حيث صَدرت لهم حوله كتابات ومؤلفات مهمّة .
لكن ماذا بعد كل تلك الاهتمامات والتراكمات ، فهل تجدّد الخطاب الإسلامي ؟
في تلك الفترة وتحديداً في النصف الثاني من عقد التسعينات تَعرّض الخطاب الإسلامي إلى نكسة فكرية خطيرة ، مع ظهور حركة طالبان وسيطرتها على السلطة في أفغانستان ، وانبعاث تيار الأصولية مَرّة أخرى ، الذي عَبَّرَت عنه بعض الجماعات السلفية المتطرفة التي تُؤمن بالعنف والتكفير ، وتنتمي إلى فكر قديم لا يتواصل مع العصر ولا يتناغم مع المدنية ، ولا يُعَبِّر عَن الجوهر الحضاري للدين .
وبعد انبعاث هذا التيار الأصولي أدرك الخطاب الإسلامي المعاصر بأنّه بحاجة إلى أن يُمَيِّز نفسه عن ذلك التيار ، وبذل جهداً في هذا السياق ، كما ترسخّت قناعته بضرورة التجديد .
الطور الرابع:
في هذا الطور تَغيّرت – ولأول مرة – صورة العالم بتأثير من جماعة أصولية ، بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 م ، التي غَيّرت معها أيضاً صورة الخطاب الإسلامي ناظراً ومنظوراً إليه ، فقد ظهرت هذه الأصولية إلى العالم بوجه مُخِيف ومُرعب ، وأنّها قد تجاوزت في خطورتها عالم الأفكار والمفاهيم ، وتحوّلت إلى قوّة تَدميرية على مستوى عالم الأشياء وعالم الإنسان ، كما أَنَّها لم تَعد مَصدر خَطر يَتحدّد في إطار مُجتمعاتها وبِيئاتها ، وتحوّلت إلى مصدر تَهدِيدٍ وَخَطر على مستوى العالم .
لذلك أصبح الخطاب الإسلامي في دائرة نَظَرِ واهتمام العالم بِرمّته ، الجميع يتحدّث عنه ويقرأ ويكتب ويناقش عنه ، وبات الشاغل الأكبر والأساسي في مختلف وسائل الإعلام والنشر ، والاتصالات المرئية والسمعية والمقروءة .
وفي ظل هذه الأجواء وجد الخطاب الإسلامي المعاصر أنّه أمام محنة شديدة تجاه ذاته وتجاه العالم:
تجاه ذاته حين وجد تَفَشِّي ظَاهرة الأصولية بالصورة المخيفة التي ظهرت عليها ، وما تُمثّله هذه الظاهرة من غُلو وتطرّف وتكفير ونزعة نحو العنف ، وكأنّ هذه الأصولية هي التي كانت تتنامى وتتقدّم في المجتمعات العربية والإسلامية ، على حساب نهج الوسطية والاعتدال والتنوير ، وهي الملامح والأبعاد التي كان يَشتغل عليها الخطاب الإسلامي المعاصر .
وتجاه العالم حين أوقعته تلك الأصولية التي نَسبت لنفسها أحداث أيلول / سبتمبر ، في مشكلة حرجة وخطيرة للغاية ، فبعد أن بذل الخطاب الإسلامي المعاصر جُهداً في سبيل تَطوير تواصله
مع العالم ، وإذا به يَجد نفسه في مشكلة مع هذا العالم بِدون رَغبته واختياره ، وهو الذي كان يَدفع
بأفكار حِوار الحضارات وتعارف الحضارات ، والارتقاء بمستويات التفاهم بين عالم الإسلام وعالم الغرب ، والاهتمام بتحسين صورة الإسلام في الغرب ، وتجديد المعرفة بمنظومة الأفكار المعاصرة ، كالحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها ، وإذا بهذه الأفكار تَرتَدُّ إلى الوراء وتتراجع ، لأنّ العالم لم يَعد يَرى مُشكلة غير الأصولية ، ولم يَعد يَرى المجتمعات العربية والإسلامية إلاّ مِن خلال هذه المشكلة .
