5- في سبيل النهوض بالأمة = الجزء الرابع

في سَبِيلِ النُّهُوضِ بِالأُمَّة

المحتوى
مقدمة البحث …
هموم المجتمع مع نفسه هو العلاج الأول …
الانحراف الفكري والنفسي والغريزي …
التيارات الاجتماعية الصغيرة …
المرض في المجتمع وليس في الشبان …
ما هو العلاج الذي يُصلح المجتمع ؟…
لا مكان لمثل هذه الحرية بين عوامل التربية …
ما هو البديل عن الإسلام ؟…
مأساة السلوك الخلقي في مجتمعنا …
مأساة الوعي الخلقي في مجتمعنا …
السبيل إلى خلق وحدة وطنية في الأمة …

مقدمة البحث( )
يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم [الرعد: 11] ، أي أن الأمة ما دامت متلبسة بأخلاق مرذولة – بأخلاق سيئة – فلا يمكن أن تكون حياتها الاجتماعية الحضارية المادية إلا نتيجة لهذا الوضع الذي تُعاني منه نفسيتها ، لا يمكن أن ترقى صعداً ما دامت متلبسة بهذه الآفات الأخلاقية ، فإذا تحررت النفس من أخلاقها المرذولة وتمطت صُعداً إلى الأخلاق الإنسانية الرضية فقد حان أن يَتغير بنيان تلك الأمة الحضاري ، وأن تنتقل هذه الأمة من طور التخلف إلى التقدم .
الأخلاق الإنسانية هي المحور وهي الأساس الخفي لبناء المجتمعات كلها ، وإنما تدور الأخلاق الإنسانية على محور أساسي لا بديل له ، ألا وهو التراحم ، التراحم هو مدار الأخلاق الإنسانية المثلى على اختلافها وتنوعها ، ولقد تحدث رسول الله  ونبَّه إلى أهمية هذا التراحم كأساس للأخلاق الإنسانية المثلى ، بَشَّرَ وحذَّر ، قال رسول الله  – فيما اتفق عليه الشيخان -: (من لا يرحم الناس لا يَرحمه الله سبحانه وتعالى)( ) ، ويقول المصطفى  أيضاً: (الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)( ) ، مِن منطلق هذه السُّنَّة الربانية ، ومن منطلق الأساس المحوري الذي نبهنا الله عز وجل إليه ، وهو أساس التراحم مُنطلقاً للأخلاق الإنسانية الرضية .
إن المصائب التي يَبتلي الله سبحانه وتعالى بها عباده المسلمين إنما يُرسلها إليهم لتوقظهم من معاصٍ ارتكبوها واستمرؤوا العكوف عليها ، فيبتليهم سبحانه لتحملهم على التوبة ، وتسوقهم إلى الاستغفار والندامة والدعاء والانكسار والتضرع أمام باب الله سبحانه وتعالى .
ثم إن هذه المصائب التي يُرسلها الله ابتلاءً لعباده المؤمنين – ومرة أخرى أقول لكم المؤمنين – قسمان اثنان:
القسم الأول: من هذه المصائب يُبتلى بها الأفراد ، كمصيبة المرض ، ومصيبة الفقر ، ومصيبة فَقْدِ عزيزٍ أو قريبٍ ، أو نحو ذلك .
والقسم الثاني: مصائب تنحط في كيان الأمة كلها ، تُبتلى بها البلدة جمعاء ، مثل هذا الجفاف الذي ابتلانا الله سبحانه وتعالى به – والذي ينذر بما قَد يُنذر مما تعلمون أو ربما لا تعلمون – فهذا بلاء عام ليس من النوع الأول( ) .
ما العلاج الذي يُنجي الأمةَ من هذه المصائب ؟
أما المصائب التي تنحط في كيان الأفراد فأمر علاجها يسير ، مطلوب من صاحب المصيبة – هذا الذي ابتلي بالمرض أو الفقر أو نحو ذلك – أن يَصْدُقَ في التوبة إلى الله ، وأن يستغفر الله من ذنوبه كلها ، وأن يَجْأَرَ إلى الله بالشكوى والضراعة ، وأن يَستمر على هذه الحال ؛ ولا بد أن يجد الاستجابة إذا دعا وكانت شروط الاستجابة موفورة .
أما المصيبة التي يَبعثها الله عز وجل على الأمة جمعاء فعلاجها أن تعود هذه الأمة كلها إلى الله سبحانه وتعالى ، وأن يُقْبِلَ أفرادُ هذه الأمة جمعاء على اختلاف فئاتهم ومستوياتهم ؛ يُقبلون إلى الله سبحانه وتعالى تائبين متضرعين ، يُجددون العهد مع الله أنهم لن يَشردوا بعد اليوم عن صراطه ، أنهم لن يَسْتَمْرِئوا المعاصي التي كانوا قد استمرؤوها نسياناً أو جهلاً أو نحو ذلك ، فإن هم فعلوا ذلك – فأَقْبَلوا إلى الله جميعاً ، وتابوا إلى الله جميعاً ، وردُّوا المظالم جميعاً ، وابتهلوا وتضرعوا إلى الله عز وجل جميعاً – فإنَّ الله عز وجل لا بدَّ أن يَرفع عنهم البلاء ، ولا بدَّ أن يُبدل مصيبتهم نعمة .
إذاً المصائب في حياة المسلمين إنما يَبعثها الله عز وجل للسبب الذي ذكرت لكم ، وصدق الله القائل: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير [الشورى : 30] ، ولكن المشكلة تتجلى عندما يَظَلُّ جَمعٌ كبيرٌ وكبير من المسلمين عاكفين على لهوهم ، عاكفين على معاصيهم وأوزارهم ، عاكفين ربما على استخفافهم بشرائع الله عز وجل وكتابه ، ثم إن أفراداً منهم يقابلون إنساناً مثلي – ممن يُعَدّون في المتدينين أو ممن يُسَمَّون المشايخ – يقول لهم: ادع الله لنا ، ما لكم لا تدعون للأمة أن يرفع الله سبحانه وتعالى هذا البلاء ، يكلفون من يرونهم ملتزمين متدينين بالدعاء نيابة عنهم ، أمَّا هُم تتأمل في حالهم فتجد أنهم لا يُغيرون مِن سُلوكهم شيئاً ، لا يزالون عاكفين على الأوزار التي استمرؤوها ، لا تزال أفواههم تَستقبل الحرام تأكله ، ولا تسأل من أين جاء ؟! لا يُفكرون بِرَدِّ الْمَظالم ، لا يقفون أمام قول الله عز وجل القائل: أَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُون [البقرة : 40] .
هموم المجتمع مع نفسه هو العلاج الأول( )
رغم أن الحديث عن الشباب ومشكلاته يتعلق بأهم القضايا الاجتماعية وأشدها صلة بما قد نعانيه من المآسي والمصائب المختلفة ، فإني أتصور أن الحديث في هذا الموضوع لا يأتي بطائل ، – وأرجو أن أكون مخطئاً بهذا التصور – ذلك لأن الذين تُؤرقهم مشكلات الشباب ، ويتذاكرون في أسبابها وعلاجاتها ، لا يملكون من أمر هذا العلاج شيئاً ، والذين يملكون العلاج ويقدرون على الإصلاح لا يُؤرقهم هذا الأمر ، ولا يحسبون لنتائجه أي حساب .
وكم عُقدت لهذه المشكلة ندوات ، ونشرت فيها كتب وأبحاث ، وظهرت فيها نظريات وآراء ، دون أن نَجد لشيء من ذلك كله أي ثمرة أو فائدة في ساحة التنفيذ .
بل ظل النَّشءُ يُعاني من مشكلاته ، وظل المجتمع يُعاني من معاناته ، وظل الذين بِيَدِهِم حَقيقة الحل والتنفيذ مُنصرفين بأفكارهم واهتمامهم عن هذا الأمر كله .
وأعود مَرَّةً أُخرى فأسالُ اللهَ تعالى أن أكون مخطئاً فيما قد توهمت ، وأسأله تعالى أن يَكون المخالفون لي مُتمسكين بحبل من الأمل متين ، لا مَسوقين إلى ذلك بمجرد أداء الأمانة وتقديم المعذرة .
وأياً كان الأمر ، فلنعالج هذه المشكلة بدافع من الامتثال لقوله تعالى: وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون [الأعراف: 164] .
المشكلة وآثارها المختلفة:
لهذه المشكلة جوانب متعددة ، وربما لاحظ الباحث جانباً واحداً منها ، فعالجها من ذلك الجانب وحده .
