5- وحدة الأمة في ظل احترام أبنائها المتبادل = الجزء الثاني

وحدة الأمة في ظل احترام أبنائها المتبادل
وغنى التنوع المذهبي

قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم [سورة آل عمران (103-105)].
وهكذا وحدة الأمة من أهم مقاصد الرسالة، فقد أرسل الله تعالى نبيه  ليوحد الأمة، ويسير بها إلى تحقيق الأهداف الكبرى في نشر الربانية، ودعوة الأمم الأخرى إلى إخلاص العبودية لله تعالى، وبناء الحضارة الإنسانية العالمية الخيرة.
وقد استطاع الإسلام أن يحقق المعادلة الصعبة التي لا تصلح الحياة إلا بها؛ أن نَتَّفِق في المقاصد الكبرى، ونختلف في بعض التفاصيل. أن نجتمع على الأهداف العظيمة، مع فسحة الاختلاف والتنوع في الجزئيات، فالتنوع والاختلاف في الفهم من سنن الله في خلقه، ومن دونه لا يعمر الكون، ولا تتم خلافة الإنسان، ولا يُريد الله تعالى أن يجعل الناس صورة متكررة لفهم واحد لا يجوز الخروج عنه.
وهكذا فالوحدة التي دعا لها الإسلام هي وحدة قائمة على التنوع، والإبداع طالما أن هذا التنوع ثمرةُ الدليل والعلم، وليس ثمرة الهوى والزيغ، وطالما أن التنوع لا يخرج عن المقاصد، ولا يشذ عن الأهداف الكبرى.
وإذا كانت وحدة الأمة من أهم مقاصد الرسالة؛ فإن من أبرز المظاهر التي تشكل خروجاً عن هذا الفهم وضلالاً في تيهِ البُعدِ عن مقاصد الحق؛ ظاهرةُ التكفير التي ابتلي بها المسلمون في بعض مراحل انكسارهم الحضاري، فكانت بلاء فَتَكَ بجسدِ الأمة وعطل مَشروعها الحضاري، وصرف الأنظار عن معاركها الحقيقية ضد أعدائها.
وهي من مؤشرات الانكسار الحضاري للأمة، وغياب الوعي عند قياداتها وأبنائها، فكلما كانت الأمة في عافية فكرية وحضارية، كلما كان وعيها بمقاصد الرسالة وأهدافها الكبرى أوضح، والعكس صحيح.
واليوم تطفو ظاهرة التكفير على الساحة الفكرية، وتأخذ حيزاً واسعاً من الخطاب الديني، وتمارس عملياً بصور بشعة جداً، ويزداد الأمر سوءاً مع وجود وسائل الإعلام الفضائية الالكترونية التي تروج لهذا الفكر، وتنشره بين عامة الناس بصورة تحريضية بعيدة عن التدقيق والتحقيق العلمي.
ويستغرب المراقب للمشهد من انتشار فكر التكفير بهذه الصورة المؤذية التي لا تعود على الأمة بالخير؛ وتوجب علينا أن نستنفر الجهود والطاقات لمواجهة هذه الظاهرة الفَتَّاكة بالوسائل الممكنة كافة، ومنها نشر الأبحاث التي تؤصل لهذا التنوع الذي أراد الله أن يكون مظهر ثراء في مسيرة الحضارة الإسلامية.
لقد خلق الله الإنسان، وجعل أسباب التمايز بين البشر في أصل الخلق لأن عمارة الأرض لا تقوم إلا على هذا التنوع البناء.
قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِين [سورة الروم (22)].
وقال أيضاً: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم [سورة الأنعام (165)].
وقال أيضاً: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين [سورة هود (118-119)].
وأنزل الله الرسالة على نبيه محمد ، وجعل شريعته خاتمة الشرائع، وعلم الله أن الناس مختلفين في الطباع والبيئات والعصور، ولذلك جعل في هذه الشريعة قواعد كبرى لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وجعل فيها ما هو قابل للتغيير حسب ما تقتضيه المصلحة التي أباحها الله تعالى. وتحقيق المصلحة لا يكون من خلال الفوضى، وإنما يكون من خلال ما أصله العلماء من قواعد فهم النصوص وتطبيقها.
وكذلك فإن في نصوص الشريعة المحكم والمتشابه، والخاص والعام، ولذلك كان الميدان واسعاً في اختلاف فهم العلماء لمعاني هذه النصوص والمراد منها، وكل ذلك في إطار ما تتحمله قواعد اللغة، ولا يخالف المعلوم من الدين بالضرورة من قواعده الكلية.
ونحاول في هذا البحث أن نُلقي ضَوءاً على الحالة التي يجب أن نكون عليها نحن المسلمين في فهمنا لأنفسنا، وتعاملنا مع تنوعنا المذهبي، نستقي ذلك من فكر الأئمة وسلوكهم رضي الله تعالى عنهم.

المبحث الأول
التقارب بين المسلمين ضرورة تاريخية وعقيدية ومستقبلية
المطلب الأول
أسس ووسائل وأهداف التقارب بين فِرَق المسلمين، وخاصة السنة والشيعة

لا بد قبل الدخول في هذا البحث الفقهي من الحديث عن موضوعٍ مُهمٍ يَشغل بال المخلصين من أبناء هذه الأمة، وهو مشكلة تفرُّق المسلمين إلى فرق ومذاهب دبت بينها أسباب البغضاء والنـزاع، وحاك لـها أعداؤها خططاً خبيثة مدروسة بدقة، لإبقاء حالة التنافر والتباغض فيما بينها، ليسهُل عليهم اختراق صفوف هذه الأمة وتفتيت قوتها، حتى إنه ليستطيع أن يستعين في حربه لبعض أفراد الأمة بأفراد منها، كما جرى عندما استخدم أعداؤنا القوات والسلاح العراقيين لحرب الثورة الإسلامية في إيران، واستخدم القوات والقرارات العربية لحرب العراق وتحطيم قوته العسكرية، وحصاره تمهيداً لاحتلاله، وضرب الفتن ما بين الشيعة والسنة والسلفية وغيرهم في بلاد الأفغان، فاشتعلت نيرانٌ للفتنة لم تُطفأ حتى يومنا هذا، وما زال نهر الدماء الإسلامية يتدفق على أيدي المسلمين أنفسهم، وأعداؤنا في فلسـطين يُدنِّسون المقدسات، ويَهتكون الأعراض، وكذلك في كشمير، وإندنوسيا، وألبانيا، والبوسنة، والشيشان.
والله تعالى يخاطبنا في القرآن الكريم فيقول: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون [سورة الأنبياء (92)] ويقول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون [سورة الأنعام (159)] وخاطب الله تعالى المسلمين في آية جامعة فاذَّة فقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم [سورة آل عمران (103-105)].
لقد منَّ الله تعالى على المسلمين بأن جمعهم بعد فرقة، وألَّف بينهم بعد تباغضٍ، وجعلـهم أمة واحدة بعد أن كانوا أمماً أشتاتاً متفرقين، وجعلـهم دعاة خير بعد أن كانوا دعاة شقاء، ودعاة تآلف بعد أن كانوا دعاة شقاق. ولكنهم نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم فعادوا أمماً متفرقين، متباغضين، دعاة شقاق، وشقاء.
ووصف النبي  المسلمين ووحدتهم فقال: ((مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى لـه سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى))( ). وقال  أيضاً: ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي لـه ذِمَّةُ الله، وذِمَّةُ رسولـه، فلا تُخْفِروا الله في ذمَّتِه))( ). وقال  أيضاً: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذلـه، ولا يحقره، التقوى هاهنا – ثلاث مرات وأشار إلى صدره – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، ومالـه، وعرضه))( ).
فهل المسلمون اليوم على هذا المستوى من التوحد، والتآلف، والتناصر فيما بينهم؟!
إنَّ الأمة الإسلامية أمة فريدة، توفر لـها من أسباب الوحدة ما لم يتوفَّر لأمة أخرى. فالمسلمون كلـهم على اختلاف فرقهم ومذاهبهم يشهدون أنه لا إلـه إلا الله دون خلاف فيما بينهم على التنـزيه المطلق لله تعالى عن كل نقص، وعيب، ومماثلة للمخلوقات وإن اختلفت اصطلاحاتهم، وتعبيراتهم.
وكلـهم متفقون على أن محمداً رسول الله  وخاتم أنبيائه، وهو عبدٌ من عباده، يقرُّون لـه بالفضل، وبأنه بلَّغ الرسالة وأدَّاها كاملة، ونصح الأمة، ويقرُّون لـه بكل صفات الكمال البشرية.
وكلـهم متفقون على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، لا تبـديل ولا تغيير فيه، وهو قانون الله، وحكمه الملـزم الذي تعبَّد به بني البشر، وقد تكفَّل تعالى بحفظ القرآن الكريم حين قـال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون [سورة الحجر (9)].
وكلـهم متفقـون على أنَّ طـاعة رسـول الله  واجبـة فيما جـاء به من تشـريع، لقول الله تعـالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [سورة النساء (59)].
وكلـهم متفقون على أنَّ الله تعالى أنـزل الإسلام لتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وشرع في سبيل ذلك أحكاماً تحقق هذه المقاصـد قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم [سورة المائدة (15-16)].
وهكذا كان ينبغي على المسلمين أن يبنوا صرح وحدتهم العملية على هذه الأسس النظرية، فيجمعوا همهم وهمتهم لتحقيق الأهداف الكبرى، ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الأمة، وتهدف إلى إفنائها، وطمس معالمها، والقضاء على رسالتها.
وإن من الخيانة لأمتنا اليوم أن نُغرقها في بحرٍ من الجدل، حول مسائل في فروع الفقه، أو على هامش العقيدة في حين ننسى مشكلات الأمة ومآسيها ومصائبها التي تزداد وتتجدد يوماً بعد يوم، وكان الأحرى بنا أن نبحث لـها عن شاطئ أمان، ومنهاج متكامل للإصلاح والنهضة.
ولقد كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم أكثر إدراكاً لأولويات الأمور، وترتيبها في الأهمية، وأكثر بعداً عن الخوض فيما لا جدوى منه، وهذا ما جرى مع الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ، حينما جاءه ناسٌ من أهل العراق يسألونه عن حكم دم البعوض إذا أصاب الثوب، أو قَتَلـه المسلم في حالة الإحرام، فقال : هؤلاء يسألون عن دم البعـوض وقد قتلوا ابن رسول الله؟! وقد قال : ((هما ريحانتاي من الدنيا))( ).
“وهكذا فإن من الخيانة أن يحمى الوطيس، وتُنصب المجانيق، ويتقاذف الناس بكلمات أشد من الحجارة، وأنكى من السهام، من أجل مسائل تحتمل أكثر من وجه، وتقبل أكثر من تفسير، فهي من مسائل الاجتهاد التي دلَّت على سعة هذا الدين ومرونته، الْمُصيب فيها مأجور والمخطئ فيها معذور، وخطؤه فيها مغفور، بل هو بنص الحديث مأجور.
إن العالم يتقارب بعضه من بعض على كل صعيد، رغم الاختلاف الديني والإيديولوجي، والاختلاف القومي واللغوي والوطني والسياسي.
رأينا المذاهب المسيحية -وهي أشبه بأديان متباينة- يقترب بعضها من بعض، ويتعاون بعضها مع بعض.
بل رأينا اليهودية والنصرانية -رغم ما كان بينهما من عداء تاريخي- يتقاربان ويتعاونان في مجالات شتى، حتى أصدر الفاتيكان منذ سنوات وثيقته الشهيرة بتبرئة اليهود من دم المسيح.
ورأينا تقارب العملاقين أمريكا والاتحاد السوفيتي -عندما كان قائماً- وكذلك التقارب بين دول أوربا التي مزقتها الحروب والصراعات والنـزاعات القومية، وقد تناست كل ذلك حتى أوشكت أن تكون دولة واحدة.
رغم ذلك كلـه ما يزال المسلمون يتباعدون، ويتنكر بعضهم لبعض بل يقاتل بعضهم بعضاً”( ).
ولذلك يجب التأكيد على الأسس التي تجمع المسلمين أكثر من التي تفرِّق وتثير العصبيات والطائفية والمذهبية، وعلينا أن نسعى مجتمعين متعاونين لمواجهة الأخطار التي تتحدَّانا، ومنها:
1- التخلف العلمي التقني الذي يُعانيه المسلمون.
2- التخلف الحضاري الثقافي.
3- جهل المسلمين بدينهم وعقيدتهم، وربما عداؤهم لـه.
4- حرب العولمة والتغريب التي تواجه العالم الإسلامي.
5- حالات الاستعمار والاغتصاب التي يُعاني منها العالم الإسلامي، وخاصة سرطان الاحتلال الصهيوني.
6- واقع التجزئة والتمزق، والعداء والحروب بين الدول الإسلامية.
7- همُّ التسيب والانحلال الأخلاقي.
8- الاستبداد والتسلط السياسي.
9- محاربة الحركات الإسلامية، وجماعات الدعوة في معظم الدول الإسلامية.
10- ظهور الجماعات المتشددة التي لا تَفقه حقيقة الإسلام، وتعرضه للعالم بأسلوبها العدواني الخاطئ المشوَّه.
11- ظهور الفرق الضَّالة التي تدعو إلى نفسها على أنها تمثل الإسلام الصحيح.
12- حروب التنصير والتكفير التي يقودها أعداء الإسلام.
13- انتشار المجاعات والفقر في كثير من البلاد الإسلامية، ووجود الترف والإسراف والتبذير في الدول الأخرى.
14- وجود الذين يَدَّعون أنهم مُفكرون إسلاميون يطرحون أفكاراً علمانية تخريبية ويُلبسونها ثوباً إسلامياً لتضليل الناس وتشويشهم.
15- عدم وجود صياغة حضارية معاصرة لمنهاج الدولة الإسلامية المنشود.
كل هذا وغيره يستدعي منا توحيد الجهود ولمَّ الشمل، والسعي الحثيث لمواجهة هذه المشكلات بحزم وعزم، انطلاقاً من قوة الوحدة الإسلامية، وقوة توحيد الجهود بين مختلف التيارات الإسلامية.