لذلك فقد تغيّرت رؤية الخطاب الإسلامي بمفهوم التجديد وطريقة التعاطي معه ، وأصبحت القناعة بهذا المفهوم حقيقة فعلية وأولوية من أجل مواجهة التطرّف والغلوّ والتكفير ، والانتصار على نزعة العنف والإرهاب ، والتغلّب على هذه الأصوليّة المتحجّرة ، وترسيخ نهج الوسطية والاعتدال والتنوير .
وإذا كانت هناك بَعض المخاوف والمحاذير من وجود ضغوطات سياسية ودولية تُطالب بإصلاحات دِينية وِفق مَعايير معينة ، ومع معقولية هذه المخاوف والمحاذير ، إلاّ أنّها لا يَنبغي أن تُعَطِّلَ أو تُعرقل مهمّة التجديد .
ماذا يَعني تجديد الخطاب الإسلامي ؟
لقد تَأَثَّر مَفهوم تجديد الخطاب الإسلامي بطبيعة المحدّدات الناظرة له ، وهي المحدّدات التي كانت تَتغيّر وتتبدل بِحَسب القضايا والمشكلات التي ظَلَّت تَعترض الخطاب الإسلامي في أزمنته المتغيّرة والمتلاحقة ، فهذه المحدّدات في رؤية الدكتور “محمد إقبال” لَيست مُجرَّد التناغم أو الملائمة مع أوضاع الحياة العصرية ، وحسب قوله: “إنّ لهذا التجديد ناحية أعظم شأناً مِن مُجرّد الملائمة مع أوضاع الحياة العصرية وأحوالها ، وإنّ العالم الإسلامي وهو مزوّد بتفكير عميق نَفَّاذ ، وتجارب جديدة يَنبغي عليه أن يقدم في شجاعة على إتمام التجديد الذي ينتظره”  .
وقد جاء هذا الكلام مِن “محمد إقبال” في أواخر عشرينيات القرن العشرين ، ولَعلّه أسبق المفكّرين الإسلامييّن حديثاً عن التجديد برؤية فلسفية جديدة ، كما شرحها في كتابه الشهير “تجديد التفكير الديني في الإسلام” .
وفي أواخر الخمسينيات كانت هذه المحدّدات لها صورة أخرى في رؤية الدكتور “محمد البهي” الذي كان مَسكُوناً بِهاجس الغزو الفكري والاختراق الثقافي والقيمي ، وقد ارتبطت هذه المحدّدات عنده بمفهوم الإصلاح الديني في مجال الإسلام ، التسمية التي يُفضّلها ويَختارها على عبارة تجديد الفكر الإسلامي ، ويعني به “محاولة ردّ الاعتبار للقيم الدينية ، ورفع ما أُثير حولها من شبهة وشكوك ، قُصد التخفيف من وزنها في نفوس المسلمين ، ونَعني به كذلك مُحاولة السير بالمبادئ الإسلامية من نقطة الركود التي وَقفت عندها في حياة المسلمين إلى حياة المسلم المعاصر ، حتى لا يَقف مُسلم اليوم مَوقف المتردّد بين أمسه وحاضره عندما يصبح في غده . والإصلاح الديني في مجال الإسلام بهذا المعنى ذُو صلة وَثيقة بالعصر الذي يتمّ فيه ، وبالفكر الذي يقوم بمحاولته ، وبظروف الحياة التي عاش فيها هذا الفكر”  .
وفي الستينات عبّر “أبو الأعلى المودودي” عن رؤية مُغايرة مِن حيث طبيعة محدّداتها ، لأنّه كان مَهموماً بفكرتي الحاكمية والجاهلية ، لهذا اعتبر أنّ “التجديد في حقيقته هو تَنقية الإسلام مِن كل جزء من أجزاء الجاهلية ، ثُمّ العمل على إحيائه خالصاً مَحضاً على قدر الإمكان”  .