فقد يَرى البعض أنها مُشكلة نفسية ، سرت إلينا من عدوى الغرب ووبائه .
وقد يرى البعض أنها مشكلة فكرية ، أثارَتْها غَواشٍ من آثار النهضة العلمية الحديثة ذات الاكتشافات الهائلة المثيرة .
وقد يَرى آخرون أنها تَعود إلى قضايا جنسية وعاطفية ، عقدها الكبت والحرمان ، فظهرت بمظاهر متلونة مختلفة ! ولا يجوز لنا أن نَعتبر شيئاً من هذه الآراء تَصوراً خاطئاً ، أو نظراً بعيداً عن الواقع ، وإنما هي في الحقيقة شرح سَطحي لآثار مُشكلة واحدة .
فالمشكلة بحد ذاتها لَيست كَامنة في الفكر أو النفس أو الجنس ، ولكنها أمرٌ كُلِّي خطير ، ينعكس بآثار معينة على كلٍّ مِن هذه الجوانب الثلاثة .
الازدواج والتناقض:
والأمر الكلي الخطير الذي تُعاني مِنه الناشئة في مجتمعاتنا إنما هو الازدواج ! الازدواج في القدوة ، والازدواج في التعليم ، والازدواج في التربية ، والازدواج في الأفكار والقِيَم ، وبالجملة فهو ازدواج في جميع الحقول التي تُساهم في تكوين شخصية الشاب ونسيجه الفكري .
ففي المدرسة – وهي أهمّ العوامل التربوية – يتلقى التلميذ أمشاجاً من القيم والآراء المتناقضة المتنافرة ، يتسابق إليه بها مُربون ومُعلمون مُتناقضون في الفكر والمنهج والسلوك ، فهو يتلقى من مُدَرِّسِ الفلسفة والأخلاق نَقيضَ ما قد تلقاه من مدرس الدِّين ، ثم يَتلقى من مُدَرِّس العلوم خلاف ما كان قد تَعلمه من كليهما !.
وتغدو عملية التربية والتعليم والتثقيف في حياة التلميذ عبارة عن صراع من البناء ، مِن ذهنه ونفسه ، غباراً وغشاوات داكنة تحجز العقل عن التفكير وتبعد الصفاء عن النفس !.
مجتمع متناقض:
وفي الشارع والمكتبة والنادي وأمام التلفاز ، تطوف به مظاهر أُخرى من هذا التناقض العجيب ! فهو يَسمع عن الأخلاق والفضيلة ، وضرورة التقيد بهما ، وخطورة الخروج عن قانونهما . ويسمع أيضاً عن الحرية والحياة العصرية وضرورة التجمل بها ، وخطورة الكبت والقوقعة في حمأة التقاليد . وهو يسمع عن الدين وحقائقه ، وضرورة قيام المجتمع على دعائمه ، والاستعانة بمنهاجه وعلاجه لحل كل مشكلة . ويسمع أيضاً عن الرجعية وأوضارها ، والنهضة العلمية ، وكيف أنها نَسخت العقائد الدينية ، وعن ضرورة تحرير الفكر من أسْر الإيمان بالغيبيات والاستعانة بالفكر المادي لحل كل مشكلة وتحرير كل أرض .
إنه يَلمس هذا التناقض الخطير في الشارع الذي يسير فيه ، ويقرأه في الكتب والمجلات التي يَطلع عليها ، ويسمعه في المحاضرات والندوات التي يَحضرها أو يتلقاها من مواقع الشبكة العنكبوتية المتناقضة التي لا حصر لها ، ثم هو يُعانيه بين زملائه وأصدقائه الذين يَنعكس عليهم ذلك كله ، جِدالاً ومُشادة وهياجاً .
وفي البيت ، تتجمع حوله آثار ذلك كله ، في مظاهر أشد خطورة وضرراً ، إذ قلما تخلو أسرة من أشخاص متناقضين ، يَجنح كل منهم إلى واحدة من هذه الأفكار والاتجاهات المتناقضة ، فيتحول وئام البيت وسعادته إلى شقاق وشقاء ، وتسوء علاقة الوالد مع الأولاد ، وتتأزم صلة الزوجة بزوجها ، ويتعالى الشجار بين الجميع عند كل صباح ومساء .
مظاهر النفاق:
ويتجسد هذا التناقض في جوانب أخرى من المجتمع ، في مظهر هادئ من النفاق الأملس ، فيفوق في أضراره وبلائه على الناشئة تلك المظاهر المتناقضة الأخرى ، إذ تكون هي وحدها في الغالب محط الخديعة وكبش الفداء .
يسمع الشاب – في نفس صافية وقلب صدوق – حديث التضحية والوطنية والفداء ، ضمن قالب رائع من الألفاظ والشعارات ، فيُصَدِّق ويتحَمَّس ويتفاعل ، ثم يَكتشف على حين غرة أن الشأن أهون من ذلك بكثير ، وأن الأمر لم يَكن أكثر من بضاعة كلام .
ويُصغي السمع إلى كثير من الوعاظ والخطباء والموجهين ، فيتأثر لما يسمع ، وتَطمح به نفسه إلى القِيَم العالية والأخلاق الفاضلة ، وفيما هو يسير بصدق وحماسة إلى هذه الغاية ، يُفاجأ باكتشاف أغراض ومصالح أخرى مِن وَراء تلك التوجيهات والعظات البليغة ، ويَكتشف من حال أربابها ما يُناقضها كل التناقض !.
فَقْدُ الثقة أول النتائج:
هذا هو المجتمع الذي يَنشأ الشاب في ظله ، وهذه هي الأجواء التربوية التي يَنهل الشاب تربيته ويستوحي نهج سلوكه منها ! فأي مَصير تَنتظره من الشاب أفضل من هذا المصير ؟! ومن هو الشاب ؟ إنه كتلة غضة يانعة من الفكر والنفس والعواطف ، وكل من هذه العناصر الثلاثة بأشد الحاجة إلى الغذاء الصالح الذي يتوقف عليه نموه وتكامله ، وقد كان الغذاء – لسوء الحظ – هذا الذي وصفته لك ، فماذا عسى أن تكون النتيجة ؟.
إن رأس النتائج كلها ، هو انعدام ثقة الشاب بالمجتمع ، فلا الشاب يَصلح أن يتتلمذ عليه ، ولا المجتمع يَصلح أن يكون مُربياً له ، وإنما يَغدو أستاذاً لنفسه مُنفرداً بإرشاد ذاته !.
وأما النتائج الأخرى ، فلا ريب أنها تغدو في الانحراف الفكري والتعقد النفسي والانطلاق الغريزي .
الانحراف الفكري والنفسي والغريزي
هي تتمثل في الانحراف الفكري أولاً: لأن المقدمات المنطقية المتناقضة تنتج شيئاً واحداً هو: إنكار طبيعة المنطق بحد ذاته ، وليس أن تنتظر منه غير هذا ، ما دام سائراً في المرحلة التي يتوكأ فيها عقله – بشكل طبيعي – على أفكار الآخرين وتعليماتهم ، وقد توكأ عليها فأورثه اضطرابهم عرجاً دائماً في الفكر .
وأي قيمة تبقى للعقل عنده ، وقد عَلمتَ أن مِقياس هذه القيمة واقع مجتمعه الذي يعيش فيه ، وقد رأى العقلَ مُمزقاً فيه بين تناقضات عجيبة ، داخل جدران مدرسته ، وضمن وسائل إعلامه ، وفي شتى شوارعه وأسواقه ، ثم رأى هذه المزق العقلية المتناقضة كيف تعيش في ظل ظليل من رعاية أرباب هذا المجتمع وساسته والبصيرين بشأنه .
إن من الطبيعي أن تجد أكثر هؤلاء الشبان لا يُؤمنون بشيء ، لأن اللاشَيء هو النتيجة المنطقية للصراع المستمر بين شيئين !.
وهي تتمثل في العُقد النفسية ثانياً: لأن النفس الإنسانية إنما تَسير في فِجَاجِ الحَيَاةِ بدافع من مجموع عواطفها الدافعة والرادعة والممجدة ، وهذه العواطف إنما يتألف نَسيجها في النفس عن طريق المجتمع وما فيه من دوافع الأمل والرجاء والحب ، وروادع الخوف والعقاب والإشفاق ، وأسباب النعم والرفاهية والخيرات ، وبقدر ما يتألف مزاج معتدل من مجموع هذه الأنواع الثلاثة من العواطف في النفس ، يتوفر فيها الصفاء والشعور بالسعادة والاستقرار ، فكيف للنفس أن تسترضع من المجتمع الذي هذا شأنه عواطفها الإنسانية في تناسق واعتدال ؟!.