المطلب الثاني
الأسس التي يجب أن ننطلق من خلالـها في توحيد الصف
أمام كل ما سبق من تحدياتٍ كبرى، وأمام نـداء الله تعالى لنا في القـرآن بقـولـه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون [سورة آل عمران (103)] كان لا بد من جمع الصفوف، وتقارب المسلمين، والتقائهم على أسس واحدة ثابتة وهي:
1- التعاون في المتفق عليه: ولدينا -والحمد للـه- ساحة واسعة من الأمور المشتركة التي تجمع فيما بيننا، وتهيئ إطاراً مشتركاً للعمل، وقد تحدثنا عن ذلك سابقاً.
2- التسامح في المختلف فيه: وهو قليل جداً بالنسبة للمتفق عليه، وأكثره يندرج تحت عناوين هامشية، ومساحات من الأمور التي يمكن التغاضي عنها، وإهمال الخلاف فيها، ولا بد من ذكر القاعدة الأصلية التي دعا إليها المرحوم العلاّمة محمـد رشيـد رضـا منهاجاً للتعاون بين المسلمين وهي: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه”.
وهذا التسامح المنشود لا يمكن أن يتحقق عملياً إلا إذا أدركنا أن الاجتهاد أصل من أصـول الشريعة، وأن الاجتهاد لا بد أن يؤدي إلى نتائج ووجهات نظر مختلفة متباينة، وهذا أمر فطر الله الناس عليه، وهو في حقيقته تيسير عليهم في أمور دينهم ودنياهم.
“ولا ريب أن هذه رحمة من الله تعالى بعباده، وتوسعة عليهم، ولو شاء الله سبحانه لأغلق علينا باب الاجتهاد كلـه، بإنـزالـه نصاً قطعياً لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، ولكنه سبحانه رحمـنا ووسع علينا، فسكت عن أشياء كثيرة لم ينص على حكمها في كتاب ولا سنة، رحمة بنا من دون نسيان، فما كان ربنا نسياً، وما نصَّ عليه جعل معظمه قابـلاً لتعدد الأفهام، واختلاف التفسيرات والاستنباطات، حتى يتسع للأصناف المتباينة من الناس، ما بين آخذٍ بظاهر النص وحرفه، أو بروحه وفحواه، وما بين مضيّق متشدد، وموسع مترخص.
وإذا كان من حقي أن أجتهد في فهم النصوص، أو فيما لا نصَّ فيه، فلا بد أن أعطي غيري الحق الذي لي، وإلا فما الذي يميزني عن غيري ؟
وما دام من حق غيري أن يجتهد، فمن شأن الأمور الاجتهادية أن تختلف فيها الآراء والأفهام وإلا لم تكن اجتهادية.
وسواء كان الصواب مع أحد الرأيين أو الآراء وإن لم يُعرف هو بعينه، فإن المخطئ مأجور والمصيب مأجور.
وأقصى ما يقوله المجتهد عن نفسـه في الأحكام الجزئية قول الإمام الشـافعي : “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.
يقول الآمدي: اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية، وذهب بشر المريسي، وابن عُليَّة، وأبو بكر الأصم، ونفاة القياس كالظاهرية والإمامية إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق، ولا ثمرة عملية من هذا الخلاف، لأن التأثيم مرجعه إلى الله، فإن شاء لام المخطئ وإن شاء لم يفعل .
ولذلك منع المحققون من العلماء الإنكار على الأمر المختلف فيه، وقالوا: والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعاً عليه.
وقال ابن قدامة الحنبلي: “لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار في المجتهدات”( ).
ومن الوسائل التي ينبغي الاستفادة منها عقد الندوات العلمية الحوارية بين نخبة من علماء المذاهب غير المتعصبين، لاستعراض النقاط المختلف فيها، ومناقشتها بغية الوصول إلى الحق ومعرفته.
3- الاعتدال وعدم المغالاة:
ولذلك يجب عدم المغالاة في تصويب رأي واجتهاد مجتهدٍ ما، وتخطئة الآخرين، فيرى المقلد أو الفقيه أن مذهبه هو الحق، وغيره الباطل، وهذا غُلُوٌّ وعصبية جاهلية بعيدة عن روح الإسلام وعن المنهج العلمي.
4- الاعتراف بالآخر:
كما ينبغي الاعتراف للآخرين بقيمتهم العلمية، ومنـزلتهم الفقهية، وعدم دعوة الناس جميعاً للانخراط في مذهب واحد، كالذي يشيع بين العوام من الدعوة إلى توحيد المذاهب، أو اعتبار الخلاف العلمي من الخلاف في الدين، فإن قائل ذلك جاهل ببدهيات الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبطبيعة الخلاف الذي بين المسلمين.
5- تجاوز أحقاد التاريخ والاستفادة من دروسه:
المسلمون هم أول أمة تعلَّمت المنهج العلمي في التأريخ، وعلَّمته لمن بعدها، فبعد أن كان التاريخ أساطير تروى وخرافات تتنـاقل، جاء الإسـلام ليقرر مبدأ التوثيق في نقل الخبـر والتعامل معه، قال تعـالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [سورة الإسراء (36)].
وبعد أن كان التـاريخ أحاديث لمجالس اللهو والسمر، جعل منه القرآن الكريم آيات تتلى في الصلاة، ومجالس العلم والعبادة ابتغاء الذكرى والاسـتفادة، قال تعالى: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون [سورة التوبة (70)] وقـال تعـالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِين [سورة الأنعام (90)] وفهم التاريخ ومعرفته يجب أن تتساند مع وعي المسلمين بحاضرهم وسُبُل وحدتهم ونهضتهم.
والمشكلة الكبرى التي يعيشها المسلمون اليوم هي أنهم أكثروا من الخوض في مشكلات تاريخهم، وحروبهم ونـزاعاتهم، وبنوا مواقفهم الحالية على أساس تحيزهم وتعصبهم لأحد الطرفين المتخاصمين قبل أكثر من ألف عام، وأدخلوا هذه الخلافات السياسية الاجتهادية في ضمن العقيدة، فتعصب كل طرفٍ لحليفه، وجعل عدم تفضيلـه على غيره من النفاق أو الكفر!
فكما غالى الشيعة في حب آل البيت والدفاع عنهم وتعظيمهم، غالى السنة في الدفاع عن أخطاء الصحابة، أو أخطاء بني أمية وبني العباس.
ومما زاد الطين بلة ما نسبه الجهلة من الطرفين إلى النبي  في تأييد موقفه من أحاديث ملفقة موضوعة، وما كذبوه على التاريخ من مواقف تؤجِّج النار وتزيد اتقادها، وتلقَّف بعض العلماء هذه الأخبار بسذاجة أو حسن ظن.
ولذلك كان لزاماً علينا أن نعيَ تاريخنا، وخصوصيةَ كل مذهبٍ من مذاهبنا، وأن نتفق على منهج دقيق لدراستنا للتاريخ يقوم على أسس علمية أهمها:
1ً- تمحيص الروايات التاريخية ونقدها من حيث إسنادها، واستبعاد الروايات المروية عن طريق المغالين من الطرفين، وخاصة في تأييد موقف فرقته.
2ً- تمحيص الروايات التاريخية من حيث المتن، واستبعاد الروايات التي تصادم أصلاً معروفاً من الدين بالضرورة، أو تصادم حقيقة تاريخية ثابتة، أو أمراً منطقياً معروفاً( ).
3ً- النظر بحذر شديد إلى كتب “المناقب والفِرق” لأن أكثر هذه الكتب كُتبت بروح من التعصب والمبالغة، والتهويل والتقوقع على الذات.
4ً- تجاوز الخلاف التاريخي العقيم، وخاصة الذي لا ينبي عليه أثرٌ عملي، كالخلاف حول ميراث العباس وفاطمة رضي الله عنهما من رسـول الله !! والاشتغال بما يُوحِّد الأمة بدل أن يفرقها.
يقول الداعية الكبير الشيخ عبد السلام ياسين في تعليقه على منهج الشيخ القاضي المالكي أبي بكر ابن العربي في دراسة التاريخ:
نلاحظ في نثر فقيهنا وقاضينا أبي بكر تغاضياً حييَّاً عن ذكر ما نشب بين الصحابة من نـزاعٍ وقتال، فهو يتخطى حرب الجمل، وكارثة صفين، ويُرجعُ النـزاع إلى دمٍ يطالب به أولياء عثمان من بني أمية، وكأنَّ المسألة نازلة فقهية يحكم فيها القضاء.
