4- المنهج النبوي في الدعوة وموقع الأحزاب الدينية منه = الجزء الثاني

من فقه الأزمة (5)

موقع الأحزاب الدينية
من المنهج النبوي

المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
فينبغي على الداعية أن يخاطب العقول والعواطف معاً، وينتقل من النظري إلى التطبيق، ويبين تاريخ الإسلام، من هو محمد عليه الصلاة والسلام؟ كيف كانت مواقف رسول الله  فيما يتعلق بمحبته بأمته؟ كيف كان يحارب موضوع التكفير؟
روى الشيخان من حديث أبي ذر  أن رسول الله  قال: (أتاني جبريل  فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) .
أنا بحاجة لمخاطبة هؤلاء الناس لأجعلهم يُطلّون على التاريخ الإسلامي ما هو! وعلى شخصيّة سيّدنا محمد ، وكيف تجذب الإنسان إلى محبته .
فاجعلوا ميزان علاقتكم مع عباد الله من منطلق محبتكم لله، مرتبط بميزان محبتكم لله، هذا هو العلاج، لكن إذا ذُهلنا عن علاقتنا مع الله، عن محبتنا لله عزّ وجل، فالذي سيطفح في قلوبنا هو محبتنا لأنفسنا .. عصبيتنا .. أهواءنا .. أموالنا .. رغائبنا .. كراسينا .. هذه هي التي تسدُّ مَسدّ محبتنا لله عزّ وجل، وعندئذ هذه المشاعر هي التي ستقودنا، وعند ذاك سنحكم على الناس من منطلق أمزجتنا وأهوائنا وعصبياتنا.
متنوا محبّتكم لله عزّ وجل، وانظروا كيف تنظر إلى عباده، محبّة الله تثير في نفسك فروعاً من محبّتك لعباد الله، من أحب الله أحبّ عباده. قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء: 70] فمنطلق دعوة الفاجر أو الجاهل هو من منطلق الشفقة عليه.
ينطلق الداعي إلى الله عز وجل إلى دعوته من الشعور بالشفقة على الجاهل، من الشعور بالشفقة على التائه، على الفاسق، على الفاجر، والغيرة عليه والحب له. فينبغي أن لا يكون الداعي كما نرى في كثير من الأحيان يجعل من الدعوة أداة لشفاء غليله.
أما الحب في الله والبغض في الله، فقد قال العلماء: تُبغض في العاصي معصيته، ولا تُبغض شخصه. لاحظ قول سيدنا لوط  لقومه ماذا قال: قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِين [الشعراء: 168] ولم يقل إني لكم من القالين. فالبغض في الله وارد، لكن شتان بين أن أُبغض شخص العاصي -هذا غير وارد- وبين أن أبغض معصيته مع الشفقة عليه. الدين نصيحة وهيهات أن يكون الإنسان ناصحاً إذا كان مبغضاً لمن ينصح. حتّى النهي عن المنكر الذي يزجّ صاحبه بالكفر يكون بالحكمة والرفق، إذ ليست الغاية التشفي وإنّما الهداية.
وحتى الملحد روحه إيمانية تنبض بحقائق الإيمان، لكن قد تكون الفطرة نائمة راقدة، أنا أريد إيقاظها لا خنقها.
حوار حول الطريقة المثلى
لفهم شخصية محمد عليه الصلاة والسلام
قارئي الكريم أياً كنت, وإلى أي مذهب انتميت: دعني أحاورك من خلال كلمات موجزة, مجتمعاً معك على صعيد واحد, هو ذاك الذي يسمونه: حرية الفكر، أي حرية الفكر عن التقيد بأي أسبقية تستعبده لهدف مرسوم, وعن الخضوع لأي رغبة تستذله لاتباع النفس ووحي الأمزجة والرغبات.
وحواري معك لن يتجاوز بضع نقاط, لا بل لن تزيد على ثلاث نقاط, نستعرضها معاً طبق تسلسل منهجي سليم:
النقطة الأولى: كيف نتحدث عن محمد , وكيف نتعامل في فهم سيرته وحياته عندما نريد أن نتجه بأفكارنا في مناسبة ما, إلى شيء من ذلك؟ هل نفتش عن مزاياه العقلية والعلمية, أم نحلل أخلاقه الشخصية, أم نركز على النظر في أعماله الإصلاحية, أم نلتفت إلى قيادته العسكرية, أم ندع كل هذا ونتبع مظاهر عبقريته النادرة وفراسته الصائبة؟
والمعروف لنا جميعاً أن كثيراً من الكتاب والباحثين تفرقوا في جوانب شتى من هذه الاختيارات, حتى تجمعت في دراستهم المتنوعة ما يمكن أن يفي بهذه المزايا كلها, وما من ريب أن الجمهرة الكبرى من هؤلاء الكاتبين -على اختلاف نحلهم ومشاربهم- قد انتهوا إلى اتفاق علو كعبه  في هذه الجوانب الإنسانية كلها.
ولكن هل تتفق هذه الاختيارات متفرقة أو مجتمعة متضافرة مع المنطق العقلي السديد، فيما يرسمه من منهج للطريقة العلمية المثلى في دراسة حياة محمد ؟
بوسعك أن تعلم أن هذه الاختيارات كلها ليست إلا اهتمامات عقيمة عابثة, إن تساءلنا في تأمل فكري صافٍ عن الشوائب، عن الهوية التي قدم هذا الرجل نفسه إلى الناس كلهم على أساسها.
من الثابت يقيناً أنه لم يعرف الناس على ذاته إلا من خلال هوية واحدة, قدم نفسه إلى العالم كله على أساسها, ألا وهي أنه رسول إلى الناس كلهم من قبل الله عز وجل, وأنه يحمل إليهم منه أنباء في غاية الأهمية، عن الإنسان وحقيقته وعلاقته بالكون والحياة, كما يحمل إليهم جملة أوامر وتحذيرات تتعلق بالفكر والسلوك، سيتحملون مسؤولية تضييعها أو الاستهانة بها.
يتبين لنا ذلك من خلال مواقف كثيرة في حياته ، نذكر منها هذين الموقفين:
أولهما: يوم اتجه إلى الصفا -رابية صخرية على مقربة من الكعبة- ملبياً قول الله له: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] وأخذ ينادي القبائل واحدة واحدة. روى ابن عباس  قال: لما نزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد رسول الله  الصفا، فهتف: “يا صباحاه”، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: (يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب) فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟) قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) .
ثانيهما: يوم أرسلت إليه قريش تفاوضه أن يتخلى عن دعوتهم إلى الدين الذي قال إنه بعث به, لقاء تنصيبهم له زعيماً عليهم، لا يقطعون دونه برأي ولا بأمر، وأن يعطوه من المال ما يجعله أغنى الناس فيهم, فكان آخر ما قال: (ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا منِّي ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أَصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم) .
إذن فمحمد  إنما قدم نفسه إلى العالم على أنه رسول من الله، يحمل إلى الناس أنباء تخصُّهم وتتعلَّق بمصيرهم، وما هم مقبلون عليه مما هو مخبوء خلف سجاف الغيب، ولم يُقدم نفسه لأحد من الناس أو لأي فئة منهم، على أنه زعيم أو مصلح سياسي أو اجتماعي, أو ذو مَهارة عسكرية متميزة, أو فكر قانوني فذّ.
