7- ممارسات بحق المرأة يرفضها الإسلام = الجزء الرابع

ممارسات بحق المرأة يرفضها الإسلام

المحتوى
مقدمة البحث …
كيف ينظر بعضهم إلى المرأة ؟…
الميراث والمهر …
فوضى تعدد الزوجات …
التحيز في الهدايا والأعطيات …
مشاطرة الزوج زوجته في مالها …
كل ما عدا الوجه والكفين من المرأة عورة …
تحقيق العلماء في الوجه ذاته …
محل ونتيجة الخلاف …
عملها وتعلمها …
شُــبَهٌ علميّةٌ مصطنعة …
أقوالٌ لا رصيدَ لها …
وأخيراً مسألة الرق في الإسلام …
ونقول بكلمةٍ جامعةٍ وجيزة …
الخاتمة …

مقدمة البحث
تنطلق الشريعة الإسلامية في رسم حقوق المرأة من اليقين الذي لا يَلحقُه رَيبٌ بأنَّ هذا الكون إنما هو مخلوق ومملوك لخالقٍ حكيم قدير مُدبِّر ، وبأن الإنسان ليس إلا عبداً مملوكاً له ، يسري عليه بحُكم القهر والاضطرار قانونُه الكوني الـمُلزِم ، يخلقه ويُصوّره كما يشاء دون أن يكون له في ذلك اختيار ، ويُميته عندما يَشاء دون أن يَحميَه عن ذلك أيُّ عناد .
أما وَظيفتُه تجاه هذا الخالق المالك فهي أن يُمارس العبودية له سلوكاً واختياراً كما جَرى عليه قانون هذه العبودية قهراً واضطراراً .
وإنما يكون ذلك بالتزامِ المنهج الذي رسمه ، والوقوفِ عند الحدودِ التي شرعها ، وما المنهج الذي رسمه للإنسان إلا السبيلُ الذي لا بَديل عنه لتحقيق سعادة الفرد والمجتمع في دنياه التي يعيش فيها وفي آخرته التي لا بدّ أن يحيا لها غداً بعد الموت .
ومن هذا المنطلق اتجهت أحكامُ الإسلام إلى الفرد أولاً تعالجه تهذيباً وتقويماً ، ثم اتجهت إلى الأسرة تَحوطُها بإطار القُدسيّة ، وترعاها بتقوية الوشيجة وإشاعة المسؤولية ، وتغذيها بتبادل الحب والاحترام .
فمن خلال هذه الأحكام التي لوحظت فيها رعايةُ الفرد والأسرة تجلّت حقوق كلٍّ من المرأة والرجل وواجباتُهما في شِرعة الإسلام ونظامِه .
وقد كان من أبرز مظاهر التنسيق الإلهي بين الطبائع التي أبدعها والأوامر التي قضى بها ، أنْ جعل الفطرة الأصيلة لدى كلٍّ مِنَ الرَّجل والمرأة مُتَّفقةً في جوهرها مع مضمون تلك الأوامر ؛ كي لا يَتحمل الناس مِن أمرهم عنَتاً ، ولكي تتجلى وحدة الخالق في خلقه ، ولكي يظهر تناسقُ الوعاء الكوني المتمثل في أصل الطبيعة البشرية وحاجاتها ، مع غطائه المتمثل في جملة الشرائع والمبادئ التي أنزلها على عباده .
تلك هي خلاصة المنطلق الذي تنبثق منه الشريعة الإسلامية كلها ، بما فيها حقوق المرأة وواجباتها ، آمنَ بذلك مَن آمن وجحد به من جحد .
وقد استدعى هذا المنطلق أن يكون كلٌّ من الرجل والمرأة شريكاً للآخر في كليات الحقوق الإنسانية دون أي تميزٍ واختلاف  .
إلا أن المدافعين عن المرأة وحقوقها – من رجال المجتمع الغربي وسدَنَتِه في المجتمع العربي عندنا –  يتحدثون عن عادات بائدة في بعض القرى ، أو أعرافٍ جاهلية مقدسة لدى بعض الجهال ، متهمين الإسلام بأنه هو المسؤول عنها .
ولقد غدا من الأمور البدهية أن هؤلاء الذين ينتقدون الإسلام من خلال ما يتظاهرون به من الدفاع عن المرأة وحقوقها لا ينطلقون إلى ذلك من غيرة على المرأة ، وإنما من حقد ذاتي على الإسلام ، وإني لأعلم أن في المتبجِّحين في الدفاع عن المرأة وحقوقها من خلال هجومهم على الإسلام ، من يذهبون في إيذائهم لنسائهم وأزواجهم مذهباً تقشعر له الأبدان .
فإذا كان هذا هو الواقع المرئي ، فالموضوع الذي يجب أن يعالج إذن ليس بقايا من عادات جاهلية موجودة فعلاً ، ولكن الموضوع هو: هل صحيح أن الإسلام هبط بمكانة المرأة ، وأنه هو المسؤول عن هذه العادات الجاهلية ؟
ومع ذلك فإن منهجنا الذي اتبعناه هو الكشف عن الافتراءات التي يجترئها المبطلون في حقِّ الإسلام ، وعن مدى تكريم الله للمرأة من خلال شرائعه وأحكامه المنزلة ، ثم بيان التقصير الذي يتحمَّله الجهَّال والمتعِّصبون لعاداتهم البائدة المخالفة لشرعة الله عز وجل ، والإلحاح على ضرورة مقاومة هذه المخالفات الآسنة التي تتحدّى شرع الله وحكمه ، على أنها عادات لا تترعرع وتنمو إلا في البيوت الغريبة عن هدي الإسلام وشرعه ، كما سنجد في طوايا البحث .
والبيوتات الغريبة عن الإسلام:
إما أن تكون بيوتات جهَّال بالدين فقراء في الثقافة العامة ، من أولئك الذين تهيمن عليهم العصبيات والنخوة الباطلة البائدة .
وإما أن تكون بيوت أولئك الآخرين الذين يعتزون بالثقافة الغربية ، وما يَفِد إلينا من عادات المجتمعات الغربية .
وكما تظلم المرأة في الطائفة الأولى من البيوت ، فهي تظلم وبشكل أبلغ في الطائفة الثانية منها ، علم ذلك من علمه وجهله من جهل ، وأنا واحد ممن يعلم الكثير من ذلك .
وعلى كلٍّ فها أنا الآن أنجز ما يقتضيه المنهج الذي أخذت نفسي به ، فلقد آن إذن أن نلتفت إلى الواقع ، ونتساءل عن مدى انطباق الأحكام والمبادئ على حال مجتمعاتنا وبيوتاتنا العربية الإسلامية ، وسنجد – كما قلت – شذوذات عن الإسلام ، وعادات لا يؤيدها الدين الحق ، ولكنَّا سنجد أيضاً أنها شذوذات قليلة وعادات تتراجع إلى النقصان بل الزوال ، وسنجد أن السياج الوحيد الذي يقي المجتمع من هذه الشذوذات إنما هو هيمنة الوعي الإسلامي وصدق التمسك به والاحتكام إليه .
كيف ينظر بعضهم إلى المرأة  ؟
من العادات القديمة – التي لا تزال سائدة في بعض الأسر – النظر إلى المرأة على أنها شرٌّ ينبغي أن يُخَبّأ ، وأن اتصالها المعلن بالرجل يُزري بقيمته وينزل من مكانته .
إن على الزوج أن لا يَدع أحداً خارج المنزل يَأخُذ علماً عن اسم زوجته ، وكذلك الأب وكذلك الأخ ، فإن فُوجِئَ أحد من هؤلاء بأن اسمها قد تَسَرَّبَ إلى بعض الآذان ، شَعر أنه قد تَحَمَّلَ مِن ذَلِكَ عاراً وأي عار .
وهو يَحرِصُ على أن لا تَصحبه في طريق ، وأن لا تظهر إلى جانبه في ملتقى أو أي مكان عام ، فإن ألجأته الضرورات إلى شيء من ذلك ، حرص على أن لا تتبعه إلا وهي متأخرة عنه ، بحيث لا يكتشف أحد خزي سيرها معه أو سيره معها !.
ثم إن أسماره وسهراته يجب أن تكون مع الرجال ، وإنها لنقيصة كبرى أن يجد أنسه وسلواه في الركون إلى مجالس النساء وسخف حديثهن وتفاهة مشكلاتهن !.
أما إذا تناهى إلى سمع الزوج أو الأب أو الأخ أنها – أي المرأة أو الفتاة – قد زَلَّت بها القدم ووقعت تحت طائلة إغراء أو إغواء ، فتلك هي الجريمة التي لا يملك أن يَشفع فيها كتاب منزل ولا نبي مرسل ، ولا أن يقضي فيها من دونهم شرعة أو قانون .
إن مصيرها في الحال شيءٌ واحدٌ لا ثاني له ، هو القتل ، على حد تعبيرهم ، هو العار الذي لا يغسله إلا الدم .