وفي السبعينيات كانت هذه المحدّدات في رؤية الدكتور “حسن الترابي” تتصل بعلل الفكر الإسلامي ، والتي حدّدها في ثلاث نقاط هي:
أولاً: أن يَتفاعل الفكر الإسلامي ويتّصل بالأصول الخالدة التي انقطع عنها شيئاً ما بتقادم العهد .
ثانياً: الانقطاع عن العلوم والمعارف العقلية .
ثالثاً: انقطاع الفكر الإسلامي عن حياة الناس ، وأصبح فكراً مجرداً  .
ويتناغم مع هذه المحددات الرؤية التي طرحها الدكتور “علي شريعتي” في تلك الفترة أيضاً ، حين ناقش مفهوم الإصلاح الديني ، واعتبر أنه لا إصلاح ديني في الإسلام “بمعنى إعادة النظر في الدين ، بل إعادة النظر في رؤيتنا وفهمنا الديني ، والعودة إلى الإسلام الحقيقي . من هنا أضحى الشعار الفكري والعقائدي لسائر كتّابنا ومفكّرينا – خصوصاً في جيلنا المعاصر الذي يشتد فيه الإحساس لهذه الحاجة – هو العكوف على إصلاح فكرنا الديني ، يعني المعرفة الدقيقة والعلمية للإسلام ، ونحن إذا لم نكيّف رؤيتنا الدينية مع منطق العصر ، ولم نتعرّف على الإسلام الفاعل الإيجابي المسؤول ، فمن المحتمل أن نضيع الكثير من أصولنا العقائدية خلال جيلين آتيين ، وستفقد الأجيال القادمة أبسط الميل والتفاعل مع هذه الأصول ، ويضحى لها الإسلام الواقعي والإسلام الخرافي على حد سواء”  .
أمَّا في الثمانينيات والتسعينيات ، فقد تعدّدت وتباينت تلك المحدّدات تَضييقاً وتوسيعاً ، قبضاً وبسطاً ، تَشدُّدَاً واعتدالاً ، بحسب طبيعة الميول والانتماءات الفكرية والثقافية ، على طريقة ما يَظهر بين التقليديين والتجديديين ، المحافظين والإصلاحيين ، لأنّ جميع هؤلاء على اختلاف وتعدّد تلك الانتماءات الفكرية والثقافية أخذوا يتحدّثون عن التجديد في الفكر الإسلامي والخطاب الإسلامي ، والفروقات بَينهم تظهر في أنّ التقليديين أميل بطبعهم إلى التضييق والقبض والتشدد ، بخلاف الإصلاحيين الذين هُم أميل إلى التوسيع والبسط والاعتدال , كما أن التضييق والقبض والتشدد ، هذه الحالات لا تظل على درجة واحدة من الثبات وبدون تبدل أو تغير , ولهذا فإن هذه الحالات لها أكثر من ذوق وصورة وفهم حتى بين التقليدين أنفسهم  .
وأما الحديث عن التجديد في وقتنا الراهن , فلا شك أن تلك المحددات قد تأثرت بأحداث أيلول / سبتمبر , وارتبط هذا التأثير تحديداً بتغير الرؤية إلى العالم , الرؤية التي تغيرت تقريباً عند مُختلف الأمم والثقافات , والرؤية إلى العالم هي من المقولات الفلسفية التامة , والتغير فيها يكون له شدة وقوة على منظومات الأفكار , وهذا من طبيعة فعالية وتأثير المقولات الفلسفية .