إذن, أليس الإعراض عن هذه الهوية التي عرَّف محمد  نفسه للعالم من خلالها, مع الاشتغال والتسلي بهذه الجوانب في شخصيته وتلمُّسها والإطالة في تحليلها, عملاً سخيفاً عابثاً يشمئز منه المنطق العقلي, وينم على حمق في الفكر وبلادَةٍ في الطبع؟.
وهل من فرق بين هذا الشاغل العابث بشخصية رسول الله  وتحليلها، وعبث رجال يمتطون سياراتهم متجهين نحو بلدة يَقصدونها, ولما توسطوا الصحراء ضاعت عليهم معالم الطريق, ووقفوا في مكانهم حائرين, وبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رجل من أهل البادية, وقد عرف مصيبتهم التي يَشكون منها, فأنبأهم بأنه ابن هذه الصحراء وأنه خبير بطرقها ومسالكها, ثم دلهم على الطريق الذي يُوصلهم إلى البلد الذي يقصدون, وحذرهم من التوجه إلى المسارب والسبل الأخرى, ونبههم إلى ما قد يَكمن فيها من المهالك والأخطار، غير أن القوم كانوا في شغل شاغل عن حديث الرجل ونصيحته لهم وتعريفهم بنفسه, بما انصرفوا إليه من التأمل في شكله ومظهره ومنطقه البليغ، وقوة عارضته ومركزه الاجتماعي الذي يتجلى من خلال هيئته ولباسه, ناسين أو متناسين المشكلة التي هم بصددها.
أقول: هل من فرق بين عَبَثِ -بل سُخْف- كل من الموقفين والصورتين؟.
طُلِبَ إلي قبل سنوات أن أكتب فصولاً في السيرة بأسلوب مُبسط يُمكن أن يُفيد منه الصغار، فكتبت بضع صفحات، وأطلعت الطالبين عليها ليروا رأيهم في المنهج والأسلوب, فقيل لي: إن الحديث عن نبوة محمد  وما يتعلق بها، مثار نظر ونقاش، ومثار خلاف طائفي, أما عظمته ومزاياه الإنسانية، فمحل اتفاق وإجماع، لذا فإنا نرى غض النظر عن مسألة نبوته, وتحليل حياته من الجوانب الإنسانية الأخرى!.
قلت: إنني لم أصل بعد من الحمق والسذاجة إلى أن أعرض عن الهوية التي قدم نفسه محمد  إلى العالم من خلالها، ثم أتشاغل وأتسلى بدلاً عنها بالحديث فيما لا طائل فيه ولا فائدة لي منه.
النقطة الثانية: إذا كان هذا الذي قُلناه واضحاً متفقاً مع المنطق ومقتضيات الموضوعية والعلم, فإن دراسة السيرة النبوية يجب أن تكون طبق منهج متفق مع هذا الحق الذي أوضحناه, أي إن مركز الثقل من اهتمامنا بحياة محمد  وسيرته, يجب أن يتمثل في تلك الهوية التي عرف نفسه إلى العالم على أساسها, وأن يدور حول المسؤوليات التي قال إنه جاء يحمل أمانة تبليغها إلى الناس ووضعها في أعناقهم.
وليس معنى هذا الواجب أن نغمض أبصارنا وبصائرنا ونؤمن بما قاله هذا الرجل عن نفسه إيماناً عشوائياً، ونفرض الصدق في كلامه دون بحث أو استدلال, ثم نرهق كواهلنا بتلك المسؤوليات دون أي تأمل ولا تحميص.
وإنما معناه أن علينا -وقد أنبأنا عن الرسالة التي قال إنه يحملها إلى الناس من قبل الله عز وجل- أن نضع كلامه هذا تحت مجهر الدراسة والنظر، اعتماداً على بصيرة عقلية متحررة عن أي عصبية نفسية، أو أي أسبقية مذهبية, فإن كانت نتيجة هذه الدراسة هي الوصول إلى التأكد من صدقه فيما أخبر به من الرسالة التي حُمِّلها والمسؤوليات التي كُلِّف بإبلاغها, فلا مناص من الإيمان بتلك الرسالة, كما أنه لا مفر من الخضوع لما يقتضيه هذا الإيمان, وليس له من مقتضى سوى تحمل المسؤوليات التي وضعت في أعناقنا, والنهوض بها جهد الاستطاعة والوسع.
أما إن كانت نتيجة هذه الدراسة هي التأكد من كذبه فيما ادعاه, أو حتى الارتياب والشك في ذلك، فمن الخير عندئذ إهمال شأنه وإراحة النفس من القلق الذي قد يساورنا من أحاديثه وتنبؤاته, ولا قيمة في هذه الحال لكل ما تلمحه في شخصه من مظاهر العظمة والنبوغ والمزايا الإنسانية النادرة, فإن من شأن ذلك كله أن يذوب وينمحي في ضرام مثل هذا التدجيل الذي تلبَّس به.
وأقول هنا بحق وصدق: ما من باحث متدبر وضع الهوية التي قدم محمد  نفسه إلى العالم على أساسها تحت مجهر البحث والنظر بموضوعية وفكر صاف متحرر, إلا وعلم علماً جازماً أنه صادق فيما عرّف نفسه به, وأنه -دون ريب- نبي مرسل من رب العالمين إلى الناس جميعاً ليخبرهم بما ينبغي أن يعلموه، وليأمرهم بما يجب أن يفعلوه، وليحذرهم عما يجب أن يجتنبوه.
فأنت إن وقفت تدرس ظاهرة الوحي في حياته, وصلت إلى هذا اليقين.
وإن أقبلت تتأمل في إعراضه القوي والفعلي طوال حياته عن الدنيا ومظاهرها، وعن الزعامة وأسبابها، وصلت إلى هذا اليقين ذاته.
وإن تأملت في سمو أخلاقه ودوام صدقه, وما عرف به من أمانة ورقة في مشاعره الإنسانية, زادك ذلك كله دعماً لليقين نفسه.
وإن ذهبت تقارن بين كلامه الذي يصدره من أعماق نفسه ويصوغه بأسلوبه وبيانه, وبين القرآن متمثلاً في أسلوبه الفريد الذي يتميز به عن الكلام العربي كله, ومضمونه الذي يَقف من بعض مَا يَقضي به رسول الله  أو يَرتئيه ويجتهد فيه موقف المخطئ والمصحح بل ربما العاتب, رأيت نفسك وعقلك أمام هذا اليقين ذاته.
وإن فكرت في عموم التاريخ الإنساني وسلسلة النبوات والرسالات التي امتدت في أعماقه, وفي علاقة أولئك الرسل والأنبياء بعضهم ببعض, رأيت نفسك مرة أخرى أمام هذا اليقين ذاته.
والآن, لا بد أن يسير بنا المنهج العلمي في البحث إلى النقطة الثالثة والأخيرة، وهي إنما تتمثل في النتيجة العلمية التي ينبغي أن تأتي ثمرة طبيعة لدراية تامة لكل من تلك النقطتين, بعقلانية متحررة ومنهج موضوعي سليم.
إذا عرفنا محمداً  عرَّف نفسه إلى العالم من خلال قوله وتأكيده المتكرر بأنه رسول الله إلى الناس كلهم, وأنه قد ندبهم إلى التأمل في دعواه هذه بفكر متيقظ حر, وإذا استجبنا لذلك فتأملنا في سيرته ونهج حياته, فعلمنا -بيقين لا يلحقه ريب- أنه صادق فيما أخبر عن نفسه، وفي الرسالة التي قال إنه يحملها من الله إلى الناس، إذن فما هو الشيء الذي يفرض علينا المنطق العقلي الصافي المبادرة إلى فعله وتنفيذه؟.
