6- الفرق الإسلامية قديماً وحديثاً = الجزء الرابع

الفِرَقُ الإِسْلَامِيَّةُ قَدِيمَاً وَحَدِيثَاً
المحتوى
مقدمة البحث …
تعريف الفِرَق الإسلامية …
عوامل نشأة الفرق …
موقع هذه الفرق من الإسلام …
موقف الدولة الإسلامية من الفرق …
أهم الفرق الإسلامية وما اختص به كل منها من اجتهادات وآراء …
أولاً : الفِرَق السياسية …
1-الشيعة …
2-الخوارج …
ثانياً : المذاهب الاعتقادية …
1-المعتزلة …
2-المرجئة …
ما هي العوامل التي أدت إلى زوال هذه الفرق …
الخاتمة …

الفِرَق الإسلامية … قديماً وحديثاً( )
مقدمة البحث( )
لا يَشكُّ باحث في أن العقيدة الإسلامية التي بُعث بها أخيراً مُحمد  ، هي التي جمعت أشتات القبائل العربية المتناحرة ، وأَلَّفتْ منهم أمَّةً واحدةً تسير على صراط واحد ، وأنها هي التي ضَمَّت إليهم مِن بَعدُ أُمماً وجماعات أخرى ذات أفكار واتجاهات شتّى ، فتلاحموا جميعاً على مبدأ واحد ، ثم ساروا على خُطّة رشد واحدة .
غير أن هذا البنيان المتماسك الذي شَادَهُ الإسلام للبشرية بِفَضلِ عَقيدته ، سَرَت فيه – على صعيد العلاقات الاجتماعية – هَزَّة ، أو قُل نوعٌ من التصدّع ، مرتين اثنتين:
المرة الأولى منهما كانت إبان العصور الثلاثة المباركة الأولى من عهد الإسلام ، وهي التي تُسمَّى بعصر السلف ، وقد كان سبب ذلك تسلل الفلسفة الإغريقية خِفْيَةً من النوافذ والشقوق بَدلاً من أن تَدخل جَهرة من الأبواب الرسمية ، تحت سلطان الرقابة والنقد .
لقد فُوجِئَ كَثيرٌ من المسلمين آنذاك بهذه الفلسفة ، إثر اتساع الفتوحات الإسلامية ، فغشيت لمرآها أعينهم ، وأخذت ببهرجها وضخامة اصطلاحاتها عقولهم وألبابهم ! فأقبلوا إليها بإعجاب ، وحملوا أنفسهم على تقبُّلِهَا بروحٍ مِن الثِّقَةِ والاستسلام !.
وقد عَلِمنَا أن المعتزلة هُم أول مَن ذهب ضَحيّة هذا الانبهار من الفئات والفرق الإسلامية ، على أن المعتزلة أنفسهم انقسموا على أنفسهم تحت تَأثيرٍ من الاضطراب الذي كان ، ولا بُدّ أن يُواجه أفكارهم مِن جَرَّاء وقع التناقُض الذي فُوجئوا به والمغامرات الفكريّة التي حملوا عقولهم عليها .
وهذا العصر هو الذي شَهد ما يُسمّى بنشأة الفِرق التي ظَهرت على سطح العقيدة الإسلامية الراسخة الواحدة ، كما تَظهر الثآليل المنتشرة على جسم الإنسان السوي .
فتلك هي المرة الأولى ، ولكن ما النتيجة التي آل إليها ذلك التصدّع أو تلك الهزّة ؟ النتيجة أنّ الله تعالى سَلَّم ووقى ، وقد كان مَرَدُّ ذلك إلى ظُهور إمامين جليلين في غمرة الصراع الفكري المحتدم بين الفِرَق ، هما: الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (260-320هـ) ، والإمام أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي (…-268هـ) ، فقد جمعهما – على اختلاف ديارهما – مُقاومة الفِكر الفلسفي الذي تَسلل إلى المجتمع الإسلامي عن طريق المعتزلة وذيولها وفروعها الكثيرة .
ومن هنا نَعلم أنَّ أياً من هذين الإمامين لم يَبتدع لنفسه مَذهباً أو رأياً جديداً ، وإنّما لَفت نَظر كُلّ منهما أنّ الحق الذي عليه سواد المسلمين من رجال التفسير والحديث والفقهاء وسائر العلماء المشتغلين بأصول الدين ، قد حُجب عن أنظار وأسماع عامّة الناس ، بضجيج المناقشات والمجادلات التي ثارت وشاعت في صفوف المبتدعة ورواد الفلسفة الإغريقية ، حتى عادت العقيدة الإسلامية التي يَلتقي عليها جمهور علماء المسلمين في غمرة تلك الصراعات ، أشبه ما تكون بالجادة العريضة التي تَكاثرت فوقها الأتربة والحجارة والرمال ، حتى كاد أن يَضيع على الناس معالمها ، فكان عمل كلٍّ من هذين الإمامين مَحصوراً في إزاحة ذلك الركام عن تلك الجادة العريضة ، وتجليتها أمام الأبصار ، وتنبيه الناس إلى اتباع ما عليه جمهور المسلمين وجماعتهم منذ عصر النبوة مدعوماً بنصوص القرآن والسنّة ، وذلك تنفيذاً لوصية رسول الله  باتباع الجماعة والتحذير من الشرود عن الجادة العريضة التي يسير عليها سواد المسلمين إلى السبل التائهة المتعرجة .
أمّا الهزة الثانية فشيء مؤسف يشهده عصرنا الذي نعيش فيه .
•    أمّا حجم هذه الهزّة فخطير ! إنّه يَتمثّل في أنواع من الشقاق يَبعث أبطالهُ في كثير من الأحيان على التكفير والتشريك ! ويُوشك إن طال الأمد على ذلك أن يَتمزّق صرح العقيدة الإسلاميّة الذي ما يَزال يُجسِّد وحدة هذه الأمّة وتضامنها ، وأن يَتحوّل إلى ما يُشابه المتاريس المتقابلة ، إذ يتقاسمها خصوم متهارجون !.
والمؤلمُ حَقاً أنّ مباضع هذا الشقاق لا يَقتصر استعمالها على السعي إلى تفتيت وحدة العقيدة الإسلاميّة في ظلّ أهلها اليوم ، بل إنها لِتوجّه من خلال ألسنة طويلة إلى ما وراء قُرون وأجيال بعيدة ، لتنشر تُهم الشرك والضلال والابتداع في أئمّة لم يُعرف الثقات عنهم خلال القرون إلا الاستقامة على الرشد ، ثمّ أَنّهم آلوا إلى ربّهم ، وحقّ فِينا وفيهم قول الله عزّ وجلّ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون [البقرة: 134] .
وما هو أنكى من ذلك كلّه أنّ هذه الصورة المؤلمة توضع عند تلك القنطرة الكبرى التي تفصل بين خَطَي الإيمان والكفر ، حيث يدخل من تحت هذه القنطرة الآلاف في دين الله متَّجهين إليه من ربوع أوروبا وأمريكا وآسيا أملاً في أن يسبق كلُّ فريق خَصمه في الفوز بهم والانحياز بهم إلى معسكره وخندقه .
وهكذا فإنَّ أول ما يعرض على هؤلاء الوافدين إلى دين الله عزّ وجلّ – بكل اعتزاز وفخر – هُوَ هذا المظهر الهائج من التخاصم والتهارج ، ضِمن نِطاق العقيدة الإسلامية الواحدة ، ولا شكّ أنّه مَظهر من الشقاق المصطنع يَبْرَأُ الإسلام في حَقيقته وجوهره منه إلى الله عزّ وجلّ .
