7- التكفيريون والجهاد المعاصر = الجزء الثالث

التكفيريون والجهاد المعاصر
“قراءة نقدية في المفهوم والإصلاح”

المحتوى
المقدمة
مفهوم الجهاد الجديد المعاصر عند بعض الشباب المسلم
الرد على هذا المفهوم الجديد للجهاد
1 – متى يكون المسلم كافراً
2 – تعميم القول بحكم الكفار جميعاً خطأ
3 – قواعد الحكم بتكفير المسلم
4- من ينفذ الحدود
5- لا تلازم بين تكفير الحاكم والخروج عليه
6- ديار المسلمين الآن ليست دار حرب
7- حكم القتال دون تمييز الصفوف
8- حكم تولي الولايات في الحكومات الكافرة
9- منزلة العمل السلمي والدعوة والتربية في الإسلام
10- حكم غير المسلمين في أرض الإسلام
11– مَن الذي يصح له الاجتهاد والاستنباط
شبهات وردود في فقه الجهاد المعاصر
أولاً – الخَطأ في تنزيل أحاديث الفِتن والملاحم على الواقع
ثانياً – هل قادةُ الجهاد يَحُلُّون مَحلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد؟
ثالثاً –  الاغترار بالأسماء المُوهِمة
الخلاصة
الفهرس
مقدمة البحث
الجهاد المعاصر أحد المصطلحات الإعلامية المعاصرة ، بل هو مَنهج عقدي جديد تطور ونما في عقول العديد من الذين يرفعون شعار الجهاد في سبيل الله .
مُصطلح الجهاد أفرزته وقائع وأحداث العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، لنصل إلى نتيجة نهائية وهي تكفير الحاكم على الإطلاق والخروج عليه ، بل أبعد من ذلك تكفير المجتمعات العربية برمتها ، تلك التي تحتكم إلى القوانين الوضعية في دستورها .
الجهاد المعاصر مُصطلح من ضمن المصطلحات التي شَوهت المعنى الدقيق لمفهوم الجهاد ، بل سولت لكثير من الذين يطلق عليهم خطأً اسم “الجهاديون في سبيل الله” لأن يُحرفوا النصوص الدينية إلى غايات ومناهج تخدم أجندات خارجية .
ما هو الجهاد المعاصر ؟ وما هي أبرز أفكاره ؟ وهل تستطيع أن تقول هو منهج جديد ينسخ المعنى الشرعي للجهاد في الإسلام ؟! أم هو مُجرد أوهام وهواجس لا عقلانية فرضتها مصارع سياسية معينة ؟.
هذا البحث عبارة عن قراءة نقدية وتوضيحية وتفسيرية لأبرز أفكار وأهداف الجهاد المعاصر .
مفهوم الجهاد الجديد المعاصر عند بعض الشباب المسلم
مفهوم الجهاد المتداول اليوم هو مفهوم بلا هوية , أي هو أُخذ من نسق تاريخي مُحدد ليُفْرضَ على واقع غير مُتجانس معه , وإنّما تَرعرع هذا المفهوم فقط على المستوى الذهني لمنْ يُؤمن به , فهو مفهوم ذهني , ولكنَّه مستحيل وغير منطقي في عالمنا اليوم , لذلك يَعتبر بعضهم ضرب المدنيين في نيويورك وواشنطن عَملاً جهادياً يَستحق التقدير والتثمين ، أمّا أكثرهم فلا يرى في مثل هذه الأعمال إلا خسارة تَلحق بالإسلام أولاً , وذلك من خلال تشويه صورته ، وفي كل الأحوال لا بد من تأكيد اللاهوية للخطاب الجهادي المعاصر , وهو في أبسط أحواله – أي الجهاد المعاصر – يعني نزع مفهوم من سياقه التاريخي الخاص وإقحامه في نسق مُغاير تماماً للنسق الذي ظهر فيه .
بدأ منذ عام 1375 هـ , 1965م تقريباً فَهم جديد لمعنى الجهاد في الإسلام ، وهذا الفهم الجديد نشأ عن تصورات عقائدية ولأسباب وأحداث سبقت ظهور هذا الفهم وصاحبته , ونستطيع أن نُلخص ونوجز أبعاد هذا الفهم الجديد لمعنى مصطلح الجهاد المعاصر في النقاط التالية:
حيث يقول أصحاب هذا الفهم الجديد ما مضمونه:
1- المجتمع الذي نَعيش فيه مجتمع كافر , لأنه استبدل القوانين الإسلامية بالوضعية , وأن مظاهر الانحلال والفساد دبت فيه , وأن المعروف قد أصبح منكراً , والمنكر قد أضحى معروفاً .
2- أفراد هذا المجتمع وحكوماته مُرتدون مارقون , والمظاهر الإسلامية في هذا المجتمع مَظاهر كاذبة مُضللة مُنافقة , فشيوخ الدين ممالئون للسلطان الكافر .
3- والمساجد مساجد ضرار لأنها تسير في ركاب الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله , والمؤسسات الإسلامية – سواء كانت أهلية كجمعيات الخير والبر ، أو حكومية كوزارات الأوقاف والجامعات الإسلامية – حكمها حكم المجتمع ما دامت أنها تستظل بظل الحكومات الكافرة .
4- الجهاد مفروض لتغيير هذا الواقع , وإحلال شريعة الله مكان شريعة الكفر .
5- كل الوسائل السلمية لا تُجدي نفعاً ولا توصل للهدف السابق , لأن كل عمل سلمي للدعوة يُقابل بالدعاية الحكومية الكافرة ، لأنها تملك المال ووسائل الإعلام من تلفاز وإذاعة وصحافة , وكذلك تمتلك المدارس والجامعات والوظائف , وتستطيع بذلك أن تفعل ما تريد , ولأنها تهدم والدعاة يبنون , فإنها تسبقهم حتماً ؛ لأن الهدم أسهل من البناء  .
6- ما دام الحكَّام كفرة والجهاد واجباً , فقد وجب الخروج عليهم وقتالهم بالسلاح ، لأن الرسول  أمر عندئذ بالخروج عليهم ، كما قال : (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)  ، والحكم بغير ما أنزل الله كفر بواح .
7- في القتال يجوز الخداع ، لأن الرسول  قال: (الحرب خدعة)  .
8- يجوز الاغتيال ، لأن الرسول  أرسل من يَغتال كعب بن الأشرف , وعبد الله بن سفيان , وغيرهما .
9- يَجوز إظهار خِلاف ما يُبطنه المسلم ، حتى يَتمكن من قتل هؤلاء الأعداء .
10- لا يجب في القتال أن تُرفع راية أو يعلن جهاد أو يميز صف , لأن القتال
فرض على كل أحد , والذي على الحق جَماعة ولو كان وحده , فكيف لو كان هناك اثنان أو ثلاثة ؟  .
11- يَجوز قتل كل من تَترس به الكافر , ولو كان من المسلمين , إذا كان لا يُمكن قتل هذا الكافر إلا بهم , وبذلك يَجوز قتل الجنود والشرطة والجيش إذا حَاولوا الدفاع عن الحكام الكفار  .