لا يشك أي من العقلاء الذين يحاكمون القضايا بالمنطق والفهم الموضوعي, في أن الشيء الذي يوجهنا العقل إلى فعله دون إمهال, هو الإعلان عن الإيمان بهذه الهوية التي عرّف رسول الله  نفسه من خلالها، ثم المبادرة إلى تحمل المسؤولية التي كلفنا الله بها عن طريق هذه الرسالة التي تحملناها عن طريقه.
وبنود هذه المسؤولية واضحة وصريحة في الكتاب الذي أنزله الله وحياً إلى هذا الرسول الذي آمنا به وأيقنا بصدقه. فهذا الكتاب يتضمن تعريفاً للإنسان بذاته ونشأته وعلاقته بالمكونات التي من حوله، وقصة الرحلة التي يجتازها في هذه الدنيا, وأنباء ما هو مقبل عليه من أحداث ما بعد الموت والنشأة الثانية, والجزاء الذي هو على موعد معه ولا مناص له من تجاوزه أو الحيدة عنه. وهذا الكتاب يتضمن أيضاً بياناً لقائمة المهمات والواجبات الفردية والاجتماعية التي كلف الإنسان بالنهوض بها، وبياناً بقائمة المنهيات التي كلف بتجنبها والابتعاد عنها, كما يتضمن تأكيدات متكررة بأن تلك الواجبات لم تفرض عليه إلا تحقيقاً لمصلحته، وإن غاب عن الإنسان وجه المصلحة فيها، وأن المنهيات لم تُحرَّم عليه إلا وقاية له من سوئها، وإن غاب عنه وجه السوء الذي فيها, أليس هو القائل: وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئَاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئَاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمُون [البقرة: 216].
كما يتضمن هذا الكتاب تأكيدات متكررة بأن الإنسان إنما يتحرك تحت سلطان الله, وفي دائرة ملكه, فلا مفرَّ له من قبضته، ولا نجاة له من حكمه, وقد كتب الله على نفسه الرحمة لكل من أذعن لحقائق عبوديته له، ثم سعى جاهداً إلى وضع هذه العبودية لله موضع التنفيذ, وألزم نفسه بتحقيق الحياة الطيبة له في كل من الدنيا والآخرة، فقال: مَن عَمِلَ صَالِحَاً مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ مَا كَانُوا يَعمَلُون [النحل: 97].
ولكنه جل جلاله التزم أيضاً بأن يزج كل من أعرض مستكبراً عن حقائق عبوديته له عز وجل, في غياهب الشقاء وضَنَك الحياة، في كل من الدنيا والآخرة معاً, فقال: وَمَن أَعرَضَ عَنْ ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَاً وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيَامَةِ أَعمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَنِي أَعمَى وَقَد كُنتُ بَصِيرَاً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَومَ نُنسَى [طه: 124- 126].
أفليس عجباً يا قارئي العزيز, أن يمر أحدنا بالنقطة الأولى التي أوضحناها, ثم يتجاوزها إلى التي تليها، فلا يرتاب عقله في أن محمداً  نبيه المرسل من قبل ربه إلى الناس جميعاً كما قال, لم يكذب على الناس, ولا افتأت على الله، حتى إذا دفعه منطق المعرفة طبق التسلسل المنهجي إلى السلوك والتنفيذ, تقاعس وتراجع ونكص على عقبيه, وأقام بينه وبين رسالة الله إليه، بعد أن وعاها واستيقنها مختلف الحواجز والسدود, ثم أعرض عنها مُلتفتاً عنها إلى اليسار مرة واليمين مرة أخرى؟.
أما إن كنت ممن يقول: ولكني لم أشغل ذهني -لحسن الحظ- لا بالنقطة الأولى ولا الثانية من حياة هذا الرجل، وإنما اكتفيت من معرفته بما يمليه زادي الثقافي العام الذي جعلني أدرك أنه كان عظيماً من الناس, وكان واحداً من المصلحين لحياة أقوامهم، وإذن فأنا لا أقع تحت طائلة ما قد يتهددني من جراء عدم الالتزام بمقتضى رسالته, ومن جراء عدم تحمل شيء من المسؤوليات التي تضمنها وانطوت عليها.
أقول: أما إن كنت واحداً ممن يقول هذا الكلام, فإنما أنت كالذي فرَّ من رشاش المطر إلى أمواج الطوفان, أو كالذي عالج الحمى بالطاعون.
إن بوسعك أن تتخيل أن هذا الاعتذار باب نجاة لك من تحمل المسؤوليات والالتزامات, ولكنك سرعان ما تعلم بأنه ليس إلا كالباب الذي تخيلته النعام مصدر نجاة لها, إذ دست رأسها إلى أقصى ما استطاعت من ظلمات الرمال!.
ليست المعذرة الحقيقية ألَّا تشغل بالك بالنبأ الذي أقبل به محمد  إلى الناس, إنما المعذرة الحقيقية أن تقبل بذهنك إليه وإلى حديثه, فتدرك بيقينك العقلي الحرّ أنه كاذب فيما يقول، فتنصرف معرضاً عنه, وقد فتحت لنفسك بيقينك هذا أوسع آفاق المعذرة والنجاة.
ولكن إعراضك عن حديثه, خوفاً من أن يكون صادقاً فيحرجك صدقه وتقع تحت مسؤولية ما يحمله إليك من أنباء وأحكام، يحمّلك غداً بين يدي الإله الذي أرسله إليك جريرتين عظيمتين:
إحداهما: الإعراض عن نبيه الذي أرسله إلينا.
والثانية: الفرار دون عذر من المسؤوليات التي حملك إياها وكلفك بتنفيذها.
ثم اعلم يا أخي القارئ، أن أعقل الناس من تصرف في حاضره الذي يمر به على ضوء الغد الذي هو مقبل عليه. وأن أحمق الناس من تناسى غده الذي هو مقبل عليه في سبيل تلوين حاضره الذي يمر به باللون الذي يحبه ويشتهيه. سَمِّ ما شئت نوراً وتعامل معه على أساس ذلك, وسمِّ ما شئت ظلاماً وتعامل معه على أساس ذلك, ولكن فلتكن على يقين بأن المسميات لن تكون في الغد القريب مقرونة بالأسماء التي تشتهيها اليوم لها, ولكنها ستكون مقرونة بأسمائها الحقيقية الثابتة.
ملامح تربوية في السيرة النبوية
لما كانت التربية عمليّة وجدانيّة متواصلة، يُبتغَى منها إخضاع الرغائب الشهوانيّة لقرارات العقل وأحكامه. ومهما اختلفت المظاهر العمليّة لها أو تطوّرت في حياة الأمم والمجتمعات، فإنّ الغاية منها تظلّ واحدة لا تختلف، ألا وهي: إخضاع السلوك الإنسانّي لما يقضي به المنطق والعقل.
والمنطلق الأوّل الذي لا بدّ منه إليها، هو الوقوف على قرار العقل وحكمه في فهم حقيقة الكون والإنسان والحياة. وإنّما يتمّ ذلك باتّباع منهج المعرفة وقواعد المحاكمة العقليّة في معرفة الأشياء.