ونسأل: ما بال أضعاف ذلك من جرائم الزوج أو الأخ أو الأب ، لا تحتاج إلى أن تُطهَّر بالدم ، بل ما بالها تُغتفر ولا تذكر ، ولا يشعر أبطالها بأي خزي أو حتى غضاضة من تحملهم لأوزارها ؟.
والجواب: أن الرجل رجل ، مجبول على طبع المغامرة وإشباع الرغبة والذات ، والمرأة مرأة ، كتلة عيب وعورات يجب أن تخبأ !.
هذا وصف واقعي لبعض البيوتات التي تخضع لهذه العادات ، وبقطع النظر عن قلة هذه البيوت أو كثرتها ، فإن مهمتنا هنا إنما هي التنديد بها والكشف عن تناقضها مع مبادئ الإسلام وأخلاقياته ، والدعوة إلى مقاومتها وامتلاخها من مجتمعاتنا .
لم ينزل قرآن ولا صح حديث بأن المرأة سر معيب يجب أن يُخبأ ، وأن صلتها المعلنة بالرجل يزري به وينقص من مكانته ، بل الذي نزل به القرآن ومارسه رسول الله  يدل على نقيض ذلك ، كان رسول الله  يخرج مع نسائه ، ويجمعه بهنَّ طريق واحد ، وقد صحَّ أنه  كان يسير ليلاً مع زوجته صفية ، فمرَّ رجلان من الأنصار ، فلما رأيا النبي  أسرعا ، فناداهما قائلاً: (عَلَى رِسْلِكُما ، إِنَّما هيَ صَفيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) فَقالاَ: سُبْحانَ اللهِ يا رَسولَ اللهِ ، وَكَبُرَ عَلَيْهِما ، فَقالَ النَّبيُّ : (إِنَّ الشَّيْطانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسانِ مَبْلَغَ الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلوبِكُما شَيْئًا)  ، فلم يتحرَّج رسولُ الله  من السير مع زوجته ، ولم يجد أي غضاضة في التعريف بها وذكر اسمها .
وقد كان رسول الله  يُسامر نساءه ويتجاذب معهنَّ أطراف الحديث الذي يعجبهن ، وربما طاب لهن أن يتلهين بأحاديث خرافية أو أقاصيص للمتعة ، فيشترك معهن في ذلك ، وربما ذكّرهن من هذا القبيل بالكثير ، ولم يكن عليه الصلاة السلام يَرى في ركونه إلى ذلك أي منقصة تلحقه ، بل كان يَرى في ذلك قربة إلى الله عز وجل ، وقد وصلنا من ذلك حديث “أم زرع” الذي قصته عائشة على رسول الله  ، وهو من الطرائف والملَح التي تتناقلها النساء في مجالسهن ، فقال لها رسول الله  في نهاية الأقصوصة التي ذكرتها له: (كُنْتُ لَكِ كَأَبي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْع)  .
وعلى الرغم من حديث رسول الله : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِه)  ، فإِنَّ هذه الثُّلَّة من الرجال ، يُمارسون نقيض هذا الذي أوصى به رسول الله  ! إذا كان أحدهم بين أصدقائه ومعارفه ، أو مع الناس في سوقه ، أراهم مِن وجهه كل بشاشة ولطف ، ومن لسانه أعذب الكلمات ، ومن نفسه أطيب المعاملة ، فإذا عاد إلى داره في المساء ، تجهَّم منه الوجه وكسا نفسه برداء الهيبة ، وحبس حديثه في نطاق الجِدّ ، ولم يتكلَّم إلا بمقدار .
وإني لأعلم أن في النساء من يَشتهين قُدوم رجالٍ عليهن في البيت ، كي يأْنَسْنَ بما قد حُرِمْنَ منه من مُباسطة أزواجهن لهنَّ والخوض معهنَّ في الأحاديث الممتعة ، ولو من وراء حاجزٍ ، ولو جاءت هذه المباسطة مع غيرهنَّ !.
وَلَكَمْ تَساءَلْت مع نفسي: الأخلاق الحميدة واحدة ، فلماذا قضى رسول الله  بأن تكون مُمارستها في الدار مع الزوجة ، أعلى درجة عند الله من مُمارستها في الخارج مع الأصدقاء وعامة الناس ؟.
ولقد هُديت بحمد الله إلى الحكمة: إن ممارسة الرجل للأخلاق الفاضلة خارج المنزل مع الناس ، تأتي بدوافع مختلفة شتى ، من أبرزها تحقيق المصالح الدنيوية وراء ذلك ، ومن أهمها أن ينسج لنفسه بين الناس سمعةً طيبةً ، وأن يَغرس في نفوسهم أنه من أصدق الناس قولاً وأبَشِّهم وجهاً وألطفهم معاملة ، وبذلك يُمهد لتحقيق آماله الاجتماعية المتنوعة ، ومن أخفاها وأضعفها البحث عن مرضاة الله عز وجل .
أما في داخل الدار ، حيث يخلو وجه الرجل إلى زوجته ، فإن المطامع التي كانت تدعوه إلى أن يتجمَّل في حديثه ويلاطف في معاملته تختفي هنا نهائياً ، ولا يبقى أمامه من مطمع للاستمرار في تلك الملاطفة والظهور بمظهر الأخلاق الفاضلة إلا أن يبتغي مرضاة الله .
فمن هنا كان لطف الرجل مع أهله في المعاملة داخل الدار مقياساً دقيقاً في الدلالة على صِدْقه وعدم نِفاقه ، إذ لا فائدة من النِّفاق هنا ، إلا في الحالات النادرة جداً .
أما الانزلاق إلى الأخطاء وارتكاب المحرمات أياً كانت ، فإن شرعة الإسلام تقضي بأن وزر المرأة فيما ترتكبه من أخطاء كوزر الرجل تماماً ، فليس لخطيئة المرأة في ميزان الله تعالى إلا الخطورة التي تبدو في خطيئة الرجل ، ما دامت هوية الخطيئتين واحدة .
إن النبي  يومَ قال: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائينَ التَّوَّابون)  ، لم يكن يعني بالتوابين الرجال من دون النساء ، وما صيغة الجمع المذكر هنا إلا للتغليب ، فكما أن خطيئة ، بل خطيئات الرجل تكفرها التوبة الصادقة ، فكذلك خطيئات المرأة تماماً .
والرجل الذي يخترق توبة زوجته أو ابنته ، فيقتلها غير آبه بتوبتها ، مُتلبِّس عند الله بشرٍّ من جريمتها ، ويستحق القتل قصاصاً في دين الله وحكمه .
وإنَّ عجبي لا ينتهي من أن تعمد أسرة إلى فتاة فيها ، قيل إنها غوت وارتكبت الفاحشة ، فلم تجد ما تعالج به انحرافها إلا السم الناجع دسَّه الأبوان أو الأب في طعامها ، فأكلته جاهلة على مرأى منهما ، ثم راحت تتلوى وتصيح على مقربة منهما ، ثم قضت نحبها وأسلمت روحها تحت أبصارهما . أما شقيقها الذي ارتكب سلسلة من الموبقات على علم منهما ، فقد فوجئ الأبوان منه ببشارة كُبرى يوم جاء يُعلن لهما توبته ، وانطلقا في تدليله والتَّحبُّب إليه ، وكانت الجائزة الكبرى التي استحقه منهما أن زَوجاه من فتاة جميلة حَصان تَليق بملائكيته وسمو أخلاقه !.
غداً سيَسْألُ الله عز وجل هذا الوالد وأمثاله: ما الذي حجب حقَّ التوبة عن البنت التي عادت مُصطلحة مع الله ، في حين أنَّ هذا الحق رأى طريقه مُعبداً إلى أخيها الشاب ؟ بأي سُلطان امتلك هذا الوالد حقَّ التَّلاعب بقول الله تعالى: أَلَمْ يَعْلَموا أَنَّ اللهَ هوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه [التوبة: 104] ، فجعلها للشباب دون الفتيات ؟
إن الذين يتحدَّثون عن حقوق المرأة ويغارون – أو يُظْهِرون الغيرة على كرامتها وحقوقها – أن يتبرموا ويضيقوا ذرعاً بهذه العادات الباطلة ، أو أن يربطوا بينها وبينه بأي علاقة وهمية مصطنعة ، بل عليهم أن يُحاربوا هذه العادات من حيث يَغارون على الإسلام أن يُصيبه شيءٌ من رشاشها .
الميراث والمهر
من العادات الجاهلية التي يُحذِّر منها الإسلام ويتوعَّد عليها ، ما هو شائع في كثير من القرى ، ولدى بعض الأسر في المدن – دمشق ويا للأسف واحدة منها – مَنعُ البنت أو المرأة من حَقِّها في الميراث .