إن المجتمع الذي تتشابك متصارعة فيه المذاهب والآراء ، ثم يتخذ من الناشئة حَقلاً لتجاربه وحلبة لمصارعاته – سواء تمثل ذلك في المدرسة أو البيت أو الشارع أو المكتبة – هذا المجتمع لا يستطيع أن يُغذي نفس الشاب بأي مَعنى مما يُسمى بالحب أو الأمل أو الرجاء ، ومِن ثم فهو لا يستطيع أيضاً أن يَقرنه بأي مَزيج مُعتدل من الخوف والإشفاق وروح العقاب .
والنتيجة هي أن تَنمو بين جوانح هذا الشاب نفس مُتمردة على كل شيء ، لا تَدِين بولاء ولا تنقاد لحب ولا ترتدع بخشية ، نفس مُضطربة لا تؤمن إلا بذاتها ، ولا تغذي سوى أنانيتها ، لأنها لم تجد من سلطان العقل ما يَفرض عليها أي سلوك غيره ، ولم تجد من عطاء المجتمع ما يَربطها بأي تعلق آخر .
وهي تتمثل في الانطلاق الغريزي ثالثاً ، لأن العقل لما تَثَلَّمَ حَدُّه – وعجز عن النظر والضبط ، وتقاصر سلطانه عن السيطرة على النفس والقدرة على توجيهها – ظهرت من وراء ذلك الغريزة الطبيعية ، لتنطلق على سجيتها ، والإنسان كلما ازداد تحرراً من قيوده الفكرية ازداد ارتباطاً بدوافعه الغريزية ، وما الإنسان لولا ضوابط العقل والتفكير إلا حيوان هائج ثائر الأهواء والشهوات ، وقلما تجد في مثل شراسته أيَّ حيوان آخر ، ذلك لأن الغريزة في الحيوانات المختلفة تسد مسد العقل عندما تتوقف حياتها على انبعاثات عقلية مدبرة ، أما الإنسان فالغريزة فيه هي الدوافع واللواعج الشهوانية فقط ، إذ كان في وجود العقل ما يُغني عن ضوابط الغريزة وتدبيرها ، فإذا فاتت حِكمة العَقل وزوال رشده ، هاجت الغريزة هياجاً لا تَجد مِثله عند أي حيوان !.
التيارات الاجتماعية الصغيرة
وإنها علاج الشباب في مجتمعاتنا ، وإليك بعضاً من آثارها:
كلما كانت هذه المشكلة أبرز وأقوى ، كانت آثارها في نفوس الشبان وتفكيرهم أشد وأخطر ، وإذا تأملت حال الأمم المختلفة اليوم ، وما يعانيه نَشْؤُها من المشكلات والعقد ، رأيت مصداق هذا الذي أقوله لك ، ولا مجال في هذا المقام لسرد الوقائع التفصيلية دليلاً على ذلك .
وقد تجد في مجتمعاتنا – رغم ما فيها من التناقض الذي وصفناه – شباباً يَستمتعون باستقامة فكرية وسعادة نفسية وسلوك منضبط قويم ، فتظن أنه دليل على خطأ ما قد عرضناه .
والحقيقة أن هؤلاء الشبان أتيح لهم أن ينضووا في تيارات اجتماعية صغيرة ، ضمن مجتمعهم الصاخب العام ، فكان لهم من مجتمعهم الصغير ذاك مَا حَجزهم عن الزعازع والعواطف التي تطوف من حولهم ، فتقلصت آثارها عنهم بالقدر الذي يَملكون به قوة المدافعة والثبات . ومثل هذه التيارات الاجتماعية الصغيرة يُعتبر قوارب نجاة قد يَنجو مَن يَتعلق بها ويَصل إلى شاطئ الأمان ، ويعود إليها وإلى قادتها الفضل الأكبر في إنقاذ ما يُمكن إنقاذه وسط عواصف هذا المجتمع الخطير .
المرض في المجتمع وليس في الشبان
ولنتحدث بعد هذا عن العلاج ، ولكن فلنتساءل قبل ذلك عن المريض الذي يتطلب العلاج ، أهو النشء أم المجتمع ؟
لا ريب أن المريض إنما هو المجتمع ، وما ظاهرة المشكلة التي تتمثل في حياة الشباب إلا أثراً من آثار مرضه هو .
ومن الظلم العجيب ما قد يُفكر فيه بعض الباحثين مِن عِلاجٍ يوصف للشبان أو منهجٍ تَربوي يَؤخذون به ، حتى يَصلح أمرهم وتحل مشكلاتهم ! وواضح أنهم يُفكرون في غير طائل ، وأن علاجاتهم لا تَقع أي مَوقع للشفاء ، لأن الشبان لَيسوا هم المرضى ، وإنما المريض هو المجتمع الذي يعيشون فيه .
ما هو العلاج الذي يُصلح المجتمع ؟
إن الذي يُصلحه إنما هو شيء واحد ، هو أن يَكون صادقاً مع نفسه ، مُتسقاً مع شتى مؤسساته وجوانبه .
يصلحه – وقد أقر بالإسلام وسبيله – أن يُحرك أجهزته باتساق وتعاون نحو هذا السبيل .
فالمدارس – بمختلف مقرراتها ومدرسيها ونظمها – يجب أن تضفر جهودها في هذا السبيل .
والحركة الثقافية – التي تتمثل في نشر الكتب والصحف ونشاطات وسائل الإعلام – يجب أن لا تند أو تنحرف عن هذا السبيل .
والقيم والمبادئ – التي يدين لها المجتمع – يجب أن لا تكون شيئاً آخر غير قيم الإسلام ومبادئه .
ونظرة التطور والتقدم والرقي يجب أن تكون محصورة ضمن سُلَّمِ الإسلام ومنهجه .
أجل ، فما يَنبغي أن يَترك المجتمع شبابه المثقف حائراً بين الآيات القرآنية التي يَتلوها القارئ في المذياع مُردداً قوله تعالى: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [سورة النور: 31] ، والحديث الاجتماعي الذي يُلقيه مُذيع من بعده ، يفند فيه مَضمون هذه الآية ، ويدعو النساء إلى التحلل من ستر الصيانة والحجاب !.
وما ينبغي أن يُلَوَّح للشبان بعقوبةِ مَن يعاكس الفتيات ، وبِحِطَّة من ينحرف إلى مُعاطاة الرذيلة ، ثم ينقلب هؤلاء الملوحون فيشجعوا مُغريات الرذيلة ، ويُصَفِّقُوا لمظاهر الغي ونداء الجنس ودوافع الأهواء .
وما ينبغي أن تترك المدارس حَقلاً للتنافس في النزعات الفكرية المتصارعة ، إلى جانب درس الدِّين الذي يَلقاه التلاميذ مِن مُدَرِّسٍ مَسؤول وبشكل نظامي ورسمي !.
وما ينبغي أن يُنْشَر في صحيفة يومية سائرة ، حَديثٌ دِيني يُذَكِّر الناس بالخالق وحسابه ، ويُنْشَر إلى جانبه حَديثٌ آخر يَهزَأُ بالدين ودلائله وقيوده .
وما يَنبغي أن يُجهد نفسه كاتب مِثلي بالبحث في حُلول مُشكلات الشباب ، على حين يَعكف آخرون على إِضرام المزيد من نيران هذه المشاكل .
لا مكان لمثل هذه الحرية بين عوامل التربية
ولعلك تقول: إنها حرية الفكر والقول !.
فلتعلم أنه لا مُسوغ لِرَتعِ هَذه الحرية ضِمن العوامل التربوية المقصودة في المجتمع ، وما قال أحد من علماء التربية يَوماً إن لحرية الفكر والقول مجالاً ضمن سلطان هذه العوامل ، وإلا فكيف تَكون المدرسة أو المذياع أو الرائي أو الصحف والمجلات وسائل تربوية لعقلية النشء ونفْسِه ، إذا كان لوساوس الأفكار على اختلافها أن ترتع وتتصارع فيها كما تشاء ؟ وأي غاية تربوية تبقى أمام هذه العوامل عند ذلك ؟
ما هو البديل عن الإسلام ؟
أما إن اختار قادة المجتمع سبيلاً له غير سبيل الإسلام ؟ فعليهم أن يَستعجلوا في عرض البديل . ما هو البديل الذي يحرس كيان المجتمع ، ويعالج مشكلاته ويحقق مصالحه ؟
إن أي بديل عن الإسلام يُوقع المجتمع عامة وشبانه خاصة في أخطر من المشكلة التي نبحث الآن عن مخرج منها .