وهكذا أمسك علماؤنا، وأوصوا بالإمساك عن ذكر تلك المآسي الدموية، ولئن كان نبش الماضي للوقوف عنده والتعرُّض للصحابة الكرام -وقد قُضي ذلك الأمر- مما لا يعني الشحيح بدينه؛ فإن رفع جانب الستار بقدر ما نتبين الأسباب التاريخية للانكسار المريع واجب.
ولن نفهم منهاج إعادة الخلافة الراشدة إن بقينا نغطي وجوهنا كلما ذكرت تلك الفترة العنيفة والدةُ كل ويلاتنا( ).
ويقول الأستاذ هاشم الموسوي: “فالمسلمون اليوم لا يواجهون من الناحية العملية مشكلة الإمامة والخلافة بشكلـها التاريخي بين اتجاهين؛ اتجاه يرى أن أئمة أهل البيت هم أولى بالخلافة والإمامة، واتجاه آخر لا يرى وجوب الالتزام بإمامة أهل البيت، بل يواجهون خلافاً فقهياً بين مذاهب متعددة، والمفروض في مثل هذا الخلاف أن يكون خلافاً علمياً يمكن مناقشته وحلـه بالطرق العلمية، وسنجد المجال واسعاً للتلاقي إذا انطلق العقل الإسلامي من نقاط الالتقاء. ولا يضرُّ المسلمين أن يكون هناك تعدد في الرأي والاجتهاد إذا تغلَّبوا على الأزمة، والحواجز النفسية التي صنعتها ظروف تاريخية”( ).
وبما أن الخلاف بين المسلمين اليوم هو خلاف فقهي وعقيدي في معظم جوانبه فهم مدعوُّون إلى الحوار العلمي، والمنهج النقدي الموضوعي، وإزالة الحواجز النفسية بينهم وإعادة قراءة التاريخ، وتحقيق وقائعه، وتقويمها تقويماً علمياً نـزيهاً، واستفادة الدروس والعبر منها من غير أن تُجعل سبباً للفرقة والخلاف والعصبية.
ونختم الحديث حول هذا الموضوع بكلمة للداعية الكبير المرحوم الشيخ محفوظ نحناح إذ يقول: “دول أوربا استطاعت أن تُذيب الفوارق فيما بينها، وأن تنسى أحقاد حربين عالميتين كان فيهما أكثر من ثمانية ملايين ضحية والأوربيون استطاعوا أن يحتفظوا بتاريخهم في المتاحف والكتب، ويرسموا خططاً مناسبة لمستقبلـهم، فأوجدوا سوقاً مشتركة وبرلماناً أوربياً، ونقداً موحداً، وعَلَمَاً موحداً. لقد هداهم العقل والحاجة إلى تطبيق جزء من الإسلام هو المتعلق بوحدة الأمة، وكان الأجدر بالمؤمنين أن يكونوا سبَّاقين إلى هذا الوعي”( ).
6- دراسة الاختلافات الفقهية لمعرفة أدلة المذاهب، وحقيقة ما يُنسب إلى كل مذهب:
وحتى يكون التقارب بين المذاهب مبنياً على أسس ثابتة سليمة، وليس ردّ فعلٍ عاطفي انفعالي، يجب أن نوسع دائرة الفقه المقارن ليشمل كل المذاهب الإسلامية القائمة اليوم.
كما يجب أن نسعى لدراسة كل مذهب من هذه المذاهب من مصادره الأصلية، فكم في كتب الفقه الواسعة من أخطاء في نسبة بعض الأقوال إلى المذاهب الأخرى.
ثم لا بد من ربط الخلاف بدليلـه فإن الإنسان إذا قرأ مذهب غيره ربما استنكر هذا القول غاية الاستنكار، فإذا قُرِن القول بدليلـه أو أدلته ربما تغير هذا الموقف إلى قبول بل إلى ترجيح.
كما ينبغي التنبيه إلى أن في بعض كتب الفقه عبارات وكلمات من تسفيه آراء الآخرين أو الطعن في أئمتهم لا تليق بالمسلم فضلاً عن العالم، لذلك يجب أن تكون هذه الدراسة الفقهية المقارنة قائمة على النية الحسنة، والـهدف العلمي، بعيداً عن المهاترات، والتنابذ بالألقاب.
ويقدم الدكتور محمد الدسوقي دعائم أساسية لدراسة الاختلافات الفقهية دراسة تحقق غايتها في التقريب وهي:
1ً- التسليم بأن اجتهادات الفقهاء وآراءهم ليست شرعاً واجب الاتباع وإنما هي فهم بشري لنصوص الشريعة وقواعدها العامة، ولذلك فهي تحتمل الخطأ والصواب، وليس لـها صفة الثبات والخلود.
2ً- كان من وراء اختلافات الفقهاء في المسائل الفرعية أسباب علمية تشهد للأئمة بالحرص البالغ على تحري الحق والصواب كما تشهد لـهم بالعقلية الفاحصة، والنظرة الثاقبة، والفهم الواعي.
3ً- الاقتناع بأن أئمة الفقهاء لم يتعصبوا لآرائهم، ولم يدَّعِ واحد منهم أن اجتهاده هو الصواب وحده، ولكنَّ مشكلة المسلمين أنَّ أتباع المذاهب أضفوا على تلك الاختلافات قداسة ليست لـها، وأنـزلوها منـزلة لا ترقى إليها، ولذلك رفضوا كل ما يخالفها ولو كان نصاً شرعياً!.
كما انكمش الكثير من فقهاء المذاهب على مذاهبهم، وعكفوا عليها دون أي اعتبارٍ للآخرين، وهذا الأمر ولَّد لديهم ضيقاً في الأفق، وحرباً على كل مخالف( ).
يقول الإمام الشاطبي: “إن تعويد الطالب على ألا يُطالع إلا على مذهبٍ واحدٍ ربما يكسبه نفوراً، وإنكاراً لغير مذهبه، وحزازةً في الاعتقاد بفضل أئمة أجمع الناس على فضلـهم، وتقدُّمهم في الدين، وخبرتهم بمقاصد الشارع وأغراض التشريع”( ).
وقال الإمام أبو شامة: “ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام، ويعتقد في كل مسألة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة، وليتجنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة، فإنها مضيعة للزمان ولصفوه مكدِّرة”( ).
ومن الكلمات المضيئة الساعية إلى توحيد صف الأمة وبناء مجدها على أساس وحدتها، ما كتبه الشيخ هاشم الموسوي فقال: “لقد نشأ الخلاف الفقهي عندما نشأ اجتهاد الصحـابة والتابعين، واستمر مع تطور المذاهب الفقهية، والفرق الكلامية التي تأثرت نشأتها بعوامل عديدة منها ما هو غريب عن روح الإسلام، ويعتبر الخلاف العلمي نتيجة طبيعية لعملية الاجتهاد والبحث العلمي، غير أن محنة المسلمين كانت في القصور العلمي لدى الكثيرين، وإصرارهم على الخطأ والتعصب للرأي.
ويقول المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية: “والخـلافات الفقهية كما هي واقعة بين السنة والشيعة فهي حاصلة بين السنة بعضهم مع بعض، وبين الشيعة أيضاً بعضهم مع بعض، ولكن اتفقت كلمة الجميع على أن هذه الخلافات مرتبطة بالشريعة لم يقصد واحد منهم أن يخالف نصاً من نصوص الإسلام، وأنها رحمة للأمة وتوسعة عليها، ونفيٌ للإكراه والحرج في الدين، وهذه هي الثمرة الطبيعية لفتح باب الاجتهاد”( ).
وهكذا نرى أن الحكماء المخلصين من العلماء المجتهدين في كلا الطرفين -الشيعة والسنة- مجمعون على ضرورة الخروج من قوقعة المذهبية والطائفية إلى سعة ورحابة الإسلام، وهذا الخروج لا بد أن يقوم على فهمٍ وفقه، ولا يكفي لتحقيقه وجود العواطف الجيَّاشة والمشاعر الطيبة، ولذا كانت الدراسة العلمية ومعرفة الآراء من مصادرها هي سبيل الفهم الصحيح الذي يَردُّ كثيراً من الأخطاء، ويسدد الخطوات على الصراط المستقيم، ويجعل التقارب مبنياً على أسس قوية تصمد أمام زعازع وعواصف الطائفية.
ونرجو الله تعالى أن يكون عملنا هذا خطوة في هذه المسيرة، ولبنة في هذا الصرح، وأن نوفق فيه للرشد، ونتجنَّب الوقوع في مزالق المذهبية والطائفية.
المطلب الثالث
مناقشة حديث افتراق الأمة إلى فِرَق كثيرة كلها في النار إلا واحدة
تعرضنا فيما سبق إلى ركائز وحدة الأمة، وأسس هذه الوحدة، وتبيَّن لنا من أقوال المحققين من علماء الأمة أن هذه الوحدة فرض، وأمرٌ محتَّمٌ لا مجال للمحيد عنه.
ولكن هذا التيار الوحـدوي الجارف يصطدم بعقبة كـؤودٍ هي الحديث الذي روي بطرق عدة عن النبي  وفيه يقول: ((افترقت اليهود على إحدى -أو اثنتين- وسبعين فرقة، وتفرَّقت النصارى على إحدى -أو اثنتين- وسبعين فرقة، وتفترق أمتـي على ثلاث وسبعين فرقة، كلـها في النار إلا واحدة)).