فالمرأة في نظر هؤلاء الناس لن تستفيد من ميراث مُوَرِّثها شيئاً ، وإنما الذي يَستفيده – آجلاً أو عاجلاً – هو الوافد الغريب وهو الزوج ، ثم إنَّها مكفيَّة النفقة والحاجات في دار أبيها ثم في دار زوجها .
ولئن كانت الجهالة المطبقة تُشكِّل بعض العُذر في ارتكاب هذه الموبقة في القرى النائية ، حيث الحاجة ماسّة إلى معرفة الدين وأحكامه ، فإن رسوخها في بعض أحياء المدن وداخل بعض البيوتات والأسر المشبعة بالثقافة والتعاليم الدينية ، ليُعدُّ أمراً أشد سوءاً ، وهبوطاً خطيراً إلى التلاعب بدين الله والعبث بأحكامه في سبيل مغنم مالي جانح يسيل اللعاب عليه .
وليعلم الذين يخلقون من أذهانهم العلل والحكم التي تروق لهم لأحكام الله عز وجل ، أنَّ حقَّ الميراث للمرأة ليس مُرتبطاً بحاجة ، ولو كان الأمر كذلك لحجب الشارع حقَّ الإرث عن كلِّ وارثٍ يتقلَّب في حياة النعيم ، ويمتلك من الثروات ما لا تتعلَّق الحاجة حتى بِمِعْشاره . والذي أعلمه أن كثيراً ممن يَمنعون قريباتهم من حقوقهم الإرثية يتمتَّعون بمثل هذا الرخاء ، ويرون سعادتهم في استيلاء الملايين ، ومع ذلك فإنهم قادرون على أن يُقنعوا عقولهم بأن عِلَّة تَوريث المرأة هي حاجتها ، وأما عِلَّة تَوريث الرجل فهي مُجرَّد رغبته ، أجل مجرد رغبته في أن يرث .
إن الحكمة من توريث المرأة من الوضوح بمكان ، ولا لُزوم لتشقيق أي كلام فلسفي مُتنطِّع عنها .
إن الحكمة بكلِ بساطة أنَّ لها حقاً في مال المورِّث كحقِّ الرجل تماماً ، وما كانت الأنوثة يوماً ما عائقاً عن بلوغها هذا الحق ، والجامع المشترك بين الرجل والمرأة أنَّ كُلا منهما منطبع على جِبِلَّةِ الامتلاك ، ولما كان الإسلام دين الفطرة ، وكانت أحكامه ثوباً سابغاً على قدر الفطرة الإنسانية ، فقد كان لا بدّ من أن يُشْبِع الإسلامُ هذه الرَّغبات الجبلية لدى أصحابها من ذكور وإناث بقطع النظر عن الحاجة وعدمها .
ويتنطَّع بعضُّهم فيقول: ما قيمة البنت وما تملكه أمام رضا أبويها ؟ إنَّ لكلٍّ من الأبوين حقاً في أعناق الأولاد ، لا تحررهم منها كنوز الدنيا كلها ، فما هي أهمية المال الذي تَخسره من مُورثها إن هي كسبت في مقابل ذلك الرضا ؟ أَلَمْ يقُلْ رسولُ اللهِ  لِذلكِ الشَّاب الذي جاءَ يَشْكو أَباهُ: (أَنْتَ وَمالُكَ لأَبيك)  ؟.
وأقول في الجواب: لو صحت هذه الفلسفة لاقتضى ذلك أن ينسف ميراث كل من الأبناء والبنات ، إذ لا فرق عند فتح ملف الرضا وبر الوالدين بين الذكور والإناث قط ، ونحن نتحدَّث عن عادة سيئةٍ هابطة ، هي العمل على حرمان الإناث من حقوقهنَّ في الميراث .
إن الحقَّ الذي جعله الله للأخت عند وفاة أخيها ، لا يملك أحدُ من الناس أن يسطو عليه ، ذلك لأن هذا السطو ليس في حقيقته استملاكاً من الأخت الوارثة ، ولكنه حَجزٌ للمال الذي أَرسله الله إليها بقرارٍ منه أن يصل إلى يدها .
إن الذي يمنع المرأة من أن تنال حَقَّها في الميراث ، إنما يحاول أن يمنع الشارع جل جلاله من إبلاغ هذا الحق المالي إلى صاحبه ، وإن هو لم يُدْلِ بذلك الاعتراف ، وهذا ما لا يَملكه أبٌ في حقِّ ابنه ، ولا أم في حقِّ ابنتها ، ولا زوجٌ في حقِّ زوجته ، ولا أي من البشر مهما عَلَت رتبته في حقِّ من قضى الله لهم بشيء .
على أن الحديث بمعزل عما نحن بصدده ، فموضوع بحثنا هو التلاعب بأحكام الميراث التي شرعها الله ، والعمل على عدم إبلاغ حقِّ الله هذا لأصحابه ، أما مَضمون الحديث فيتعلَّق بالأب الذي يَستعين بمال ابنه لحاجاته أياً كانت .
والرجال الذين يَسطون على حقوق قريباتهم في الميراث ، هم الذين يَسطون من باب أولى على حُقوقهنَّ في امتلاك مُهورهنَّ ، وإن كان أكثر الذين يُمارسون هذا العدوان عليهن هم الآباء  ، ويتمُّ هذا العدوان في البيوتات التي تسير على هذه العادة ، بإحدى طريقتين:
الطريقة الأولى: وضع اليد على المهر من قبل الأب أو الأخ أو العم مثلاً ، واستلابه من صاحبته بهذه الطريقة الصامتة ، دون أي محاورة أو استئذان ، ونظراً إلى أن الفتاة خَجولة لا تَقوى على التذكير بحقها فضلاً عن المطالبة به ، فإن الحق يُستلب مِن صَاحبته مِن خَلال الصمت المطبق من الطرفين .
الطريقة الثانية: – وتتم غالباً في بعض القرى – أن يُطالبها الولي – الذي هُوَ الأب أو مَن يقوم من مقامه من الأقارب – بالتنازل عن مهرها لصالحه ، إما بواسطة محاباة أو تخويف ، ولا بد أن تستجيب – كما هو معروف – تحت سلطان هذا الضغط ، فيمتلك الولي عندئذ مهرها كاملاً ، وقد طمأن نفسه أنه لم يأخذه إلا بطريق شرعي !.
ولا ريب أن هؤلاء الناس الذين يستلبون مهر الفتاة بأي من هاتين الطريقتين بعيدون كل البعد عن كتاب الله ، مُعرضون كل الإعراض عن مبادئه وأحكامه .
وليت شعري ، ما قيمة أن يَحج الواحد منهم إلى بيت الله الحرام ، وأن يَهرع إلى المساجد لأداء الصلوات جماعة في الصف الأول ، ويُصِم – في الوقت ذاته – أُذنيه بتعمُّدٍ وسبْق إصرارٍ عن قول الله عز وجل: وَآتوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلوهُ هَنيئاً مَريئاً [النساء : 4] .
وانظر إلى البيان الإلهي كيف احتاط في التعبير ، فهو لم يقل: (فإن وهبن لكم مهورهن فكلوها) ، ولكنه قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلوهُ ، فَمَن هِيَ تِلك التي تَطيب نفساً بما ينطق به لسانها عندما يُخاجلها أو يتهدَّدها والدُها أو قريبُها بالتنازل عن حقِّها في المهر ؟ ومهما برر أولياء هذه المسكينة جشعهم ، بأن مَصير المهر سيكون للزوج الغريب – إذن فوالدها أو أخوها أو عمها أولى به – فإن اختلاق هذا التبرير ليس في حقيقته إلا رَدَّاً على شرعة الله وحكمه ، فكأن الله لم يعلم بما قد علمه أولياء الفتاة من أن الزوج سيتربصُّ بمهر زوجته ويستعيده منها ، ولو علم ما قد علموا ، لأذن لهم فيما قد أقدموا عليه ، ولقال لهم: كلوه هنيئاً مريئاً .
إن الشارع الذي أمر الزوج بأن يُسلم إلى الزوجة مَهرها نِحْلةً – أي عَطيةً صافية عن أي قيدٍ أو شرطٍ – نَهاه عن أن يَستلب منه شيئاً ، كما نهى الآخرين من أقاربها ، والكل مُكلَّف بتنفيذ شرع الله وأمره . والتورط مِنهم في خَلاف ذلك مُعَرَّضٌ للعقاب والنكال ، سواء كان زوجاً أو ولياً ، فما معنى عدوان الولي على هذا الحق بهذا التبرير الـمُختلق إلا المسابقة اللاهثة من الأولياء والزوج – إن كان الزوج فعلاً مُشْترِكاً في هذا القصد – على مخالفة أمر الله والتعرض لسخط الله ؟
وبعد فإن عليّ – وأنا أستنكر هذا السطو الدنيء البشع – أن أُذكِّر وأؤكد أن هذه العادة نادرة ، ولا سيما في مُحيطنا السوري ، وهذه العادة النَّادِرَة أكثر ما تُرى في القرى ، على أنها ماضية في التراجع فيما نحسب .