12- لا يجب إعلان القتال على الكفار , لأن رسول الله  قاتل أقواماً (وهم غارون)  ، لا يعلمون بمقدمهم إليه .
13- ليس للنساء والأطفال حرمة ، لأن أولاد الكفار من الكفار , وقد سئل الرسول  عن أولاد الكفار ونسائهم يُقتلون في البيات – الهجوم الليلي – فقال: (هم منهم)  .
14- يجوز قتل الكفار – وهم الحكام والشعوب الراضية – ليلاً ونهاراً , وبغير إعلام أو إشعار لهم , ولو قتل في ذلك نساؤهم وأطفالهم  .
15- أموال هؤلاء الكفار – أي المسلمين الذين يعيشون في هذا المجتمع – يَجوز أخذها بكل سبيل ، لأن أموال الكفار غنيمة للمسلمين , فيجوز غصبها وسرقتها ونهبها .
16- نساء الكفار – أي المسلمين الذين يعيشون في ظل النظام الوضعي – حلال أيضاً استرقاقهم وسبيهم .
17- لأن النظام نظام كافر , فالدار التي نعيش فيها دار حرب , وبذلك تكون كل ديار المسلمين الآن ديار حرب , يَجوز فيها ما يَجوز في دار الحرب ؛ من القتل والسلب والنهب والغصب والخطف .
18- لا تجوز الصلاة بالمساجد ، لأن الدولة الكافرة هي التي تُنفق عليها وتعين أئمتها ومؤذنيها .
19- لا يَجوز تولي أي ولاية في هذه الحكومات , لا وزارة ، ولا عمل في جيش أو شرطة , أو تعليم أو صناعة ؛ لأن كل عمل حكومي هو إعانة للحكم الكافر .
20- جميع النصارى واليهود وأهل الملل الأخرى الذين يعيشون في بلادنا – بلاد الحرب – لا عهد لهم ولا أمان ، لأنهم مُحاربون للمسلمين , وبالتالي هم حَربيون وليسوا مستأمنين أو معاهدين أو أهل ذمة .
21- لا يوجد الآن حكم إسلامي قط في الأرض , ولذلك يَجب العمل لإيجاد هذا الحكم .
22- ليست هناك طريقة لإيجاد الحكم الإسلامي إلا بالحرب , والحرب تكون وفق المفاهيم والأحكام السابقة .
23- لا يجوز أن نَحكم بالإسلام لأحد ، إلا مَن عرفنا حقيقة معتقده وأنه يُوافقنا في كل ما قلناه آنفاً , وكل مَن لا يَعتقد هذه العقيدة تماماً كما نعتقد فهو كافر يجب إلحاقه بمعسكر العدو وحربه معه .
24- لا يَجوز بتاتاً تقديم حرب الاستعمار والكفار الخارجين – كاليهود والأمريكيين والروس مثلاً – قبل حرب الأعداء القريبين , وهم هؤلاء الذين يُنسبون إلى الإسلام وليسوا كذلك !.
25- أي شخص اختارته الجماعةُ التي تَعتقد هذه الأفكار أميراً فهو أمير تجب
طاعته , وإن لم يَعلم به غيرهم , فلا يشترط في الأمير العام الذي يُعلن هذه الحرب ويقوم بهذا الجهاد أن يَكون ظاهراً ولا مُتمكناً  ، بل يكفي أن يُبايعه رجل أو رجلان .
26- الحكم الإسلامي هو ما في القرآن الكريم والحديث فقط ، وفهمُ الصحابة ليس حجة علينا ، وأقوال الأئمة والفقهاء ليست حجة ، ويستطيع كل أحد أن يَفهم القرآن والسنة ويَستنبط منهما ، وإن لم يَدخل معهداً علمياً أو جامعة أو تتلمذ على أي شيخ من الشيوخ ، وفينا من هو أعلم من الصحابة ، وأفقه من الأئمة !.
27- يجوز الانبثاث في الجماعات الإسلامية العلنية القائمة ، لتحويل مسارها نحو هذا الفهم الجديد للإسلام .
الرد على هذا المفهوم الجديد للجهاد
هذه هي خلاصة الفقه الجديد أو المنهج الجديد للجهاد الذي تتبناه اليوم مجموعات شتى في أنحاء العالم الإسلامي ، ولا نشك أن بعض هؤلاء الذين جنح بهم مرضهم إلى هذا الحد مخلصون محبون للخير ، ولكن كم من مريد للخير لم يبلغه ، ولا نشك أيضاً في أن هناك من غير المخلصين ، بل من الذين يُريدون شراً بأمة الإسلام ، مَن غَذَّى هذا الفكر واستنبت بذروه  رغبة في تهديم العالم الإسلامي ، وتحويلِ ساحة الوطن الإسلامي إلى ساحة حرب حقيقية بين أبناء المسلمين أنفسهم ، حيث يَقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً ؛ بل ويغدر ويكذب ويغش ، ويتعلم النفاق الذي ليس بعده نفاق ، واللؤم الذي ليس بعده لؤم قط .
ونستطيع أن نُوجز الرد على هذا الفكر هنا أيضاً بما يلي:
1- متى يكون المسلم كافراً:
لا شك أن تعميم القول بالكفر ليس بصحيح ، وهو مخالف لهدي القرآن والسنة ، حيث أُمرنا أن لا نشهد إلا عن بينة ، وكيف نشهد أن مجتمعاً ما أصبح خالياً من الإسلام ، والحال أن عامة أهله مسلمين ، ممن يشهد أن لا إله إلا الله ، ويُصلي ويَصوم ويتقي الله عز وجل ويتورع عن الحرام في مطعمه ومشربه ومأكله , وهو كذلك يَكره الكفر والكافرين ، ولا يُحب ولا يُوالي أعداء الدين ، فكيف يَكون أمثال هؤلاء كُفاراً لمجرد سُكناهم في بلد اختلطت فيها قوانين الكفر بقوانين الإسلام ، علماً بأن الله شَهد بالإسلام لمن يعيش في دِيار الكفار مُضطراً لا يستطيع الهجرة منها ، كما قال الله تعالى: إِلا الْمُستَضعَفِينَ مِنَ الرّجالِ والنّساءِ والوِلدانِ لا يَستطيعُونَ حِيلَةً ولا يَهتدُونَ سبيلاً [النساء: 98] ، هذا ودولة الإسلام قائمة في المدينة وما حولها , والأنصار يواسون ويفرحون بمن هاجر إليهم ، ولا يَنزل أحد من المهاجرين عند أنصاري إلا بقرعة ، فكيف الآن وليس هناك مِن إمام يُعلن أنه إمام المسلمين ، وأنْ هلمَّ إلى العيش في رحاب الإسلام , وأنْ هاجروا من الدار التي يُستذل فيها المسلمون إلى الدار التي يُعزّون فيها ، هل في هذه الحالة يُسمى مَن يعيش في بلد يَحكم بالقوانين الوضعية ؛ نسميه كافراً مرتداً لمجرد وجوده وسكناه في مثل هذا البلد ؟ لا شك أن هذا قولُ مَن لم يَفقه الدين ولم يعرف الواقع .