•    وأمّا الموضوع الذي يتحرّك به أبطال هذا الشقاق ، ويُكَوِّنون منه رصيداً لخصوماتهم ، فهو مُراقبة ألسنة المسلمين وملاحقة تصوراتهم وأفكارهم في امتحان دقيق .
– أيفسرون الألفاظ المتشابهة في القرآن والحديث مما يَتعلّق بالصفات الإلهيّة على ظاهرها ، فلا يَبتَغُون لها تأويلاً ولا يصرفونها إلى مجاز ؟ إذن فهم سلفيون صادقون في إسلامهم وعقيدتهم ، ناجحون في الامتحان الصعب في قضايا الدِّين وكلّ ما يتعلّق به .
– أم إِنّهم يَتَأولون لِيُفَسِّرُوا الوجه مثلاً بالذات ، والنزول بالإقبال ، والفوقيّة بالسيطرة والقهر ؟ إذن فهم مُبتدعون ضالون عن سنن الهداية والرشاد ، متنكبون عن محجَّة السلف !.
– أما موقفهم من أبي الحسن الأشعري ، فإنهم يَجزمون بأنّه مُبتدع لا خير فيه ، ولا يرون له فضلاً في لمّ شعث الأفكار المضطربة وإعادتها – إبان هياج الفرق المبتدعة – إلى حظيرة الحق ومؤيدات الكتاب والسنّة ، فهو ضالٌّ تائه عن الحق يَجب أن يُستتاب عن غيّه وضلاله !.
– والتصوّف ورجاله – عن كلّ مَن يَشعر أنّ قَلبه ينتعش باتباع سيرة هؤلاء الرجال في ذكر الله وتربية النفس وتزكيتها ، وإيقاد شعلة العواطف الربانية في فؤاده – أن يعلم أنّه منغمس في أوحال الابتداع متطوح في أودية الزيغ والضلال !.
– والمذاهب الفقهيّة وأئمتها ، على الناس جميعاً أن يَعتقدوا أنها من البدع المقحمة في الدين ، وأن يتحللوا من رِبْقَة الاتباع لها ولأئمتها ، وأن يستغنوا عن ذلك باستخراج الأحكام من نصوصها وأخذ الشريعة من ينابيعها ، مهما قلَّت بضاعتهم في المعارف والقدرات ! فمن تراجع عن هذا الطموح إلى التبعيّة والتقليد وسؤال أهل الذكر ، فقد ابتدع وحاد وكان ممن اتخذوا أحبارهم أرباباً من دون الله !.
أجل ، هذا هو الموضوع الذي يتحرّك به أبطال هذا الشقاق ، فلا تكاد تجد لهم شغلاً بغيره ، أو شعوراً بأيٍّ من الهموم المشتركة التي يُعاني من ويلاتها المسلمون ، أو أي التفات إلى الأوهام والوساوس الإلحادية التي يَتسلل بها محترفو الغزو الفكري إلى عقول الناشئة باسم العلم أو الفلسفة أو الفكر التقدمي !.
ولا يَخفى على واحد ممن يَرى واقع المسلمين وأحوالهم اليوم في مختلف البقاع والبلاد ما يُفْرِزُه انصراف هؤلاء الناس إلى استثارة الشقاق والخصومات حول هذه المسائل من عَصبيةٍ في النفوس وأحقادٍ في القلوب ، كما لا يَخفى على أحدٍ أنّ اتخاذ هذه المسائل أساساً جَوهرياً في أمر العقيدة مع الإصرار على ضرورة النظر إليها من وُجهة نظر فئة بعينها يُحيل بنيان العقيدة الإسلامية إلى أداة تفريق وتمزيق ، بعد أن كانت مثابة تأليف وتوحيد !.
إنّ مصدر هذه الهزة يَتلخّص في أن هناك سُوء فهم في معرفة الطريق وسلوكه إلى هدف لا نَشك في أنه الحق الذي لا بديل عنه .
تعريف الفِرَق الإسلامية:
الفِرقُ جمع فِـرقة ، وهي الجزء الذي يُقتطَع من مجموعة أو شَعب أو أمة . والذي يفصل هذه الفئةَ عن مجموعها رؤيةٌ تتميز بها في مسألة من مسائل العقيدة ، أما لو اختلفت هذه الفئة عن غيرها في اجتهادٍ يتعلّق بالأحكام الفقهية السلوكية ، “عبادات ، معاملات ، عقود” فتُسمّى هذه الفئة مَذهباً .
والفرق الإسلامية التي نشأت على أعقاب البحث في غوامض المسائل الاعتقادية ودقائقها ، إنما تفرعت عن المذهب الأساسي الأول الذي كان ولا يزال يُمثِّل جمهور المسلمين في عصر الصحابة وصدر عصر التابعين ، وهو المذهب الذي أُطلِق عليه فيما بعد “مذهب أهل السنّة والجماعة” ، ويُمثِّله الأشاعرة والماتريدية ، إذ الخلاف بين هذين الفريقين جُزئي لا أهمية له ، فَهُمَا في حُكم المذهب الواحد .
عوامل نشأة الفرق:
أولاً: إن كثيراً ممن دَخلوا في الإسلام بعد الفتح كانوا من ديانات مختلفة كاليهودية والنصرانية والمانَوية والزرادشتية والبراهمة والصابئة … إلخ ، وكان فيهم كثير من علماء دياناتهم ، فلما ركَنوا إلى الإسلام ودرسوا أحكامه وتعاليمه أخذوا يُفكِّرون في تعاليم دينهم القديم ، ويقارنون بينه وبين الإسلام ، فكان ذلك مَثارَ حديث وجدل لدى كثير من الناس ، إذ الطبع والفكر الإنساني يندفعان في مثل هذه الحالة إلى المقارنة واستثارة وجوه التشابه والاختلاف ، والتعمُّق في إبراز مزايا ما يُرى أنه الحق ، وهو شيء يَدفع ولا ريب إلى النظر والنقاش .
ثانياً: إن الفتح الإسلامي كان أساساً لِنشأةِ حَضارةٍ مُتكاملةِ المرافق والأركان ، وقد كانت المعرفة بفروعها المختلفة الدعامة الأولى فيها ، فأعقب ذلك قيام حلقات العلم والبحث في شتى المسائل والموضوعات الدينية والأدبية وغيرها ، وعكف الناس على تَدوين ما يَنتهون إليه من زُبدة محادثاتهم ومناقشاتهم ، فلم يَكن بُدٌّ عندئذ من الخوض في المتشابهات ، والبحث في غوامض الآيات ، وهو أمر يستدعي الاجتهاد ، ومن شأن الاجتهاد أن يُوصل إلى الخلاف ، ومن الطبيعي أن يَنهض كُلٌّ من الأطراف الـمُتخالفة إلى الاستدلال والحجاج لدعم ما يَرى أنه الحقّ .
ثالثاً: كان من آثار اتساع الفتوحات الإسلامية وانتشار الدعوة الإسلامية في ربوع الأرض أنْ دخلت الآلاف بل الملايين في دين الله أفواجاً ، وقد كانوا يَنتمون إلى حضارات ويتمتعون بثقافات مختلفة ، فضلاً عما كانوا يتَّصِفون به من أمزجةٍ وأخلاق متفاوتة متنوعة ، فظهر فيما بينهم زَنادقةٌ أَضمروا الباطل الذي كانوا يَتبنونه وستَروه بظاهرٍ من الإسلام والانقياد لأحكامه ، ثمّ أخذوا يَدسّون باطلهم بدعايةٍ من العلم والمنطق كلَّما سنحت لهم الفرصة ، منهم “أحمد بن حائط” الذي كان يَقول بالتناسخ مثل ما يقوله البراهمة ، ويقول في المسيح عليه السلام قولاً يُشبه قولَ النصارى .