إنّ العمليّات التربويّة على اختلافها وتنوّعها، لا موضوع لها قبل أن يدلي العقل بقراره عن حقيقة الإنسان والكون والحياة، إذ لا يوجد ذاك الذي ينبغي إخضاع الرغائب الوجدانيّة والشهوانيّة، من أجله وفي سبيله.
وقد انتهى بنا المنهج العلمي للمعرفة، إلى أنّ الإنسان عبد مملوك لله ميّزه عن سائر المخلوقات بالتكريم وقابليّة المعرفة والعلم، وإلى أنّ الكون الذي يراه من حوله مخلوقات مسخّرة لمصالحه مسيّرة لتحقيق احتياجاته، وإلى أنّ هذه الحياة التي يعيشها الإنسان فرصة أمكنه الله منها لأداء الوظيفة التي شرّفه الله بها وكلّفه بالنهوض بأعبائها، وهي قيامه بعمارة الأرض عمراناً ماديّاً وحضاريّاً تبرز فيه معاني عدالة الله تعالى ومظاهر حكمته، ودلائل رحمته.
فهذا هو قرار العقل وحكمه في فهمه لحقيقة الكون والإنسان والحياة. ومن ثمّ فهو الموضوع الذي ينبغي أن تسعى العمليّات التربويـّـة لإخضاع مشاعر الوجدان ورغائب الأهواء للتعامل معه والانقياد له.
ولكن كيف السبيل إلى تحقيق المنطلق، وهو معرفة الإنسان والكون والحياة، ثمّ إلى العملية التربويّة، وهي العمل على إخضاع العواطف ورغائب الشهوات والأهواء لقرارات العقل وحكمه.
لقد كانت بعثة رسول الله  تحقيقاً وتجسيداً للسبيل إلى كلّ منهما. لقد كان القرآن الذي تنزّل عليه وحياً بألفاظه ومعانيه، هو المصدر الأوّل للمعرفة وهو المبصِّر بمنهجها المنطقيّ والعلميّ. وكان كلٌّ من سيرته وخُلُقه السبيل التربويّ إلى تحقيق الغاية التربويّة المتّفق عليها في العالم كلّه، وهي إخضاع العواطف والرغائب الشهوانيّة لقرارات العقل وحكمه.
ولقد جاء القرآن بوضع الأسس الكليّة للتربية إلى جانب التبصير بالمنهج العلميّ للمعرفة، وهي ما يعبّر عنه بالتزكية، أي تطهير النفوس من الرعونات، وتحريرها من أسر الأهواء المحرّمة، وما يعبّر عنه بالرغبة والرهبة والحبّ. ثمّ جعل من المزايا والأخلاق الإنسانيّة المثلى التي ميّز بها نبيّه محمّداً  تفصيلاً لمعنى التزكية وتبصيراً بالسبيل إليها، وعاملاً يدعو كلّ من تبيّن فيه هذه الأخلاق والمزايا الإنسانيّة -مشاهدةً أو سماعاً- إلى حبّه والتعلّق به والاقتداء بسلوكه.
فكانت بعثة محمّد  نعمةً من الله تعالى أهدت إلينا قواعد المعرفة والعلم، وسبل التربية التي تحرر الإنسان من غوائل النفس، وصدق الله القائل تثبيتاً لهذه الحقيقة: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم [القلم: 4]، والقائل: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك [آل عمران: 159]، ومن ثمّ جعله الله بسبب هذه المزيّة قدوةً للناس، وجعل منها حاملاً على محبّتهم له وتأسّيهم به، فقال عزّ وجلّ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً [الأحزاب: 21].
وإنّها لصورةٌ رائعةٌ من رحمة الله بعباده أن يجعل من المزايا الإنسانيّة الرفيعة في حياة رسول الله  التي يتعشقها كلّ إنسان سويّ في طبعه وإنسانيّته، أقصر طريق وأقوى جاذب إلى اتّباعه والاقتداء به.
ولسنا هنا بصدد الحديث مفصّلاً عن شمائله  التي أفرد في الحديث عنها كثير من العلماء والمحدّثين مؤلفات خاصّة ببيانها، وتصوير شخص رسول الله  وحياته من خلالها، ولكنّا نستعرض بعض الصور التي تُبْرِز لنا السموّ الأخلاقيّ في شخص رسول الله ، وتبرز لنا أثر ذلك في حبّه والتعلّق به، وتحرير النفوس من رعوناتها، وإخضاعها لقرارات العقل وأحكامه.
-روى ابن حبان في صحيحه قصّة الأعرابيّ المشرك الذي اخترط سيف رسول الله  وهو نائم، في ساعة كان هو وأصحابه يستريحون فيها أثناء عودتهم من غزوة ذات الرقاع، فأيقظه الأعرابي والسيف مصلَت بيده عليه، قائلاً: من يمنعك منّي؟ فقال له: الله، فسرى الرعب في أوصال الأعرابيّ وسقط السيف من يده، ولكنّ رسول الله  أجلسه ولم يعاقبه، وأنبأ بذلك أصحابه الذين كانوا نياماً من حوله. فأسلم الأعرابيّ وانطلق إلى قومه يقول لهم: جئتكم من عند خير الناس .
إنّ من الواضح أنّ القناعة الفكريّة ليست هي التي لعبت دوراً في هداية الأعرابيّ، ولكن الذي لعب الدور في ذلك إنّما هو خُلُق رسول الله ، الذي ظهر في صفحه عن الأعرابيّ الذي قصد قتله، فأورثه ذلك حبّه، وكان من تأثير حبّه لرسول الله  أن حرّره من رعوناته وعصبيّته، وأخضعه لحكم العقل وقرار المنطق، الحافزين له على الإسلام. وتلك هي التربية التي كانت السلاح الأمضى بيد رسول الله  في طريق القيام بدعوته.
– روى الإمام أحمد وابن اسحاق والبغوي كلّهم بألفاظ متقاربة، أنّ عديّ بن حاتم كان امرءاً شريفاً في قومه، وكان يأخذ من قومه ضريبةً تسمّى “المرباع”، فلمّا سمع برسول الله  ومقدمه إلى المدينة كره دعوته، وترك قومه ولحق بنصارى الشام خوفاً على مكانته وشرفه في قومه. قال: فكرهت مكاني في الشام أكثر من كراهتي لدعوة رسول الله ، فعدت إلى المدينة ودخلت عليه وهو في مسجده، فسلّمت عليه فقال: من الرجل؟ فقلت: عديّ بن حاتم. فقام رسول الله  فانطلق بي إلى بيته. فوالله إنّه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلّمه في حاجتها. فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك. ثمّ مضى بي حتّى إذا دخل داره، تناول وسادةً من أدم محشوّة ليفاً فقذفها إليّ وقال: اجلس على هذه، قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست عليها وجلس رسول الله  على الأرض. فقلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك. ثمّ إنّ رسول الله  حدّث عديّاً عن الإسلام وعن مستقبله، وعن المستقبل المشرق الذي سيؤول إليه حال المسلمين، وسرعان ما تفتّحت نفس عديّ لقبول الإسلام، فأعلن إسلامه، وانخلع عن مظاهر الأبّهة والترف اللتين كان قد أسبغها عليه قومه.