2– تعميم القول بكفر الحُكام جميعاً خطأ:
لا شك أن الأُمة قَد ورثت هذه الحالة البائسة بَعد غَزوٍ عَسكري لأراضيها وأوطانها استمر زماناً طويلاً ؛ ففي بعض بلاد المسلمين بَقيت عَساكر الكفار قرناً من الزمان ، ومنها قرنين وأكثر ، استطاع الكفار فيها وضع قوانين الكفر , وتغيير العقول والقلوب ، وتربية جيل يُؤمن بأفكاره وعقائده من أبناء المسلمين , وليسوا  جميعاً على موقف واحد من الدين ، وموقف واحد من الكفار المستعمرين ، فهناك حُكام يُصلون ويصومون وورثوا هذه التركة بكل ما فيها ، وهم يتمنون التخلص من قوانين الكفر , وإحلال قوانين الإسلام مكانها ، وهناك آخرون انسلخوا من الدين ظاهراً وباطناً ، وأبقوا شيئاً من ظاهر الدين على أنفسهم ، كالصلاة في الأعياد وإرضاء المسلمين ببعض الكلمات كالبسملة والحوقلة .
ولا شك أن هذه الأوصاف لا يجوز أن يَكون الحكم عليها واحداً , وإلا كانت الشريعة غير حكيمة ، والحال أن الشريعة حَكيمة تُفرق بين المضطر وغيره ، وبين المتأول والمتعمد ، وبين المنافق والكافر ، ولذلك فالحكم بالجملة على كل الحكام دفعة واحدة حُكم يَعوزه الصواب وينقصه الحكمة ؛ بل هو حُكم مُتَعَدٍّ , وقد رأينا وشاهدنا مِن حكام المسلمين من يَتمنى ويَسعى جَاهداً لاستبدال قوانين الكفر بقوانين الإسلام ، ومَن يُحب أن يَسود الخير ويَكثر أصحابه ، كما أن مِنهم مَن هو بِضِدِّ ذلك ، فكيف يَجوز أن يتساوى عندنا أهل الصدق والإيمان والصلاة ، بأهل النفاق والكفر ومحاربة الدين ؟.
3– قواعد الحكم بتكفير المسلم:
لا شك أيضاً أن للتكفير أصول واضحة في كتب الفقه والعقيدة ، نوجزها بأنه لا يجوز أن يحكم بالكفر على مسلم إذا رأيناه يَفعل مُكفراً من المكفرات إلا بالضوابط الآتية:
•    أن لا يكون جاهلاً ، فإذا كان جاهلاً بِحكم مَا يَفعله فلا يُكفر حتى يَتعلم وتُقام الحجة عليه .
•    أن لا يكون مُتأولاً ، يَرى أن ما يَفعله مِن مُخالفة شَرعية إنما هو لمصلحة أعظم ، أو درءاً لمفسدة أعظم , كما ترك الرسول  تنفيذ بعض الحدود دَرءاً لمفسدة أعظم ونحو ذلك .
•    أن لا يكون مُضطراً , كما قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤمِنُونَ الكَافِرِينَ أوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن  تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاة [آل عمران: 28] ، والآيات في هذا المعنى – أي  الاضطرار – كثيرة جداً .
ووفق هذه الضوابط يكون الحكم على مُعين ما أنه كافر ، وأما إلقاء الكلام على عواهنه ، وتكفير الناس دون العلم بحقيقة حالهم ، فهذا لا يُقدِمُ عليه إلا رقيق الدين قليل التقوى والخوف من الله ، حيث يقول : (من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حَارَ عليه)  .
4- من ينفذ الحدود:
لا شك أنه ليس هناك تلازم بين الحكم على شخص ما بالكفر والأمر بقتله
أو قتاله ، وذلك أن تنفيذ القتل حَداً – كما هو في المرتد – لا يجوز إلا للحاكم المسلم
القائم الظاهر – أي لا يُنفّذ الحدود إلا الإمام المسلم العام أو من ينوب عنه –
وليس قتل المرتد هو من واجبات أو حقوق الأفراد ، وإلا لقتل كل أحد مَن يُريد
قتله وزعم أنه مرتد ، وهذه قضية إجماعية لا خلاف فيها بين المسلمين – أعني أن
تطبيق الأحكام ليست للرعية , وإنما هي للإمام – وذلك لأن ترك الرعية تقوم بتنفيذ
العقوبات الشرعية – الحدود – يُؤدي إلى الفوضى والفساد والاضطراب ، وبسبب الجهل بهذه النقطة حدث الفساد في الأرض من الجماعات التي تدعي نصرة الدين والجهاد ؛ لأنهم ظَنوا قتل المرتدين وقتالهم هو من حقوقهم ، وأنه مُسند إليهم ، وبذلك استحلوا دماء مخالفيهم في عقيدتهم التي شرحناها آنفاً ؛ بل قتل بعضهم بعضاً عند أدنى خلاف بينهم فيما يعتقدونه ، ظانين أن هذا من باب تنفيذ الحكم على المرتد ، والحال أنه لا يُنفذ حكم الردة إلا إمام قائم معين ، أو من ينوب منابه ويسد مسده ، وهذه كما ذكرنا مسألة مجمع عليها .
5- لا تلازم بين تكفير الحاكم والخروج عليه:
وقد ظن كثير من هؤلاء الشباب أيضاً أن الحكم على حاكم ما أو رئيس ما بالكفر يستلزم الخروج عليه بالسيف ، وهذا خطأ أيضاً ، فليس كل حاكم كفر كفراً بواحاً يَلزم المسلمين الخروج عليه مهما كانت الظروف والأحوال , بل إن الخروج عليه يَستلزم اتباع السياسة الشرعية في ذلك , شأن ذلك شأن إنكار أي منكر من المنكرات ، فكما لا يجوز إنكار المنكر بمنكر ، ولا إزالة منكر يترتب على إزالته حدوث مُنكر أعظم منه ، فكذلك الأمر في إنكار مُنكر الحاكم
أو الرئيس الخارج على الدين المعلن للكفر ، فمع الحكم بكفره فإن الخروج عليه بالسيف يستلزم أن يكون الخروج مؤدياً إلى إزالة منكره ، دون أن يحدث ما هو شر من ذلك ، كأن يأتي من هو أعظم منه شراً وبلاءً على المسلمين ، وكأن يحفزه ذلك إذا تمكن من الإفلات أن يَستأسد على المسلمين ، ويستبيح بيضتهم ، ويهتك حرماتهم . وقد حدث هذا مراراً ، فكم من حاكم ظالم أو فاجر أو حتى كافر مُعلن للكفر قام عليه بعض الأفراد من أهل الحماسة الفارغة والغيرة الكاذبة ، ففشلوا في تحقيق مآربهم ، فكان هذا بلاءً على المسلمين عامة ، استباح هذا الفاسق حِمَى المسلمين وفضح حريمهم ومزق جماعتهم وتسلط بسيف القهر عليهم ، فكان قيام مثل هؤلاء المغرورين المتحمسين الجاهلين بلاءً على المسلمين ، وليس شفاءً لأمراضهم وإزاحة لعلتهم . والمهم هنا البيان أنه لا تلازم بتاتاً بين الحكم بكفر حاكم ما والخروج عليه ، إلا وفق السياسة الشرعية الحكيمة ، وهي ألا يُزال منكره بمنكر ، وأن لا يترتب على إزالة هذا المنكر منكر أعظم منه .