رابعاً: هذه الفتوحات كانت سَبباً لِتَسَلُّل الفلسفة الإغريقية خِفيةً من النوافذ والشقوق بَدلاً من أن تَدخل جَهرةً من الأبواب الرسمية تحت سلطان الرقابة والنقد ، ففوجئ المسلمون آنذاك بهذه الفلسفة ، وغَشِيَت لمرآها أعينُهم وأُخِذَت ببهرجها وضخامة اصطلاحاتها عقولُهم وألبابُهم ، فأقبلوا إليها بإعجابٍ وحملوا أنفسهم على تقبُّلها بروحٍ من الثقة والاستسلام ، فاستكانوا لمنهجها ووثِقوا بأصولها ومقاييسها .
فأورثهم ذلك تغليباً لسلطان العقل على ضوابط النقل ، وتلك هي نقطة الضعف التي ظَلَّت تُعاني مِنها الفلسفة أحقاباً طويلة ، واقتضتهم نقطة الضعف هذه التهوينَ من أمر النصوص أو كثيرٍ منها ، فلم يُبالوا بتأويلِها وصرفها عن معانيها الحقيقية ولو بقدر كبيرٍ من التمحُّل والخروج الصحيح على قواعد اللغة العربية وأصولها ، وذلك كي تسلَم لهم تصوراتُهم العقلية التي تسلّلت إليهم من خلال معاناتهم المبهورة مع الفلسفة الإغريقية ، وأول من ذهب ضحيةَ هذا الانبهار هم المعتزلة .
وهكذا بدأت نشأة الفرق في أواخر عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين ، وظهرت على سطح العقيدة الإسلامية الراسخة الواحدة كما تظهر الثآليل المنتشرة على جسم الإنسان السويّ ، وامتد ذلك إلى عصر الدولة العباسية .
موقع هذه الفرق من الإسلام:
إن الفرق الإسلامية التي سنتحدث عنها منسوبة إلى الإسلام دَاخلةٌ في الْمِلَّة ، ولذا تُسمّى الفِرق الإسلامية ، وهذا يَعني أنه لا يَجوز إخراج أي منها عن حظيرة الإسلام ، ولا يَوجد في الثِّقاة من أئمة المسلمين مَن حَكَم على أي من هذه الفرق بالكفر ، وإن كانوا إنما يتحدَّثون عنها ويُعَرِّفون بها لبيان انحرافاتها عن الجادة ، والابتداعَاتِ التي عُرفت بها ، والتحذير من الوقوع في ضلالاتها .
ومُستند الأئمة في ذلك ما صَحّ عن رسول الله  مِن أنَّ مَن لقِي الله لا يُشرك به شيئاً دخل الجنة . من ذلك حَديثُ أَبي عَمْرَةَ الأَنْصاريُّ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسولَ اللهِ  قالَ: (أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّي رَسولُ الله ، لا يَلْقَى اللهَ عَبْدٌ يُؤْمِنُ بِهِما إِلاَّ حُجِبَتْ عَنْهُ النَّارُ يَوْمَ الْقيامَة)( ) ، وحَديثُ أَنسٍ  ، أَنَّهُ  قال: (وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لا يَقُولُهَا( ) أَحَدٌ صَادِقًا إِلَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ النَّارُ) ، وحَديثِ مُعَاذِ بن جبَلٍ رضي الله عنه: (مَنْ كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّة)( ) ، زاد في رواية: (صادِقًا مِنْ قَلْبِه)( ) .
والقاعدة تقول:
كل تأويل لنص من القرآن الكريم أو الحديث مهما كان بعيداً لا يَزجُّ الإنسان في الكفر ، والفِرقُ التي ظهرت كُلُّها شَطَّت عن المنهج الصحيح عن طريق التأويل ، ولكنّ علماء الشريعة الإسلامية لم يُكفِّروا أحداً منهم مع العلم أنهم هُم كَفَّروا بعضهم .
فهل يُشكِل على هذا الحديث المتواتر أَنَّ رَسولَ الله  قال: (افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلى إِحْدى وَسَبْعينَ فِرْقَةً ، وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعينَ فِرْقَةً ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتي عَلى ثَلاثٍ وَسَبْعينَ فِرْقَة)( ) . وقد رواه التِّرمذِي( ) بزيادة: (كُلُّهُمْ في النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً واحِدَة) قالوا: وَمَنْ هيَ يا رَسولَ الله ؟ قالَ: (ما أَنا عَلَيْهِ وأَصْحابي) .
أقول – وأسأل الله أن يُلهمَني الرُّشد -: بعث الله سيدنا محمداً  إلى الناس جميعاً ، فمنهم من آمن بالله تعالى وأقرّ لنبيه محمد  بالرسالة ، ومنهم من لم يؤمن ، فكل من وُجِدَ في عصر رسول الله  ، وكل من وُجِدَ فيما بعد إلى قيام الساعة مِن أمة رسول الله  ، فهو من “أمة الدعوة” مسلمين كانوا أو غير مسلمين ، وأما الذين استجابوا له وأقروا بنبوته فهم من “أمة الاستجابة” .
والمراد بالأمة في قوله : (وتفترق أمتي) أمة الدعوة لا أمة الاستجابة ، وعليه فإن المراد بالفرق التي تفترق إليها أمته هذه هي الأديان الباطلة الكثيرة الخارجة عن ملَّة الإسلام ، وليس المراد بها الفرق الإسلامية من معتزلة ومُرجئة وجهمية وخوارج … إلخ .
يدل على ذلك أمران اثنان:
أولهما: قوله  في الزيادة التي ساقها الترمذي: (كُلُّهُمْ في النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً واحِدَة) ، وقد علمتَ أن الملة هي الدين ، ولا يُعبَّر عنها بالفِرقة ، وملَّة الإسلام تشمل كل الفرق التي تَكاثرت فيها ، لأن أصحاب الفرق على اختلافهم مؤمنون بوحدانية الله تعالى .
ثانيهما: أن النبي  قال في صدر الحديث: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة) ومقتضى بلاغة المصطفى  ، وكونِه حُجَّة في البيان والفصاحة أن يقابل كلمة اليهود والنصارى بكلمة المسلمين ، فيقول “وسيفترق المسلمون إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة” ، لكنه عَدَلَ عن كلمة “المسلمين” ، وإنما قال (وستفترق أمتي إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة) ، والمراد بالأمة هنا أمة الدعوة لا أمة الاستجابة ، ومعنى (وستفترق أمتي) أي أمة الدعوة (إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة) أي إلى أديان مختلفة متناقضة شتى ، والدليل الناطق على هذا أنه قال بعد ذلك: (كلهم في النار إلا ملة واحدة) ولم يقل “إلا فرقة واحدة” ،  كلها في النار إلا ملَّة واحدة هي ملَّة الإسلام بكل فئاتها ، بكل مذاهبها ، بكل أقوامها ، الجامع المشترك بينها والذي يجعل لها هوية الرحمة من الله سبحانه وتعالى ويجعلها تدخل إلى بوابة الرحمة الإلهية والواسعة أنها جميعاً لَقِيَت الله عز وجل وهي تؤمن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله ، هذا هو المعنى الذي قصده المصطفى  ، فالمسلمون اليوم بكل مذاهبهم ، بكل فرقهم ، كلُّهم يستظلُّون بظلِّ الإيمان بالله ، كلهم لهم هوياتهم التي يدخلون بها غداً في رحمة الله عز وجل ، ألا وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  .