أما في المدن ، فلعلها تجد مُستقرَّها لدى بعض الأُسَرِ الفقيرة ، حيث يُغري الفقر والدَ الفتاة بالطمع بما قد يرد إليها من مهر وهدايا ، فيجنح إلى نحو ما قد ذكرناه .
أما النَّهجُ المتَّبع لدى سائر الأسر الأخرى ، فهو أن يُضيف والد الفتاة ضميمة أخرى مِن ماله الخاص إلى مَهرها وإلى الهدايا التابعة لها .
ولكنا مع ذلك آثرنا أن لا نَغض الطرف عن عادات جانحة في هذه المسألة ولو كانت نادرة ، كي لا يقول لنا قائل: إننا نتبجح بذكر المثاليات النظرية ، ونتجاهل الواقع المناقض ، وإذن فنحن والغرب في هذا سواء .
واقع الغرب مَغموس في السوء والظلم الذي يَلف حياة المرأة من كل جانب ، والقرارات والأنظمة المفيدة أو المنصفة لا سلطان لها على أكثر من 20 % من الواقع الاجتماعي .
أما واقع الحياة الاجتماعية عندنا ، فمغموس – بحمد الله – بالانضباط بتعاليم الشرع وهديه ، والعادات الجانحة عن هذه التعاليم لا تزيد على 20 % في مجتمعاتنا ، مهما ازادت .
هذا عن البيوتات التي تُهيمن عليها تعاليم الإسلام ، أما تلك التي تُهيمن عليها رياح الغرب وعاداته ، فهي تحسب عند المقارنة والإحصاء جزءاً لا يتجزأ من المجتمعات الغربية ، ولا مَعنى للدّس بها في المجتمعات الخاضعة لنهج الإسلام وحكمه .
فوضى تعدد الزوجات
إن ضباباً لا يَزال يَتغشَّى النفوس والمشاعر الإنسانية لدى النظر في الواقع الذي يُترجم ما أباحه الله تعالى من مشروعية تعدد الزوجات ، فواقع التعدد – كما يجري في مجتمعاتنا – ليس مرآة صافية للحقِّ الذي رسمناه وأوضحناه .
وليس معنى هذا الكلام أنَّ كلَّ التطبيقات التي تَجري لهذا الحكم يُعدُّ تطبيقات مجانفة لتعليمات الشرع وآدابه ، وإنما الذي أقصده أن هنالك تطبيقات كثيرة مُخالفة غير مُلتزمة بالشروط والضوابط التي أكَّدها الشارع مِن شأْنِها أن تَمُدَّ غاشيةً من الاشمئزاز على هذا المشروع من حيث هو ، ذلك لأن الشذوذات التي تنتشر بين التصرفات المنطقية السديدة مِن شَأْنِها عادةً أن تُشوه حتى الصورة السليمة لتلك التصرفات مهما كانت كثيرة .
إن الممارسة السليمة والصحيحة لأي عمل من الأعمال لا تلفت النظر عادة ، لأنها تابعة للتيار السليم العام مُندمجة في تضاعيفه ، فهي كالآلة المندمجة في عزفها مع المجموعة الموسيقية العازفة ، ولكن الممارسة الشاذة أو المشاكسة هي التي تَلفت النظر لأنها من نوع النشاز ، والنشاز يُعلن بالضرورة عن نفسه دائماً .
إنَّ عَشْرَ حالاتٍ من التَّعدُّد الشائن غير الملتزم بضوابط الشرع في مدينة كدمشق مثلاً ، من شَأنها أن تَنشُرَ صَدىً سَيئاً قد يُغطي البلدة كلَّها ، فَضلاً عن أنها قد تُصيب برشاش شائعاتها الحالات الكثيرة التي لا غُبار عَليها ولا إشكال فيها ، وهذا في الواقع شَأن الصور الفاسدة والزائفة لأي عمل من الأعمال أو مبدأ من المبادئ .
إذن ففوضى تعدد الزوجات موجودة في مجتمعاتنا ، ولكنها ليست بالضرورة الحالات الغالبة ، وإن كانت نِسبتها مُتفاوتة ما بين بلد وآخر .
إن هنالك مَن يُقدم على هذا المشروع للتَّشهِّي لا للضرورة ، ومن ثم فإن باعث التشهي لديه يجعله يَتأفف مِن التقيد بالشروط والأعباء التي كَلَّفه الشارع بها ، إذ إن بَين باعث التشهي وتحمل هذه الشروط الثقيلة تناقضاً بيناً ، فهو يَضيق ذَرعاً بالتقيد بمبادئ العدالة في المعاملة ، وهو يَتبرم مِن أن يُقسم حضوره مع كل من الزوجتين على حد سواء ، ولا يَجد سبيلاً إلى أن يُساوي بينهما في العطاء والإنفاق .
والصعوبة في ذلك ليست آتية من أنها أمور غير ممكنة ، ولكنها آتية من أن الرجل ينطلق فيما فَعَلَ مِن شهوة يبتغيها لا مِن ضرورة سيق إليها ، والراغب في شهوة يتزيد منها مِن شَأنه الفرار من القيود والالتزامات ، أما الواقع في ضرورة لا مناصّ مَنها فما أيسر عليه أن يَلتزم بتلك الشروط كُلها لقاء انفكاكه من تلك الضرورة التي يُعاني منها .
ولا يَذهبنَّ بك الوهم إلى أني أَفهم أن شِرعة تَعدد الزوجات خَاصة بالمضطرين دُون غَيرهم ، لا بل هِيَ شِرعة عَامة تَشمل كُلَّ رَاغب ، ولكن لما رَبطها الشارع جل جلاله بما رَبطها به من القيود والالتزامات الثقيلة ، اقتضى الشأن أن لا يُقْدِم على الأخذ بها إلا أولو الضرورات . هذا إن كان الـمُقْدِمون على الأخذ بهذه الشِّرعة مِمَّن يُؤمنون بالله ويَخافون عِقابه ويَلتزمون بأوامره وأحكامه .
أما الذين لا يُقيمون وزناً لأوامره وأحكامه ، فهم قَد يُقدمون على التَّعدُّد دُون أن يَتقيَّدوا بضوابطه وشرائطه ، وهم فيما يُقْدِمون عليه يُقْنِعون أنفُسَهم بأنَّ هذا الذي اختاروه لأنفسهم خيرٌ مما لو وقعوا في مغبة الفاحشة والزنا ، إذ إنهم لم يَستجيبوا لشهواتهم إلاّ عن طريقٍ زواج شرعي صحيح .
ونحن لا نقول إن أَخْذَ الرجل بشِرعَةِ تعدد الزوجات دون الانضباط بشروطه وآدابه بمثابة التورط في الزنا ، بل هو فعلاً زواجٌ شرعي صحيح ما دامت أركان الزواج وشروطه متوافرة ، ولكن عدم تَورطه في الزنا لا يَعني أنه لم يَتورط في معصية ، بل في معاصٍ أُخرى ، فالمعاصي كثيرةٌ وأسبابها متنوعة ، وإن هُجران الرجل زوجته الأولى في سبيل الرُّكون إلى الثانية والتمتع بها من الظلم الشنيع الذي يُعرِّض صاحبَه لعقاب لا يَعلم حدوده إلا الله عز وجل ، بل ربما كان العقاب الذي يَنتظره شراً من عقاب الفاحشة التي يَزعم أنه قد فرّ منها ، والذي يُغدق على إحدى زَوْجَتَيْه ألواناً من المتع وأسباب النعيم ، ويُضيِّقُ على الثانية فلا يُعطيها إلا بمقدار ، أو يُري الواحدة منهما الفيض من أُنسه وبشاشته وطلاوة حديثه ، ولا يُري الثانية إلا عكس ذلك من كآبة الوجه وقسوة الكلام وجَلافة الطبع ، مُتورِّطٌ من عمله هذا بمعصية لا يَعلم حَجم خُطورتها إلا الله عز وجل .
وفي الناس من يقول: إنني خَيرت الثانية بين الطلاق والرضا بما أُعاملها به فاختارت الرضا ، فقد أَسقطت إذن حقَّها ، ومن ثم فَلستُ مُضارَّاً لها ولا مُتَعَسِّفاً في التعامل معها !.
وأقول لأصحاب هذا التخريج الخادع: هلاّ ذَكرتم هَذا التخيير للزوجة المشؤومة عند عقد الزواج ؟ إنكم لو فعلتم ذلك وخيرتم الفتاة بين أن يتم الزواج منها دون أن يتقيد زوجها في المستقبل بضوابط العدالة في القَسم ، وبين أن يُعرض عنها فلا يَتزوجها ، فاختارت الزواج مع عدم مطالبتها بحقوقها في قواعد القسم ، لكان التنازل صحيحاً ، ولأبرأ الزوج بذلك ذمَّته من حقِّها .