إنّ محلّ الشاهد في قصّة عديّ هذه أنّ فكره لم يكن محجوباً عن دلائل نبوّته قبل أن يراه ويجلس إليه، فقد كان يسمع عن صفاته هذه التي رآها فيه، قبل أن تدفعه كبرياؤه لمفارقة المدينة واللحاق بالشام، بل كان يسمع عن صفاته هذه أثناء وجوده فيها. ولكنّه كان محجوباً عنها بتساميه، وبرعوناته وأهوائه التي نشأ عليها. فلمّا وفد إلى المدينة، وفوجئ بأخلاق النبوّة في مظهر رسول الله  ومعيشته وسلوكه، كان ذلك عاملاً كبيراً في انطواء رعوناته والكبرياء التي ربّي عليها، وفي يقظة عقله للدلائل الباهرة على نبوّة محمّد ، وتحرّره من أسر أهوائه وعصبيّته. وتلك هي حقيقة التربية، كما عرّفناها في مدخل هذا البحث.
والحقيقة أنّ هذا العامل التربويّ الكامن وراء إسلام عديّ بن حاتم، هو بذاته العامل الذي أدّى إلى إسلام أكثر الذين تمّ إسلامهم من أهل الجزيرة العربيّة، ممن رأوا رسول الله  وتبيّنوا سيرته ومزاياه الأخلاقيّة، وهذا العامل هو الذي أدّى إلى إسلام الأجيال التي توالت من بعده، إذ كانت دراستهم أو اطّلاعهم على مزاياه الأخلاقيّة النادرة التي صاغه الله عليها، هي العامل الأول في ذلك، وهو عامل تربويّ كما شرحنا وأوضحنا، وليس عاملاً فكريّاً اقتناعيّاً كما قد يُتوهم.
فلقد كانت القناعة العقليّة والفكريّة موفورة لديهم أو لدى أكثرهم بنبوّة محمّد ، ولكنّها كانت ملجمة بلجام التعالي والعصبيّة، وصدق الله القائل: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل: 14]، ثمّ إنّ محبّتهم له بسبب أخلاقه  المثلى هي التي طوت كبرياءهم وتغلّبت على عصبيّاتهم، فأذعنوا لما كانوا قد عرفوه فيه من قبل.
وإليكم هذا المشهد الآخر من المشاهد التي لا تحصى لأثر الأخلاق المحمّديّة في التربية الإسلاميّة التي نُشّئ عليها أصحاب رسول الله  والمؤمنون الصادقون من بعده.
في غزوة حنين خصّ رسول الله  المسلمين حديثاً من أهل مكّة بمزيد من الغنائم، نظراً إلى أنّهم يستحقّون بالإضافة إلى حقّهم في الغنائم سهم المؤلّفة قلوبهم. فسرت وساوس ممّا يتعرّض له الإنسان بدافع من جبلّته، إلى أذهان ثلّة من الأنصار، وقال قائلهم: يغفر الله لرسوله ، يعطي أقواماً ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فبلغ ذلك رسول الله ، فجمع الأنصار في مكانٍ خاصّ، وقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ ألم آتكم ضُلّالاً فهداكم الله بي، ومتفرّقين فألّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلّما قال من ذلك شيئاً قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل. ثمّ قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّة والفضل!. فقال عليه الصلاة والسلام: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصَدَقْتم ولصُدِّقتم، أتيتنا مُكذّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك. فصاحوا: بل المنّة علينا لله ولرسوله. ثمّ تابع رسول الله  قائلاً: أوجدتم يا معشر الأنصار في نفوسكم من أجل لعاعةٍ من المال تألّفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وترجعوا إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خيرٌ ممّا ينقلبون به. والذي نفس محمّدٍ بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. وإنّكم ستلقون أثرة بعدي فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناءَ أبناءِ الأنصار. فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله قَسماً ونصيباً.
من الواضح -أيّها الأخوة- أنّ الحالة التي آلت إليها نفوس تلك الثلّة من الأنصار، من التأثّر والندامة والصفاء الروحيّ والنفسيّ، لم تكن بسبب درايةٍ علميّةٍ أو حقيقيّة فكريّة كانت غائبةً عن أذهانهم ثمّ ظهرت، وإنّما كانت بسبب تربيةٍ وجدانيّةٍ تحقّقت لديهم، وهيمنت على نفوسهم، لمـّـا رأوا مظاهر الرقّة والذوق الرفيع والخُلُق الإنسانيّ السامي المتمثّل في التواضع الصادق العجيب، ممزوجة بمشاعر المحبّة الشديدة لأولئك الذين انتقدوه. فغاب النقد وتُنوسي العتاب، وأجهش الجميع بالبكاء ندماً على ما بدر منهم، واستيقظ الحبّ الذي اجتاحهم أواره لرسول الله  الذي آثر ترابهم على وطنه وفاءً لهم فيما قد واثقهم عليه.
إذن فالدلائل العلميّة الناطقة بنبوّة محمّد  وصدقه فيما أخبر الناس به، لم تكن هي العامل الأوحد ولا الرئيس في اعتناق أصحابه والذين جاؤوا من بعده للإسلام، بل ما أكثر الذين احتضنت عقولهم حقائق نبوّته ودلائل رسالته، فغيّبوها في طوايا نفوسهم الحاقدة والمستكبرة.
وإنّما العامل الأهم يتمثّل في التربية الوجدانيّة التي تسامت إليها نفوسهم، بسبب ما رأوه، فتأثّروا به من أخلاقه الإنسانيّة المثلى.
وهذا يصدق على الذين جاؤوا بعد الصحابة، من الذين آمنوا به  ولم يروه. وقفوا على سيرته وتبصّروا مشاهد حياته وسموّ أخلاقه، فجذبهم إليه جاذب الحبّ، فغابت في غمار ذلك الحبّ رعوناتهم، وخمدت عصبيّاتهم، وتراجعت أهواؤهم، فاستسلموا للحقّ الذي آمنت به عقولهم، وغدت التربية الوجدانيّة هي الحصن الدائم لإيمانهم.
وتلك هي سيرة كلّ من يعتنق الإسلام اليوم، لاسيّما هؤلاء الكثرة الكاثرة من الغربيين الذين يحوّلهم الإسلام خلال أسبوع واحد من حالٍ إلى نقيضها، من ضياعٍ عن الهويّة والذات في غمار الأهواء والملذّات، إلى اصطباغٍ تامّ بصبغة العبوديّة لله، والتزام كامل بضوابط السّلوك إلى الله.
إنّهما جناحان: جناح الإدراك العلميّ لحقائق الإيمان بالله وجناح التربية الوجدانيّة المنبثقة من المزايا الأخلاقيّة العجيبة لرسول الله ، بهما معاً يرقى الإنسان إلى بلوغ مرضاة الله. فنسألك اللهم أن تحققنا بذلك.
كيف يزكي المسلم نفسه باختصار
[التزكية: حقيقتها، ثمراتها، سلوكها، مراتبها، الفناء والبقاء وعلاقتهما بالتزكية، أوراد ينصح بها]
إن “التزكية”، وهي كلمة قرآنية، تعني السعي إلى تطهير النفس من الشوائب التي قلّما تنفك منها، والتي إن بقيت عالقةً بها تورد صاحبها المهالك، وتحيل إيمانه بالله إلى مظهر لا حقيقة له، ولا فائدة منه، وأخطر هذه الشوائب الكبر، ثم العجب والحقد وحب الدنيا ومظاهرها من المال والجاه والرئاسة .. إلخ.