فهذا الفَهم لكلمة الأمة في الزيادة التي ساقها الترمذي وآخرون ، ينسجم مع سياق الحديث وسِباقه ، ويفتح سبيل التوافق والانسجام مع الأحاديث الكثيرة الـمُؤكِّدة بأن من لقي الله مؤمناً بوحدانيّته لا يُشرك به شيئاً دخل الجنة .
وإذن فإننا على الرغم من التحذير من الضلالات والبدع التي وقعت فيها الفِرَق التي سنأتي على ذكرها ، لا نُكفِّر أياً منهم ، ونسأل الله لنا ولهم المغفرة والصّفح بـمَنِّه وكرمه ، إنه أكرم مسؤول .
موقف الدولة الإسلامية من الفرق:
لم تُكفّر الدولة الإسلامية أيّاً من الفرق التي ظَهرت فيها ، بل وقفت منها موقف الحوار والمناقشة ، وتاريخ العصر الأموي والعباسي مَليءٌ بأخبار تلك المناقشات التي كانت تجري في كثيرٍ من الأحيان بإشراف الخليفة ، إذ كان يَدعو الفرقاء للمناقشة ويستمع إلى السِّجال بينهم ، ولم يُعرف أن نِقاشاً تَطوَّر ثم تَحوَّل إلى مُهاترةٍ بالكلام أو مُجارحةٍ باللِّسان ، وإنما كانت المناقشات علمية منضبطة بقواعد العلم النظري .
وهناك بَعض الكتب التي جَمَعت هذه الـمُناقشات والحِوارات في ذلك العصر ، ككتاب “الـحَيْدة” ، فيه مَجالس من المناقشات الممتعة بين الذين يقولون: إن كلام الله عز وجل مخلوق ، وبين الجمهور الذين يقولون: إن كلام الله تعالى قديم .
وهكذا فإِنَّ هذه الفرق سادت ثم بادت عن طريق الحوار ، ولو أنها قُوبِلَت بسلاح العنف والتكفير لانتهى الأمر إلى تمزّق الدولة الإسلامية .
وهذا مِن شأنه أن يَلفت نظرنا إلى ما يَنطوي عليه الإسلام بحدِّ ذاته من عوامل الإقبال إليه والتقبُّل له والاقتناع به ، إذ هو في الحقيقة ليس جملةَ تَصوراتٍ ومواصفاتٍ سلوكية ، تَصلح للقبول والرفض على حدٍّ سواء ، حتى نبحث له عن المؤيدات خارج حقيقته ، كقوة المدافعين عنه ، وكالمصلحة التي تتحقّق للناس أو بعضِهم في الخضوع له .
وإنما هو جملة مبادئ واعتقادات لها في كيان الإنسان جذورٌ نفسيةٌ وعقليةٌ تبعثه على الإِذعان لها واليقين بها ، ما لم تُسدَل غواشٍ وحُجُبٌ من العصبيات والأهواء على تلك الجذور ومكانها من الكيان الإنساني .
إذن فالحقائق الإسلامية لها جُذور مُمتدة إلى كيان الإنسان في كِلا مَظهرَيه النفسي من حيث هو دين الفطرة ، أي دِينٌ يَتفق مع أصول ما فُطِر عليه الإنسان من تطلّعاتٍ وأشواق ، كما يتفق مع موازين العقل والمنطق وأحكامهما .
أهم الفرق الإسلامية وما اختص به كل منها من اجتهادات وآراء:
تنقسم الفرق الإسلامية التي ذَرَّ قرنُها بعد وفاة رسول الله  وبعد مرور عهد الخلافة الراشدة إلى قسمين:
أولاً: فِرق سياسية يَعود العامل الرئيسي في خروجها عن سبيل الجماعة ومنهج الاعتدال إلى مسألة الخلافة وما قد يتعلق بها .
ثانياً: فرق اعتقادية يعود العامل الرئيسي في خروجها عن سبيل الجماعة ومنهج الاعتدال إلى مسائل تتعلق بأمور الاعتقاد .
أولاً : الفِرَق السياسية
يدور الجدل الذي ثار حول مسألة الخلافة – والتي كانت العامل الأساسي لنشأة هذه الفرق – على المحاور التالية:
1 – هل يَجوز إقامة خَليفتين في وقت واحد ، أم لا بُدّ أن يكون الخليفة واحداً ؟.
2 – هل يتحتّم كونُ الخليفة قُرَشياً ؟.
3 – هل يجب أن يكون من بيت النبوة ، أي من آل بيت رسول الله  ؟.
4 – هل الخلافة مُستلزمة للعصمة فلا يَنالها إلا المعصوم الذي لم يَرتكب معصية قط ؟.
والمهم في هذا الصّدَد أن نُلاحظ أن هذا الخلاف وإن كان سِياسياً في مَظهره ، وبالمعنى الذي يَفهمه الناس اليوم ، إلا أنه دِيني في مَنْشئه وأُسُسه ، وليس كما آل إليه الحال اليوم أن يكون الجدل والخلاف في أمرٍ ما دِينياً في مظهره سياسياً في بواعثه وأساسه .
إن مما لا رَيب فيه أن ظُهور هذه الفِرق قَام على عَكس الصورة التي كثيراً ما تُشاهَد اليوم ، فالقناعات الدينية فيها هي الأساس ، والمستلزمات السياسية نتائج وفروع لتلك القناعات الدينية ، فما أهـمَّها أمرُ الخلافة حينئذ ، وما نهض أصحابُها بالنقاش أو الجدل حوله ، وما انقسموا من جرّاء ذلك فِرقاً إلا تمحيصاً وتحقيقاً لواجبٍ إسلاميٍّ في تصوُّرِ كلٍّ منهم ، ولكنه بقي في تصوُّراتهم أمراً خاضعاً للنظر والبحث ، لا تتجلّى فيه بواعث الاتفاق على يقين واحد ، فنشأ الاختلاف من جرّاء ذلك فيما بينهم .
وأهم هذه الفرق:
1 – الشيعة :
من المعلوم أن نشأة الفكر الشيعي كانت عند تمام البيعة لسيدنا أبي بكر  ، ولكنه لم يظهر مذهباً على صعيد المجتمع الإسلامي إلا في أواخر عهد سيدنا عثمان  .
أما شأنه فيما بين ذلك فإنما كان وُجهةَ نَظرٍ قامت يوم السَّقيفة ، ثم هدأت وطُوِيَت باستقرار الأمر لأبي بكر  واجتماع الناس على بيعته ، ولا سيّما عندما بايعه سيدنا علي كرَّم الله وجهه بذاتِه ، وقد كانت بَيعته له بعد وفاة السيدة فاطمة رضي الله عنها بعشرة أيام ، وقيل بعد وفاة رسول الله  بثلاثة أشهر ، وقيل غير ذلك .
ويتلخص مَذهبهم الذي يتفقون جميعاً عليه في النقاط التالية:
•    ليست الإمامة من المصالح العامة التي تُفوَّض إلى نظر الأمة ، بحيث يُعتمَد الشخص الذي تختاره مِن بينِها للنهوض بهذا الأمر ، بل هي ركنُ الدّين وقاعدةُ الإسلام ، وليس من شأن النبي  إغفالُه ولا تفويضه إلى ما تراه الأمة ، بل يجب عليه أن يُعيّن لهم الإمام من بعده .