أما أن يَستدرجها الرجل إلى زواجٍ لا يَتراءى فيه أي دليلٍ على هذا الموقف ، حتى إذا تَزوَّجها واستقرَّت عنده وارتبطت به ، فاجأها بهذا التخيير بين أمرين أحلاهما مرّ ، واستغل ضرورة فرارها من الأمرّ لِيَفرِضَ رِضاها على المرّ الذي لا رضا لها به ، فإنه لون صارخ من الخداع الذي يَبْرَّأ منه دين الله وشرعه .
إنَّ الذي يتصرَّف بهذه الطريقة مع إحدى زوجتيه ، إنما يَفرض عليها التنازل عن حقِّها ، ولا يَضعها أما خيار كي تتنازل أو لا تتنازل عن حقِّها ، وهو أشبه بالتنازل الذي يَفرضه الوالد على ابنته عندما يَتهدَّدُها بالوعيد والنكال إن هي لم تتنازل له عن مهرها ! نعم هناك تَنازلٌ شَرعي صحيحٌ ، وهو ذاك الذي تَطيب الزوجة به نفساً ، ولا تَشعر أنها أُلجئت إليه إِلْجاء ، وتفصيل ذلك بين المراجع الفقهية المعتمدة .
ننتهي من هذا الذي أوضحناه إلى أن هذه الفوضى التي قد نَعثر عليها في أوساطنا العربية والإسلامية في مسألة تعدد الزوجات لا يَتحمَّل الإسلام شيئاً من أوزارها ، وإنما الذي يتحمَّل مسؤوليتها هو القضاء الإسلامي .
إن على السلطة القضائية أن لا تُوافق على تَسجيل الزواج الثاني لمن كانت زوجته الأولى موجودة على عصمته إلا بعد أن تتبين وتتأكَّدَ من قدرته المادية على الزواج الثاني ، وبعد أن يَتعهَّد خَطِّيَّاً بالتزامه بالشروط والآداب التي أمر بها الله عز وجل للمُعَدِّد ، فإن هو خالف ما تَعهَّد به تَعرض للعقاب الصارم الذي ما يَنبغي أن تكون فيه هوادة .
والعجيب أن قانون الأحوال الشخصية يُشَدِّد فيما لا دَاعي للتشديد فيه ، بل لا جدوى للتشديد فيه ، وهو اشتراط أن يكون الزوج في وضع يُحوجه إلى التزوج بزوجة ثانية ، مع العلم بأن هذا الشرط غير خاضعٍ لإمكانية التنفيذ ، إذ الحاجة إلى التَّعدُّد قد لا تكون مادية مرئية ، بل تكون شعورية كامنة في مشاعر الزوج نفسه ، والشارع كما يَعتد بالأسباب المادية من مرض وعقم ونحو ذلك ، فإنه يَعتد أيضاً بالأسباب الشعورية التي إن لم يَستجب من أجلها للاقتران بفتاة أُخرى تَعرض ربما لارتكاب الفاحشة .
وهيهات للقضاء أن يتبين حقيقة هذه الأسباب ، ويحس بها كما يحس بها صاحب المشكلة نفسه ، بل حتى الأسباب المادية المرئية منها كثيراً ما تَقتضي المصلحة أن تَكون مَخبوءة بكنف الستر ، ويَغدو إبرازها والحديث عنها مثار إِساءة للزوجة أو الزوج أو لكليهما .
ولذا فإن هذا التشديد الذي تضمنته عبارات قانون الأحوال الشخصية أصبح تشديداً شكلياً غير قابل للتنفيذ ، وقد كان يُغني عنه التشديد على الشروط التي لابد أن تتوافر في حال الزوج وسلوكه ، والتي لا خلاف في ضرورة توفرها .
إن القضاء لو بالغ في الاهتمام بهذه الشروط وتتبع بكل الوسائط الممكنة حالات التعدد ووقائعه ، وتعقب المتساهلين في هذه الشرائط بالعقاب والنكال ، فإنه يحقق الغاية التي قصدها من اشتراط أن يكون الزوج في وضع يُحوجه إلى التعدد ، إذ إن الرجل إذا رأى الجِدَّ في تعقب المتساهلين في شروط التعدد أو المعرضين عنها ، ورأى كيف يُساقون إلى العقاب والنكال ، فإنه سيراجع حسابه ويعود إلى نفسه ، ليتبين مدى حاجته إلى أن يوجع رأسه بالاقتران بزوجة أخرى ، فإما أن يمضي مُتكلاً على الله ، إن علم من نفسه الحاجة الماسة ، وستحمله ضرورته على الالتزام بالشرائط ، وإما أن يُعرض عن قراره إذ يعلم أنه غير مضطر إلى هذه المغامرة التي قد تكشفه وتعرضه للعقاب .
وهنا أيضاً أقول للذين يتحدثون عن المرأة ويغارون على حقوقها وكرامتها ، أن ينحوا باللائمة على فوضى تعدد الأزواج التي قد يَتم العثور عليها هنا وهناك ، ونحن معهم في هذا الاستنكار والغيرة ، ولكن ليس لهم قط أن يُحَمِّلُوا الإسلام أعباء هذه الفوضى والمغامرة اللاشرعية واللامسؤولة ، بل عليهم أن يُحاربوها من حيث يَغارون على الإسلام أن لا يُصيبه شيء من رشاشها .
نحن مَعهم في أبلغ مواقف الاستنكار ، فليكونوا معنا في إبعاد الإسلام عن أن يحمّل شيئاً من جريرة هذه الفوضى ومسؤولياتها .
التحيز في الهدايا والأعطيات
وهذه عادةٌ أخرى في كثير من البيوت والأوساط ، فبإلحاح من الأولاد أو ربما برغبة ذاتية من أبيهم كبير الأسرة ، يُعطي بعض ممتلكاته العقارية أو غيرها هَدية لبعض أولاده ، متنازلاً لهم عنه في حال حياته ، والشأن الغالب أن يفوز بهذه العطية الأولاد الذكور دون الإناث ، ووجهة النظر في ذلك أن الأولاد الذكور مُقبلون على احتياجات مالية كثيرة من أهمها السكن والزواج ، أما الإناث فمكفيات بالزوج الآتي على الطريق ، أو الموجود فعلاً الآن ، والمال الذي يَكسبه الابن يستهلكه لنفسه ، أما الذي يُعطى للبنت فإنما يَكسبه على الأغلب الرجل الغريب الذي هو الزوج ، وهذا الفهم يَنبثق من النظرة التي عَبَّر عنها الشاعر العربي بقوله:
بنونا بَنو أبنائِنا ، وبناتُنا
بنوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعدِ

فما حكم الشريعة الإسلامية في هذا التصرف ، وما حكمها في هذه النظرة ؟
روى النُّعْمانُ بْنُ بَشيرٍ عنْ أَبيه ، أَنَّهُ أَتَى إِلَى رَسولِ اللهِ  فَقالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْني هَذا غُلاَماً ، فَقالَ: (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ) ، قالَ: لاَ ، قالَ رَسولُ اللهِ : (فارْجِعْهُ)  . وفي رواية أخرى للنُّعْمانِ بْنِ بَشيرٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُما ، أَنَّهُ قالَ عَلَى المِنْبَرِ: أَعْطاني أَبي عَطيَّةً ، فَقالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَواحَةَ – وهي أُمُّهُ -: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسولَ اللهِ  ، فَأَتَى رَسولَ اللهِ  ، فَقالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْني مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَواحَةَ عَطيَّةً ، فَأَمَرَتْني أَنْ أُشْهِدَكَ يا رَسولَ الله ، قالَ: (أَعْطَيْتَ سائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذا؟) ، قالَ: لاَ ، قالَ: (فاتَّقوا اللهَ واعْدِلوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُم) ، قالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطيَّتَهُ  . وفي روايةِ أَنَّ رَسولَ اللهِ  قالَ لِوالِدِ النُّعْمانِ في آخِرِ الحَديثِ: (فَلا تُشْهِدْني إِذًا ، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ)  .
يدل هذا الحديث على حرمة تخصيص الرجل بعضاً من أولاده بالعطية دون بعض ، وهو ما ذهب إليه جمهور من الفقهاء ، وذهب بعضهم إلى أنه مكروه ، والذي يَدلُّ عليه ظاهر الحديث هو الحرمة ، فقد عدَّ رسولُ الله  ذلك جَوْراً ، والجَوْر مُحرَّم بالاتفاق ، فإذا كان الدافع إلى هذا التمييز هو تفضيل الذكور على الإناث ، فهو أحرى عندئذ بأن يكون محرّماً ، والذي تجري عليه أعراف بعض الناس اليوم ، هو محاباة الذكور في الأُعطيات وإغفال الإناث للسبب الذي ذكرناه ، وهي من أخطر العادات المخالفة للشرع ، والتي تُرَسِّخ النظرة الدونية فعلاً إلى المرأة من حيث إنها امرأة ، وهي من حيث إنها عادة من العادات التي تُعْرَفُ بها الأوساطُ الإسلامية ، قد تُنسب من قبل الجاهلين بالدين – وما أكثرهم ولا سيما الأجانب الذين يَهتَمُّون بالاطلاع على السلوكات والعادات الإسلامية – إلى الإسلام ، وتُعدُّ أدباً من آدابه ، أو على الأقل عملاً مباحاً لا يُنكره الشرع .