فإن هذا الحديث يقدم مفهوماً هجومياً ينسف كل دعوة إلى وحدة هذه الأمة، والتقارب بين فرقها ومذاهبها، فكل مذهب وفرقة تريد أن تنال هذا الشرف، وتذهب بالسبق، وترسخ في الأذهان أنها الفرقة الناجية، وما عداها من تيارات إسلامية تشغل الساحة ليست إلا هباءً وغُثاءً لا قيمة لـه في الدنيا والآخرة ولا يمثل الإسلام في شيء. ولذلك كان لا بد من إعطاء هذا الحديث حقه من النقاش العلمي من حيث السند والمتن، ونقل أقوال العلماء في التعليق عليه، ثم الحكم عليه.
رواية الترمذي للحديث:
قال أبو عيسى: حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود الحَفَرِيُّ، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله : ((ليأتينَّ على أُمَّتي ما أتى على بني إسرائيل حَذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ، حتى إن كان منهم من أتى أُمَّهُ علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإنَّ بني إسرائيل تفرَّقت على ثنتين وسبعينَ مِلَّة، وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين مِلَّة كلـهم في النار إلا ملَّةً واحدةً، قالوا: ومن هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريب، مفسَّرٌ لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه( ) .
وفي هذا الحديث مشكلات كثيرة سنداً ومتناً نذكر أهمها:
1- أن الحديث -على أهميته وأهمية موضوعه- لم يرد في الصحيحين أو في أحدهما، وهما وإن لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة إلا أنهما حرصا على أن لا يَخلو كتاباهما من بابٍ من أبواب العلم، ولو كان ذلك تعليقاً أو ترجمة.
2- أن الحاكم عندما ذكره في مُستدركه صححه على شرط مسلم باعتبار أن محمد بن عمرو من رجال مسلم، ولكن تعقبه الذهبي بأنَّ مسلماً لم يحتجَّ بمحمد بن عمرو منفرداً، وإنما ذكر رواياته شواهدَ ومتابعات. هذا مع ملاحظة أن الرواية التي صححها الحاكم على شرط مسلم ليس فيها زيادة: ((كلـها في النار إلا واحدة)) وهي أصل المشكلة وأساسها( ).
3- أن الحديث ورد من طرق حسـنة أقوى من هـذه الطـرق من غيـر زيـادة: ((كلـها في النار إلا واحدة)) فقد رواه الترمذي فقال: حدثنا الحسين بن حريث، أبو عمار قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: ((تفرَّقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)). قال أبو عيسى الترمذي: وفي الباب عن سعدٍ، وعبد الله بن عمرو، وعوف ابن مالكٍ، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديثٌ حسنٌ صحيح( ). ونقل المنذري تصحيح الترمذي وسكت عنه( ).
وأخرجه أيضاً أبو داود( )، وابن ماجه( )، وابن حبان( )، وأبو يعلى( ).
4- أن الحديث بهذه الزيادة: ((كلـها في النار إلا واحدة)) روي من طرق عِدَّة، فقد أخرجه ابن ماجه عن عوف بن مالك( )، والطبراني عن أبي أمامة( )، وابن أبي عاصم في “السنة” عن عمرو بن عوف( )، والحاكم عن معاوية، وعبد الله بن عمرو، وعمرو بن عوف، وابن مسعود( ). وكلـها ضعيفة، وإنما قووها بانضمام بعضها إلى بعض، فبعضها في سندها أزهر ابن عبد الله -أو ابن سعيد- الحرازي، وكان ناصبياً يسبُّ علياً وينال منه، وهو من شرطة الحجاج( )، وهو رواه عن عبد الله بن يحيى عن معاوية. وبقيتها تدور على يزيد الرقاشي عن أنس، أو كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، أو عباد بن يوسف عن صفوان بن عمرو عن راشد بن سعيد عن عوف بن مالك، وكلـهم ضعفاء متكلم فيهم من جهة الحفظ أو العدالة.
5- إن هذا الحديث في مسألة مهمة من مسائل العقيدة، ومثل هذه المسائل ذهب كثير من العلماء إلى عدم قبول أحاديث الآحاد فيها، فكيف إذا أضيفت إليها تلك العلل؟!
6- أنكر كثير من العلماء زيادة: ((كلها في النار إلا واحدة)) وشددوا في ردِّها.
قال العلامة ابن الوزير الصنعاني: وإياك والاغترار بزيادة: ((كلـها هالكة إلا واحدة)) فإنها زيادة فاسدة غير صحيحة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة. وقال أيضاً: ليس في طرق الحديث شيء على شرط الصحيح( ).
ويردُّ ابن حزم على من يكفر الآخرين بسبب الخلاف في شيء من فروع العقيدة مستشهدين بذلك بأحاديث منها:
– ((القدرية مجوس هذه الأمة))( ).
– ((تفتـرق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، كلـها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة))
فيقول: هذان حديثان لا يصحان من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به؟( ).
وقد ناقش عدد من العلماء المعاصرين هذا الحديث مناقشة طويلة من جهة إسـناده ومتنه، وبينوا ما فيه من إشكاليات.
7- في الحديث إشكال تاريخي مهم فإنَّ هذا العدد من الفرق المذكورة لا يُعرف في تاريخ هذه الأديان، وخاصة اليهودية.
8- إن صيغة الحديث حسب رواية الفرقة الناجية يتناقض أولـها مع آخرها ففي أول الحديث يقول رسول الله : ((تفترق أمتي)) وفي آخره: ((كلـها في النار إلا واحدة)) فكيف تكون باقي الفرق من أمة النبي ، ثم تكون هالكة؟!
ولذلك يجب ترجيح الرواية التي ليست فيها هذه الزيادة، وفهم الحديث فهماً يتوافق مع روح التشريع، وأدب الخلاف في الإسلام.
قال الخطابي في “معالم السنن”: قول النبي : ((تفترق أمتي…..)) فيه دليل على أن هذه الفرق كلـها غير خارجة من الدين، إذ جعلـهم النبي  كلـهم من أمته، وفيه أن المتأول لا يخرج من الملَّة، وإن أخطأ في تأوُّلـه( ).
المبحث الثاني
إكرام الصحابة وأئمة الفقهاء لآل بيت المصطفى ومحبة آل البيت لـهم
ونماذج من الاحترام المتبادل بين أئمة المذاهب وفقهائها رضوان الله عليهم
المطلب الأول
إكرام الصحابة لآل البيت
أحب الصحابة النبي  حباً جماً، فكان أحب إليهم من أنفسهم وأموالـهم وأولادهم، ولقد علم الصحابة شدة محبة النبي  لآلـه، فكانوا لأجل ذلك يجلونهم ويعظمونهم، على خلاف ما يروِّجه أعداء الصحابة وآل البيت من أن الصحابة كانوا يبغضون آل بيت المصطفى ، وينتقصون من حقوقهم، وقد ورد في تعظيم الصحابة وإجلالـهم لعترة المصطفى  أخبار كثيرة نذكر بعضها فيما يأتي:
أولاً: محبة أبي بكر  لآل النبي :
أخرج ابن الأعرابي عن أنس  قال: كان رسول الله  جالساً في المسجد وقد أحاط به أصحابه، إذ أقبل علي ، فسلم ثم وقف، فنظر مكاناً يجلس فيه، فنظر رسول الله  على وجوه أصحابه أيهم يوسع لـه، وكان أبو بكر عن يمين رسول الله ، فتزحزح أبو بكر في مجلسه، وقال: ها هنا يا أبا الحسن، فجلس بين رسول الله  وأبي بكر، فرأينا السرور في وجه رسول الله ، ثم أقبل على أبي بكر فقال: ((يا أبا بكر، إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهلُ الفضل))( ).
وكان أبو بكر  يحب الحسن ويكرمه ويلاعبه، ومن ذلك ما رواه عقبة بن الحارث قال: خرجت مع أبي بكر من صلاة العصر بعد وفاة النبي  بليالٍ، وعليٌّ يمشي إلى جنبه، فمرَّ بحسن بن علي يلعب مع غلمان، فاحتملـه على رقبته، وهو يقول:
ليس شبيهاً بعلي
بأبي شبيهٌ بالنبي