إن الجنون الذي سيطر على رؤوس الشبان في أمريكا وأنحاء كثيرة من أوربا ، فراح يدفع أمواجاً منهم إلى الانتحار ، ويدفع بأمواج أخرى إلى العزلة وممارسة البهيمية ، إنما هو جُنون الفراغ والابتعاد عن الدين ، إذ كان الدين في حياتهم لا يَعدو أن يَكون شِعاراً يقبع في المعابد والكنائس ، أما المجتمع والسلوك فبعيدان كل البعد عن الدين وأحكامه وأخلاقه !.
وربما يحلم البعض ببديل في الحضارة الغربية ، وربما ظنوا أن هذا البديل يُكسبهم أصالة جديدة ، ويحل الكثير من مشكلاتهم ، وعلى هؤلاء الناس أن يُدركوا بأن المسلمين يَستطيعون بسهولة أن يَخرجوا على مبادئ الإسلام ، وأن يَحيدوا عن صراطه الذي ارتقى بهم إلى أوج التاريخ ، وأن يركنوا إلى الحداثة ، وأن يُفكروا بما بعدها ، ولكنهم لا يَستطيعون في يَومٍ مَا أن يَكتسبوا أي أصالة أو حياة عزيزة من وراء هذا الانحراف والخروج .
إن الذي سيتم – بالتأكيد ، بعد محاولة استجرار الحضارة الغربية إلينا – هو أننا سنقع في جو من الفراغ النفسي ، وسننتهي إلى حالة تُشعرنا بأن أي تاريخ لا يتعرف علينا ، وسنجد أن الأمم كلها تنظر إلينا بهذا الاعتبار ، أي كمتسولين تتقاذفنا جدران الحضارات التي نتطفل عليها ، وستتراكم على نفوسنا مركبات النقص ، وسيحول كل ذلك بيننا وبين الوصول إلى ثمار ذلك المجتمع التي نتخيلها ، وتتحلب منا الأشداق شهوة إليها .
شهوة البديل أم البحث عن البديل:
إن على الذين يشتهون بديلاً عن الإسلام أن يتذكروا أن سبيل الاشتهاء يسير ، يسلكه العقلاء وغيرهم ، لأن دوافعه الغريزة ، وليس الإنسان أغنى بها من البهائم ، ولو كان لشهوة الغريزة أن تصلح فاسداً لظهر الصلاح في عالم البهائم .
أما الذين يبحثون عن البديل فليسائلوا عنه عقولهم وتجاربهم ، ووقائع الدنيا التي من حولهم ، وشقاء الغرب بحضارته ، ورثاء العالم لشبابه ، ثم ليقولوا مُنصفين صادقين ، هل يجدون عن الإسلام من بديل ؟
مأساة السلوك الخلقي في مجتمعنا( )
والتربية الخلقية ليست دراسة علمية في كتاب ، ولا هي بالقواعد العلمية للدين ، ولا هي بتلك النظريات الفلسفية الفارغة التي تسمى “الأخلاق” ، إنها شيء فوق كل ذلك ، وأقدس من كل ذلك ، وهي مع هذا المادة الوحيدة التي لا تتعرف مدارسنا على شيء منها .
من أهم مآسينا الاجتماعية اليوم مأساة التربية الخلقية لدى ناشئة البلاد ، إنها المأساة الوحيدة التي لم تَستطع المعالجة أن تُوقفها عند حدٍّ ، بل وما قدرت المعالجة سوى أن تنفخ في ضرامها ، ثم تصبح هي الأخرى مأساة ثانية إلى جانبها .
ولعل معالجتها – من أجل ذلك – لا تزال إلى اليوم أهم مشكلة تستدعي الحل السليم الدقيق ، ولعل من الخير أيضاً أن نُصارح بأننا لا نزال مع الأسف نعالج هذه المأساة معالجة بدائية غير ذات جدوى ، إذ إن أمرها موكول في معظم الحالات إلى جهات تفتقد الأدوات اللازمة للتربية الخلقية .
إن من الواجب أن نعلم بأن معالجة الخلق والسلوك لها ميدان غير هذا ، إن ميدانها الأول هناك على ثغر الطريق ، حيث يبزغ النشء ويترعرع ، ثم يدرج مُقبلاً نحو نَهر هَذا المجتمع وصخبه ، أما مجالها الثاني فَهو المحافظة على نظافة المجتمع ، ومكافحة الأوباء الخلقية التي قد تظهر في بعض جهاته وجوانبه ، وثغر الطريق إلى هذا المجتمع إنما هو المدرسة ، فهل يتلقى النشء في المدرسة شمة من رائحة التربية الخلقية ؟
إنها شيء يُؤخذ به التلاميذ أخذاً ، وتشرب به طباعهم عن طريق المران التطبيقي على النماذج الخلقية السامية ، وعن طريق صبغ مواد الدراسة عامة بالصبغة الخلقية والدينية ، كما يحصل على قسط كبير منها عن طريق “القدوة الحسنة” ، بأن يكون التلاميذ دائماً أمام نماذج سامية من الأساتذة والمعلمين خلقاً وديناً ، إذ إن طبيعة التقليد في الصغير – حتى سن المراهقة – تُعتبر من أهم العوامل النفسية غير المقصودة التي تنغرس بتأثيرها معظم العناصر الخلقية في نفسه .
ولصلاة واحدة يُحمل على أدائها الطلاب – سواء في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية – عن طريق طبيعي كالقدوة الحسنة التي ذكرناها ، أبلغ فائدة من عدة دروس في الأخلاق والدين ، يَقذف فيها إليهم المدرس بالحقائق العلمية الغزيرة ، فكيف إذا رسم ذلك طريقة لهم ، وعهد إليهم أنفسهم بتعهد المصلى مثلاً وتنظيفه ، وبالإمامة والأذان والخطابة في معظم الأحيان ، وعهد إليهم بين الفينة والأخرى بإقامة تمثيليات تتراءى في أبطالها نماذج خلقية عالية ، في ثوب زاهٍ مُحبب إلى نفوسهم ، وعهد إليهم بإخراجها وتمثيلها تحت إشراف المدرس التربوي الخاص ؟
إن هذا – ما من ريب – لو طُبِّقَ تَطبيقاً مُنظماً تحت إشراف مدرس خاص بهذه المادة -كمدرب التربية البدنية مثلاً – لما وَقعنا في كل هذا المروج والاضطراب حيال هذا التيار الخلقي الملتوي ، ولعمري إن ههنا فقط مَركز الثغرة الحساسة الأولى التي إن أُهملت تَسرب مِنها إلى المجتمع وباء خُلقي ما مثله وباء ، وإن أُغلقت وَعُولجت هانت مِن بَعدها مُعالجة كل شيء ، وعاش المجتمع مع مُقوماته المادية والمعنوية في أمان من كل ما يهددهما .
ولقد بلغ ذلك القسيس الإنكليزي “دنلوب” منتهى الخبث ، حينما لعب لعبته في الإقليم الجنوبي من جمهوريتنا العربية المتحدة أيام الاحتلال الإنكليزي لها ، وذلك بوصفه مُستشاراً للمعارف إذ ذاك ، حيث عمد على جهاز التربية فيها فكشط عنه الصبغة التطبيقية للتربية الخلقية والدينية ، ثم ألبسه لباس التعليم الجاف ، وبالغ ما استطاع في حشو عقول الناشئة بالحقائق الجافة التي تبلد العقل وتغلظ الحس ، ولم يدع في المنهج الدراسي متنفساً يشم منه الصغار المعنى الروحي الواقعي لمفهوم الأخلاق العامة الذي يسود مجتمعهم ويقوم حياتهم ؛ عمل ذلك لكي لا يُنتج ذلك الجهاز سوى إمعات من الرجال ذوي نفوس متداعية ، لا يصلحون إلا مستخدمين في وظائف ، أو كتاباً في دواوين يأكلون ويشربون وينامون .
ومن المؤسف جداً أن نقول: إن حالتنا الراهنة اليوم قائمة تماماً على النهج الذي كان يتمناه “دنلوب” ، مع أن الاحتلال الإنكليزي والفرنسي قد ولى .