ويتلخص سبيل التزكية باستحواذ التوحيد يقيناً راسخاً على العقل، أي أن يتحول التوحيد من كلمة “لا إله إلا الله”! إذ يرددها اللسان إلى يقين عقلي جازم بأن الله واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، لا يشركه في شيء منها أحد، فهو وحده القائم بأمر هذا الكون كله، ومن ثم فهو الموجد والمعدم، وهو الضار والنافع، وهو المعطي والمانع.
غير أن التوحيد لا يتحول من شعار على اللسان إلى يقين راسخ في العقل، ثم تأثير على الوجدان، إلا بالإكثار من مراقبة الله، ولا يكون ذلك إلا بالإكثار من ذكره، أي تذكره، واللسان ليس إلا أداةً لهذا التذكر. وخير سبيل لهذا الذكر والتذكر أن يربط الإنسان دائماً النعم التي تفد إليه بالمنعم، فكلما أقبلت إليه نعمة تذكّر بها المنعم وأيقن أنها وافدة إليه منه، ومن المعلوم أن نعم الله كثيرة لا تحصى. ولقد كانت هذه طريقة سيدنا رسول الله  في ذكر الله عز وجل.
فإذا استمر العبد على هذا العلاج من الذكر والتذكر ترسخت عقيدة التوحيد في عقله، وغابت الفاعلية المزيفة للأغيار عن عقله وتفكيره. ثم إن هذا اليقين الاعتقادي ينعكس إلى قلبه حباً ومهابةً وخوفاً. إذ يعلم بعقله ويشعر بفؤاده أن المحسن الأوحد في الكون هو الله، والمتصرف بالعباد والمخلوقات هو الله، فتذوب في ضرام هذه المشاعر المهيمنة تلك الشوائب التي كانت عالقة بالنفس، فلا يرى لنفسه قيمة ذاتية حتى يتكبر بها، ولا يرى الدنيا بكل معانيها وما فيها إلا جنداً بيد الله عز وجل.
أما ما تسألني عنه من الأحوال المتمثلة فيما يسمونه الفناء والبقاء ونحوهما، فقد دأب المتصوفة المتأخرون ومن جاء على غرارهم في هذا العصر، على اعتبار هذه الأحوال مراحل على الطريق يجب على السالك أن يضع نصب عينيه الوصول إلى كل منها، ثم اجتيازها إلى التي تليها.
غير أن هذا التصور -مع السلوك الذي على أساسه- مخالف لما كان عليه السلف الصالح، بل هو مخالف لما كان عليه أئمة السالكين في هذا الطريق، ومنهم رجال الرسالة القشيرية.
إن المطلوب من السالك أن يسعى بالوسيلة التي ذكرتها إلى الاصطباغ التام بحقيقة التوحيد، والغاية الوحيدة التي ينبغي أن يتمثلها في ذهنه هي أن يرقى إلى حالة يتعامل فيها مع الأسباب الكونية مع رؤية المسبب وحده، وعند هذه الغاية يصطبغ السالك بحقيقة العبودية لله عز وجل. وهي قصارى ما كان السلف الصالح يطمحون إليه.
وفي الطريق إلى هذه الغاية قد يعاني بعض السالكين مما يسمى الفناء، فيفنى أي يذهل ويغيب عن الأكوان بالمكون، فلا يرى لها وجوداً، وقد ينطق في هذه الحال بما يعبر عن شعوره هذا ويخالف الواقع والشرع.
فلنتعلم أن هذه حالة طارئة ما ينبغي أن يعدّها السالك مرحلة لا بدّ من المرور بها أو الوقوف عندها، بل عليه أن يعمل على تجنبها جهد استطاعته، فإن غُلب على أمره، فليعلم أنه ضعْف ابتُلي به من حيث عوفي منه أصحاب رسول الله  ومن سلكوا نهجهم من التابعين وخيرة السلف الصالح. وليفعل كل ما يملك لتجاوز هذه الحالة إلى ما يسمى بالبقاء، وهو الوضع الذي يرى فيه الأسباب ويتعامل معها طبق موازين الشرع، ولكنه لا يرى لها أيّ فاعلية، ولا ينسب أي تأثير إليها. وهذا الذي قلته عن الأحوال يقال أيضاً عما يسمونه المقامات، كمقام الصبر، ثم الشكر، ثم الرضا، ثم اليقين.
إن من الخطأ أن يضع السالك نصب عينيه التنقل في هذه المقامات ليصل أخيراً إلى مقام اليقين، بل عليه منذ بدء سلوكه أن يبذل كل ما في وسعه لبلوغ أعلى مراتب اليقين، فالصبر ليس منفكاً عن اليقين، والرضا ما ينبغي أن ينفك عن الصبر، بل المطلوب ممن قرر أن يجاهد نفسه الأمارة بالسوء أن يضع نصب عينيه أن يتحلّى في وقت واحد بالصبر والرضا والشكر والتوكل واليقين، وسبيل ذلك هو الإكثار من ذكر الله الذي لا يراد منه فرقعة السبحة في اليد، وإنما المراد منه بعبارة مختصرة تذكر المكوِّن كلما رأيت الأكوان، وتذكر المنعم كلما رأيت النعم. نعم قد يُلجِئ نظام السلوك بعض السالكين إلى التدرج في بعض هذه المقامات، ولكنها حالات اضطرارية لأصحابها، وليست منهجاً تربوياً لعامة السالكين.
ثم اعلم يا أخي أن هذا الذي تسألني عنه، أياً كان اسمه، ذوق بل شعور وسلوك يهيمن عليه نظام الشرع، وليس علماً يُروى أو فناً يمثّل أو مهنة يستدرّ بها رزق أو تُنال بها رتبة!.
وقد قال أحد الربانيين من السلف الصالح: “كان التصوف في صدر الإسلام مسمى لا اسم له، ثم أصبح اليوم اسماً لا مسمى له”.
*                *            *
سؤال: الدكتور الحبيب ومعلمي الشيخ محمد سعيد، ثبته الله على الحق: أرجو إعطائي -بشكل مختصر- ورداً يومياً لي لأسير عليه من الأذكار لأصلح نفسي، وورداً آخر أجتمع عليه مع العائلة وحبذا لو يكون نفس أوراد والدك رحمه الله.
الجواب: الأوراد التي كان والدي حريصاً عليها ويوصي بها:
– الاستغفار قبيل الفجر (مائة مرة)
– وشهادة “لا إله إلا الله” بعد الفجر (مائة مرة).
– والتسبيح بصيغة “سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم” (مائة مرة).
– والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم (مائة مرة).
– وقراءة ورد الإمام النووي.
– وقراءة سورة يس صباحاً مع ما تيسر من تلاوة القرآن.
العصبية الحزبية آفةُ الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله عن طريق تعريف الناس بدلائل ربوبيّته وبهوياتهم عبيداً مملوكين لله، وتبصيرهم بأحكام دينه، شكل من أقدس أشكال التعاون الذي حضَّ عليه بيان الله تعالى في قوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان [المائدة: 2].
فقد شاء الله تعالى أن يجعل عباده متفاوتين في القدُرات، ففيهم العالِم وفيهم الجاهل، وفيهم الملتزم بأوامر الله تعالى، وفيهم الشارد عن صراطه،  وجعل ضريبة الهِداية التي أكرم بها طائفةً من عباده أن يعودوا بهذه الهداية إلى التائهين الشاردين. ونبَّهَهم إلى هذا الواجب الذي أناطَه في أعناقهم، وألزمَهم النهوضَ به في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُون [آل عمران 104] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِين [فصلت 33].