وهذه المحددات قد ارتبطت بقضيتين: قضية الأصولية , وقضية الإرهاب . فالأصولية قضية فكرية ناظرة إلى الجانب الذهني ، وهي تُعبر عن نزعة الغلو والتطرف والتكفير , والإرهاب قضية سلوكية ناظرة إلى الجانب العملي ، وهي تعبر عن نزعة العنف والقوة والصدام . وهذا يعني أن الأصولية شوهت صورة الإسلام فكرياً , وكأن الإسلام يَدعو إلى التطرف ، ولا يتوافق مع التقدم ، وأن الإرهاب شَوَّهَ صُورة الإسلام أخلاقياً , وكأن الإسلام يدعو إلى العنف , ولا يتوافق مع الآخر المختلف . لذلك أصبحت صورة الإسلام في العالم تارة تقترن بالتطرف , وتارة تقترن بالإرهاب ، وهذا الذي ينبغي أن يَتغير , وهي مَهمة التجديد في الخطاب الإسلامي المعاصر ، فالتخلص من الأصولية بحاجة إلى تجديد داخلي على مستوى الذات , والتخلص من الإرهاب بحاجة إلى تجديد خارجي على مستوى الأخر .
هذه هي السياقات والأرضيات الفكرية والموضوعية التي تُبلور وتُحدد فيها مَفهوم تجديد الخطاب الإسلامي .
والذي نراه في النظر لهذا المفهوم بعيداً عن تلك السياقات الأرضيات , ومحاولة فهمه بطريقة معرفية بعيداً عن المحاذير والالتباسات , وذلك بالنظر إلى جهتين: من جهة تفكيكية يكون النظر فيها بقصد تحليل عناصر ومكونات المفهوم , ومن جهة تركيبية يكون النظر فيها بقصد تحديد المعنى العام والكلي لهذا المفهوم .
الجهة الأولى: تفكيك عناصر المفهوم .
أولاً: “تجديد” هذه الكلمة ناظرة إلى الألية والطريقة التي بإمكانها أن تحقق فعل التجديد , ليكون للتجديد المعنى الناجز المتحقق ، وبالتالي فإن البحث هنا هو في المنهجية , بمعنى ما هي المنهجية التي من خلالها نصل إلى التجديد ليتحقق بالفعل , وليكون المعنى له نسبة خارجية ؟
ثانياً: “الخطاب” هذه الكلمة ناظرة إلى طبيعة المجال الذي يتوجه إليه فعل التجديد , وهذا المجال هو بينة النص المتصل والمتفاعل بشرائط ومكونات الزمان والمكان والحال , أو ما يُطلق عليه جمعاً وتركيباً بمفهوم العصر .
ثالثاً: “الإسلامي” هذه الكلمة ناظرة إلى مرجعية الخطاب , وهذه المرجعية يُقصد بها مجموع القواعد والأصول والثوابت التي يَرجع إليها ذلك الخطاب ويستند عليها ويتقوم بها ، وبالتالي فهي ناظرة إلى محددات وجوهر التجديد .
وعلى ضوء هذه المحددات نستخلص النتائج التالية:
1-    التجديد: هو بحث عن الجانب المنهجي , ما هو المهج أو المنهجية ؟. والخطاب: هو بحث عن الجانب المعرفي , بمعنى تكوين المعرفة بهذا الخطاب المستهدف في عملية التجديد . والإسلامي: هو بحث عن الجانب المرجعي , بمعنى تكوين المعرفة بأصول هذه المرجعية وقواعدها ومصادرها .
2-    التجديد: هو بحث عن المنهج , والسؤال: ما هو هذا المنهج ؟ والجواب: محددات هذا المنهج أمران: الأول هو الموضوع والمقصود به الخطاب ، والثاني هو الإطار العام أو الإطار المرجعي والمقصود به الإسلامي  .
3-    الخطاب: هو الجانب المتغير , والإسلامي: هو الجانب الثابت ، ولا ينبغي أن ينفصل المتغير عن الثابت , كما لا ينبغي أن يفتقد الثابت إلى المتغير . فالثابت يُعطي المتغير عنصر النظام الذي يحفظه من الفوضى والانفلات , والمتغير يُعطي الثبات عنصر المرونة والحركة الذي يَحفظه من التوقف والجمود .