ومن المؤسف أيضاً أن نقول: بأننا لم نكن خيراً بكثير من “دنلوب” و “فرنسة” في رعاية شؤوننا التربوية والدينية ، مما جعلنا نقذف إلى المجتمع بشباب لم ينضج فيهم الوعي الخلقي الكامل الذي يربطهم بتاريخهم العربي والإسلامي ، ثم نُحاول بعد ذلك معالجة الوضع ، ولكن أنى للعلاج حينئذ أن يفيد ، وأنى للمنطق والتهديد أن يجدا وسيلة إلى تقويم ما استصلب ملتوياً معوجاً ؟
ولقد جمعتني المصادفات بواحد من هؤلاء الذين نشؤوا وتخرجوا في شوامخ هذه المدارس ، ولكنها لم تقدر أن تملكهم أخيراً أي سلاح من الحصانة الخلقية والدين ، وراح يَشكو إلي بصراحة تامة آلامه النفسية التي لا يَجد مَفراً منها ، فاسمعوا ما قال:
“إنني أحب الفضيلة ، وأهتز طرباً للمثل العليا والمتمسكين بها ، وما أكثر ما أقعد لأتخيل نفسي بطلاً من أبطال الفضائل ، وحامياً من حماة الأخلاق ، وكم أنسج في غمرة هذه الأخيلة أحلاماً مختلفة ، أروي بها ظمأ قلبي لهذه المثل والفضائل ، ولكني  – ويا للأسف –  لا أستطيع أن أحقق شيئاً من هذه الأحلام ، فقد ربيت دون أن يُبصرني أحد بالطريق المؤدي إلى الفضيلة ، ويُدَرِّبَنِي عليها ويُوضح أمامي معالمها .
أما هؤلاء المعلمون ، فقد كانوا يضعون أمامي عن الدين والفضيلة ألفاظاً مغمضة صماء ، لا أجد في ناحية منها أي نافذة تهديني إلى تحليلها أو معناها ، فكنت أتلقى هذه الألفاظ كما تتلقى صندوقاً أُقْفِل على ما شئت من لآلئ وجواهر دون أن تتسلم له مفتاحاً ، أو تهتدي لفتحه إلى دليل ، فإن استطاع هذا الصندوق أن يَرْشَح لك ظاهره بالذهب الذي في جوفه استطاعت تلك الألفاظ أيضاً أن تجمعني بالفضيلة التي أبحث عنها .
وهكذا أعيش اليوم ! أتعشق الفضيلة ولا أهتدي إلى صميمها ، وأبغض الرذيلة ولا أقوى على الخلاص منها ، ذلك لأنني أقرأ عن الرذيلة كل يوم مائة درس تطبيقي عملي في الأزقة والشوارع ، فلماذا لا أندفع إليها وأنطبع بها ؟ ولا أعثر على واحد من هذه الدروس في المعاهد فضلاً عن الأزقة والشوارع ، فأين أعثر عليها ؟ وكيف أهتدي إليها ؟” .
ماذا تتوقع من أساليب المعالجة التربوية المفيدة لمثل هذا المسكين ، بعد أن اجتاز الطريق وتوسط أمواج هذا المجتمع وعبابه ؟
أما أنا فقد رأيتني أثقل عليه من شروره التي يتأفف منها ، إن أنا قعدت أدندن حول رأسه عن طريق “قال الله ، وقال رسول الله” بعد أن تطبعت نفسه على ما شاء أن يطبعها عليه هذا المجتمع دون أن يكون له إذ ذاك من واق أو حافظ .
إن هذا الإنسان زجته المقادير في بحر خضم وبين أمواج متلاطمة ، دون أن يجد قبل ذلك من يعلمه السباحة ويدربه عليها ، فماذا يغنيه وهو يغوص بين أمواج الموت أن تصيح به قائلاً: “خبط برجلك ، شق بيديك الماء ، انفخ بفمك” ، لا ريب أنه سيختنق بكلامك هذا قبل أن يخنقه زبد البحر وأمواجه .
أما عثرات هذا المجتمع ، أما الصخور الراسية القائمة في جنباته ، التي من شأنها أن تصدع هذه الروح التربوية ، حتى بعد تعهدها وممارستها في المدارس ، فلا ننكر خطورة ذلك وأثره في زلزلة الكيان الخلقي لدى الشباب ، ولكنا نرى أن معالجتها تأتي في الخطوة الثانية بعد الأولى( ) ، ولا شك أن تلك العثرات – بعد ذلك – أمر لا يجوز الغض عنه أو التساهل فيه ، ولا بد من العمل على توافق روحي المدرسة والمجتمع والتفاعل بينهما ، إذ الطفل ابن لمجتمعه قبل أن يكون ابناً لأسرته أو مدرسته ، ومعنى ذلك أنه لا بد أن تنطبع في نفسه تقاليد ذلك المجتمع وعاداته رغم أنف المدرسة والأسرة ، ورغم أنف مجهودهما ، بل ما من شك في أن المجتمع ينقض كل ما نسجته الأسرة والمدرسة ، ويجعله أنكاثاً إذا لم يتطابق معهما في روحه وتقاليده ، بل إذا نزلنا عند رأي العالم الفرنسي “أميل دوركايم” وأعضاء مدرسته ، نجد أن البيئة الاجتماعية هي العامل الوحيد في تربية الطفل ، وأن ما أبرمته هذه البيئة حيال ذلك لا يمكن لأي عامل من العوامل التربوية الأخرى نقضه أو تغييره .
ولذلك فقد كان أمراً مفروغاً منه وجوب كنس كل ما في جوانب هذا المجتمع من أقذار وأوباء خلقية ، إن أريد للروح التربوية أن تسير في نفوس النشء سليمة هادئة إلى آخر الطريق .
وماذا نرى في مجتمعنا اليوم ؟
إننا نرى فيه حمماً من الأوبئة والأقذار والمفاسد ، بعضها يتجسد ويسير تحت راية “الحرية” ، وبعضها الآخر يشق طريقه من وراء امتياز “الفنون والآداب” ، والبعض منها يخب باسم التقدمية والتمدن ، والجميع ينقلب في نهاية الطريق إلى وقود يزيد من أُوار هذه المأساة ولهيبها ، وتبحث هنالك عن رسالة تلك الفنون والآداب والتقدمية ، أين بقيت وماذا فعلت ؟ ولكنك لا تبصر إلا ناراً تضرم .
ففي ميدان الأدب تجد معظم أدعيائه لا يحلو لهم سوى أن يجعلوا منه غلالة رقيقة يلبسونها لقضايا “الجنس” ، ثم يعرضونها أمام الأبصار كأن شؤون الجنس قد منيت بيننا بزهد فيها وإدبار عنها ، فهي تحتاج إلى الإطراء لها والدعاية إليها .
ومن تحت لائحة “الحرية” تبصر خليطاً متلاطماً من مئات الأشكال والأزياء التي فجرتها أخيلة الرذيلة وأظهرتها النزوات الملتهبة . فهذه فتاة هجمت إلى الشارع ، وقد كشفت للناس من منكبيها إلى أقصى فقار ظهرها . وتلك قد اخترعت أمكر صورة من العري الفني ، حيث كشفت للناس عن معظم جسمها ، ولَفَّتْ سائره بِمِزَقٍ رقيقة عصرت نفسها فيه عصراً ، ثم راحت تنقر الأرض نقراً في مشية متعثرة بين الغادين والرائحين . وهذه واحدة أخرى قد غمست شعرها ووجهها وفمها وعيونها وأهدابها بشتى الأصباغ المتضاربة المختلفة التي لا يفوح منها إلا رائحة النهم الجنسي الصارخ .
ومن وراء صيحات “التقدم والمدنية” تبصر مظاهر شاذة غريبة لمفهوم الروح الاجتماعية في بلادنا – بصفتها بلاداً عربية مسلمة لها مبادئها الراسخة الخالدة – فهي مفاهيم لا تجد نظيرها إلا بين الأمم الأجنبية عنا ، هذه الأمم التي نعتبر أنفسنا في حياد إيجابي عنها( ) .
وبعد هذا كله فالغريب أن نثور ضد النتائج الطبيعية لهذه المظاهر الاجتماعية الشاذة عنا ، ونعترف ونقر أننا في مأساة يجب أن نتداركها ونقضي عليها .
إن القضاء على النتائج يتطلب القضاء على المقدمات ، ولذا فلا بد من القضاء أولاً على المفاهيم البشعة المعكوسة للآداب والفنون بيننا ، ولا بد من الضرب الشديد على أيدي الذين يحلو لهم هذا الافتراء على الأدب والفن .