إن الحجَّة التي يُردِّدها المتورِّطون في هذا العمل الجانح باطلة داحضة لا يُؤيدها شرع ولا يدعمها منطق أو عقل ، وهي فِكر باطل مَبني على تصوُّرٍ باطلٍ ، فالفتاة إذا تزوَّجت لم يَملك الزوج أن يَمُدَّ يده من مالها إلى قرش واحد إلا برضا وطواعية نفسية تامَّةٍ منها ، مَهما بَلغت من الغِنى ومهما بلغ من الفقر . إذن فافتراض أنَّ مَا سَتأخذه البنت من أبيها سَيَؤُول بالضرورة إلى زوجها فرضية باطلة ، عدا أنها تَنطوي على إساءة ظَنٍّ بَالغةٍ بزوج لا يُعرف بَعْدُ مَن هو .
أما أن تَهَبَ الزوجة مالها أو شيئاً منه لزوجها برغبة منها ورضا تام ، فهذا مِن شأْنها وليس في ذلك ما يُبَرِّر الإجحاف بحقِّها ، أو أن يُعاملها الأب بِنَقِيض مَا يُعامل به إخوتها من الجُود والإكرام .
والذي يَخشى على ابنته من الزوج الطامع في مالها ، لا يُعالج هذا الخوف بِحرمانها من المساواة في الإكرام والعطاء ، وإنما يُعالج ذلك بتحرِّي أَخلاق الخاطبين الذين يَتقدَّمون إلى طلب يدها ، والبحث لها عن الزوج الأمين الصالح الذي يَطمأنّ إلى أنه لن يَسطو على حَقٍّ مِن حقوقها المادية أو المعنوية ، وحتى لو بَقيَ هذا الخوف قائماً لِقلَّة الأزواج الأُمناء الصالحين مثلاً ، فإنَّ ذلك لا يُسوّغ هذه المفاضلة الجانحة عن العدالة في الإكرام والعطاء .
فرَسولُ اللهِ  يَقولُ: (مَنْ عالَ جاريَتَيْنِ – أَي ابْنَتَيْن – حَتَّى تَبْلُغا ، جاءَ يَوْمَ الْقيامَةِ أَنا وَهوَ) وَضَمَّ أَصابِعَهُ  . وَيَقولُ : (ما مِنْ مُسْلِمٍ لَهُ ابْنَتانِ ، فَيُحْسِنُ إِلَيْهِما ما صَحِبَتاهُ ، أَوْ صَحِبَهُما إِلاَّ أَدْخَلَتاهُ الْجَنَّة)  . وَيَقولُ : (مَنْ كُنَّ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ أَوْ ثَلاثُ أَخَواتٍ ، أَوْ بِنْتانِ أَوْ أُخْتانِ ، اتَّقَى اللهَ فيهِنَّ ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ حَتَّى يَبِنَّ – أي يَتزوَّجْن – أَوْ يَمُتْنَ ، كُنَّ لَهُ حِجاباً مِنَ النَّار)  ، وله شواهد كثيرة  . وَيَقولُ : (مَنْ كانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْها ، وَلَمْ يُهِنْها ، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْها ، – قالَ: يَعْني الذُّكورَ – أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّة)  .
يقول رسول الله  كلَّ هذا ، ويوصي بكلِّ هذا ، ويُحذِّر من أَنْ يُؤثِر الرجلُ أولاده الذكور على الإناث ، ويأتي اليوم من يزعم أنه يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر ، فيعاكس وصيةَ رسول الله  هذه ، ويُصِرُّ على أن يُؤثِر الذكور من أولاده على الإناث ، مُؤْثِراً على وصية رسول الله  ، وصية الرجل الجاهلي القائل المذكور آنفاً:
بنونا بَنو أبنائِنا ، وبناتُنا
بنوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعدِ

ولا تسل عن الضغائن والخلافات التي تستشري بين الأولاد ذكوراً وإناثاً من جراء هذا التَّحيُّز الجائر ، فضلاً عن الخلافات والخصومات التي تقع من جراء ذلك بين رَبِّ الأسرة وأصهاره ، أو بين الأصهار وأشقاء زوجاتهم .
وإنِّي لأُهيب بالشباب الذين لا يَلتزم آباؤهم بوصية رسول الله  في الإحسان إلى البنات وعدم الإساءة إليهنَّ ، فيكرمونَهنَّ بأُعْطياتٍ لا يعودون بمثلها – أو بمقدار الحصة الإرثية – إلى أخواتهم ، أن يُبادروا هم إلى إصلاح هذا الفساد ، فيقتطعوا مِنَ المنيحة التي نَالوها من آبائهم ، مَا يعودون به على أُخْتهم أو أَخواتهم بحيث يَزول الحَيف وتتحقَّق العدالة ، إنهم بِهذا يَدفعون عن أنفسهم وِزراً ويستأهلون أجراً ، وينهضون بواجب إصلاح البين .
مشاطرة الزوج زوجته في مالها
كثير من الأزواج يعمد إلى السَّطْو – بطريقة ما – على مُرتَّبات زوجاتهم الموظفات أو على جزءٍ منها ، ويَحتجُّ الذين يتورَّطون في هذا العمل الشائن بأنَّ الزوجة موظَّفة مثله ، فَهُمَا في الحصول على المال سواء ، إذن فينبغي أن يكونا سواء أيضاً في الإنفاق ، وكثيراً ما يَشبُّ الخلاف وينقدح من ذلك أوارُ الخِصام والشِّقاق بين الزوجين ، وقد ينتهي بهما الخصام من جرَّاء ذلك إلى الفراق والطلاق .
إنَّ هذا التصرف من الزوج غير مُبَرَّرٍ شرعاً ، إذ هو في كل الأحوال المكلَّف بالإنفاق عليها وعلى الأولاد ، ولا يُغَيِّرُ مِن هذا الحكم الثابت كونها غَنية أو مُوظَّفة قط .
وَالحلُّ الذي يَملكه الزوج في هذه الحال هو التالي:
– إما أَنْ يتَّفِقا على حَلٍّ يَرتضيانه عن طواعية قلبية تامَّة ، بأن يتَّفقا على التعاون في الإنفاق على البيت ، أو على أنْ تَعود الزوجة بِقَدرٍ يُتَّفق عليه من مُرتبها إلى الزوج عَطية وإكراماً ، أو حتى تَنفرد الزوجة وحدها بالإنفاق على البيت ، فكلُّ ذلك سائغٌ وجائزٌ ما دام الاتِّفاق قائماً على الطواعية التامة والرِّضا القلبي الذي لا تَشوبه مُنَغِّصات أو حَياء .
– وإما أن يَمنعها الزوج عن ممارسة العمل ، وبذلك يَفقد الحُجَّة التي يُلاحق الزوجة اعتماداً عليها ، بالمطالبة بالاشتراك معه في الإنفاق أو بمطالبتها بالتنازل له عن جُزءٍ مما تتقاضاه ، إذ الزوج يملك أن يَمنع الزوجة من الوظيفة والعمل خارج المنزل ، ما دام قائماً بما قد كُلِّف به من واجب كفايتها والإنفاق عليها ، إذ ربما كانت له مصلحة في أن تتفرَّغ لمهام الحياة الزوجية ، وتكون أكثر سعياً إلى إسعاده وتمتيعه بالعلاقة الزوجية القائمة بينهما .
ولأن يقول الزوج لزوجته: دعي العمل خارج البيت وتفرَّغي للمهام البيتية والزوجية ، وأنا مُلتزمٌ بتقديم الكفاية اللازمة لك ؛ أرضى في ميزان الشريعة وأكثر قبولاً ، من أن يقول لها: اعملي كما تشائين على أنْ تَكوني شريكةً معي في نفقات البيت ومسؤولياته ، أو على أن أمتلك جزءاً محدداً من دخلك الشهري .
– وإما أن يَدعها تُمارس وَظيفتها كما تشاء راضياً بذلك ، وأن يَمضي في تَحمُّل نَفقاتها اللازمة ، وتَحمُّل المسؤوليات الأخرى من الإِنفاق على الأولاد وتغطية أجور البيت وتكاليفه .
ويلاحظ أن للنفقة المترتبة على الزوج للزوجة حُدوداً تتبع حاله التي هو عليها مِن حَيث الفقر والغنى ، فإذا أدى النفقة المترتبة عليه ضِمن الحدود الواجبة فَليس عليه أن يُضيف تَقديم أي شيءٍ آخر من وراء ذلك ، وإنما تُصبح هي المسؤولة عن تَغطية مُتطلباتها الزائدة .