4-    الإسلامي: هو المحدد والضابط لما هو التجديد ولما هو الخطاب ، بمعنى أن لا يَقود التجديد إلى خطاب غير إسلامي ، أو لا يتوافق مع الإسلام , وهذا هو المعيار الرئيسي والثابت في تحديد واختيار المنهج ، كما أن الخطاب المستهدف في عملية التجديد هو خطاب يتصل بمرجعية الإسلام , وإذا لم يتصل بهذه المرجعية أو لا يَنتمي إليها فهو خارج عن مجال البحث .
هذا من جهة تفكيكية , وأما من جهة تركيبية , يُمكن القول بأن مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي يتحدد في نسقين: النسق الفكري الذاتي , والنسق الفكري الموضوعي .
وبحسب النسق الأول فإن مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي يعني محاولة اكتشاف الحداثة بالمعنى الإسلامي من داخل المرجعية الإسلامية , ولسنا بحاجة إلى الفكر الغربي في بناء هذه الحداثة بنسقها الإسلامي ، وهذا المعنى له ثلاثة عناصر:
1-    تغليب النزعة المعاصرة على النزعة التراثية القديمة , للتخلص من إشكالية الاحتباس في الماضي , وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع ذاته .
2-    اكتساب القدرة على مواكبة العصر وشروطه ومقتضياته للتخلص من إشكالية الانغلاق , وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع عصره .
3-    اكتشاف مفهوم التقدم والتأكيد عليه للتخلص من إشكالية الجمود , وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع ذاته وعصره معاً  .
وأما بحسب النسق الموضوعي فإن مَفهوم تجديد الخطاب الإسلامي يَعني مُحاولة تحديد صورة لهذا الخطاب تكون مفارقة ومغايرة عن حالتين , عن حالة الجمود والتحجر في الحالة الأولى , وهي حالة داخلية مُتوارثة من عصور الهزيمة والسيطرة الغربية ، فالجمود والتحجر لا يحمي هوية , ولا يحفظ تراثاً ولا يصنع تجديداً بالتأكيد , وعن حالة التبعية والاستيلاب في الحالة الثانية فهي لا تخلق حداثة , ولا تبني تقدماً , ولا تصنع تجديداً بالتأكيد .
وتجديد الخطاب الإسلامي هو تعبير عن نقد ومفارقة لتلك الحالتين , والعمل على بلورة نموذج ثالث يتواصل مع التراث ولا ينغلق عليه , ويتواصل مع العصر ولا ينسحق به .
وهذا يعني أن التجديد هو في الرؤية الفكرية والمنطق الفكري للخطاب الإسلامي ، وليس في العبادات أو العقائد أو الأخلاق , لأن المشكلة ليس في العقيدة , وإنما في الفكر , وليس في الدين وإنما في الفهم البشري المتكون حول الدين .
لماذا لم يتجدد الخطاب الإسلامي ؟
تجديد الخطاب الإسلامي يتوقف على سؤال ، لماذا لم يتجدد هذا الخطاب , أو لم يواصل استكمال عملية التجديد ؟
والبحث في هذا السؤال يحتاج لمعرفة السياق الموضوعي والزمني الذي اتصل به الخطاب الإسلامي وأثر على اتجاهاته وتكويناته , وإلى هذه الحالات التي وصل إليها ، إلى جانب عوامل وأسباب أخرى قد تتصل أو تنفصل عن ذلك السياق  .