وعليٌّ  يسمع ويضحك( ).
وروي أن أبا بكر  صعـد منبر رسول الله  بعد وفاته، فرآه الحسن وكان صغيراً، فقال لـه: انـزل من على منبر أبي -ويعني النبي -، فنـزل إليه أبو بكر ولاطفه ولاعبه( ).
وقد مرَّ معنا ما قالـه أبو بكر رضي الله عنه لفاطمة ل.. وما ترضاها به قبيل وفاتها( ).
وأخـرج عمر بن شَبَّة وأبو يعلى وأبو بشر بن سمويه في فوائده، عن أنس t في قصة إسلام أبي قحافة t قال: فلما مدّ يده يبايعه بكى أبو بكر t، فقال النبي  : ما يبكيك ؟ قال: لأن تكون يد عمك مكان يده ويُسلِمُ ويَقِرُّ الله عينك أحب إليَّ من أن يكون( ).
وعند الطبراني والبزار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة رضي الله عنهما إلى رسول الله  يقودهما شيخ أعمى يوم فتح مكة، فقال لـه رسول الله : ألا تركت الشيخ في بيته حتى نأتيه؟ قال: أردت أن يؤجره الله، والله يا رسول الله، لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشد فرحاً مني بإسلام أبي، ألتمس بذلك قُرَّة عينك يا رسول الله. فقال رسول الله : صدقت( ).
ثانياً: محبة عمر  لآل النبي :
وكان عمر  يُجلُّ آل بيت النبي ، ويعرف لـهم فضلـهم وسابقتهم، فقد أخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في ولايتهما لا يلقى العباسَ منهما واحدٌ وهو راكب إلا نـزل عن دابته وقادها، ومشى مع العباس حتى يبلغه مجلسه أو منـزلـه( ).
وعند ابن سعد عن الشعبي أن العباس  تحفَّى عمر  في بعض الأمر فقال لـه: يا أمير المؤمنين أرأيت أن لو جاءك عمُّ موسى مسلماً ما كنت صانعاً به. قال: كنت والله محسناً إليه، قال: فأنا عم محمد النبي . فقال: وما رابك يا أبا الفضل ؟ فو الله لأبوك أحب إلي من أبي، لأني كنت أعلم أنه أحب إلى رسول الله  من أبي، فأنا أوثر حِبَّ رسول الله  على حِبِّي( ).
وأخرج ابن مردويه والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما أُسر الأسارى يوم بـدر أسر العبـاس  فيمن أُسر، أسره رجل من الأنصار. قال: وقد أوعـدتهُ الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك النبي ، فقال: إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه. قال عمر: أفآتيهم؟ قال: نعم. فأتى عمر الأنصار فقال لـهم: أرسلوا العباس. فقالوا: لا والله لا نرسلـه. فقال لـهم عمر: فإن كان لرسول الله رِضىً؟ قالوا: فإن كان لرسول الله رضى فخذه، فأخذه عمر. فلما صار في يده قال لـه عمر: يا عباس أسلم، فو الله لأن تسلم أحب إليَّ من أن يُسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله  يعجبه إسلامك( ).
وعند ابن سعد أيضاً عن أبي جعفر محمد بن علي أن العباس  جاء إلى عمر  فقال لـه: إن النبي  أقطعني البحرين. قال: من يعلم ذلك ؟ قال: المغيرة بن شعبة. فجاء به فشهد لـه، قال: فلم يمضِ عمر ذلك كأنه لم يقبل شهادته، فأغلظ العباس لعمر، فقال عمر: يا عبد الله خذ بيد أبيك. ثم قال عمر: والله يا أبا الفضل لأنا بإسلامك كنت أسرَّ مني بإسلام الخطاب لو أسلم لمرضاة رسول الله ( ).
توسل عمر  في الاستسقاء بالعباس :
وورد من طرق كثيرة استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما، وقولـه: ((اللهم إنَّا كنَّا إذا قحطنا على عهد نبينا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنَّا نتوسل إليك اليوم بعمِّ نبينا فاسقنا، فيُسقون))( ).
وعند ابن عسـاكر وابن النجـار، أن عمـر  قال: ((أيهـا النـاس إنَّ رسـول الله  كان يرى للعباس ما يرى الولدُ لوالده يعظمهُ ويُفخِّمهُ، ويبرُّ قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله  في عمه العباس، واتخذوه وسيلةً إلى الله عز وجل فيما نـزل بكم))( ).
صور من إكرام عمر  لعلي وبنيه :
وأخرج ابن عساكر عن عروة  أن رجلاً وقع في علي  بمحضر من عمر ، فقال عمر: تعرف صاحب هذا القبر محمدَ بن عبد الله بن عبد المطلب. وعلي هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب لا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره( ).
ولقد تزوَّج عمر أم كلثوم بنت علي وأخت الحسن والحسين رغبة في مصاهرة آل البيت، فلما تزوجها خرج إلى مجلس المهاجرين فقال: رفِّـئوني( ). فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لقد صاهرت رسول الله ، وإني سمعته يقول: ((كل سبب ونسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا سببـي، ونسـبي، وصهري))( ).
وكذلك فقد كان عمر  شديد الإكرام للحسن والحسين رضي الله عنهما، ومن صور ذلك أن عمر  أتاه أثواب من اليمن فكسا أهل المدينة، ولم يكن فيها ما يَصلح للحسن والحسين، فبعث إلى اليمن فأتى لـهما بكسوة، فقال: الآن طابت نفسي( ).
ومن ذلك أنه لما قسم الأموال على المسلمين، وجعل لكل واحد نصيباً في بيت المال، فرض لـهم على حسب سابقتهم في الإسلام، إلا أنه ألحق الحسن والحسـين بأبيهما، وفرض لهما خمسـة آلاف، خمسـة آلاف لقرابتهما من رسول الله ، وفرض لابنه عبد الله ثلاثة آلاف( ).
وأخرج ابن سعد وابن راهويه والخطيب، عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: صعدت إلى عمر بن الخطاب  المنبر فقلت لـه: انـزل عن منبر أبي واصعد منبر أبيك! فقال عمر: إن أبي لم يكن لـه منبر، فأقعدني معه. فلما نـزل ذهب إلى منـزلـه فقال: أي بُني من علمك هذا؟ قلتُ: ما علمنيه أحد. قال: أي بنيَّ، لو جعلتَ تأتينا وتغشانا، فجئت يوماً، وهو خالٍ بمعاوية، وابن عمر بالباب لم يؤذن لـه، فرجعت، فلقيني بعد فقال: يا بُنيَّ لم أرَك أتيتنا ؟ قلت: جئتُ وأنت خالٍ بمعاوية، وابن عمر بالباب لم يؤذن لـه فرجعت، فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر( ).
وقد روى الكليني في: “الكافي”، والطوسي في “تهذيب الآثار” صوراً من إجلال عمر لعليٍ، واستشارته في القضاء، والثناء عليه، حتى اشتهر عنه قوله: “معضلة ولا أبو حسن لها”.
محبة عمر  لفاطمة رضي الله عنها:
أخرج الحاكم عن أسلم أن عمر بن الخطاب  دخـل على فاطمة رضي الله عنها، فقال: يا فاطمة، والله ما رأيت أحـداً أحب إلى رسول الله  منك، والله ما كان أحد من الناس بعد أبيك أحب إليَّ منك( ).
ثالثاً: محبة عثمان  لآل بيت النبي :
أخرج ابن عساكر عن القاسم بن محمد مما أحدث عثمان فرُضي به منه أن ضرب رجلاً في منازعة استخفَّ فيها بالعباس بن عبد المطلب، فقيل لـه، فقال: أيُفخِّم رسول الله  عمه، وأرخِّص في الاستخفاف به!( ).
وكان الحسن  من المحبين لعثمان ، ومن جملة المدافعين عنه يوم حاصره الثائرون في داره.
قال ابن كثير في تاريخه: كان عثمان بن عفان  يكرم الحسن والحسين ويحبهما، وقد كان الحسن بن علي يوم الدار عنده -وعثمان محصور- ومعه السيف متقلداً به يدافع عن عثمان ، حتى جرح وخاف عليه عثمان، فأقسم عليه ليرجعن إلى منـزلـهم( ).
رابعاً: محبة أبي هريرة  لآل بيت النبي :
اتهم كثير من الباحثين والمؤرخين أبا هريرة  بموالاته لمعاوية والأمويين، وغضّه من شأن آل البيت، وسوف نرى من خلال ما نورده من أخبار أن الحقيقة على نقيض ذلك وخلافه، فقد كان أبو هريرة  يُجلُّ آل البيت، ويعرف لـهم حقهم، ويعلن ذلك صراحة حتى أمام بني أمية، وإن نالـه في سبيل ذلك شيء من الأذى، فليس أصحاب رسول الله  ممن يبيعون دينهم بدنياهم، وقد تركوا دنياهم، وأهلـهم ابتغاء رضى الله ورسولـه.
فعن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: كنا مع أبي هريرة إذ جاء الحسن بن علي  فسلم فرددنا عليه، ولم يعلم أبو هريرة، فمضى، فقلنا: يا أبا هريرة هذا الحسن بن علي قد سلّم علينا، قال: فتبعه فقال: وعليك السلام يا سيدي، ثم قال: سمعت رسول الله  يقول: ((إنه سيد))( ).
ومما روي في ذلك عنه قال: ما رأيت الحسن بن علي إلا فاضت عيناي دموعاً رحمة، وذلك أن رسول الله  خرج يوماً فوجدني في المسجد، فأخذ بيدي، فاتّكأ عليَّ، ثم انطلقت معه حتى جئنا سوق بني قينقاع، فما كلمني، فطاف فيه، ونظر ثم رجع، ورجعت معه، فجلس في المسجد فاحتبى، فأتى حسن بشدة حتى وقع في حجره، فجعل يدخل يده في لحية رسول الله ، وجعل رسول الله  يفتح فمه، ويدخل فمه في فمه، ويقـول: ((اللهم إني أحبُّه، وأحبُّ من يحبُّه)) ثلاثاً.
وفي رواية أخرى: أنه  كان يدخل لسانه في فمه، أو لسان الحسن في فمه ص( ).
وعن أبي هريرة  أن مروان بن الحكم أتى أبا هريرة في مرضه الذي مات فيه، فقال مروان لأبي هريرة: ما وجدت عليك في شيء منذ اصطحبنا إلا في حبك الحسن والحسين، قال: فتحفز أبو هريرة فجلس فقال: أشهد لخرجنا مع رسـول الله  حتى إذا كنا ببعض الطريق سمع رسـول الله  صوت الحسن والحسين، وهما يبكيان، وهما مع أمهما، فأسـرع حتى أتاهما، فسمعته يقول: ((ما شأن ابنيَّ؟)) فقالت: العطش. قال: فأخلف رسول الله  إلى شنَّة( ) يتوضأ بها، فلم يجد فيها ماء، وكان الماء يومئذ إعذاراً( )، والناس يريدون الماء، فنادى: هل أحد منكم معه ماء؟  فلم يبق أحد إلا أخلف يده يبتغي الماء في شنّه، فلم يجد أحد منهم قطرة، فقال رسول الله  : ((ناوليني أحدهما))، فناولته إياه من تحت الخدر، فضمه إلى صدره وهو يصغو( ) ما يسكت، فأدلع لـه لسانه فجعل يمصه حتى هدأ وسكن، فلم أسمع لـه بكاءً، والآخر يبكي كما هو لا يسكت، فقال: ((ناوليني الآخر))، فناولته إياه، ففعل به كذلك فسكتا، فما أسمع لـهما صوتاً، ثم قال: ((سيروا)). فصدعنا يميناً وشمالاً عن الظعائن، حتى لقيناه على قارعة الطريق. فأنَّى لا أحب هذين، وقد رأيت هذا من رسول الله ؟!( ).
وعن مساور مـولى سعد بن بكـر قال: رأيت أبـا هـريـرة  قائمـاً على مسجـد رسـول الله  يوم مات الحسن ابن علي رضي الله عنهما يبكي، وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس! مات اليوم حِبُّ رسول الله ( ).
فانظر إلى هذا الأدب، وهذه المحبة منه  لآل بيت رسول الله  عامة.