•    لا بدَّ أن يكون الإمام معصوماً من المعاصي بنَوعَيها: الكبائر والصغائر .
•    إن عليّاً  وكرّم الله وجهه هو الإمام الذي عَيَّنه رسول الله  للأمة مِن بعده .
فهذه النقاط الثلاث محلُّ إجماع منهم جميعاً عليها ، على اختلافهم وتفرُّقهم عن بعضهم بصدد النظر في أمورٍ أخرى .
ثم إنهم لـمّا نظروا في أمر الخلافة مِن بَعد علي  تفرقوا إلى المذاهب التالية:
–    مَذهبٌ يَرى أن مَساق الخلافة من بعد علي كرّم الله وجهه في وَلَدِ فاطمة بالنصّ عليهم ، واحداً إثر آخر . وأصحابُ هذا الرأي هُم الإمامية ، نِسبةً إلى مَقالتهم باشتراط معرفة الإمام وتعيينه في الإيمان .
–    ومذهبٌ يَرى أن مساقها في وَلَد فاطمة ، لكن بالاختيار من الشيوخ ، على أن يكون الإمام مِنهم عالماً زاهداً جواداً شجاعاً . وأصحاب هذا الرأي هم اليزيدية ، نسبةً إلى صاحب المذهب وهو زيد بن علي بن الحسين .
ولـمّا ناظر الإمامية زيداً في إمامة الشيخين أبي بكر وعمر ، ورأوه يَقول بإمامتهما ولا يتبرّأ منهما رفضوه ، ولم يجعلوه من الأئمة الـمُعتمَدين ، وبذلك سُمُّوا رافضة .
–    ومذهب يَرى أن مَساق الخلافة من بَعد علي وابنَيْه السِّبطَين إلى أخيهما محمد بن الحنفيّة ، ثم إلى ولده . وأصحاب هذا الرأي هم الكيسانية ، نسبةً إلى كيسان مولى محمد بن الحنفية .
ونحن نرى أن مَوضِع النظر والبحث في هذه المسالة قد طُوِي وزال ، فقد عفى الزمن على ما يُمكن أن يَختلف المسلمون حَوله من أمر الخلافة والأحقِّ بها من مجموع الخلفاء الراشدين ، إذ هي مَسألة تاريخية فَصَل الزمن والواقعُ في أمرها .
وحسبُك أن تعلم أن علياً  – وهو موضوع هذا البحث وبطل هذه المسالة وأصلُها – قد بايع بنفسه أبا بكر  واستقرّ الأمر على ذلك .
ووالله الذي لا إله إلا هو ، لو أن علياً كرم الله وجهه اتخذ يوم السقيفة مَوقفاً مستقلاً ، أو اتخذ يوم استخلاف أبي بكر لعمر مَوقفاً مستقلاً ، أو يَوم الشورى التي بُويع على أعقابها لعثمان مَوقفاً مستقلاً ، إذن لَتركنا كُل نَهج واتبعنا نهج علي  ! ولكن نظرنا فوجدنا هذا الإمام الجليل اندمج في فِكره وسُلوكه مع الكلمة الجامعة – مع النهج الإسلامي العام – ، فكان لا بد أن يقودنا الحب إلى الاقتداء به وإلى سلوك النهج الذي سلكه .
وأنا لا أذهب في تحليلي لهذا الموقف إلى أكثر من هذا الكلام ، حسبي أن أجد علياً  سار في هذا المنحى لأتبعه ، وآية هذا الذي أقول – آية هذا الاقتداء الذي أشعر بضرورته ، وأشعر أن إيماني ينقص وربما يتزلزل ويضطرب إن لم يتحقق هذا الاقتداء بآل بيت رسول الله  – آية ذلك أن علياً  عندما اتخذ مَوقفاً صريحاً من معاوية أيام الفتنة بعد مقتل عثمان ، وكتب إليه الرسائل ، وأعلن أنه – أي معاوية – مُنحرف عن الخط خارج عن النهج ، اتجه جمهور المسلمين إلى ما اتجه إليه عليّ  ، ولعلكم جميعاً تعلمون أن جمهور الفقهاء يُقررون أن علياً  هو صاحب الولاية والخلافة بعد عثمان ، وأن صَف معاوية يُشكل البغي( ) ، قرأنا هذا في كتب الشريعة الإسلامية ؛ هذا هو رأي الإمام الشافعي ، وهو رأي الإمام أبي حنيفة ، وهذا هو رأي الجمهور .
أين يكمن الخلاف اليوم إذن ؟
نحن نسير اليوم في الفترة التي يَغيب فيها الإمام المنتظر في اعتقاد الإخوة الشيعة ، وأقول بحق – أقول عن نفسي وعن كل مسلم -: عندما يَحين ظُهور هذا الإمام الغائب ، وعندما يظهر فعلاً ، لن يَكون هناك أي لَبس على ظهوره ، ولن يكون هناك أي ضَباب أو اضطراب يُغشّي على شخصيته ، وعندما يحين ذلك الميعاد فلسوف تَجدون أن المسلمين جميعاً قد غَدَوا مَذهباً واحداً ، وأنهم جميعاً يُقَدِّمون الولاء لهذا الإمام ، ويتقدَّمون بالبيعة له !.
هذا بالنسبة إلى المستقبل المنظور ، وذلك بالنسبة إلى الماضي منذ وفاة رسول الله  إلى أواخر الخلافة الراشدة ، لا يوجد هنا أو هناك أي خلاف قط .
أفلا ترى أنَّ نَبْشَ هذا الماضي الذي لا تُوجد له اليوم أيُّ ظِلال تَطبيقية ، واتخاذَه مَادةَ تَصديعٍ لِصفِّ المسلمين وبَذرِ أسباب الخلاف بَينهم مِن أعجب الأعمال الـمُبكية والـمُضحكة بآنٍ واحد ؟
إذن … أين بَقي الإشكال الخفي ؟
إن الذي كان ولا يَزال يُفرِّق بين المسلمين إنما هو العصبيات ، العصبيات والأهواء …!.
عندما ينسى الإنسان أن المذهب خادم للمبدأ ، يُضَحِّي بالمبدأ في سبيل المذهب ، وتلك هي ثمرة العصبية الخطيرة في حياة المسلمين ، بل في حياة الجماعات الإسلامية كافة ، ولو أن الناس – أو لو أن المسلمين بالأحرى – تنبّهوا إلى أن المذهب لا يُبرّر وجوده إلا أن يكون خادماً للمبدأ المتفق عليه ، لحركوا المذهب كما يقتضي المبدأ ، ولسيّروا الفروع كما تقتضي الجذور ، ولتحررنا عندئذ من عصبياتنا ، ولتحررنا من أهوائنا .
وأنا أقول هذا الكلام انطلاقاً من النظر إلى نفسي ، انطلاقاً مما أثبتناه في بعض الأحيان من آراء واجتهادات: إنني عندما أنسى في كثير من الأحيان أنني مَشدود إلى مبدأ ، وأنني مُكلف برعاية هذا المبدأ – والإنسان بشر – ، أجد حافزاً خفياً بين جوانحي وقوياً يدفعني إلى أن أنتصر للفكرة التي ناديت بها ، وأشعر أنها قد غدت جُزءاً من شخصيتي وكياني ، بل أشعر أنني مِن مُنطلق الدفاع عن شخصيتي أدافع عن هذه الفكرة ، ولكني أعود فأذكر المبدأ الذي شَدَّني الله إليه .