أما المرتزقة الذين يبحثون بذلك عن الطعام و “العيش” كما يقولون ، فعليهم أن يفتشوا عن سبيل غير هذا لتجارتهم وطعامهم وعيشهم .
ولا بد أيضاً من وضع حدود إلزامية يتوحد عندها زي المرأة ، ويمنع عنها كل ما هو غير لائق بمكانتها بصفتها امرأة عربية ، وبمكانة المجتمع بوصفه مجتمعاً عربياً شريفاً ، ولسنا نقصد بذلك إلزامهن بالاحتجاب من الفرق إلى القدم ، ولكنا نوجب أن يلتزمن الحشمة التي تعبر عن كرامتهن ، ولا تثير أنظار الشهوة نحوهن .
وليس لأحد أن يزعم أنه حر في شأن أهله وعائلته ، ولا لواحدة أن تزعم أنها حرة في شأن نفسها ، إلا إذا صح لأحد أن يَزعم أنه حُر في أن يَتصرف بقانون السير والمرور كما يشاء .
فالعربة التي يسوقها صاحبها في عرض الشارع ويلتوي بها ذات اليمين وذات اليسار ، وذلك الذي يمشي وهو يزرع الشوارع العامة بما شاء من أقذار وأوساخ ، وأولئك الباعة الذين يتخذون من قارعة الطريق العام مخزناً تجارياً لبيعهم ، وتلك التي تسير في هذه الشوارع وبين أنظار الشباب متعرية متكشفة لتستقبل الأنظارُ فن ميوعتها ولتخلف من ورائها آثار فتنتها ، كل ذلك مظاهر للفوضى البشعة ، ومنابع للأضرار الجسيمة التي لا يجوز المكابرة في اختلاق الفروق بين بعضها والآخر .
وليس لواحد أو واحدة أن تزعم أيضاً أن ذلك قيدٌ تأباه الديمقراطية التي يجب أن ننعم في رحابها ، فالذين دَرَسُوا الديمقراطية بمعناها الواضح البَسيط ، يعلمون العلم اليقين أن الديمقراطية لا تخلو من قيود ، بل لا بُدَّ لاستقامتها من وجود القيود ، غير أن الفرق بين القيود التي يَفرضها الوضع الارستقراطي والتي يَفرضها الوضع الديمقراطي أنها في الحالة الأولى تكون لمصلحة القادة فحسب ، وفي الحالة الثانية تكون لمصلحة الأمة والأفراد .
وليس لأحد أن يتأفف من هذا التنظيم بحجة أن في ذلك خدشاً لقدسية التقليد الأصم الأبكم ، وانحرافاً عن جادة الغرب وحضارته ، ذلك لأن الأساس الذي أقام عليه الغرب حضارته أساس لا يطيق هذا الشرق العربي إرساء مثله ، فهو أساس كونت عناصره كما قُلنا قبل هذا الفصل من أمشاج مِن الأمهات والأطفال والأزواج الذين ضَلت بهم المدنية عن مَثابة الأسرة وحبل النسب ، وحينما يَقبلُ حَضَرات المتأففين هذا الأساس لحضارتهم ومدنيتهم ، فإننا نَكون حينئذ في غير حاجة إلى التربية الخلقية ، وقوانين التربية الخلقية التي نُوجِعُ رَأسنا اليوم بالحديث عنها ، ويقيننا أنه لن يَسود هذا الرضا والقبول في مجتمعنا ما دام هنالك مُتمدنون مُثقفون يجيبون على معاكسة المثقفين لزوجاتهم في الشارع بالرصاص يُطلقونه عليهم( ) .
وبعد فهذه هي الأسس المنظمة السليمة لمعالجة هذه المأساة في حياتنا الاجتماعية ، وهذه هي الطريق المؤدية من غير شك إلى نتائج مُرضية للذين يَبحثون لهذه المشكلة عن حل ، أما إذا كُنَّا نأبى أن نُعالج هذا إلا بتلقف الحوادث والجرائم والترصد لها لنعاقب الواقعين فيها والمندفعين إليها ، فما أطرفها من معالجة يضحك منها المنطق السليم والبدهيات الواضحة .
أَنْ أَشد عصابة على عينيك ، وأضع في طريقك الشِّباك ، وأحفر في مواقع قدميك الحُفَر ، ثم أترصد لك ، حتى إذا تَلَقَّفتْك الشِّباك أو هَويت في الحفرة هرعت نحوك مُؤَدباً ومُعَاقباً ومُرَبياً ! وأن تَكون في أشد حالات الظمأ يلتاع كبدك شوقاً إلى جرعة ماء ، فأعرض أمام عينيك الملتهبتين قدحاً بَديعاً رقراقاً يشف عن ماء بارد زلال ، رُؤيته وحدها تثير العطش ، وأُدنِيه منك وأُديره حَول بَصرك ، وأُغريك بالانقضاض عليه ، ولكني أجعله مع كل ذلك فوق فمك ودون غايتك ، لأنه ماء لا تملكه أنت ولا جدك ولا أبوك ، فليس لك أي حق في الارتواء منه ! فقل لي أيها العاقل وحدثني ، ماذا يَصنع هذا المسكين المحترق عطشاً ؟ أليس بَدهياً من البدهيات أن يفقد أعصابه وينقض على ذلك الذي يذود عن هذا الماء ليرتوي من دمه قبل أن يرتوي من الماء الذي يشتاق إليه ، ثم ينقلب فَيَلعَن الشرائع التي تحرم ، والأخلاقَ التي تمنع وتتحكم ؟ مع أن الشرائع ما جاءت في يوم ما لتجتث طبيعةً أو تخنق رغبة ، وإنما جاءت لِتُقَوِّمضَ هذه الطبيعة في الأفراد ، وتحقق سبل الرغبة المنظمة للجميع .
مأساة الوعي الخلقي في مجتمعنا( )
صحيح أن مِن شأن الحكومات إقامة الروح التربوية الخلقية في مدارسها ، وحفظ مجتمعها من الأوبئة والأقذار التي تناقض عمل تلك المدارس ، ولكن ليس من شأنها وحدها أن تبث الوعي في نفوس الأفراد .
ولعل أول ما يسترعي القارئ في صدر هذا البحث هو التساؤل عن حقيقة الفرق بين “السلوك الخلقي” و “الوعي الخلقي” .
والواقع أن هناك فرقاً كبيراً بينهما ، وأن أبسط مَظهر لهذا الفرق هو أنهما ليسا بمتلازمين ، فكثيراً ما يُرى فردٌ مِن الناس على حالة من السلوك الخلقي الحسن ، ولكنه يكون في الوقت نفسه فقيراً إلى وعي خلقي كامل ، يَجعله يَعي كيف يُقرر لنفسه ذلك السلوك ، كما أن معايير الوعي الخلقي قد تتكامل في نفوس بعض الشباب وعقولهم ، غير أنهم لا يجدون لديهم الطاقة الكافية لصب سلوكهم وأعمالهم في تلك المعايير .
فالسلوك إذن هو الخطوات العملية في فجاج الحياة ، أما الوعي فهو ما ينطبع في النفوس والأذهان من اعتبارات لقضايا الخلق وحماس لتطبيق الحياة وفق تلك الاعتبارات .
وإذا كانت معالجة السلوك الخلقي – وُفْقَ ما حصرناه في ذينيك السبيلين – موكولة إلى الحكومات والمراجع ، فَمِنَ الظلم البَيِّن أن نحمل معالجة الوعي الخلقي أيضاً للحكومات والمراجع وحدها ، صحيح أن مِن شأن الحكومات إقامة الروح التربوية الخلقية في مدارسها ، وحفظ مجتمعها من الأوبئة والأقذار التي تناقض عمل تلك المدارس ، ولكن ليس من شأنها وحدها أن تَبث الوعي الخلقي في نفوس الأفراد ، بل لا تُجدي هذه المحاولة نفعاً إلا إذا كانت مِن عمل الأمة نفسها ، أما تَبعة الحكومات حيال ذلك فليست سوى أن تَنشط وتُعين وتُيَسِّرَ أمام ذلك السبيل .