ما هي الصفات التي يجب أن يتحَلَّى بها الداعي إلى الله عزّ وجلّ:
•    العلم: فالشريعة الإسلامية لا تُجيز لإنسانٍ أن يَعِظَ الناسَ موعظةً عاطفيةً وجدانيةً فارغةً من العلم، ولا يُشتَرَط أن يكون مُطَّلِعاً على كلّ علوم الإسلام؛ بل يكفيه أن يكون خبيراً في الأمر الذي يريد أن يحاور الناس فيه.
•    أن يكون سلوكُ الدّاعي جذّاباً لأنّ صحيحَ اللسان يعبّر عن مكنون العلم، وكلماتُه تنتهي ويتبدّد جَرْسُها داخلَ الصِّماخ، وتستقرّ معانيها في تجاويف الدّماغ، أما الذي يجذب الناس إلى الدّاعي فهو واقعُ حاله وسلوكُه وصِلَتُه بالله، وترفُّعُه عن أغراض الدنيا كمصلحةٍ أو مرتّب أو منصب أو غير ذلك.
•    أن تنبعث دعوتُه من شعور غامرٍ بالشفقة والرحمة لعباد الله جميعاً، فعلى كلّ من جنّد نفسه داعياً إلى الله أن يجعل من قلبه وعاءً يفيض بالرحمة لعباد الله كلهم، على اختلاف نِــحَلهم ومِــللهم ومشاربهم واتجاهاتهم، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يضحيَ الدّاعي بحظوظه الشخصية ومصالحه الدّنيوية في سبيل تحقيق الخير لهم جميعاً، لا أن يجعل من دعوته وسيلةً لفضح المدعوّ وإبراز انحرافه على رؤوس الأشهاد، وعليه أن يكون دقيقاً في مراقبة نفسه؛ ألا يتسرّب إليها شيء من الرغبة في المكِيدة والانتقام من المدعو، فهيهات أن يكون الإنسان ناصحاً إذا كان مُبغضاً لمن ينصح.
•    وهذا لا يتعارض مع ما هو مقرَّرٌ من ضرورة البُغض في الله، لأنه لا يعني أن تكون في نفس المسلم أيّ كراهية للشخص بالذّات، بل يتّجه البُغض إلى المعصية التي تلبَّس بها، أو الكفر الذي أصرّ عليه، وهذا في حقيقته ليس إلا معنىً من معاني الشفقة على شخص العاصي، وهذا ما عَـنَاهُ سيدنا لوط على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام، عندما قال لقومه فيما رواه ربُّه عنه: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنْ الْقَالِين، فالداعي طبيب والـمَدعوّ مريض، والطبيب لا يكون طبيباً ناجحاً إلا إذا اندفع إلى تطبيب مريضه بدافع من الشفقة والرحمة.
هل هناك ما يمكن أن يميّز الدعوة في المجتمعات الغربية:
ينبغي على من يدخل في المجتمعات الغربية داعياً إلى الله أن يبدأ بترسيخ جذور العقيدة في طوايا فؤاد هذا الإنسان بالدّلائل العلمية التي لا يُستَغنى عنها، لكنه لا ينبغي أن يتوقف عند ذلك الحدّ، وإنما عليه أن يتجاوزه إلى النواحي العاطفية من خلال إبراز دلائل عبوديّة الإنسان لله عزّ وجلّ، وعوامل محبّة العبد لله بالطريقة الوجدانية، لأن الرجل الغربيّ اليوم مُشبَع بالقضايا الفلسفية العقلانية، لكنه يعاني جفافاً وحاجةً إلى الأمور العاطفية الوجدانية. فإذا نقَلَه من الضياع الإلحادي إلى معرفةِ ذاتِه عبداً لله عزّ وجلّ، وأعطاه زادَه اليقينيّ، وعرّفه بمسؤولياته تجاه مولاه وخالقه؛ عليه أن يتركه لهذا الإيمان ويبتعدَ عن إدخال عصبيته المذهبية في نفوس وعقول أناسٍ أجانب لم يؤمنوا بعدُ بالله الإيمان الكافي.
ماذا تعني العصبية الحزبية وما هو خطرها على أعمال الدعوة إلى الله:
العصبية يمكن شرحها بأنها الأنانيّة، فنحن نعلم أن الشخص في كثير من الأحيان يوصَف بأنه أناني ومستكبر, إذا كان يضحي بحقوق الآخرين في سبيل ذاته, وفي سبيل أفكاره ومصالحه،  فذاتيّتُه مقدسة عنده إن أصاب أو أخطأ, دون الالتفات إلى ميزان الصِّحة وعدم الصحة.
وكما تكون الأنانية وصفاً لشخص، تكون أيضاً وصفاً لجماعة أو حزب، فالحزب شخصية اعتبارية، إن لم يلتفت أفرادُه إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه سيقعون فيما يقع فيه الفرد من أنانية، فترى أن المنتسبين إليه يعدّون أنفسهم من الدرجة الأولى، ويرون أن الآخرين من الدرجة الثانية, ويرددون شعار “من لم يكن مِنّا فهو علينا”.
وهذه الأنانية الحزبية تعد أشد خطراً من الأنانية الفردية؛ لأنها استكبار خفيّ لا يتحرّك إلا تحت أقنعة الانتصار للحق، فلا جَرَم أنها أعمق في النفس وأكثر انتشاراً في المجتمع وتأثيراً فيه، ومن أسوأ آثارها سحْقُ مشاعر الودّ والتآلف بين القلوب، وإشاعة عوامل الحقد والبغضاء فيما بين الجماعات، وتحويلُ الأمة والمجتمع إلى فئات متناحرة متصارعة؛ تحت اسم الدفاع عن الحق والانتصار له. لأن الأصلَ في المجتمع الإسلامي أنه خاضعُ لقرار الأخوّة التي صاغها الله وأعلن عنها في قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم [آل عمران: ] فالحقيقة البارزة التي أوضحها لنا الله عز وجل أن الأسرة الإسلامية المؤمنة هي في الواقع أسرة واحدة؛ تربطها بعضها ببعض الأخوة التي أعلن عنها الله عزّ وجلّ، فإذا أردتُ أن أنشئ حزباً أكون قد اقتطعْتُ من هذا الحزب الواحد الذي أعلن الله عز وجل رابطة الأخوة بين أفراده جميعاً، اقتطعتُ منه جزءاً وجعلت منه حزبي. ويوماً بعد يوم بعد يوم، ستصبح علاقتي مع أعضاء هذا الحزب متميِّزة عن علاقتي مع من قال لي الله عنهم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة وعندما أتحدث عن أعضاء هذه الجماعة أقول هذا من إخواننا، وينبغي أن نرعى إخواننا. وفي هذه الحالة أكون قد خالَفْتُ مخالفةً حادة قول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة.
مثلاً في فحوص الجامعة, لنفرض أنني حزبيّ عندما أصحِّح أوراق الطلاب، أحاولُ أن أستبين اسم الطالب، فإذا كان عضواً في الحزب أغضّ النّظر وأرفعه إلى مستوى النجاح, وإذا لم يكن من الحزب ربما أُعرِض عنه.
وقد يسأل أحدهم ألا يمكن أن يكون الحزب الذي ينهض بأعمال النشاط الإسلامي متحرراً من العصبية؟ الواقع الـملموس يقول أنه لا يمكن، أقلُّ ما في الأمر أن الحزبَ يقتطع من الجماعةِ الإسلاميةِ المتمثلة في كلّ المؤمنين بالله عز وجل قطعةً، ويفصلها عن الأخوّة الإسلامية الإيمانية.