وأنا لا أزال أذكر – أيها الإخوة – كَلمةً أثّرت في نفسي تأثيراً عميقاً ، سمعتها من سماحة الأستاذ محمد مهدي شمس الدين في أحد المؤتمرات التي عُقدت في الجزائر ، عندما قال: “مهما كانت اجتهاداتنا وآراؤنا ، فيجب ألا ننسى أن علينا أن نَتمسك بحجة سنمضي بها إلى الدَّيَّان يَوم القيامة ، وسيسألنا الله عنها” ، ألا فلنعلم أنها العمود الفقري في حَلّ كل مشكلة ومعضلة ، نحن سائرون إلى نهاية ، ونهايتنا وقفة بين يدي الله سبحانه وتعالى ، وأمام ذلك المصير ستذوب عصبياتنا ، وتنمحي انتماءاتنا ، ولسوف ننسى ما كنا ندافع عنه – ربما – من أهواء ورغبات وشهوات ، ونجدنا أمام الحقيقة العارية التي نُدبنا في هذه الحياة إلى الدفاع عنها والتمسك بها ، فماذا نحن قائلون ؟ وبأي مَنطق نُدافع آنذاك عن مواقفنا اليوم ؟.
إنني أحب لنفسي – كلما تبنّيت رأياً – أن أضع نفسي من هذا الرأي أمام مقياس ، ومقياسي هو ذلك المصير ، ترى هل أستطيع أن أدافع عن رأيي هذا أمام الله ؟ هل أستطيع أن أمسك بحجة يقبلها الله مني ، سواء كانت هذه الحجة تعتمد على أجرين من اجتهاد مُصيب أو على أجر واحد من اجتهاد مُخطئ ؟.
أنا ما قرأت مَرة شيئاً من ترجمة الإمام علي  إلا وثار بين جوانحي شَجوٌ لا نهاية له ، وأنا أعجب عندما أسمع من بعض الإخوة كلمات تُوحي بشكل مقصود أو غير مقصود أن هذا الحب لا يَعرفه ولم يَذقه إلا بعض من المسلمين ؛ أسعدهم الله دون غيرهم بهذه النشوة !.
والله إننا جميعاً نَتَحلَّق حول هذا المعين ، ووالله إننا جَميعاً لَنَنهلُ من هذه الكأس ، ولكن هذا الحب يدعونا إلى الاقتداء .
أنا عندما أنظر إلى علي  وقد اتخذه كل من الخلفاء الثلاثة من قبله مستشاراً بل أميراً له ربما ، أميراً غير متوَّج ، عندما أجد أن أبا بكر  وقد خرج إلى “ذي القصة” لقتال المرتدين ، وجاءه علي  فأمسك بزمام فرسه قائلاً – وارجعوا للوقوف على هذا النص إلى أي مرجع تاريخي تريدون -: “أقول لك يا خليفة رسول الله ما قال رسول الله  يوم أحد: لُـمَّ سيفك وأَمْتِعْنا بنفسك ، فوالله لئن نُكِبَ المسلمون بك لن تقوم لهم قائمة من بعدك …!” ، فعاد أبو بكر وكلّف باللواء غيره .
ثم أنظر إلى عمر  إبان خلافته ، وقد استشار هو الآخر علياً  في أن يخرج بنفسه إلى بلاد الفرس ، فيقول له عليّ : “كُن القطبَ الثابت وأَدِرْ رحى الحرب مِن دونِك ، وأَصْلِهم دونك نارَ الحرب ، فإنك إن شخَصتَ من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أقطارها ، حتى يكون ما تَدَعُ وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك” ، وإنّ أول مَرجع لنا في هذه المشورة الأخوية الرائعة كتاب “نهج البلاغة” .
وعندما أجد نصائحه لعثمان  وقد أحدق به أولئك الأشرار ، – ويستحيل أن تصدر إلا عن قلب مخلص محب – ، وعندما أجده وقد أرسل رَيحانتَيه: الحسن والحسين ، ليحرسا عثمان  ضد أي خَطر قد يتسرب إليه ، عندما أجد هذه المواقف كلها لعلي  ، كيف أستطيع أن أُعبر عن حُبي له ؟ إنني لا أستطيع أن أعبر عن حبي هذا إلا باتباع خطواته، إلا بالسير على النهج الذي سار عليه ، ووالله – أقولها ثانية – لو أن الإمام علياً كرم الله وجهه اتخذ موقفاً مستقلاً في عهد من العهود ، لتركنا كل خَطٍّ دون خطه .
ولكن العجيب الذي لا يَهضمه عَقلٌ ولا تَقبله غَيرة صادقة على الدين الحق هو أن نقوم ونقعد بعد مرور ما يقارب خمسة عشر قرناً على عصر الخلافة الراشدة ، فنجعل من أَحَقِّيَّة علي  أو غيره مَوضوعَ لججٍ ومسألةَ خلاف ، وحجاب تَفرقة بين الإخوة المسلمين !.
أما ما وراء الخلافة من المسائل الفقهية الفرعية التي أخذت الشيعة فيها باجتهادات خاصةٍ بهم ، فأمرُ ذلك هَيِّن والخطب فيه يسير ، وإنما المدارُ في كل اجتهادٍ يَنهض به عالم من علماء المسلمين أياً كان أن يكون اجتهاده مُعتمداً على مَدركٍ ودليل من كتاب الله أو سنة رسول الله  ، وقد تتلمذ كثيرٌ من أئمة الفقهاء – كأبي حنيفة – على يد الإمام جعفر الصادق والإمام محمد الباقر .
إن لكلٍّ أن يَحتفظ لنفسه بالعقيدة التي اقتنع بها مِن هذا الأمر ، وهو مأجورٌ إن شاء الله ، ولكن ليس لأحدٍ مِنهم أياً كان أن يَجعل مِن عَقيدته التي انفرد بها عصا تَفرقةٍ بين المسلمين ، واتهامٍ لمخالفيه بالخروج عن الملة .
في وَقتٍ نُواجه فِيه عَدواً لا يَتربص لا بِسُنِّيٍّ ولا بِشِيعِيٍّ ، وإنما يتربص بهذا الجذع الذي هو الإسلام ، كم وكم حاول العدو الإسرائيلي أثناء حرب لبنان الأخيرة – عام 2006م – أن يَجعل مشاعر العالم الإسلامي المتوهجة تبرد ويبرد لظاها من خلال إطلاق شائعات بأن هذا النصر ما هو إلا مُؤامرة شيعية ، هذا حَصل وكانت هُنالك أوراق يَتم إسقاطها في أحياء في لبنان تتضمن هذا الكلام .
علينا أن نَــعِيَ أنه أمام هذا الخطر الأكبر الذي يواجه جذع الإسلام الواحد لا يجوز أبداً أن نتحدث عن الأغصان المفرّقة ، – شيعي ، سُنّي – ، إلى آخر ما هنالك من الأطياف الأخرى ، والحرب على سورية اليوم تأخذ أيضاً هذا العنوان .
2 – الخوارج:
تعود نشأة الخوارج إلى الحرب الـمُستَعِرة التي قامت بين علي  ومعاوية في موقعة صفّين ، فقد دعا معاوية إلى تحكيم القرآن عندما أحس بالهزيمة تُـحْدِق به ، فقام في جيش علي  مِن يُؤَيِّدُ هذا التحكيم ويضغط على علي  أن يَقبَله ، فلما خضع عليٌّ للتحكيم ، وقام حَكَمٌ من هذا الطرف وحَكَمٌ من ذاك ، ونجحت الخطة التي كان قد وضعها معاوية للفوز بما يُريد ، عاد أولئك الذين ضَيَّقُوا على علي  – وألجؤوه إلى قبول التحكيم – يَلومونه على ما صنع ، وانقلبوا عليه بعد أن كانوا شِيعةً له ، وانحاز عنه مِنهم اثنا عشر ألفاً ، فلحقوا بحَروراءَ – وهي قَريةٌ مِن قُرى الكوفة – وسُمُّوا بالحرورية لاجتماعهم في هذه القرية وانحيازهم إليها .