ولكي ندرك سبيل بث الوعي الخلقي في الجيل ، يَجب أن نُدرك أولاً أن انحراف شاب في سلوكه الخلقي ليس ناتجاً عن كونه شريراً في طبعه أو خالي النفس من عناصر الخير والرشاد ، ولكن ذلك ينتج في معظم الأحيان عن ظروف مَوبوءة خاصة حَفَّت متتالية بذلك الشاب ، أيقظت فيه كوامن الشر التي هي كامنة لدى كل إنسان ، ولم تتهيأ له في مقابل ذلك ظروف أخرى تُوقظ فيه كوامن الخير ، فاستقلت به عوامل الشر وجَرَفَته في تيارها ، ومن هنا كان جُلُّ مَهمة “بث الوعي الخلقي” إيقاظ عوامل الخير في نفوس هؤلاء عن طريق إنعاشها بِتَهييء الظروف الملائمة التي كانت محرومة منها .
ونستطيع أن نُوجز مَهمة “بث الوعي الخلقي” في العمل على أن تُشْرَب نفسية الجيل حُبَّ المثل العليا ، وأن تَلين عقليتُه لإدراكها وتقديرها ، وذلك عن طريق نشر الثقافة الإسلامية وروحها التربوية السليمة ، وعن طريق معالجات نفسية عامة منظمة .
أما الوسيلة إلى ذلك فهي إنشاء فروع متنوعة منظمة متشابكة:
بعضها يستهدف نشر الثقافة الإسلامية العامة ، ومعالجة ما يَجدُّ بين الحين والآخر من مناقشات ومشكلات حول بعض قواعد الإسلام وأحكامه ، وذلك عن طريق حلقات دائمة من المحاضرات والندوات والنشاط الفكري العام في مختلف الأحياء والأماكن .
وبعضها يستهدف الإكثار من حلقات المواعظ والنصيحة والإرشاد في المساجد وغيرها من الأمكنة الشعبية العامة بأسلوب حديث يتماشى مع ما انطبع عليه الجيل الجديد من أصول المنطق والتفكير ، وهذا يُقصد منه تقويم حياة العائلات والأسر ، ومحاولة تسريب الروح الوعظية إلى داخل البيوتات .
وبعضها يَهدف على إنشاء روح تربوية إسلامية قائمة على قواعد من أصول علم النفس ، وذلك عن طريق نَوَادٍ عَامة تُفتح لهذا السبيل ، يَكون مِن شَأنها جَذب النشء إليها ، وإتاحة الظروف المناسبة المختلفة من النشاط الفكري والعملي لها ، وفق ما يُلائم كلاً في رغبته واتجاهه ، بُغية إيقاظ كوامن الخير في نفسه ، واستغلالها ليكون لها على صاحبها القوة والسلطان .
وبعضها يَعمل على تركيز القواعد والمبادئ الإسلامية الدقيقة في الأذهان بِواسطة ما هو معروف من العناية بالمؤسسات التعليمية لخصوص ذلك ، “وهذا للتوقي من الحملات الإباحية والإلحادية التي تسوق أمامها لسان الجدل والنقاش وترفع فوق رأسها راية العلم والمنطق” .
هذا ولا بد لكي تؤتي هذه الفروع ثمارها من أن تَسير في عملها مُتفاعلة مُتشابكة وحدة ومجموعاً لا مُتفرقة مُتدابرة شيعاً وأحزاباً ، إذ لا المحاضرات والنوادي وحدها تُنتج ، ولا المواعظ وحدها تُثمر ، ولا الدراسات العلمية الدقيقة وَحدها تصلح حرزاً ، ولكن مجموع المحاضرات والنوادي والمواعظ والدراسات هي التي تَصلح أن تكون مَصلاً مُطهراً ضد المفاسد والأرجاس .
والآن علينا أن نُجِيل النظر في هذه الأمة ونتساءل: أي فِئة منها تُرى يجب أن تَحمل أكبر مقدار من المسؤولية عن “بث الوعي الخلقي” في الجيل ؟
والواقع أنني – وإن كنت أنكر أن تكون بين المسلمين طائفة اسمها “رجال الدين” ، ذلك لأن كل مسلم في حد ذاته رجل دين ، وكلاً مِنَّا راع ومسؤول عن رعيته – غير أنني أجزم بأن الفئة الأولى التي تقع على كاهلها تبعة هذه المسؤولية هي فئة السادة العلماء ، لا لأنهم هم وحدهم الذين وُكِلَ إِليهم حِفظ المثل العليا في المجتمع ، ولكن لأنهم أقوى فئة شعبية تَملك الروح المسيطرة والقدرة على الإصلاح ، ففي أصواتهم يَتمثل دائماً دَوِيُّ الإسلام ، وفي مَظهرهم يَتمثل شَكل الخلافة الموروثة عن محمد بن عبد الله  ، ولا ريب أن فئة هذا شأنها لا يصلح غيرها لقيادة مثل هذه الحركة التربوية الكبرى .
والحقيقة أننا نستطيع – بحمد الله – أن نَفخر بوجود حركة إصلاحية ما في هذا السبيل من هؤلاء السادة: فهنالك الوعاظ والدعاة الدائبون إلى الحق ، وهنالك العلماء الذين لا يَفترون عن نشر الثقافة الدينية في المجتمع ، وهنالك في بعض الأحيان المحاضرات التوجيهية العامة .
ولكنا مع ذلك لا نستطيع أبداً أن نَزعم بأننا نلمس أي ثمرة لكل هذه الحركات ، فلماذا ؟ لماذا لا تتغلب جُهود هؤلاء الدعاة على شيء من هذا التيار الهاجم ، وهذه الشرور الكثيرة المتغلغلة ؟
إن إيضاح الجواب عن هذا لا يحتاج إلا إلى العودة إلى ما اشترطناه في الفروع التي تَعمل على “بث الوعي الخلقي” ، لقد قلنا: إنه يجب أن تكون فُروع هذه الدعوة مُنظمة مُتشابكة ، ومعنى ذلك أنه يَجب أن تَشيع رُوح الثقة بين القائمين على هذه الفروع ، وأن يَكون كل منهم مُوقناً بما يَقوم به الآخر ، وهذا وحده هو الشرط الذي يَفقده السادة العلماء ، وهذا وحده الأساس الكبير الأول الذي لم يستطيعوا – مع الأسف – إلى الآن إرساءه وتقريره ، فعلماؤنا لا تَربطهم فيما بينهم رابطة ، وجهودهم فردية مُتفرقة شتى ، لا تَجد رُوحاً جَمَاعياً تَكلؤها ، وسياسة الدعوة الإسلامية في نَظر أحدهم لا يُمكن أن تجدها تَلتقي مع سياسة الدعوة لدى الآخر ، ولقد كُنت أتمنى ألا أقول: إنما مرجع كل ذلك إلى الاعتداء بالذات ، إلى الشغف بالتسامي على الغير ، لقد كنت أتمنى لو عثرت على سبب آخر لهذا التفكك والتدابر ، ولكني – ويا للأسف – لم أعثر على غير ذلك( ) .
ولو أن هذا لم يكن ، ولو أن سبل الدعوة والإصلاح فيما بينهم تلاقت واتحدت ، ولو أنهم نظموا هذه السبل – كما ذكرنا – وتعاونوا جميعاً على تحقيق الوعي الإسلامي لآتى العمل ثماره وظهرت نتيجة الجهد ، ولانطلقت هذه النتيجة قوية جبارة تُبدد كل شر ، وتُصلح كل فاسد وتُقوم كل مُعْوَجٍ( ) .
ومن هنا نشأ فراغ كبير في هذا المجال – مجال “بث الوعي الخلقي” بين أفراد هذا الجيل – وكان أن نشأت من الفراغ هذه المأساة التي نتحدث عنها ، فالنشء حيثما نظر والتفت يُبصر غزواً أجنبياً مداهماً ، غزواً في الفكر والعقائد ، غزواً في الأخلاق والمقومات ، غزواً في المبادئ الإسلامية وتقاليدها ، فإذا بحث عن عاصم من تيار هذا الغزو لم يُبصر مِن كل مَا حوله إلا تاريخاً غَابراً يُناديه من وراء جدران القرون ، فأنَّى له أن يَرحل عن أضواء حياة القرن العشرين إلى تاريخ مَضى واندثر ولم يخلفه مَن يُجدد فيه الحياة ، ويجعل منه حلقات تمتد وتتوالد مع كل قرن وعصر ؟ فإذا كان واقع مجتمعنا كذلك ، وإذا كان مُعظم الظروف التي تُحيط بِالنَّشءِ تَخنق الوعي الخلقي فيه ، فمن أين للمأساة أن تنتهي ، وأنى للحكومات وحدها أن تعتصر من سبيلي التربية المدرسية ومراقبة المجتمع دَواء كَافياً لمحنة السلوك الخلقي ، بل وأنى للمجتمع نفسه أن يخضع لمراقبتها وحكمها ؟
السبيل إلى خلق وحدة وطنية في الأمة( )
ما السبيل إلى خلق وحدة وطنية في الأمة ضِدَّ مَا يَحوم حَولها من كيد المستعمرين وتدابيرهم ؟ السبيل هو التربية الإسلامية التي طالما ظلت فرنسا تحاربها في تَخوُّفٍ شديد ، إذ لا ريب أن التربية الإسلامية هي أشد ما يَحمل الأُمة على الوحدة والتضامن ، حتى عِندما تَشيع فيما بينها مختلف المذاهب والآراء ، كما أن فُقدان التربية الإسلامية هو أشد ما يُعَرِّضُ الأمة للتفريق والتدابر حتى عندما لا يُوجد فيما بينها أي سبب من أسباب التفرق والشقاق .