غير أن فَريقاً من أصحاب الأفكار الحديثة يُحاولون أن يُخضعوا هذا الحكم الرباني الذي نَقرؤه في كتاب الله تعالى ، لجدلٍ عَقِيمٍ لا يَنتهي إذ لا ضابط له ، فَيقولون: إن نظام الإنفاق على الأسرة وتحديد المسؤول عن تقديم النفقة اللازمة يَتبعان الوضع الاقتصادي القائم ، والذي لا بُدَّ أن يَنعكس على المرأة ، مِن حَيث اشتراكها مع الرجل في العمل أو عدم اشتراكها معه فيه ، إذن فأحكام النفقة وتحديد الْمُنفق يَنبغي أن يتطورا حسب تطور الوضع الاجتماعي ، وتطور علاقة المرأة بالمجتمع مِن حَيث العمل وعدمه ، ولما كانت المرأة اليوم صِنو الرجل تماماً في ممارسة الوظائف والأعمال ، فقد كان لا بُدَّ أن تُساير أحكام الأسرة هذا التطور وأن تنسجم معه ، ومن أهم هذه الأحكام نِظام النفقة وتحديد المسؤول عنها .
إن هذا التطور في تحليل الأمور تَعوزه الدِّقَّة بل الأرجح أنه خَاضع لسطحية بالغة .
إن العلاقة الزوجية السارية ما بين الزوج والزوجة ، ليست قائمة على محور التعاون المادي كما يتصور هؤلاء الناس ، بل هي قائمة قبل ذلك على الحماية والرعاية اللتين تَنشدهما الزوجة لنفسها .
إن الزوج قد يَبحث من خلال زوجته عن شريك جنسي معه ، غير أن الزوجة لا تَبحث عند الزوج عن هذا فقط ، إنما تبحث فيه – ربما قبل ذلك – عن الكيان الكبير الذي يَحميها ويرعاها .
فإن قلت: يحميها ضدَّ مَنْ ؟ ويرعاها ضدَّ أي حاجة ؟
الجواب: يحميها ضد المجهول ، ويرعاها بإشباع ضعفها من قوة الرجل ، فإنها في كلِّ الأحوال وفي سائر الظروف تَشعر بأن أَمْنَها ليس صادراً مِن ذاتها ومزاياها التي تتمتع بها ، وإنَّما هو آتٍ مِنَ الرجل الذي تَلجأ إلى كنفه ، وهي في كلِّ الأحوال وفي سائر الظروف أيضاً تَشعر بأن أَمْنَها ليس صادراً من ذاتها ومزاياها التي تتمتع بها ؛ وإنما هو آت من الرجل الذي يَمدُّ عليها رواقاً سابغاً من الرعاية التامة لها .
ولك أن تُسمي هذا ضعفاً ، ولكن لا تَنس أنَّ نَسيج قوتها وسلطانها على الرجل إنما تتكامل مع الضعف .
ولعلك تعلم أنني لا أتقوَّل هذا على النساء ، ولا أعتمد على هذا التحليل بعيداً عن الإصغاء إلى آرائهن والتعبير عن مشاعرهنَّ ، فقد سبق أن أَصغينا في هذا إلى ما تقوله الكاتبة والطبيبة الألمانية الشهيرة “أ. فيلار” ، الذي يتَّسم بدقةٍ بالغةٍ في تحليل نفسية المرأة: “حق الرجل في التزوج من أكثر من واحدة” ، والكتاب لقي رواجاً بالغاً في كل من أوربة وأمريكا كسائر كتبها الأخرى ، ولقي من التأييد فيما قرَّرته وذهبت إليه أضعاف الذي صادفها من النقد والاعتراض .
ثم إن هذا الذي تقوله وتؤكده هذه الكاتبة المتخصصة هو ما يَنطق به حال أي امرأة تَبحث عن زوج أو تَعيش حياة زوجية مع رجل ما .
فإذا كان هذا واضحاً – وهو الحال الذي تنطق به حياة كل امرأة – فلتعلم إذن أن المرأة لو بلغت أوج الغنى ونالت البطولة العالمية في المصارعة أو ألعاب القوى ، لن تَشعر بحياة زوجية رغيدة إلا عندما تكون في كنف من تَشعر أنها مَكلوءة بحمايته مشبعة برعايته ، وهذا يستدعي أن يَبسط عليها من سلطان قوته ، ولو كانت بَطلة العالم في الكاراتيه ، وأن يُمدها برعايته المادية ولو كانت أغنى إنسان وإنسانة في العالم .
ولا شك أن المرأة عِندما تَجد نفسها هي المنفق على بيت الزوجية ، إذن فلا بُدَّ أن تَكون هي صاحبة السلطة والنفوذ عليه ، لأن مَن ينفق يَشرف ، فإذا سار بها وبالبيت الأمر على هذا المنوال فَلسوف يُريها مِنظارها النفسي الجديد زَوجَها الرجلَ طفلاً يَافعاً كبيراً ، يَحتاج إلى مَن يَبسط إليه يَد الحماية والرعاية ، وأن الأقدار ساقتها إليه لترأف به وتحنو عليه ، لا لكي تجد في شخصه رجلها الزوج ، وعند انبثاق هذه الرؤية تتسرب إلى نفس الزوجة عوامل التَّبرُّم ومشاعر الضيق والكرْب ، إلا إن استطاعت أن تتجرَّد عن مشاعرها زوجةً تبحث عن زوجٍ ، وتجرَّدت لدوافع إنسانية متصوفة تريق حظوظها وقوداً لإسعاد الآخرين .
إذن فالقرار القرآني القائل: وَعَلَى الْمَوْلودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْروف [البقرة:233] ، ليس مَرتبطاً بحال اقتصادية متطورة ، ولكنه مرتبط بِجبلَّةٍ إنسانيةٍ ثابتة .
وهناك نقاط اتهامٍ أخرى تُوَجَّه إلى الشريعة الإسلامية فيما يتعلَّق بحقوق المرأة ، سنذكرها فيما يلي ونناقشها:
1-حَجَبَ الإسلامُ عن المرأة الرئاسةَ العليا للدولة : بذلك وردت أحاديث ثابتة عن النبي  ، منها قوله : (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَة)  .
نعم لقد حجَبَ الإسلام عن المرأة الرئاسةَ العليا للدولة ، إلا أن هذا ليس – كما قد يتصور البعض – خدشاً لحرية المرأة السياسية أو غضاً من كرامتها الإنسانية ، وإنما هو تنسيق بين المهام الكثيرة المختلفة للرئيس الأعلى في الدولة ، وطبيعةِ مَن يَتولَّى هذه الرئاسة ، وهذا التنسيقُ مُـلاحَظٌ في صفوف الرجال كما هو مُـلاحَظٌ في صفوف النساء .
فرئيس الدولة هو الذي يُعلن الحرب ويقود الجيوش ، ويُقرر السِّلم إن اقتضت المصلحة ذلك ، أو الحرب إن اقتضت المصلحة العكس . ورئيس الدولة هو الذي يتولَّى خطابةَ الجمعة في المسجد الجامع ، وإمامةَ الناس في الصلوات ، والقضاء بينهم في الخصومات .
ومن المكابرة بالبدهي المحسوس أنْ يَزعم زاعمٌ بأن المرأة قادرةٌ على النهوض بهذه الأعباء كلِّها ، وأنها تَملك مِن خُشونة الطبع وصلابة العاطفة والوجدان ما تَستطيع به خَوضَ المعارك ، والإشراف على الحروب ، والإمامةَ في الصلاة ، وإننا لَنحمَد الله على أَنها مُكابرةٌ كاذبة تَترفَّعُ عنها المرأة التي أَولاها الله مِنَ اللُّطف والعذوبة الإنسانية ما جَعلها مِن أَكبر أسرار تَعَلُّقِ الإنسان بالحياة .
والذين يَحلو لهم أن يَأخذوا على الشريعة الإسلامية هذا الموقف ، يُعرِضُون عن واقعِ مُعظم دول العالم على اختلاف مذاهبها ، وعن التزامها بموقف الإسلام ذاته ، انطلاقاً من الإيمان بالأسباب ذاتِها ، ثم يَخُصُّون الإسلام وحده بسهامِ نَقدِهم في أَمرٍ مُنسجِمٍ مع الفطرة والمصلحة ، وما وسع مُعظمَ العالم إلا الخضوعُ له والعملُ به .
2-لا تَعتدُّ الشريعة الإسلامية بشهادة المرأة في كثيرٍ من الأمور ، وتجعلها بقيمة النصف من شهادة الرجل في كثيرٍ من الأمور الأخرى  .