6- ديار المسلمين الآن ليست دار حرب:
لا شك أن القولَ بأن ديار الإسلام الآن وأوطانهم ديار حرب قولٌ فاجر ، ليس عليه دليل من كتاب أو سنة أو فقه أو عقل أيضاً ، وذلك للأسباب الآتية:
1-أنه لا يجوز أن تكون هناك دار حرب إلا إذا كان هناك دار إسلام ، والقائلون بأن بلاد المسلمين الآن هي ديار حرب نسوا أن يَذكروا لنا أين دار الإسلام , وذلك أن ديار الكفار لا تمسي ديار حرب إلا لوجود دار إسلام تعلن الحرب عليها ، وتحوز المسلمين وتحميهم ، أما إذا انعدمت دار الإسلام التي تحمي المسلمين وتدافع عنهم ، وينطلق منها جحافلهم وجيوشهم ، فإنه ينعدم أيضاً وجود دار حرب ، لأن الرسول  لم يُسمِّ مكة دار حرب عندما كان يَسكنها قبل الهجرة , بل لم يفرض الله عليه الحرب إلا بعد أن تكونت ووجدت دار الإسلام
أولاً ، وعلى الذين يقولون: إن الدار الفلانية دار حرب ، أن يوجدوا دار الإسلام أولاً كما أوجدها الرسول  دون قتال وسفك دماء .
2-أن القول بأن دار الإسلام الآن وأوطانهم ديار حرب ، معناه أن يتحول المسلمون إلى مجموعة من اللصوص والقتلة والمنافقين والمجرمين ، وهذا ما حدث بالفعل مع الذين نادوا بذلك ، فقد تحولوا بالفعل إلى قتلة بلا هدف ولا سياسة ، ولصوص يسرقون ويغتصبون ؛ بل استطاعوا أيضاً استدراج الفتيات البريئات من أهلهم من المسلمين بحجة أنهم كفار ، وتزوجوا بهن دون ولاية أو تسجيل عقود ، ولا شك أن القول بأن ديار المسلمين اليوم وأوطانهم ديار حرب يجعل ممن يقولون بهذا القول مجموعة من المنافقين والقتلة والمجرمين .
3-بالرغم من فظاعة وشر القول بأن ديار المسلمين الآن ديار حرب ؛ إلا أن أصحاب هذا القول أيضاً متناقضون ، فالمعروف أن دار الحرب لا تُقام فيها الحدود الشرعية ، فمن شرب خمراً مثلاً لا يُجلد ، ومن سرق لا تقطع يده ، وهذا أمر مُتفق عليه بين الفقهاء ، وذلك حتى لا يلحق المسلم الذي يقع في معصية من  المعاصي التي تَستوجب حَداً لا يلتحق بالكفار ، وللأسف أن أصحاب الفهم الجديد في الجهاد قد يتعللون عند مواجهتهم بالقول: لماذا تقتلون وتذبحون وتغتالون ؟ يقولون: نريد أن نقيم الحدود ! فكيف تكون مثل هذه حدود والحال أنكم تقولون: إننا في دار حرب ، ودار الحرب لا تقام فيها الحدود ، وكذلك لا يجوز إقامة حد في الإسلام إلا بتعيين إمام وقاضٍ وشهود ، وتمكين للمتهم من الدفاع عن نفسه ، فكيف يكون اغتيال شخص ما أو سرقة محل ما إقامة للحدود ؟!. ولا شك أن ديار المسلمين الآن وأوطانهم هي ديار إسلام ما دام أهلها مسلمون .
7- حكم القتال دون تمييز الصفوف:
وأما القول بأنه يجوز القتال دون أن يتميز صف المسلمين من صفوف الكفار فهو حرام ، وقول أعمى لا ينبني على فقه أو دين أو عقل ، وهذه آيات القرآن وأحاديث الرسول  ، وتاريخ الصحابة والمسلمين كله شاهد أنه لا قتال إلا بعد تميز الصفوف ، وانحياز أهل الإسلام إلى إمامهم وعلَمهم ، وانحياز أهل الكفر إلى قوادهم وجيشهم ، فلم يأمر الله تعالى الرسول  بالقتال إلا بعد أن تميز جيشه ، وكانت له قاعدته في المدينة ، وجماعته المستقلة التي تخرج وتبرز وحدها رافعة لواءها معلنة أهدافها معروفة أوصافها ، هذا هو الجهاد الإسلامي ، وصف مميز له هدف معلوم وراية مرفوعة وجماعة ظاهرة وإمام قائم . وأما المجموعات السرية المختبئة في الجحور التي تخرج على الناس فجأة فتغدر وتقتل وتضرب على غير هدى فليسوا دعاة إسلام ، وليس لفعلهم هذا شبه ولا مثال في كل تاريخ من يُقتدى به من أهل الإسلام .
وأما الاستدلال بأن الرسول  غزا أقواماً من بني المصطلق وهم غارون ، فنعم ، فاجأهم الرسول  ، ولكن المنذر بلغهم بأن الرسول قادم إليهم ، وخرج الرسول  وهو ذو علم ، وصاحب جماعة وأمة ، وله رسالة قد أبلغها في الآفاق ، وجيش معروف وأهداف واضحة ، وقد أمر النبي  أن لا يُحارَب قوم حتى يُدْعَوا إلى الإسلام أولاً ، فإن أبوا فالجزية ، فإن أبوا فالحرب  . فهذه سنة رسول الله  ، وسنة خلفائه الراشدين  ، وسنة من يُقتدى به من أهل الحق والدين .
وأما أن الرسول  قد أرسل من يغتال أفراداً من الكفار ، فنعم ؛ الإمام المسلم الظاهر له أن يرسل من يغتال من يُؤذي المسلمين إذا لم يَكن ممن يُغضب له ، وكان هو رأس شر ، يموت الشر بموته ولا يستفحل بقتله ، كما فعل الرسول  مع كعب بن الأشرف ؛ لأنه رجل واحد رأس من رؤوس الشر ، ليس له إلا جسد ، ولا جيش وراءه ، ولا أُمَّة تَغضب له ، وكذلك الحال مع عبد الله بن سفيان الذي كان يجمع للرسول  أوباش الناس وأخلاطهم ، وليس صاحب شرف أو قبيلة أو جماعة ، فأرسل الرسول  من يقتله وهو عبد الله بن أنيس ، فتفرق كل هؤلاء الأوباش والأخلاط بعد أن قتله عبد الله بن أنيس  ، وكذلك أرسل النبي  من قتل سلام بن أبي الحقيق اليهودي بخيبر ؛ لأنه رأس من رؤوس الشر إذا قُتل انتهى شر جماعته وخمدت نيرانهم ، وقد كان .