ولعمري كم هناك من أسباب لمظاهر الخلاف ما بين فئات هذه الأمة هي في حَقيقتها ليست إلا سوء تفاهم مُصطنع ، أو رواسب لمحاولات الاستعمار وعبثه يوم أن كان يعثو فساداً في هذه البلاد ، وما أسرع ما تذهب مع الريح كل هذه الأسباب والرواسب عندما يقوى الوعي الإسلامي على حقيقته فيما بين مختلف فئات الأمة .
ولست أعني بهذا القول أن التربية الإسلامية من شأنها أن تُرغم أصحاب بعض المذاهب على التخلي عن مذاهبهم وما تمليه عليهم تلك المذاهب من اعتقادات ، ولكن التربية الإسلامية من شأنها – إذا وُفِّيَتْ حَقَّها في المدرسة كَمَّاً وكَيفَاً – أن تُقَلِّل الخلافات الفكرية والمذهبية في صفوف المسلمين قدر الإمكان ، إذ سرعان ما يتجلى لكل ذي وعي إسلامي أن أكثر هذه الفروق والآراء المذهبية إنما افترضت فرضاً – مع طول الزمن – إلى عقائد ذات سلطان على النفس ، ثم جاء الاستعمار فوجد في دعم هذه الفوارق الاعتقادية وسيلة رائعة إلى تفتيت كيان الشعب الواحد وسهولة السيطرة عليه ، فراح يدعمها بكل سبيل ، وأخذ يقلب الخلاف إلى عداوة ، والعداوة إلى فتنة هوجاء .
على أن التربية الإسلامية لو لم تنجح – على الفرض والتقدير – في توحيد الصفوف عن طريق نبذ الخلافات ، فإنها تقضي على أقل تقدير بوجوب الالتفاف والتضامن حول المبادئ والمعتقدات الإسلامية المتفق عليها ، مما يتضمنه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله  ، خصوصاً حينما يُدرك الجميع أن اصطناع الخلاف في الأمور الفَرعية شَيء لا يَستفيد منه إلا المستعمر والشيطان ، وإن الوازع الإسلامي في هذا الصدد ليتجلَّى واضحاً في الكلمة المأثورة عن بعض رجال الدعوة الإسلامية: “إن علينا أن نتعاون فيما اتفقنا عليه ، وأن يَعذر بعضنا الآخر فيما اختلفنا فيه” .
هذا عن أثر التربية الإسلامية في قمع غلواء الخلافات الناشبة ما بين فرق المسلمين وطوائفهم .
أما عن أثرها في تكييف علاقة المسلمين مع مواطنيهم الآخرين من غير المسلمين ، فالواقع أن الشقاق الطائفي ما قام في فترة ما من الزمن إلا عندما يَفقد المسلمون الوعي الإسلامي الصحيح والتربية الإسلامية الصحيحة ، وإن “حادثة الستين” التي نَشبت – قبل اليوم – فيما بين المسلمين والنصارى لتعكس صورة واضحة لسذاجة وسوء وعي أولئك الجهّال المسلمين الذين كانوا يأتون من الأعمال الشنيعة ما لم يأمر به أي دين .
ولا شك أن من الطبيعي جداً أن تجد المسلم الذي لم يفهم الإسلام إلا بعاطفة فجة غير ناضجة بروح العقل والعلم ، من الطبيعي أن تجده – وقد جعل من عاطفته تلك الحجارة الكبيرة – يضرب بها وجوه الآخرين كيفما وُجِدوا وعلى أي حال كانوا ، ذلك أنه لم يفهم في يوم ما علاقة الإسلام بالأديان الأخرى ، ولم يُعلِّمه أحدٌ كيف أن هذه العلاقة في علاقة أمانة وذمة وتعايش ووفاء ، وهو اليوم – وقد بلغ عقله وعمره من الشيخوخة عتياً – غير مستعد أن يفهم من هذا كله شيئاً لو حاولت أن تفهمه إياه ، إذ إن بين جنبيه عاطفة مشبوهة عمياء تُخضِع كل شيء لأمرها لا تخضع هي لأي شيء .
وبالمقابل ، فإنك لتجد المسلم – الذي فهم الإسلام بالعقل والعلم أولاً ، ثم جند العاطفة لذلك الفهم ثانياً – على خير ما يمكن أن تجد مواطناً مع أخيه المواطن ، إذ لا ريب أن هذا المسلم قد تلقّى دروساً طويلة – حينما كان طالباً في المدرسة التي نشأته على التربية الإسلامية – عن سماحة الإسلام حيال أهل الشرائع السماوية الأخرى ، وقرأ بتفهم وإمعان مثل هذه الآية: لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين [الممتحنة: 8] ، وهذه الآية: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون [العنكبوت: 46] . ولا ريب أنه علم كيف كان الرسول  يحض على التسامح ويحببه إلى المسلمين بقوله وفعله ، فيقول: (ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ ، فأنا حجيجه يوم القيامة)( ) ، ويأمر عليه الصلاة والسلام بأن لا يُجبر أحد من النصارى أو اليهود على ترك دينه ، فيكتب إلى عامل له في اليمن: (إِنَّه من كان على يهوديةٍ أو نصرانيةٍ فإنَّه لا يُفْتَنُ عنها)( ) .
ولا ريب أنه اطلع على شهادة كثير من النصارى واليهود أنفسهم بتسامح الإسلام ورفقه ولينه ، واطلع فيما اطلع على ما قاله البطريرك “عيشويايه” التي تولى منصبه عام 647 – 657 هـ: “إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا بعدالة كما تعرفون ، إنهم ليسوا أعداء للنصرانية ، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قديسنا ، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديارنا” .
ولا شك أنه اطلع أيضاً على ما قاله “توماس آرنولد”: “لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة ، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة ، ونستطيع بحق أن نحكم أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما اعتنقه عن اختيار وإرادة حرة ، وإن العرب المسيحين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح” .
فإذا كان هذا المسلم قد عَلِمَ هذا كله أيام دراسته وتكوين فكرته عن الكون والحياة ، وتربى على هذا المبدأ ونشأ على هذا الوعي ، فماذا تتوقع أن تكون علاقته بزملائه ومواطنيه الآخرين ؟
إنها ولا ريب علاقة الوفاء والإخلاص والتضامن ، وهي العلاقة التي أرادها الإسلام نفسه ، ووصى بها الرسول  ، وحققها الواقع والتاريخ ، ولعمري ليس أطرف ولا أعجب في هذا الباب من قول من قال: إن التربية الإسلامية في المدرسة خطر على الوحدة الوطنية ونذير بين يدي شقاق طائفي !.
والحقيقة – كما رأينا – هي أن الشقاق الطائفي لا يظهر إلا عندما يكون إسلام المسلمين عاطفة هوجاء غير مهذبة بنور العرفان والعلم ، كما هو حال المتدينين من العامة والجهال ، وأنه ليصدق على هذا واقع التاريخ ومنطق العقل السليم .
والحقيقة أيضاً أن الوحدة الوطنية لا يَحزمها شيء كالوازع الديني الصحيح ، ذلك أن الدين من أساسه إنما يهدف إلى إيجاد مقومات الوحدة والتضامن ضد أي عدو دخيل ، وهو – في الوقت نفسه – يَهدف أيضاً إلى قطع دابر كل ما من شأنه أن يَشق عصا الأمة ويهدد وحدتها وتضامنها .
فيا للعجب ! كيف يُصبح الدِّين الذي جاء لتوحيد الأمة وضفر جهودها وجمع قواها سبباً للتفريق ومُهدداً للوحدة الوطنية ونَذيراً بيت يدي الشقاق والتدابر ؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>