خامساً: محبة عبد الله بن عمرو بن العاص  لآل المصطفى :
كان عبد الله بن عمرو بن العاص  أسنَّ من الحسن بأكثر من عشر سنوات، وكان مع ذلك يجلُّ الحسن، ويعرف لـه فضلـه.
روى رجاء بن ربيعة قال: كنت جالساً بالمدينة في مسجد رسول الله  في حلقة فيها أبو سعيد، وعبد الله بن عمرو، فمرَّ الحسن بن علي ، فسلَّم فرد عليه القوم، وسكت عبد الله بن عمرو، ثم اتبعه فقال: وعليك السلام ورحمة الله، ثم قال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء، والله ما كلمته منذ ليالي صفين. فقال أبو سعيد” ألا تنطلق إليه فتعتذر إليه، قال: نعم. فقام: فدخل أبو سعيد فاستأذن فأذن لـه، ثم استأذن لعبد الله بن عمرو، فدخل، فقال أبو سعيد لعبد الله بن عمرو: حدثنا بالذي حدثتنا به حيث مرَّ الحسن. فقال: نعم، أنا أحدثكم، إنه أحب أهل الأرض إلى أهل السماء. فقال الحسن: إذ علمت أني أحب أهـل الأرض إلى أهل السماء فلِمَ قاتلتنا، أو كثَّرت يوم صفين؟! قال: أما إني والله ما كثَّرت سواداً، ولا ضربت معهم بسيف، ولكني حضرت مع أبي. قال الحسن: أما علمت أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؟! قال: بلى، ولكني كنت أسرد الصوم على عهد النبي ، فشكاني أبي إلى رسـول الله ، فقال: يا رسـول الله، إن عبد الله يصوم النهار ويقوم الليل. فقال : ((صُمْ وأفطر، وصلِّ ونَمْ، فإني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر، ثم قال لي: يا عبد الله أطع أباك)) فخرج يوم صفين وخرجت معه( ).
سادساً: محبة عبد الله بن الزبير  لآل النبي :
ومن صور ما روي من إجلال ابن الزبير للحسن رضي الله عنهما، ما رواه عبد الله بن مصعب بن الزبير قال: رأيت عبد الله بن الزبير قعد إلى الحسن بن علي في غداة من شتاء باردة، قال: فو الله ما قام حتى تفسـخ جبينه عرقاً -يعني من هيبته- فغاظني ذلك، فقمت إليه، فقلت: يا عم؛ قال: ما تشاء؟ قال: قلتُ: رأيتك قعدت إلى الحسن بن علي، فما قمت حتى تفسَّخ جبينك عرقاً. فقال: يا ابن أخي إنه ابن فاطمة، لا والذي نفسي بيده ما قامت النساء عن مثله( ).
سابعاً: إنكار الصحابة  على من سب علياً  من الخوارج:
1- إنكار أم سلمة على من سبَّ علياً: عن أبي عبد الله الجَدَلي قال: دخلتُ على أم سلمة. فقالت لي: أيُسبُّ رسول الله  فيكم؟ قلت: معاذ الله، أو سبحان الله! قالت: سمعت رسول الله  يقول: ((من سبَّ علياً فقد سبني))( ). وعند الطبراني وأبي يعلى عن أبي عبد الله الجَدَلي قال: قالت لي أم سلمة رضي الله عنها: يا أبا عبد الله، أيُسبُّ رسول الله  فيكم؟ قلت: أنى يسبُّ رسول الله ؟ قالت: أليس يُسبُّ عليٌ  ومن يحبه؟ وقد كان رسول الله  يحبُه( ).
2- إنكار سعد بن أبي وقاص  على من سبَّ علياً : كان سعد  ممن اعتزل الفتنة بين الصحابة ولم يقاتل مع أحد منهم تورعاً منه. وأخرج أبو يعلى عن أبي بكر بن خالد أنه أتى سعد بن مالك فقال: بلغني أنكم تُعرضون على سبِّ علي  بالكوفة، فهل سببته؟ فقال: معاذ الله! فقال سعد: فو الذي نفس سعد بيده، لقد سمعت رسول الله  يقول في عليٍ شيئاً لو وضع المنشار على مفرقي ما سببته أبداً( ).
3- استجابة دعاء سعد  على من شتم علياً وطلحة والزبير :
وأخرج الطبراني عن عامر بن سعد قال: بينما سعد  يمشي إذ مر برجل وهو يشتم علياً وطلحة والزبير ، فقال لـه سعد: إنك تشتم أقواماً قد سبق لـهم من الله ما سبق، والله لتكفنَّ عن شتمهم أو لأدعونَّ الله عز وجل عليك. فقال الرجل: يخوفني كأنه نبي! فقال سعد: اللهم إن كان يشتـم أقواماً قد سبق لـهم منك ما سبق فاجعلـه اليوم نكالاً! فجاءت بختـية( )، فأفرج الناس لـها فتخبطته، فرأيت الناس يتبعون سعداً يقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق( ).
وعن مصعب بن سعد عن سعد  أن رجلاً نال من علي ، فدعا عليه سعد بن مالك، فجاءته ناقة أو جمل فقتلـه فأعتق سعد نسم( ) وحلف أن لا يدعو على أحد( ).
وعنده أيضاً عن قيس بن أبي حازم قال: كنت بالمدينة فبينا أنا أطوف في السوق إذ بلغت أحجار الزيت( )، فرأيت قوماً مجتمعين على فارس قد ركب دابة وهو يشتم علي بن أبي طالب  والناس وقوف حواليه، إذ أقبل سعد بن أبي وقاص فوقف عليهم، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجل يشتم علي بن أبي طالب. فتقدم سعد، فأفرجوا لـه حتى وقف عليه، فقال: يا هذا علام تشتم علي ابن أبي طالـب؟ ألم يكن أول من أسـلم؟ ألم يكن أول من صلى مع رسـول الله ؟ ألم يكن أزهد الناس؟ ألم يكن أعلم الناس؟ وذكر حتى قال: ألم يكن خَتَن رسول الله  على ابنته؟ ألم يكن صاحب راية رسول الله  في غزواته؟ ثم استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: اللهم إنَّ هذا يشتم ولياً من أوليائك، فلا تفرق هذا الجمع حتى تريهم قدرتك. قال قيس: فو الله ما تفرقنا حتى ساخت به دابته فرمته على هامته في تلك الأحجار، فانفلق دماغه ومات( ).
4- غضب سعيد بن زيد  على من سب علياً :
وأخرج أبو نعيم في “الحلية” عن رباح بن الحارث، أن المغيرة  كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاء سعيـد بن زيد، فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسب. فقال سعيد: من يسب هذا يا مغيرة؟ قال: يسبُّ علي بن أبي طالب . فقال: يا مغيرة ابن شعبة -ثلاثاً- ألا أسمع أصحاب رسول الله  يُسبون عندك لا تنكر ولا تغيّر! وأنا أشـهد على رسول الله  مما سمعت أذناي ووعـاه قلبي من رسـول الله -فإني لم أكن أروي عنه كذباً يسألني عنه إذا لقيته- أنه قـال: ))أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة)) وتاسع المؤمنين في الجنة، ولو شئت أن اسميه لسميته. قال: فرجَّ أهل المسجد يناشدونه: يا صاحب رسول الله  من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله والله عظيم؛ أنا تاسع المؤمنين ورسول الله العاشر. ثم أتبع ذلك يميناً فقال: لمشهد شهده رجل مع رسول الله  يغبر وجهه مع رسول الله  أفضل من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح.
وعنده أيضاً عن عبد الله بن ظالم المازني قال: لما خرج معاوية  من الكوفة استعمل المغيرة بن شعبة ، قال: فأقام خطباء يقعون في علي  وأنا على جنب سعيد بن زيد. قال: فغضب فقام فأخذ بيدي فتبعته، فقال: ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة! فأشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم( ).
المطلب الثاني
محبة علي  وآل البيت لأصحاب رسول الله  ودفاعهم عنهم
أولاً: خطبة عظيمة لعلي  في بيان فضل الشيخين، وبعض ما جاء عنه في ذلك:
روي عن خيثمة واللالكائي وأبي الحسن البغدادي والشيرازي وابن منده وابن عساكر عن سويد بن غفلة قال: مررت بقوم يذكرون أبا بكر وعمر وينتقصونهما. فأتيت علياً  فذكرت لـه ذلك فقال: لعن الله من أضمر لـهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله  ووزيراه! ثم صعد المنبر فخطب خطبة بليغة فقال: ما بال أقوام يذكرون سيدَي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنـزه، ومما يقولون بريء، وعلى ما يقولون معاقب؟ والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء، صحبا رسـول الله  بالصدق والوفاء، يأمران وينهيان ويعاقبان، فما يجاوزان ما يصنعان رأي رسـول الله ، ولا يرى رسول الله  كرأيهما رأياً، ولا يحب حبهما حباً، مضى رسول الله  وهو عنهما راضٍ والناس راضون، ثم ولي أبو بكر الصلاة، فلما قبض الله نبيه  ولاه المسلمون ذلك وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان -وكنت أول من يسمى لـه من بني عبد المطلب- وهو لذلك كاره، يود أن بعضـنا كفاه، فكان والله خير من بقي، أرأفه رأفة، وأرحمه رحمة، وأكيسه ورعاً، وأقدمه إسلاماً، شبهه رسول الله  بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفواً ووقاراً، فسار بسيرة رسول الله  حتى قُبض رحمة الله عليه. ثم ولي الأمر من بعده عمر بن الخطاب، واستـأمر في ذلك الناس، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فكنت ممن رضي. فو الله ما فارق عمر الدنيا حتى رضي من كان لـه كارهاً. فأقام الأمر على منهاج النبي  وصاحبه، يتبع آثارهما كما يتبع الفصيل( ) أثر أمه. وكان -والله- خير من بقي، رفيقاً رحيماً، وناصر المظلوم على الظالم. ثم ضرب الله بالحق على لسانه حتى رأينا أن ملكاً ينطق على لسانه، وأعز الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدين قواماً، وقذف في قلوب المؤمنين الحب لـه، وفي قلوب المنافقين الرهبة لـه، شبَّهه رسول الله  بجبريل فظاً غليظاً على الأعداء، وبنوح حنقاً ومغتاظاً على الكافرين. فمن لكم بمثلـهما؟ لا يُبلغ مبلغهما إلا بالحبِّ لـهما واتباع آثارهما، فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني وأنا منه بريء. ولو كنت تقدمتُ في أمرهما لعاقبت أشد العقوبة، فمن أُتيت به بعد مقامي هذا فعليه ما على المفتري. ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو. أقول قولي هذا ويغفر الله لي ولك( ).
وقد رويت آثارٌ عن علي كرم الله وجهه في فضل أبي بكر منها ما رواه عن علي كرم الله وجهه قال: ما مات رسول الله  حتى عرفنا أن أفضلنا بعد رسول الله  أبو بكر( ).
وقد جاء في تفسير قولـه تعالى: وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين [سورة النمل (19)] عن علي  أن الآية نـزلت في أبي بكر  أسلم أبواه جميعاً، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره( ).
وروي أن علياً دخل على عمر رضي الله عنهما بعد أن طعنه أبو لؤلؤة، ومعه الحسن ابن علي، وعمر يبكي، فقال علي: ما يبكيك؟ قال: أبكاني خبر السماء، ولا أدري أيذهب بي إلى الجنة أم إلى النار؟ فقال علي: أبشر بالجنة، فإني سـمعت رسول الله  ما لا أحصيه يقول: ((سيدا كهول الجنة أبو بكر وعمر وأنعما)). فقال عمر: أشاهد أنت لي يا علي بالجنة ؟