فالاغتيال جائز في الإسلام إذا صَدر الأمر به عن إمام ممكَّن وأمة قائمة ، وكان الاغتيال لا يُؤدي إلى ضرر أكبر منه ، ألا ترى كيف أوصى رسول الله  حذيفة بن اليمان  عندما أرسله ليأتيه بخبر الكفار في الخندق ، قال له الرسول : (اعرف الخبر ، ولا تُحْدِث حدثاً حتى تأتني)  ، كيف أن حذيفة  أتاهم والريح تضربهم والظلام يلفهم ، وقد قال لهم أبو سفيان وكان قائدهم: إني مرتحل ، ثم ركب ناقته ولم يفك وثاقها إلا بعد أن ركبها ، وقال حذيفة: لم يكن بيني وبينه شيء ، وأردت أن أقتله بسهم ، ولكني تذكرت كلام رسول الله : (لا تحدث شيئاً حتى تأتيني) فأمسكت .
أرأيت لو قتل حذيفة بن اليمان  أبا سفيان بن حرب ذلك الوقت مخالفاً أمر رسول الله  ، ماذا ستكون النتيجة ؟ لا شك أن هذه الغزوة ما كانت لتنتهي على ذلك النحو – وهو رجوع الكفار إلى مكة ، واكتفاء المسلمين بقتال الله عنهم – بل إن الكفار القرشيين لو قُتِلَ رَئيسهم ما كان لهم أن يَرجعوا هكذا فراراً ؛ بل كانوا سَيرجعون ويَمكثون ويُقاتلون مهما كلفهم ذلك من أمر ، وكان في هذا كل البلاء على المسلمين .
والشاهد أنَّه ليس كلُّ شخص صالحٌ لأن يُغتال ؛ بل للاغتيال أيضاً في الإسلام أصوله وقواعده الشرعية ، ولا بد قبل إقدام الإمام المسلم عليه أن يُقدر المصالح والمفاسد .
هذا هو شأن الاغتيال في الإسلام ، فكيف يَتناسب ذلك مع ما يَفعله أفراد من الشباب الأغرار ، تختمر عندهم فِكرة ما أن فلاناً عدوٌّ لله ، أو أنه فعل كذا وكذا ؟ وقد يَكون هذا بدفع من مخابرات الغرب والصهاينة ممن يريد بالمسلمين شراً لإيقاع الفتن بينهم ، فيغريهم بذلك ، ويندفعون ليغتالوا ، وقد ينجحون في قتل  غريمهم ، ولكن يأتي الشر بعده ليعمّ ويطمّ ، وقد يَفشلون فتكون الداهية أعظم .
فكيف يُقال والحال هذه: إن مثل هذا جهاد ، والحال أنه في معظمه غدر وإفساد واستبدال لشر أخف بشر أعظم .
8- حكم تولي الولايات في الحكومات الكافرة:
وأما القول بأن حكوماتنا هذه كافرة هكذا بإطلاق ، فقد بينا حكمه آنفاً ، وأما
القول بأن تولي الولايات في الحكومات الكافرة لا يَجوز شرعاً ، فهذا أيضاً لا دليل
عليه من كتاب ولا سنة ؛ بل الكتاب والسنة غير ذلك ، فقد تولى يوسف  – وهو نبي كريم – القيامَ على خزائن الأرض في مصر ، وهو منصب مشابه لمنصب وزارة المالية الآن ، وهو وإن كان في شرع من سبقنا إلا أنه لم يأت في شرعنا ما يخالفه . نعم جاء نهي النبي  أن يكون المسلم جابياً أو شرطياً عند أئمة الجور  ، فلا يتعدى هذا إلا بدليل ، وهو أنه يَحرم أن
يكون المسلم جابياً يَجمع المكوس من الناس للحاكم ظلماً ، وكذلك أن يَكون شُرطياً يَضرب الناس ليأخذ أموالهم ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
وأمّا في ولاية لا يكون المسلم فيها عاصياً لله ؛ كأن يَكون مُعلِّماً أو صَانعاً  أو زَارعاً ، أو مُدافعاً عن أُمته بالحق ، أو نحو ذلك من ولايات ووظائف الحق ؛ فهذا لا شَيء فيه إن شاء الله ، ولو كان الحاكم كافراً ، فكيف إذا كان مسلماً ظالماً  لنفسه ، جامعاً بين المعصية والطاعة ، لا شك أنَّ تولي الولايات التي تُعين المسلمين وترفق بهم ، وتحجب أعداء الله عن الإفساد في الأرض أولى من تركها لأهل الشر والفساد ، وبطانة السوء الذين يُفسدون ولا يصلحون ، وبالجملة فالمسلمون المخلصون هم أولى الناس بتولي الولايات وتقلد المناصب ، وإزاحة أهل  الشر والفسق ، وتسيير شؤون المسلمين إلى الخير وليس العكس ، حيث ينزوي المسلمون ويبتعدون مُفسحين المجال لغيرهم ، تاركين شؤون المسلمين بيد من لا يَمتلكون القدرة والأهلية ، فإن هذا من أعظم الفساد والشر .
نعم لا يجوز للمسلم إذا كان في ولاية ما أو منصب ما أن يكون مُنفذاً للشر عاملاً به ؛ بل لا بدّ وأن تكون له شخصيته وعمله ، ولا بدَّ وأن يكون ائتماره بأمر الله أولاً ، وأن يكون عمله في طاعة الله وليس في معصيته .
والخلاصة: أنه يجوز للمسلم أن يَعمل ولو عند كافر ما دام عمله مُباحاً ، وهو مِن أعمال الخير ، فكيف إذا كان عمله تقوية لشأن المسلمين ورفعاً لمنزلتهم ، وإبعاداً لأهل الشر والفساد عن حصون المسلمين ، والتحكم في أعراضهم وأموالهم ؟.
يقول الإمام محمد الغزالي المعاصر رحمه الله: “وجميع الولايات الإسلامية إنما مَقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى – مثل نيابة السلطنة – أو الصغرى مثل ولاية  الشرطة وولاية الحكم – أو ولاية المال ، وهي ولاية الدواوين المالية ، وولاية الحسبة . لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن ، والمطلوب منه الصدق ، مثل الشهود عند الحاكم ، ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف ، والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال ، ومنهم  من يكون بمنزلة الأمين المطاع والمطلوب منه العدل ، مثل الأمير والحكم والمحتسب ، وبالصدق في كل الأخبار ، والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال ، تَصلح جميع الأحوال ، وهما قرينان ، كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام: 115] ”  .
وقال النبي  لما ذكر الظلمة: (فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم
فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردوا علي حوضي ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يُعِنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردوا علَّي الحوض)  .
وفي الصحيحين عن النبي  أنَّه قال: (إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يُكتب عند الله صِدّيقاً . وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور ، وإنّ الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً)  ، لهذا قال سبحانه وتعالى: هَلْ أُنَبِئُّكُمْ عَلَىَ مَنْ تَنِزَّلُ الشَّياطِين [الشعراء: 221] ، وقال تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَة [العلق: 15-16] .
فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يَستعين بأهل الصدق والعدل ، وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل ، وإن كان فيه كذب وظلم ، فإن الله يُؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ، وبأقوام لا خلاق لهم ، والواجب إنما هو فعل المقدور ، وقد قال النبي : (من استعمل رجلاً من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه ؛ فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين)  .
فالواجب إنّما هو الأرضى من الموجود ، والغالب أنه لا يوجد كامل ، فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين ، ولهذا كان عمر بن الخطاب  يقول: “أشكو إليك جلد الفاجر وعجز التقي” .
وقد كان النبي  وأصحابه  يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس وكلاهما كافر ؛ لأنّ أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام ، وأنزل الله في ذلك سورة الروم ، لَمَّا اقتتلت الروم وفارس والقصة مشهورة ، وكلك يوسف الصديق  كان نائباً لفرعون مصر ، وهو وقومه مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه ، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان  .
والشاهد فيما سقناه أن المسلم عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب استطاعته ، وتولية الولايات التي يَستطيع من خلالها المسلم أن يقوم بهذا الأمر ، وقد كان يوسف الصديق  نائباً لفرعون مصر ، وهو وقومه مشركون ، وفعل يوسف من الخير ما قدر عليه ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر بحسب استطاعته ، ولا شك أن هناك ولايات كثيرة يستطيع المسلم من خلالها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإن كان في ظلال حكم جائر أو كافر ,  كوزارة التربية والتعليم ، والأوقاف والدعوة والشؤون ، وغير ذلك . اللهمَّ إلا إذا كان المسلم في ولاية ما سبباً لأمره بالمنكر ونهيه عن المعروف وصدّه عن سبيل الله ، فإنّه حينئذ لا يجوز له البقاء ويحرم عليه العمل .
9- منزلة العمل السلمي ، والدعوة والتربية في الإسلام:
وأمّا القول بأنّ الدعوة السلمية ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يغني فتيلاً في الإسلام ، فهو قول خاطئ جداً ، بعيد عن الصواب ، فقد جعل الرسول  أعلى درجات الجهاد قول كلمة حق عند سلطان جائر ، حيث يقول : (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)  ، فكيف تكون كلمة الحق عند سلطان جائر هي أفضل الجهاد ؟ ويقول قائل: إنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يُغني فتيلاً  ؟ بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل الدين الأصيل ؛ بل هو الذي من أجله جعل الله تبارك وتعالى المسلمين خير أمة أخرجت
للناس ، كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه [آل عمران: 110] , فكيف يقال: إنّ الدعوة السليمة لا تجدي ، ولا شك أنّ الذين قالوا هذا القول لم يَعرفوا الغايات التي من أجلها شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي:
الغاية الأولى: أداء الأمانة التي حمَّلها الله لأهل العلم ، كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَه [آل عمران: 187] ، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُون [البقرة: 159] .
الغاية الثانية: هي هداية من كتب الله هدايته ، والدعوة هي الطريق  إلى ذلك .
الغاية الثالثة: هي إقامة الحُجَّة لله حتى ينقطع عذر الكافرين يوم القيامة أمام ربّهم .
الغاية الرابعة: إقامة المجتمع المسلم وتربية أفراده على الإسلام .
الغاية الخامسة: هي الذَّبُّ عن دين الله ، ودفع الشبهات التي تعترض الناس وتحول بينهم وبينه ، وكلُّ هذه أهداف عظيمة لا تتأتى إلا بالدعوة والجهاد السلمي والتعليم والرد على الشبهات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وأما القتال فمع أنّه في نفسه من خير أعمال الإسلام وأفضلها , إلا أنّه شرع دفاعاً عن الدين ، وتحطيماً للسدود التي يَضعها الظالمون في وجه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكسراً لشوكة الكافرين ، وهو مع أهميته ومنزلته فإنّه لا يجوز أنْ نُلغي به جهاد الكلمة وبيان الحق ؛ بل يجب أن يكون هذا في مكانه وهذا في مكانه من هذه الشريعة المطهّرة ؛ وأمّا أن نُلغي هذا ولا نُوجه الشباب إلا للحرب فقط ، ونجعل تعليمهم وتربيتهم في غرف مظلمة ، ولا يتعلمون إلا أساليب القتل والاغتيال والتدمير ، ولا يَسمع الناس منهم كلمة حق ، ثم نَخرج بهم على الناس يقتلون ويخربون ويفسدون دون أن يعلم الناس مَنْ هؤلاء ؟ وماذا يريدون ؟ وإلى أيّ شيء يَدعُون ؟ فإنّ هذا من أكبر الباطل وأعظم الشر .
10- حكم غير المسلمين في أرض الإسلام:
وأما القول بأنّ جميع النصارى والملل الأخرى ؛ بل وجميع الطوائف عدا أهل السنة منهم , لا عهد لهم أو أمان ويجب قتلهم وقتالهم ؛ فإنّ هذا أيضاً من أعظم  الشر والفساد .
وذلك لأن من النصارى وبعض الطوائف الموجودة في ديار المسلمين مَنْ ولاؤه ومحبته لأهل وطنه من المسلمين , وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نَشهد بالحق لهم , وقال عن النصارى في وقت نزول الوحي على النبي محمد : لَيسُوا سَوَاءً مِن أَهلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَة [آل عمران: 114] , ولا شك أنّ إعلان الحرب هكذا من الجماعات الإسلامية على كل الطوائف غير الإسلامية وغير السّنية , إنّما هو عمل أحمق جاهل لا يقره دين ولا عقل ؛ لأنّ غايته أن يحرّض الحكومات القائمة على أهل التدين الصحيح , ويمكِّن لأعداء الإسلام من ديار الإسلام أكثر من تمكّنهم الآن ، وإنّما البصيرة أن يُدْعَى إلى الإسلام الدعوة الصحيحة , وأنْ يُحاول قدر الإمكان أن توضع الأمور في نصابها , فلا يَتسلم أمورَ المسلمين أعداؤهم , ولا يكون في جيوشهم وشرطتهم مَن ولاؤه لغير هذه الأمة , ومن قلبه مع أعدائها , ومن يتسلط عليها بدافع من كفره أو طائفتيه ، والواجب على الشباب المسلم أنْ يُقَدِّر كل هذه الأمور , وأنْ يعرف كيف يضع الأمور في مواضعها الصحيحة .
ولا شك أن الإسلام من خلال شريعته المطهرة لم يُطارد غير المسلمين لكفرهم ، بل حاربهم لعداوتهم وحربهم , ولما تخلوا عن العداوة والأذى فإنَّ غير المسلمين عاشوا في بلاد الإسلام مُعززين مكرمين التكريم اللائق بهم ، وهذه المسألة هي من أخطر ما تواجه الدعوة الإسلامية في الوقت الحاضر ، وإن لم يعالجها الشباب المسلم بما تُمليه المصالح الشرعية بعيداً عن الهوى والجهل والتعصب , فإنَّ الريح ستعصف ببناء الإسلام , وستكون هذه التصرفات العوجاء من قبل هؤلاء الشباب هي أعظم فتنة وبلاء على أمة الإسلام .