والجوابُ: أن الشريعة الإسلامية لم تُراعِ في هذا الموضوع أَهليةَ المرأة نَقصاً أو كمالاً ، بل راعت فيه تَلَمُّسَ السبيل الأَدَقِّ إِلَى كَشفِ الحَقِّ وَإِنصَافِ الْمَظلومين وفصل الخصومات .
ومن أوضح الأدلة على ذلك أنها رَفضت شَهادةَ المرأة في الجنايات والدماء ، وقَبِلَتْها شَريكةً مع الرجل على أنها تُساوي النِّصفَ مِن شهادته في قضايا الأموال ، وقَبِلَتْها مُنفَرِدةً عن شهادته في كُلِّ ما يَغلب أَن يَطَّلِع عليه النساء ، كالرضاع والولادة والنّسب والعيوب الخاصة بالنساء .
فأما رَفْضُ شَهادَتِها في الجنايات – وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء – فَلِأَنَّهَا قَلَّما تَستطيع أن تَستوعب صُورة جَريمة وَقعت ؛ لما تَتَّسِمُ بِهِ مِن رِقَّةِ الإحساس والمشاعر .
وأما أن شهادتَها مُساويةٌ للنصف من شهادة الرجل ، ولا بُدّ مِن اشتراكها معه في قضايا المال ، فالسبب في صحة شَهادتها فيها مِن حَيث المبدأ أن لها أن تُمارس قضايا المال على اختلافها بموجبِ أهليتها التامة لذلك ، والسببُ في أن شهادتها في هذه القضايا تُعَدُّ دون شهادة الرجل – ولا بُدَّ من عنصر الرجال معها – هو أن الواقع الـمُشاهَد في الغالب أن الرِّجَالَ هُم أصحاب النشاط في الأسواق وشؤون التجارة والمال ، فاقتضت الحيطة في الخصومات تَقديرَ ظُروف السهو والخطأ مِنَ الْمَرأة ، وجَعل شهادتها في هذه القضايا على النصف من شهادة الرجل رعايةً لحقِّ المتخاصِمين وحرصاً على الوصول إلى معرفة الحق .
وأما أن الشريعة أجازت انفرادَها بالشهادة دون الرجل في كلِّ ما يَغلب أن تَطَّلِع عليه النساء ، فلأنَّ ذلك أدعى لظهور الحقِّ وكشف الحقيقة .
ولو كان السبب في رفض شهادتها أو اعتبارها أدنى من شهادة الرجل نقصاً في أهليتها الذاتية لاطّرد الرفض بالنسبة لسائر الخصومات على اختلافها ، ولكن الأمر ناظرٌ إلى طبيعة الخصومة ونوع البيّنات التي تناسبها .
3-شُبهاتٌ وأقوالٌ حول حجاب المرأة وعلاقته بدورها في التَّقدُّم الحضاري :
إن الشريعة الإسلامية ، كما رَعَتْ حقوق كلٍّ من الرجل والمرأة دون تمييز أو تفريق بينهما ، فقد رتَّبت على كل منهما وظائف وواجبات اقتضتها المحافظة على أخلاق الفرد وكيان الأسرة ونظام المجتمع ، ولا ينتقص شيءٌ من تلك الحقوق إلا بمقدار ما قد يصطدم بشيء من هذه الواجبات ، الرجل والمرأة في ذلك سواء .
وقد تكون هذه الواجبات غير مُتَكَرِّرة بأعيانها فيما بَينَ الرجل والمرأة ، ولكنها على كل حال مُقتَسَمَةٌ بَينهما قِسمةً عادلة ، بِناءً على شركة مُتساوية في تحمّل مَسؤوليات الإصلاح وأعبائها ، وهذا هو المهم .
ومن أهم هذه الواجبات “الحجاب” ، والمقصودُ به أن تطوي المرأة ما قَد يَبدو مِن مَظاهر الفتنة والإغراء عن الرجال الأجانب عنها ، فما هي أهمية هذا الواجب الذي فَرضه الله على المرأة ؟
إن الناس إنما يجتازون إلى الله في هذه الدنيا ساعة امتحان ، سواء علموا ذلك أم جهلوا ، وربما طالت هذه الساعة أو قصرت ، ولكنها على كل حال ليست أكثر من ساعة امتحان ، وإذا كان اجتياز هذه الساعة الامتحانية قدراً مُشتركاً بين الرجال والنساء على السواء ، فإن المرأة تمتاز عن الرجل بحمل عبئ آخر شديد الخطورة في الدنيا ، وعظيم الأثر في العقبى ! فالمرأة بالإضافة إلى كونها تشترك مع الرجل في اجتياز هذه الساعة الامتحانية ، تُعَدُّ مَادةً من أهم موادها الامتحانية ذاتها ، ذلك لأن الشهوات على اختلافها هي المنزلق الامتحاني الذي بسط الله به وجه هذه الدنيا ، وإنما المرأة – بتقرير الله تعالى وصريح بيانه – أول نوع من أنواع هذه الشهوات ، أوَليس هو القائل: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والْبَنينَ والْقَناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والْأَنْعامِ والْحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب [آل عمران: 14] ، وإذًا ، فالمرأة في حياة الإنسان أخطر ابتلاءٍ دُنيوي على الإطلاق ، فالمرأة تستطيع إذا شاءت أن تجعل من شأْن نفسها بلاءً صاعِقاً للرجل ، لا يكاد يَجد سبيلاً للنجاة منه ، وتستطيع أن تجعل من شأْن نفسها عوناً له على السَّيْر في طريق السلامة والنجاة .
وكم من أمة كانت ذات شأن وسلطان بين سائر الأمم ، فتضاءل شَأنُها ثم تَهاوى سُلطانُها بما شاع بينها من الإباحية والتَّفسُّخ الأخلاقي ، ولم يَكن عامل ذلك كله إلا المرأة ! وما قصة انمحاق الدولة الرومانية والمزدكية والحضارة الهندية عن الناس ببعيد .
ومن هنا كان أخطر الوظائف الإسلامية التي كَلَّف الله بها المرأة ، أن تُغمد سلاح فتنتها أمام الرجال ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً ، حتى لا يَقعوا في رَهَقٍ من أمر هذا البلاء أو الامتحان .
وقد تمَّ الإجماع على أنَّ المرأة لا تُحرز رِضى الله تعالى عنها بعمل من الأعمال الصالحة ، كما تُحرزُه بالسعي في سبيلٍ يُعين الرجل على الاستقامة الخلقية ، ولا تُسبب غَضب الله تعالى عليها بعمل من الأعمال المحرَّمة ، كما تسبب ذلك بالسعي في سبيل إقصائه عن أسباب الاستقامة والعفة الخلقية .
وما كان أكثر أهل النار النساء – بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح – إلا لجملة عوامل مِن أهمها أنّهنّ لا يتَّقين الله تعالى في هذه الوظيفة الخطيرة التي أناطها الله تعالى بهنّ  .
إن أهم ما يُخيف الغرب بشطريه الأوربي والأمريكي مِن المسلمين إنما هو إسلامهم ! فلقد علم قادته – نتيجة دراسات موضوعية مستوعبة – أن النهضة الأوروبية لم تُشرق في حياتهم إلا يومَ أن غربت فاعلية الإسلام وقوته من حياة المسلمين .
ونتيجةً لهذا اليقين المستقر في أعماقهم ، فإنهم لا يَسعَون للمحافظة على مكاسب نهضتهم هذه بوسيلة أهم وأخطر من العمل الدائب بكل الوسائل الممكنة على أن يَظل المسلمون بعيدين عن إسلامهم ، تائهين عن تاريخهم ومصدر أمجادهم ، وعلى أن يَشغلوا عن جوهر الإسلام وحكمه بكل ما يَصلح أن يكون تَعويضاً لهم عن ذلك .
ولكن كيف اتخذ قَادة الغزو الفكري من عُنصر المرأة سَبيلاً لتحقيق الغاية التي كانوا ولا يزالون يستدفنونها ؟
والجواب باختصار: إنهم ساروا إلى ذلك في خط مُعاكس لكل ما قد قَضى به الإسلام مِن حُكمٍ في حق المرأة !.

لمتابعة القراءة يرجى تحميل الملف المرفق

One Comment

منال حمش

لأول مرة أجد مقالاً يشرح ادب تعدد الزوجات. لكن يا ترى هل من ملتزم بهذا الأدب في مجتمعاتنا على اختلاف مستويات وشرائح المجتمع؟! وهل من يجب أن يكون قدوة يحتذى بهم وهم العلماء ورثة الأنبياء قد تفهموا هذا الكلام والتزموا بهذه الآداب؟! لو كان ذاك لكان نعمة من الله. وكذا موضوع استخدام فتنة النساء لانهيار الأمم, الحقيقة اطلاعي المتواضع على هذه الكلمات شدني وجذبني لأعيد قراءة الكتاب كاملاً بتمعن . كونه يحمل فكرا نيراً وعقلاً متفتحاً .

Reply

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>