قال: نعم. فالتفـت عمـر إلى الحسن وقال: وأنت يا حسن فاشـهد على أبيـك أن رسـول الله  قال: ((إن عمر من أهل الجنة))( ).
وجاء مدح عمر  على لسان عليٍ كرم الله وجهه في خطبة لـه حيث قال: قوَّم الأوَد، وداوى العمد، خلَّف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه( ).
وأخرج ابن عساكر عن أبي إسحاق قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب : إن عثمان في النار. قال: ومن أين علمت؟ قال: لأنّه أحدث أحداثاً. فقال لـه علي: أتراك لو كانت لك بنت أكنت تزوجها حتى تستشير؟ قال: لا. قال: أفرأيك هو خير من رأي رسول الله  لابنتيه؟! أخبرني عن النبي  أكان إذا أراد أمراً يستخير الله أو لا يستخيره؟ قال: لا، بل كان يستخيره. قال: أفكان الله يَخير لـه أم لا؟ قال: بل يخير لـه. قال: فأخبرني عن رسول الله ، اختار الله لـه في تزويجه عثمان أم لم يختر لـه؟! قم فو الله لقد تجردتُ لك لأضرب عنقك فأبى الله ذلك، أما والله لو قلت غير ذلك لضربت عنقك( ).
ومما ورد عن علي  أيضاً في الثناء على أبي بكر وعمر وعثمان  ما رواه أبو جحيفة قال: خطبنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه على منبر الكوفة فقال: ألا إنَّ خير الناس بعد رسول الله  أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت أن أخبركم بثالث لأخبرتكم، قال: فنـزل عن المنبر وهو يقول: عثمان، عثمان.
وعن عمرو بن حريث قال: سمعت علي بن أبي طالب  يقول: خير الناس بعد رسول الله : أبو بكر وعمر وعثمان( ).
وعن شريح القاضي قال: سمعتُ علي بن أبي طالب  يقول على المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم أنا( ).
وروى سلام بن أبي مطيع عن أيوب السختياني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما طعن عمر بن الخطاب بعث إلى حلقةٍ من أهل بدر كانوا يجلسون بين القبر والمنبر، فقال: يقول لكم عمر: أنشدكم الله أكان ذلك عن رضا؟ فتلكَّأ القوم، فقام علي  فقال: ودِدنا أنَّا زدنا في عمره من أعمارنا( ).
ومن شواهد ذلك في كتب الشيعة القديمة ما جاء في رسالة من علي إلى معاوية نقلها المؤرخ الشيعي نصر بن مزاحم المنقري 212هـ في كتابه “وقعة صفين” جاء فيها: “… وذكرتَ أن الله اجتبى له من المسلمين أعواناً أيده الله بهم، فكانوا فيم نازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام فكان أفضلهم وأنصحهم لله ورسوله الخليفة وخليفة الخليفة، ولعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد رحمهما الله، وجزاهما بأحسن الجزاء…) ( ).
ورأينا موقف الحسن ، ودفاعه عن عثمان  يوم الدار، وما قالـه يوم الصلح مع معاوية، والرؤيا التي رآها( ).
وبذلك ترى الحقيقة بارزة للعيان، مشرقة كالشمس لا لبس فيها، وهي أنه على الرغم مما جرى بين الخلفاء الأربعة من خلاف حول بعض الأمور إلا أن هذا الخلاف لم يدفع أياً منهم لاتخاذ موقف عدائي من الآخر، أو إلى الانتقاص من الآخر بشكل من الأشكال.
المطلب الثاني
بعض ما ورد عن أئمة آل البيت في الثناء على الصحابة، وردع من ذمهم:
وقد روي عن زيد بن علي  الكثير في فضائل الشيخين رضي الله عنه وعنهم.
جاء إلى الإمام علي بن الحسـين  نفر من أهل العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان، وأساؤوا إليهم، وهم يحسبون أنهم بذلك يستميلون قلب الإمام! فلما فرغوا من كلامهم قال لـهم: ألا تخبروني من أنتم؟ أنتم المهاجرون الأولون الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالـهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسولـه أولئك هم الصادقون؟( ). قالوا: لا! قال: فأنتم الذين تبوَّؤا الدار والإيمان من قبلـهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ فقالوا: لا. فقال: وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيم [سورة الحشر (10)]. أخرجوا عني.
وكان الإمام الباقر يستشهد بفعل أبي بكر ، فعن عروة بن عبد الله بن الزبير قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيف. قال: لا بأس به، وقد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه. فقال عروة: أتقول عن أبي بكر: الصِّدّيق؟! قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة، وقال: نِعمَ الصِّدِّيقُ، نِعمَ الصِّدِّيقُ، من لم يقل الصِّدِّيق، فلا صدّق الله لـه قولاً في الدنيا ولا في الآخرة( ).
والروايات عن الإمام الصادق في الثناء على الشيخين بلغت مبلغ التواتر المعنوي، منها ما روي عن زهير بن معاوية قال: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جاراً يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر! فقال جعفر: برئ الله من جارك. والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر، وإني اشتكيت شكاية فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن ابن القاسم( ).
وعن حنان بن سدير قال: سمعت جعفر بن محمد وقد سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة( ).
وعن محمد بن فضـيل عن سالم بن حفصة قال: سألت أبا جعفر وابنه جعفراً عن أبي بكر وعمر، فقال: يا سالم تولـهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى، ثم قال جعفر: يا سالم، أيسب الرجل جده ؟ أبو بكر جدي، لا نالتني شفاعة محمد  يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما( ).
وعن عمرو بن قيس الـملائي قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر، وعمر( ).
وجاءت امرأة إلى أبي عبد الله -جعفر الصادق- تسأل عن أبي بكر وعمر، فقال لـها: توليهما. فقالت لـه: فأقول لربي إذا لقيته أنك أمرتني بولايتهما؟ قال: نعم!
وروي مثل ذلك عن جعفر الصادق مع واصل بن عطاء المعتزلي( ).
ومما يدل على محبة آل البيت لأصحاب النبي  عامة ولأبي بكر وعمر وعثمان وعائشة خاصة، أنهم كانوا يسمون أبناءهم بأسمائهم.
فعن أبي سعيد قال: رأيت غلاماً ما أدري غلام هو أم جارية ما رأيت أحسن منه جالساً على جنب علي بن أبي طالب، فقلت لـه: من هذا الفتى ؟ فقال: هذا عثمان بن علي سميته بعثمان بن عفان، وقد سميت عمر بعمر بن الخطاب، وعباس بعمي العباس رضي الله عنهم( ).
ومن أولاد الحسن : “عمـر” وأمه أم ولـد، و”طلحة” وأمه أم إسحـاق بنت طلحة ابن عبيـد الله ( ).
ومن أولاد الإمام زين العابدين علي بن الحسين  “عمر”، ومن كناه  “أبو بكر”( ).
وتزوج الإمام الباقر  من أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومنها ولد الإمام جعفر الصادق( ).
ومن أولاد الإمام موسى الكاظم، والإمام الرضا، والإمام علي الـهادي “عائشة”( ).
وكان الإمام جعفر الصادق يفتخر بانتسابه إلى أبي بكر  ويقول: ولدني أبو بكر مرتين، وذلك لأن والدته هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأم والدته هي أسماء بنت عبد الرحمن.
المطلب الثالث
مواقف فقهاء السنة وأقوالـهم في الثناء على أئمة آل البيت
أولاً: تأييد الإمام الأعظم أبي حنيفة لزيد بن علي رضي الله عنهم:
كان أبو حنيفة مؤيداً لزيد بن علي وداعماً لـه بالقول والمال، فعن عبد الله بن مروان بن معاوية قال: سمعت محمد بن جعفر بن محمد في دار الإمارة يقول: رحم الله أبا حنيفة؛ لقد تحقَّقت مودته لنا في نصرته زيد بن علي.
وعن الفضل بن الزبير قال: قال أبو حنيفة: من يأتي زيداً في هذا الشأن من فقهاء الناس؟ قال: قلت: سليمة بن كهل، ويزيد بن أبي زياد، وهارون بن سعد، وهاشم بن البريد، وأبو هاشم الرماني، والحجاج بن دينار وغيرهم. فقال لي أبو حنيفة: قل لزيد لك عندي معونة وقوة على جهادك فاستعن بها أنت وأصحابك في الخيل و السلاح( ). ثم بعث ذلك معي إلى زيد فأخذه زيد وجاهر أبو حنيفة بتأييده للإمام زيد( ) وأيد أبو حنيفة إبراهيم ابن عبد الله بن الحسن -أخا محمد النفس الزكية- لما خرج من البصرة، وجاهر في أمره وأمَرَ النَّاس بالخروج معه( )، وكان مما كتبه أبو حنيفة لإبراهيم بن عبد الله لما توجه لقتال عيسى بن موسى العباسي أن قال: إذا أظفرك الله بعيسى وأصحابه، فلا تسرْ فيهم سيرة أبيك علي في أهل الجمل؛ فإنه لم يقتل المنهزم، ولم يأخذ الأموال، ولم يتبع مدبراً، ولم يُذَفِّق على جريح؛ لأن القوم لم يكن لـهم فئة( ).
وعوقـب محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، ومُنع القضاء لموالاته ليحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن( ).
ثانياً: تأييد الإمام مالك للإمام محمد النفس الزكية ابن عبد الله المحض، واحترامه لآل بيت النبي  ورضي الله عنهم:
أيَّد الإمام مالك خروج محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، ودعا الناس إلى مؤزرته، فعن جهم بن جعفر الحكمي قال: أخبرني غير واحد أن مالك بن أنس استُفتي في الخروج مع محمد النفس الزكية ابن عبد الله بن الحسن المثنى، فقيل لـه: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر المنصور فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مُكرَه يمين فأسرع الناس إلى محمد ابن عبد الله( ).
وكان مالك يعظِّم عبد الله المحض بن الحسن، وسئل مرة عن سدل اليدين في الصلاة، فقال: رأيت من يُرضى بفعلـه ـ عبد الله بن الحسن ـ يفعلـه( ).
وكذلك كان يعظم ولده يحيى، فعن إسماعيل بن موسى الفزاري قال: رأيت يحيى بن عبد الله بن الحسن جاء إلى مالك بن أنس بالمدينة، فقام لـه مالك عن مجلسه وأجلسه أمامه( ).
ثالثاً: محبة الإمام الشافعي لآل البيت وأشعاره في ذلك:
اشتهر عن الإمام الشافعي محبته لآل البيت وولاؤه لـهم، حتى اتهم بالتشيع في اليمن، وأُعيد إلى بغداد، وسارت الركبان بقصائده التي يُعلن فيها محبته لآل البيت ومنها قولـه:
بمكة ثم داري عسقليه
أنا الشيعي في ديني وأصلي