11– مَنْ الذي يصح له الاجتهاد والاستنباط ؟
وأما القول بأنّ كل أحد قادر على فهم الكتاب والسّنة والاستنباط منهما , وحل مشاكل الأمة , وخاصة هذه المشاكل العويصة التي تحتاج إلى أرضية فكرية وسعة اطلاع هائل , ومعرفة بأحوال العالم اليوم , وسياسات الدول والحكومات ، خاصة بعد هذا التشعب والتداخل , واهتمام كل دولة بما يَحدث في الأخرى نظراً لأن العالم قد أصبح كالقرية الواحدة , وأصبحت حياة كل دولة ترتبط بصورة أو بأخرى بما في الدول الأخرى ، فبترول المسلمين مثلاً يَعيش أكثر من شطر العالم عليه , وما يَحدث في بلادنا يَهُمُّ بالضرورة كل مَن ترتبط حياته بهذه المادة الحيوية ، وهكذا .
وفي خلال هذا التشابك يُصبح معرفة ما يجب على المسلمين عمله ليس أمراً هيناً ؛ بل يحتاج إلى فقه عظيم ودراسات كثيرة لا تتأتى للمبتدئين , ولا للمنعزلين عما يَدور في العالم .
هذا وشروط الاجتهاد التي دَوَّنها فقهاؤنا كثيرة منها: الإحاطة أو شبهها بالكتاب والسّنة , ومعرفة فقه الفقهاء , وأصول الفقه , وقواعد اللغة , وأن يكون ذا عقل راشد وفهم سليم ، وتقوى لله عز وجل ، وبُعدٍ عن الهوى , ومعرفة بالمصالح والمفاسد , ومعرفة بأحوال الناس , فكيف يقال بعد ذلك: إنّ كل أحد يَستطيع الاجتهاد وتقرير ما يُصلح هذه الأمة ؟ للأسف إنّ معظم ما كتبه أهل الفقه الجديد في الاجتهاد كانت مِن كتابات أناس لم يتعدوا الثلاثين من أعمارهم ؛ بل كان كَثير مِنهم دُونَ ذَلك بكثير ؛ بل وكثير من هؤلاء لم يَتتلمذوا تتلمذاً صحيحاً على علماء أو فقهاء ؛ بل إنَّ كثيراً منهم لم يَكد يَعدو وجوده في إطار الإسلام الصحيح سَنَة أو سنتين ، وكان ذلك بعيداً كل البعد عن مشاكل المسلمين وأحوالهم ؛ بل بعيدٌ بنفسه كذلك عن أخلاقهم وصفاتهم ، فهل يُعقل أن يَحرم الله علماء الأمة جميعاً الفهم الصحيح لمعاني الجهاد ويُمكن بذلك أفراداً من الشباب هذا شأنهم ومبلغهم من العلم ؟!
ومرة ثانية نقول: إن للاجتهاد أصوله وضوابطه ، وإنَّ أعظم الاجتهاد ما يَكون مِنه في شؤون المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فهذه أمور مُتجددة مُتغيرة ويحتاج المفتس والمجتهد فيها أنْ يكون مُلِمَّاً بِمشكلاتها ، وهذا عكس  قضايا العبادات وشؤون القربات ، فإنّها ثابتة لا تتغير .
لا شك أنَّ الوصول إلى معرفة قضية واحدة أو عشر قضايا لا يَجعل من الشباب مُجتهداً ، وإنّما ذلك يَحتاج إلى زمن طويل وعلم غزير بَيَّنَّا بَعضه آنفاً ، ولسنا ممن يقول: إنَّه لا يُوجد الآن من يجتهد ؛ بل لا يَخلو وقت للإسلام إلا مِن قائم لله بحجة،  كما قال : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)  .
ولا شك أيضاً أنّ الله سبحانه وتعالى قد كلفنا حدود استطاعتنا ، ونحن لا نُكَلَّف أنْ نعمل إلا بما نظن وفق اجتهادنا أنه الحق ، ومن الاجتهاد سؤال أهل العلم ، والشورى والنظر ، وعدم الاستبداد بالرأي ، ولو أنّ كل شاب مُتحمس يفعل ذلك ويرجع إلى أهل العلم والرأي من المسلمين قَبل أن يُقدم على عمل ما من أعمال الجهاد والدعوة ؛ لصلحت أحوالنا ولوفقنا الله في أعمالنا ، كما قال تعالى: وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم [الشورى: 38] ، ولكن للأسف يَخرج عليك كل يوم من لا فقه لهم ، ثم هم مستبدون برأيهم ظانون أنهم قد بَلغوا الغاية علما ًوفهماً وجهاداً ، والحال أنهم غير ذلك تماماً .
شبهات وردود في فقه الجهاد المعاصر
أولاً – الخَطأ في تنزيل أحاديث الفِتن والملاحم على الواقع:
من أخطاء مَن يَكتب في مسائل الجهاد: تنزيلُ أحاديث النُّبوءات التي أخبر فيها النبيُّ  عمَّا سيكون في آخِر الزَّمان من فِتنٍ وملاحِمَ على الواقع المعاصر ، بل أحياناً على فَصيلٍ جِهاديٍّ بعينه ، بلا علمٍ ولا بَيِّنَةٍ ولا بَصيرة ، وبهذا يُغَرَّر بعضُ الشباب ، وأكتفي بذِكر حديثين فقط ، لطالما كُرِّرا في الأدبيَّات المتعلِّقة بالجهاد ، مِمَّا يُطرح في السنوات الأخيرة:
الحديث الأوَّل: (إذا أقبلت الرَّايات السُّود من المشرِق ، والرَّايات الصُّفر من المغرِب ، حتى يلتقوا في سُرَّة الشَّام – يعني دمشق – فهنالك البَلاء ، هنالك البلاء) .
والحديث الثاني: حديث ابن حوالة: (سيصير الأمرُ إلى أن تكون جنودٌ مجنَّدة: جندٌ بالشَّام ، وجندٌ باليمن ، وجُندٌ بالعراق ، فقال ابنُ حوالة: خِر لي يا رسولَ الله إنْ أدركتُ ذلك ، فقال: عليك بالشَّام ؛ فإنَّها خِيرةُ الله من أرضه ، يَجتبي إليها خِيرتَه من عباده ، فأمَّا إنْ أبيتم ، فعليكم بيمنكم ، واسقوا من غُدرِكم ؛ فإنَّ الله توكَّل لي بالشَّام وأهله) .
وقبل الردِّ على الفَهم الخاطئ للحديثين، أودُّ التنبيه على خُطورة تنزيل هذا النَّوع من الأحاديث على واقعٍ بعينه ، وأنَّ من أهمِّ الضوابط في ذلك أن يَكون الحديثُ صحيحاً ، وأن يكون هذا التنزيلُ على الواقع مُتيقَّناً ، أو يَغلِب على الظنِّ صوابُه ، وقال به الراسخون في العِلم ، وألَّا يكون أمراً ظَنيّاً مُتوَهَّماً ، ولا أنْ يُفسِّره كُلُّ مَن شاء بظنِّه وهواه تَفسيراً بعيداً عن دَلالته .