فما هو هذا السياق الموضوعي , وما هي الأسباب العرفية والمنهجية التي أعاقت أو أخرت أو جمدت عملية التجديد ؟
أولاً:  القطيعة بين الفكر الإسلامي في مرحلتيه الحديثة والمعاصرة , الحديثة التي تُنسب إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ، وانبعاث حركة الإصلاح الإسلامي بزعامة “جمال الدين الأفغاني” و “محمد عبده” . والمعاصرة التي تُنسب إلى النصف الثاني من القرن العشرين ، وتمثلت في مجموع الكتابات الإسلامية الصادرة والمؤثرة في تلك الفترة ، والذي كشفت عن هذه القطيعة المفارقات الكبيرة التي تظهر بين تلك المرحلتين ، فقد أظهرت المقارنات بينهما بأن الفكر الإسلامي في مرحلته الحديثة كان على درجة من التميز والتقدم يفوق ما كان عليه في مرحلته المعاصرة ، ولعل الدكتور رضوان السيد هو أكثر من حاول أن يَلفت النظر لوجود هذه القطيعة والتأكيد عليها ، والتي تتحدد – حسب رأيه – في أن الإشكالية الرئيسية للفكر الإسلامي الحديث كانت إشكالية النهوض والتقدم ، بينما الفكر الإسلامي المعاصر إشكاليته الأساسية هي الهوية ومقتضياتها وأساليب حفظها ، وبتأثير تلك القطيعة أصبح الغالب على الحقبة المعاصرة في التفكير الإسلامي – كما يضيف الدكتور رضوان السيد – هي في النكوصية ، ويتمثل ذلك في اعتبار أن “محمد عبده” كان متقدماً على “رشيد رضا” ورضا كان متقدماً على “حسن البنا” والبنا كان متقدماً على “سيد قطب” وقطب كان متقدماً على “عمر عبد الرحمن”  .
وكثيرة هي الكتابات التي بالغت في وصف تلك المرحلة الحديثة بأوصاف التجديد والتحديث والإصلاح والتقدم ، كتأكيد على تميز تلك المرحلة وتقدمها ، والقطيعة التي حصلت جعلت من الفكر الإسلامي المعاصر لا يَبني تصوراته وأفكاره بالاستفادة من التراكمات الفكرية والثقافية القادمة من تلك المرحلة الحديثة لكي يواصل أو ينجز عملية التجديد .
ثانياً: إن ظهور الدولة العربية الحديثة ساهم في تراجع وركود الفكر الإسلامي ، وذلك حين قطعت هذه الدولة صِلتها الثقافية والمعنوية والمرجعية بالإسلام والنظم الإسلامية ، وارتبطت في المقابل بمرجعية الفكر الأوروبي الذي أخذت منه ، ثم يرتبط بتكوين الدولة وتشكيل مؤسساتها وصياغة أنظمتها وقوانينها وتشريعاتها ، لأنها أرادت أن تكون على صورة الدولة الأوروبية الحديثة ، ولكي تكتسب وصف الدولة العصرية أو المغايرة لصورة دولة الولايات السلطانية التابعة للخلافة العثمانية .
ثالثاً: ما أصاب المؤسسة الدينية من أزمة في علاقتها بالعصر والمعارك الحديثة ، حيث انغلقت على نفسها وانشغلت بالعلوم القديمة والتقليدية ، وقطعت جسور التواصل مع مجتمعاتها , وذلك على خلفية حماية كيانها من الغزو الفكري والاختراق القيمي , والتحصن من أي تأثر بالقارة الأوروبية .
وهكذا كان حال هذه المؤسسة مع بداية القرن العشرين ، وتكرس هذا الوضع بصورة أشد بعد قيام الدولة العربية الحديثة ، فهذا الوضع الذي كانت عليه المؤسسة الدينية لم يَكن يَدفع باتجاه تجديد الخطاب الإسلامي ، بل كان يُعارض ويُصادم مَن يَتَبنى مثل هذه النزعات التجديدية والإصلاحية .
رابعاً: انقطاع المثقفين والنخب الفكرية عن الثقافة الإسلامية ، ففي الوقت الذي اندفع فيه هؤلاء نحو الأفكار والمعارف الحديثة وتمكنوا منها معرفياً ومنهجياً ، والتي كانت ترجع في مصادرها إلى مرجعيات الفكر الأوروبي ، ويقابل هذا الاندفاع انقطاع عن الأفكار والمعارف الإسلامية ، وهذا هو منشأ الخلل والضعف ، وهذه القطيعة أو الانقطاع أثرت على طبيعة تكوين رؤية هؤلاء للثقافة الإسلامية وطرائق التعامل معها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن الثقافة الإسلامية كانت بأمس الحاجة إلى خبرات هؤلاء المعرفية والمنهجية ، الأمر الذي لم يحصل .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>