وأحسن مذهب يسمو البريه
بأطيب مولـد وأعز فخر

وقولـه:
واهتف بقاعد خيفها والناهض
يا راكباً قف بالمحصب من منى

فيضاًَ كملتطم الفرات الفائض
سَحَرَاً إذا فاض الحجيج إلى منى

فليشهد الثقلان أني رافضي
إن كان رفضاً حبُّ آلِ محمدٍ

وقولـه:
وسبطيه وفاطمة الزكيه
إذا في مجلس ذكروا علياً

فهذا من حديث الرافضيه
يقال :تجاوزوا يا قوم عنه

يرون الرفض حب الفاطميه
برئت إلى المهيمن من أناسٍ

وقولـه:
فرض من الله في القرآن أنـزلـه
يا آل بيت رسول الله حبكمُ

من لم يصلّ عليكم لا صلاة لـه
يكفيكم من عظيم الذكر أنكمُ

وقولـه:
وهموا إليه وسيلتي
آل النبي ذريعتي

بيدي اليمين صحيفتي( )
أرجو بأن أعطى غذاً

وقيل إن الإمام الشافعي بايع ليحيى بن عبد الله بن الحسن بن المثنى( ).
وسئل مرة عن عليٍ فقال: ما أقول في رجل أخفت أولياؤه فضائلـه خوفاً، وأخفى أعداؤه حسداً، وشاع لـه من هذين ما ملأ الخافقين!
وقال ابن النديم في (الفهرست):
وكان الشافعي شـديداً في محبة آل البيت وموالاتهم ذَكر لـه رجلٌ يوماً مسألةً فأجاب الشافعي فيها، فقال لـه الرجل: خالفت في ذلك علي بن أبي طالب. فقال لـه الشافعي: أثبت لي هذا عن علي بن أبي طالب حتى أضع خدي على التراب، وأقول قد أخطأت( ).
وخلاصة القول في ذلك لقد أعلن الشافعي محبته لعلي وآل بيته رضي الله عنهم حتى لحقه من ذلك أشد الإيذاء من الأمراء والعلماء، وهو ثابت في موقفه هذا، يقول الفخر الرازي في كتابه (مناقب الشافعي):
أما دعوى الرفض فباطلة لأنه قد اشتهر عنه أنه كان يقول بإمامة الخلفاء الراشدين، وكان كثير الطعن في الروافض، قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: أجيز شهادة أهل الأهواء كلـهم إلا الرافضة فإنهم يشهدون بعضهم لبعض. وقال يونس: كان الشافعي يعيب الروافض ويقول: هم شر عصابة.
وأما مدحه لعلي وحبه والميل إليه فذلك لا يوجب القدح، بل يوجب أعظم أنواع المدح.
وأما طعن يحيى بن معين، فالجواب عنه ما روى البيهقي عن أبي داود السجستاني أنه قيل لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن معين ينسب الشافعي إلى الشيعة! فقال أحمد: كيف عرفت ذلك؟ فقال يحيى: نظرت في قتال أهل البغي فرأيته قد احتج من أولـه إلى آخره بعلي بن أبي طالب. فقال أحمد: يا عجباً لك ! فيمن كان يحتج الشافعي في قتال أهل البغي، فإن أول من ابتلي من هذه الأمة بقتال أهل البغي هو علي بن أبي طالب.
ولما سمع الشافعي أن بعض الناس رماه بالتشيع أنشد وقال:
روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل
إذا نحن فضلنا علياً فإننا

روميت بنصب عند ذكراي للفضل
وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته

أدين به حتى أوسد في الرمل( )
فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما

ونظم الإمام الشافعي أبياتاً يبين فيها عقيدته في الصحابة، ومحبته واحترامه وتوليه لـهم جميعاً، واعتقاده بخصوصية علي كرم الله وجهه فقال:
وأشهد أن البعث حقٌ، وأُخلصُ
شهدتُ بأنَّ الله لا ربَّ غيره

وفعلٌ زكيٌ قد يزيد وينقص
ُ    وأنَّ عُرى الإيمان قولٌ مبيَّنٌ

وكان “أبو حفصٍ” على الخير يحرصُ
وأن “أبا بكرٍ” خليفةُ ربِّه

وأن “علياً” فضلـه متخصِّصُ
وأُشهد ربي أن “عثمان” فاضل
ٌ
لحى الله من إيِّاهمُ يتنقَّصُ( )
أئمة قومٍ يُهتدى بهداهم

رابعاً: محبة الإمام أحمد لآل بيت النبوة:
وسئل الإمام أحمد يوماً عن أفضل أصحاب رسول الله ، فقال: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. فقيل لـه: فعلي؟ قال: سألتموني عن أصحابه، وعليٌ نفس محمد!! وفي رواية: علي بن أبي طالب من أهل بيت لا يُقاس بهم أحدٌ( ).
وقال أحمد بن منصور: كنا عند أحمد بن حنبل، فقال رجل: يا أبا عبد الله ما تقول في هذا الحديث الذي يروي أن علياً قال: ((أنا قسيم النار))( ).
فقال أحمد: وما تنـكرون من هذا؟ أليس روينا أن النبـي  قال لعلي: ((لا يحبك إلا مؤمن، ولا يُبغضُك إلا منافق))( ). فأين المؤمن؟ قالوا: في الجنة. قال: وأين المنافق؟ قالوا: في النار. فقال أحمد: فعليٌ قسيم النار( ).
رابعاً: تأكيد فقهاء السنة أن علياً  أولى بالحق من كل من قاتله:
وينبغي التنبيه إلى أمر مهم وهو أن من يُسمون “أهل السنة” يرون أن الحق كان مع علي كرم الله وجهه في كل معاركه، وأن كل من قاتلـه كان باغياً، وأنه كان الخليفة الشرعي منذ مقتل عثمان وبيعة علي ( ).
أما عائشة وطلحة والزبير فقد اعترفوا بخطئهم، وندموا على فعلـهم، وأما معاوية وعمرو فيشهد لعلي بالحق في قتاله معهم قول النبي  لعمار بن ياسر : ((تقتلك الفئة الباغية))( )، وقد: قُتل عمار وهو يقاتل مع علي.
وقول رسول الله  في الخوارج الذين قاتلوا علياً : ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلـها أولى الطائفتين بالحق))( ).
قال الإمام النووي: هذه الروايات صريحة في أن علياً  كان هو المصيب المحق، والطائفة الأخرى “أصحاب معاوية” كانوا بغاة متأوِّلين، وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنتين لا تخرجان بالقتال عن الإيمان، ولا يُفسَّقون( ).
وقال الإمام أبو حنيفة: ما قاتل أحد علياً  إلا وعلي أولى بالحق منه، ولولا ما سار عليٌ فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين، وهو الذي علَّم المسلمين أحكام قتال أهل البغي( ).
واتهم يحيى بن معين الإمام الشافعي بالتشيع لأنه استشهد في كتابه “السير” على أحكام قتال البغاة بفعل علي مع من قاتلـه في “الجمل”، وصفين.
الخاتمة
وفي الختام لا بد أن نختم بكلمات من نور، وقواعد لفهم مقاصد الرسالة وضعها علماء الأمة الأعلام ، وهم يحذرون من التكفير، ويمكنون صرح الأمة الواحدة.
يقول الإمام الصادق فيما يرويه الكليني في “أصول الكافي”: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله ، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس.
ويقول الإمام الغزالي في “الاقتصاد في الاعتقاد”: والذي ينبغي أن يميل المحصِّل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الأموال والدماء من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول “لا إله إلا الله محمد رسول الله” خطأ، والخطأ في ترك تكفير ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم، وقد قال : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)).

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>