روى المسعودي أن عليّاً  لـمّا قَدِم الكوفة جَعلت الحرورية تُناديه وهو على المنبر: “جزعتَ من البلية ، ورضيتَ بالقضية ، وقبِلتَ الدنيّة ، لا حُكمَ إلا لله” ، فيقول علي : “حُكمَ اللهِ أنتظر فيكم” ، فيقولون: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِين [الزمر: 65] ، فيقول علي : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون [الروم: 60] .
ولقد كانت بينهم وبين علي  حُروبٌ لا مجال للحديث عنها ، ثم كان مَقتلُه على يد واحدٍ منهم وهو عبد الرحمن بن ملجم .
أهم المعتقدات التي انفردوا بها:
كان الخوارج يُعانون من ضِيقٍ في التفكير ، وغِلظَةٍ في الطّبع ، وقسوةٍ في معالجة الأمور ، وتعصّبٍ لِـما يَرون ، ويعود ذلك إلى أن أكثرهم من الأعراب والقبائل الجافية ، لم يتذوقوا طبيعة الشريعة الإسلامية ولم يتمرَّسوا بمعرفتها ، فزادتهم عصبيّتهم بلاءً ، وأضافت إلى جهالتهم عناداً .
وقد تمسّكوا – مِن دون سائر المسلمين – بمعتقداتٍ جعَلتْ لهم مذهباً متميّزاً نجملها فيما يلي:
•    الخليفة لا تتمّ له الخلافة إلا بمبايعةٍ تامّةٍ صحيحة ، يقوم بها عامة المسلمين لا فريقٌ منهم ، فإذا حادَ الخليفة بعد ذلك عن الحق أياً كان وَجَبَ عزلُه ، فإن لم يُنعزل وجب قتلُه .
•    جميع الناس في أمر الخلافة سواء ، لا فرقَ في ذلك بين قرشي وغيره ولا بين عربي وأعجمي .
•    يكفر المسلم في اعتقادهم بارتكاب معصيةٍ ما ، دون أي تفريق بين معصية وأخرى ، صغيرة أو كبيرة ، وحتى لو انزلق إليها خطأً أو بدافعٍ اجتهادي ، ولذا كَفَّروا عليّاً  بالتحكيم ، مع أنه دخل فيه مُكرَهاً وقَبِلَه اجتهاداً .
•    ثم إنهم يُجيزون ألا يُوجد إمامٌ للمسلمين أصلاً ، إذا اتفقوا فيما بينهم على ذلك وسارت أمورهم دون حاجةٍ إليه .
•    وقد كانوا يأخذون بظواهر النصوص ، دون أن يُعمِلوا فيها العقل والنظر إطلاقاً ، لذا كان علي  إذا جادلَهم لم يُحَدِّثهم عن نصوص كتابٍ أو سُنّة ، بل كان يُناقشهم بعمل رسول الله  ، إذ لا مفرَّ لهم من الاعتداد به والخضوع له .
فِرَقُ الخوارج:
ثم إن الخوارج اختلفوا فيما بينهم في جزئياتٍ شتى ، وكبار فِرَقِ الخوارج التي نشأت على اختلافاتهم تلك ستة هي: الأزارقة ، والنجدات ، والصفرية ، والعجاردة ، والإباضية ، والثعالبة …
وأقلّ هذه الفِرق غُلُوّاً الإباضية ، وهم أصحاب عبد الله بن إباض ، كانوا يَرون أن مُرتكب الكبيرة يَكْفُر كُفْرَ نعمةٍ لا كُفرَ مِلّة ، أي لا يَخرج بها عن الـمِلّة الإسلامية ، وكانوا يَقولون: إن دار مُخالفيهم مِن أهل الإسلام دارُ توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي .
ثانياً : المذاهب الاعتقادية
1 – الـمُعتزِلة:
أصلُ المعتزلة هم أولئك الذين كانوا من شيعة سيدنا علي  ، فلما تخلى الحسن  عن الخلافة لمعاوية  اعتزلوا الناسَ وانقطعوا لمساجدهم .
ثم إن أفكار الاعتزال التي أُخذت عن قادتهم تَشعَّبَت واختلفت ، فافترق المعتزلة من جَراء ذلك إلى أكثر من عشرين فِرقة . غير أن القاسم المشترك الذي لا بُدّ منه فيمن يُسمى مُعتزلياً يتمثل في القول بالأصول الخمسة ، وهي: التوحيد ، والعدل ، والوعد ، والوعيد ، والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وسنشرح فقط اثنين منهما وهما: التوحيد والعدل .
•    الأصل الأول: التوحيد:
وتوحيد الله دعامة الإسلام والإيمان ، وهو القاسم المشترك بين المسلمين عموماً ، لا فرقَ في ذلك بين فريقٍ وآخر ، غيرَ أن المعتزلة رتبوا على هذه الدّعامة العامة فهوماً وأحكاماً انفردوا بها عن جمهور المسلمين ، وهي:
أولاً: نفيُ صفات المعاني عن الله تعالى ، وهي صفات السّمْع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام والحياة ، ولكنهم نسبوا إلى الله تعالى آثار هذه الصفات ، مِن كونه سميعاً بصيراً عليماً … إلخ . أي فهو جل جلاله يعلم دون أن تتحقق له صفةٌ اسمها العلم ، ويقدر دون إسناد صفةٍ إليه اسمها القدرة .
ولا يخفى على المتأمّل ما في هذا الكلام من التمحُّل الذي يَرفضه العقل والعلم ، وحسبُنا أن نقول في ذلك:
1- الصفة معنىً لا يتقوّم بذاته ولا وجود له إلا بوجود مَن يتّصف به ، فإذا نسبنا إلى الله صفة العلم مثلاً ، فإن هذه الصفة ليست شيئاً قائماً بذاته ، حتى يستلزم وصفُ الله به القولَ بقديم آخر غير الله عز وجلّ ، يقوم إلى جانبه أو يتلبّس به كتلبُّس الرداء بمن يرتديه ، وإنما هي معنىً من المعاني لا تتجلى إلا في عالِميَّة الله تعالى وكونه عليماً ، وكذلك القول بالنسبة للصفات الأخرى .
2- إن القرآن – وهو كلام الله عزّ وجل – نَسب إليه سبحانه وتعالى صفة العلم ، بالإضافة إلى وصفه له بكونه عليماً أو عالماً ، فقال جل جلاله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة: 255] ، والعلم من صفات المعاني كالسمع والبصر ، وهو نَصٌّ قُرآني جَازم بعكس ما يتصوره المعتزلة ، وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه ذو القوة المتين ، ونسب إلى ذاته صفة القوة فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون [فصلت: 15] ، فإذا أثبت القرآن صفة العلم لله تعالى ، فقد انحلّت المشكلة ولم يَبقَ مُوجب لحجب بقية صفات المعاني عنه .