أمَّا حديث الرايات السُّود فهو حديثٌ ضعيف ، أخرجه نُعيم بن حمَّاد في كتاب “الفتن” (1/272) ، وقد تفرَّد به ، والتحقيق: أنَّ ما تفرَّد به في كتابه هذا لا تقوم به حُجَّة ؛ قال مسلمة بن قاسم كما في (تهذيب التهذيب) (10/426): “له أحاديثُ مُنكَرة في الملاحم انفرَد بها” ، وقال الذهبيُّ في (السير) (9/27): “لا يجوز لأحدٍ أن يحتجَّ به ، وقد صنَّف كتاب الفتن فأتى فيه بعجائبَ ومناكير” .
وعليه فلا يصحُّ الاعتمادُ على هذا الحديث ، ولا اعتقادُ ما جاء فيه ، فضلاً عن تنزيله على واقعٍ معيَّن ؛ فإنَّ دليلَه لم يثبت أصلاً حتى يُبنَى عليه أيُّ اعتقاد ، أو أيَّةُ تصوُّراتٍ أو أحكام .
وأمَّا حديث ابن حَوالة فهو حديث صحيح ، ولا شكَّ أنَّ الشَّام بحدودها المعروفة في كُتُب الأقاليم والبلدان ، وليس سوريا فقط كما قد يتبادَر إلى الذهن ، فهو بلدٌ مبارَك وردتْ في فضله أحاديثُ كثيرة ، منها هذا الحديث ، وفيه أنَّ الله توكَّل بالشام ، وأنَّها خِيرةُ الله من أرضه ، لكن تنزيل هذا الحديث على واقعنا المعاصِر فيه نظر ؛ وذلك لأنَّ في الحديث أنَّه سيكون جُندٌ بالشام وجندٌ باليمن وجندٌ بالعراق ؛ فأين جندُ اليمن والعِراق الآن ؟! إلَّا إنْ كانوا يَعنون فصيلاً بعينه ، له وجود في هذه الدُّول الثَّلاث ، فهذا تحكُّم لا دليل عليه . ولفظ الحديث عند أحمد: (سيصير الأمرُ إلى أنْ تكونوا جنوداً مُجنَّدة) ، يعني: الأمَّة بمجموعها ، أو أعداداً كَثيرة لا يَصحُّ أن تُنسب إلى نِسبة غير أنَّها: أمَّة الإسلام .
ثانياً – هل قادةُ الجهاد يَحُلُّون مَحلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد ؟
من الشُّبهات التي تُثار في أوساط الشَّباب قولُ بعضهم: إنَّ قادة الكتائب الجهاديَّة تحُلُّ محلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد .
لكن أيُّ قادة يَعنُون ؟ هل هم قادةُ الجهاد في أفغانستان ؟ أم الصومال ؟ أم سوريا ؟ وهل يَصحُّ التفريق بينهم ؟ ولو أردنا تحديدَ بلد بعينه كسوريا مثلاً ، فقادَةُ مَن مِنَ الكتائب الجهاديَّة هناك التي تَحلُّ محلَّ الإمام ؟ وهل يَلزم إجماعُهم ، أم يَكفي قولُ بعضهم ؟ ومَن قال ذلك من العلماء ؟ كلُّ هذه الأسئلة لن تَجِدَ لها جواباً عندهم !.
ولو أجمع قادَةُ الجهاد كما يَزعمون في سوريا عن بَكرة أبيهم على عَدَم حاجتهم للرِّجال إلا  فصيلاً واحدًا ، لأوجبه قادتُهم ، ولعدُّوا أنفسَهم هم الذين يَحلُّون مَحلَّ الإمام ! وهذا من الفهم السقيم لمعنى الإمام .
ثالثاً – الاغترار بالأسماء المُوهِمة:
المسمَّيات مَبَانٍ لها معانٍ ، وقد تكون سبباً في الغلوِّ ، وينخدع بها بعضُ ضِعاف العقول ، فالجماعة التي تُسمِّي نفسها “الجماعة الأم” يَنظُر أتباعُها إلى غيرها نَظرةَ استصغار ، وأنهم تبع لها ، ومَن سَمَّى نفْسَه “أنصار السنة” عَدَّ غَيرَه أنصار الشيطان ، ومن تُسَمِّي نفسها “جماعة المسلمين” يَظن أفرادُها أنه يَلزم الجميع اتباعها واتباع أميرهم ، لحديث النبي  لحذيفة : (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)  ، ومن تُسمِّي نفسها بـ “الدولة” يُصَدِّق بعض أتباعها أنَّها دولة وليست فَصيلاً ، ثم يُرَتِّبون على ذلك إلزام الفصائل الأخرى باتباعها ، وهذا يُؤدِّي إلى إشكالٍ آخَر ، وهو اعتقادُهم أنَّهم أصحابُ حَقٍّ يَتَمَيَّزون به عن غيرهم ، وغيرهم من الجماعات التكفيرية ليس معهم مِثلُ هذا الحقِّ ، ولا يَسمعون لمن يَنصح لهم ، ونتيجة ذلك: قَسوةٌ في التعامل مع بعضهم البعض ، وظُلمٌ وتجهيلٌ وتضليلٌ ، وربَّما وصل إلى التَّكفير أو القتل والاقتتال ، وهذا ما يحدث في معظم البلاد العربية ، فلا يَصحُّ اختيار مُسمّى يَترتَّب عليه لوازمُ باطلةٌ ، أو تفريق وتحزيب ، يُوالَى ويُعادَى عليه .
والخلاصة: لو تأملنا في أنواع الإجرام الذي يُفعل باسم الدين , لم نجد أحداً من فاعليه يَستند إلى مذهب أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد  , بل نَرَاه يَستند إلى فَهمه السقيم للكتاب والسنة الذي وَصل إليه عن طريق القفز على هذه المذاهب والتحلل منها , فتبين لكل ذي لُبٍّ أن هذه المذاهب هي بمثابة النواجذ التي لا يُعض على الكتاب والسنة إلا بها ، فهي التي ورثت علم السلف وفهمهم ومنهجهم .
وربما كان وصف النبي  للخوارج الذين ضلّوا السبيل بأنهم أحداث أسنان يَقرؤون القرآن فلا يجاوز تراقيهم ، إشارة إلى عدم امتلاكهم لتلك النواجذ ، فلم يَنتفعوا بالكتاب والسنة لا فقهاً ولا عصمة ، والأولى أن نَحقن دماء المسلمين المدنيين الأبرياء ، وأن نُوَطِّدَ دَعائم دين الأمة الصحيح ونطرد الأوهام والهواجس التي أذاقت الأمة الويلات ، وأخيراً فلا يصح إلا الصحيح ، ولا يبقى في الواد إلا أحجاره .
وختاماً: فإننا ننصح هؤلاء الشباب أن يتقوا الله في أمتهم ، وأن يخافوا الله سبحانه ، وأن لا يُقدموا على أمر ما حتى يشاوروا أهل العلم والرأي من المسلمين ، ففي هذا الخير كل الخير لهم ، وفي هذا التعجيل بنصر الإسلام وعزه .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>