ثانياً: نفي إمكان رؤية الله تعالى يوم القيامة ، قالوا لأنها تَستلزم صِفة الجِسمية ، وكينونتِه في جهة ، وضرورة أن المرئيّ بالعين إنما يُرى بعد انحصاره بين خَطّي زاوية النظر ، وهما ينافيان – على حدّ فهمهم – مُقتضيات توحيد الله عزّ وجلّ ، إذ من معاني التوحيد نَفيُ الـمُماثل والمشابه له .
ولا يخفى أن هذا تَنَطُّعٌ تَأباه قواعد النظر والبحوث ، كما يَتَعارض مع نصوص كتاب الله تعالى ، فمن البداهة بمكان أن قوانينَ أخرى غير القوانين التي تحكم حياتنا وتقلّباتنا اليوم ستتحكم في سيرة الحياة الآخرة بكل ما فيها من تقلبات وأحوال ، ومع ذلك فإن النصوص القرآنية أبرمت هذا الأمر ولم تدَع مجالاً لشكٍّ أو اختلاف فيه ، فقد قال الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة [القيامة 22-23] ، وقال جل جلاله عن الكافرين وحالِهم يوم القيامة: كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون [المطففين 15] ، ومحجوبيتهم عن الله تعالى يعني مَنعهم من التمتع برؤيته ، وهو دَلَّ كما – فهم الشافعي وغيره – أنه عز وجل لَـمَّا حَجَبَ قوماً عنه بالسخط دَلَّ على أن قَوماً يَرونه بالرضا .
ثالثاً: زعمُهم أن كلام الله تعالى مَخلوق ، وأنه ليس إلا هذا الذي يَخلقه الله على الشفاه عند قراءة القرآن ، فليس له ما يُسميه الجمهور الكلام النفسي الذي هو عز وجل به آمِرٌ وناهٍ ومُخبِر ، والذي يدل عليه ألفاظ القرآن المتلوّة .
والجواب على ذلك أن الخلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة في هذا الأمر يَؤُولُ إلى خلاف لفظي ، إذ إنهم لا يَنفون مدلول ما يسميه الجمهور بالكلام النفسي بل يُثْبِتونه مثلهم ، ولكنهم لا يَذهبون مَذهبهم في تسميته بالكلام النفسي ، وإنما هو راجع في الحقيقة إلى صفة العلم إن كان مدلولُه خبراً ، وإلى صفة الإرادة إن كان أمراً أو نهياً ، وهم يَرون أن الإرادة والأمر بمعنى واحد .
•    الأصل الثاني: العدل:
فَهِمَ المعتزلةُ أنَّ العدل بالنسبة إلى الله تعالى يَتوقف على أنه لا يُحب الفساد ، ولا يَخلق أفعالَ العباد ، ولا يَأمرهم بما لا يُريد ، بل يَفعلون ما يَشاؤون بالقدرة التي جَعلها لهم وركّبها فيهم ، فقد استلزم أصلُهم هذا القول بأشياء انفردوا بها ، كالقول بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه ، والقول بأن الله حَيثما أمر العبد بِشيءٍ فَهُوَ لَه مُريد ، فلا انفكاكَ بينهما ، وأنه لا يفعل أو يَخلق أو يأمر إلا بما فيه الصلاح .
وسنبين تَخَبُّطَهُم في هذه التصورات من خلال بيان وَجيز لِحَقيقة كُلٍّ منها:
أولاً: القول بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه ، قولٌ أَلْـجَؤوا أنفسهم إليه إلجاءً فراراً من أن يَنسِبوا إلى الله خلافَ العدل الذي هو مُتّصفٌ به ، ولم ينتبهوا إلى أن مناط التكليف هو الكسب الذي وهبه الله للإنسان ، وهو الانبعاث الذاتي عن طريق الإرادة إلى الفعل الذي يشاؤه ، فَـبِهِ يَستأهل الأجر أو العقاب ، أما الفِعل فيخلقه الله بقدرةٍ تنفيذية تَنبَعِثُّ في أعضائه وأعصابه وأوصاله ، تُـحقِّقُ ما اتَّجه إليه كَسبُه بمحض إرادته واختياره ، وليس في هذا شَائبةُ ظُلمٍ ولا تَعسُّفٍ أو عبَث .
ألا ترى أن الله تعالى أناط الجزاء الأخرويّ بالكسب أو الاكتساب أكثر من مرة ، فقال: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: 286] ، وقال: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون [الأنعام: 3] ، وقال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [النساء: 112] .
ثانياً: قولهم بأن الله لا يأمر إلا بما أراد ولا ينهى إلا عما كَرِه ، فبين أمره وإرادته تلازمٌ لا يقبل انفكاكاً ، وبين نَهْيِه وكراهته تلازمٌ مثلُه .
قرر جمهور أهل السنة والجماعة أن ما يأمر به الله عز وجل ليس دائماً هو بعينه ما يُريده عز وجل ، فقد ينفكّ أحدهما عن الآخر ، فقد أمر أبا جهل بالإيمان ولكنه لم يُرد منه ذلك بدليل أنه لم يؤمن .
تغلبت على المعتزلة النزعة العقلية فكان نصيب اعتمادهم على صحيح المنقول من جراء ذلك ضئيلاً جداً ، بل كانوا يُرون أن مَقاس الحق قبول العقول له ، فكلُّ ما قَبِلَه العقل فهو الحق الذي يجب المصير إليه ، وكل ما لم يقبَله العقل فهو الباطل الذي يتحتَّم رفضه .
ولو أنهم حكّموا نصوص الكتاب والسنة أولاً – ولاسيّما في الأمور الغيبية التي لا سلطان للأدلة العقلية عليها ، ثم تأملوا في تلك الأوهام الفلسفية تأمُّلَ المتبصِّر الناقد ، مُدرِكين بأن للعقل الإنساني حَدّاً لا يستطيع أن يتجاوزه ، فإنْ هو أُكرهَ على تجاوز هذا الحدّ خاض مِن غيرِ بيّنةٍ واضطرب في مَجهلة – أقول لو أنهم فعلوا ذلك لَـمَا جرفهم تيارُ هذا الضّياع .
2- الـمُرجِئة:
لما ظهرت بدعة الخوارج – وهي قولُهم بتكفير مُرتكِب الكبيرة ، بل بتكفير مُرتكِب أي ذنب – وانتشرَتْ قالَتُهم هذه بين الناس – وابتدعت المعتزلة في ذلك قولاً ثانياً وهو الـحُكمُ على مُرتكِب الكبيرة بأنه قائم في منزلة بين منزِلَتَي الإيمان والكفر مع خلوده في النار يوم القيامة ، وتلاغطَ الناسُ حول هذا الأمر وجرى الجدل والنقاش فيه – قام مَن ينادي برأيٍ ثالثٍ في مسألةِ ارتكاب الكبيرة خصوصاً والمعاصي كلِّها عموماً ، وهم الذين سُـمُّوا الـمُرجِئة .
فما هو الإرجاء ؟
الإرجاء لغةً على معنَيَين ، أحدهما: التأخير ، والثاني: إعطاءُ الرجاء .
أما إطلاق اسم الـمُرجِئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح ، لأنهم كانوا يُؤخرون العمل عن النية والقصد .
وأما بالمعنى الثاني فظاهرٌ ، فإنهم كانوا يقولون لا تضرّ مع الإيمان معصيةٌ ، كما لا يَنفع مع الكفر طاعة .
والـمُرجِئة فريقان:

لمتابعة القراءة يرجى تحميل الملف المرفق

One Comment

طلعت عمر

نصر اللة سورية على أعدائها
شكرا لعلماء الشام على مقاموا بة من جهد لخدمة الاسلام والمسلمون

Reply

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>