عندما يتحدث البيان الإلهي عن المسلمين يصفهم بالحزب الواحد: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُون , أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُون ولا يوجد في القرآن الكريم آيةٌ واحدةٌ تنعَتُ المسلمين بالأحزاب، بل هم حزبٌ واحد، فإذا تحدَّث عن الآخرين جَمَعَ: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً , فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيم، لأن القرآن الكريم يشدّد على أن الأمة الإسلامية ينبغي أن تكون حزباً واحداً.
ومما يرتبط أيضاً بهذا المعنى: نلاحظ أن الله عز وجل في القرآن عندما يتحدث عن النور يتحدث عنه بصفة المفرد، فإذا تحدث عن الظلام يتحدث عنه بصيغة الجمع، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور ، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور لأن مصادرَ الظلمات كثيرة, والمذاهبُ الشّاردةُ عن الحق كثيرة جداً, لكن مصدر النور واحد, وهو الحق سبحانه وتعالى. وهذا يبدو جلياً في قوله عز وجل: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه طريق الحقّ طريق واحدة, فإذا شرد الإنسان عنها يجد نفسه أمام سُبُل ٍشتى تَتَوازَعُه.
فالمسلم يندرج في هذه الجماعة الواحدة ويقوم بكل ما يستطيع القيام به من الدعوة إلى الله باعتباره جزءاً من هذه الجماعة.
كان بديع الزمان سعيد النّورسي رجلاً ربانياً، عاش في أواخر الخلافة العثمانية وأوائل عهد أتاتورك، وكان داعياً إلى الله, لكنه كان بعيداً عن السياسة، وله كلمةٌ انتشرت في العالم العربي كله: “أعوذ بالله من الشيطان والسياسة”. حوكم في عهد مصطفى كمال، وعندما وقف في المحاكمة اتُّهم بأنه يسعى إلى إقامة حزب، فقال في دفاعه عن نفسه: “إنه ينبغي أن أبادر فأُعَرّفَكم على هذا الحزب الذي انتسبتُ إليه, إنه الدائرة التي تتسع لأربعمئة مليون من أعضائه  – كان هذا عدد المسلمين آنذاك- المنتسبين إليه والعاملين من أجله، وبياناتُه التي تنَشر نُظُمَهم وأفكارَهم تتمثَّل في عموم المكتبة الإسلامية التي تعكس حقيقةَ الإسلام وجوهرَه، أما صحافتُه فتتمثَّل في كل صحيفةٍ تتَّحذُ من إعلاء كلمة الله شعاراً لها, مركزُ هذا الحزب عامَّةُ ما ينتشر في بقاع الأرض من مساجدَ ومدارسَ لتعليم الإسلام وزوايا لذكرِ الله وعبادته, حزبٌ هذا شأنه لابدَّ أنَّ رئيسَه هو فخر الكائنات محمد عليه الصلاة والسلام، ومسلكُه التربوي هو أن يجاهد كلُّ عضوٍ فيه نفسَه التي بين جَنبـــَيـْـه حتى يجعلَ منها قدوةً صادقةً لكلّ مسلم, ونظامُه يتمثَّل في الوحي الإلهي والسنةِ النبوية، وسيفُه في المعارك الحُججُ القاطعةُ، ذلك لأن التغلُّبَ الحقيقيَّ إنما يكون بالإقناع العقلي لا بالإكراه المادي. إنّ تَحَرّي الحقيقة ليس له من سبيلٍ إلا سبيلُ المحبّةِ والأخلاق الحميدة، ولذلك فإن تسعة أعشار الدين الإسلامي يتمثل في مقومات هذين المبدَأَيْن، والعُشْرُ الأخير هو وحده الذي يتمثل في السياسة، وهذا ما نوكِله إلى أمانةِ أولي الأمر ووُجدانِهم،  فأنا أفخر بأنّي واحدٌ مِن أصغرِ أفرادِ هذا الحزب، وبأنّي واحدٌ من أولئك الذين يعلنون دائماً عن التّشبُّث بمبادئه ونظامه”.
هذا النهج هو النهج الأمثل، منهج واحدٌ فقط يفتح الله عز وجل به قلوباً غُلْفاً في مدينة؛ بل ربما دولة.
فما هو البديل الذي يجعل العمل الدّعوي منظَّماً ومنضبطاً:
البديل أن تكون الدعوة إلى الله شكلاً منظَّماً في جماعةٍ متآلفةٍ متواثقة ٍمتعاهدةٍ على العمل، والسير في طريق مرضاة الله سبحانه وتعالى, ويكون منهجها مُتمثٍّلاً في كيفية محاورة الآخرين، وضبطِ العملِ الدّعوي بمنهج تربوي سليم، وجعلِه بعيداً عن الفوضى، لا في رسم الخُطط التي تتكفَّل بترسيخ وجودٍ أفضل وأكثر قوةً للحزب على طريق السعي للوصول إلى مناطق الحُكم والنفوذ، فهذا يُسمّى عملاً حركياً لا دعوةً إسلامية.
هل تعود مشاركة الأحزاب في الأنشطة السياسية بالخير على الدعوة الإسلامية؟
دلت التجربة على أن هذه الفائدة هي فائدة في الظاهر ولكنها تستبطن نقيض ذلك.
في الثمانينات من القرن الماضي دُعيتُ من قِبَل بعض المسؤولين الكبار إلى أن أنشئ حزباً إسلامياً ليكون من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، فقلت: أما ضمانات النجاح فأنا أضمن ذلك، وأنا أعلم أنني لو أعلنتُ أنني سأنشئ حزباً إسلامياً لن يقلَّ عدد الداخلين فيه عن المليون خلال شهر واحد، لكن ماذا أكون قد صنعت للإسلام؟ هل أسَأتُ أم أَحسنت؟
الجواب أنني سوف أسيء لسببين:
أولاً: عندما يكون لي كرسي سادس أو خامس مثلاً في الجبهة الوطنية التقدمية، فمعنى ذلك أن المجتمع السوري تقاسَـمَتْه هذه الأحزابُ الخمسة، ونصيبُ الإسلام منه الخُمُس أو السُّدُس, ولكنَّ الإسلامَ ليس إصبعاً خامساً بين هذه الأصابع, الإسلام هو الـمِعصَم الذي يجمع, إذا أردتُّ أن أجلسَ على كرسي أصبحتُ قسيماً, فأكون قد أسأتُ للإسلام.
ثانياً: عندما أنشئ هذا الحزب سأجد من حولي أناساً دخلوا فيه يحيطون بي يحذِّرونني يمدحونني ..الخ، سأجد بأن علاقتي بهذه الجماعة أصبحت هي البديل عن قول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة، ولسوف أجد أن علاقتي مع هؤلاء الإخوة تعلو فوق علاقاتي مع بقية الناس، فكيف ألقى الله؟! ربما يكون أناسٌ بعيدين عن هذا الحزب أفضلَ بكثير, من كل هؤلاء الأعضاء.
ثالثاً: هنالك سياسيون حرفيون مِهَنيّون يريدون أن يصلوا إلى أمانيهم من أقصر طريق، عندما يجدون أن هنالك حزباً إسلامياً، له مزية لا تتمتع بها بقية الأحزاب من ليبراليين، وشيوعيين, واشتراكيين .. الخ، وهي أنه يستحوذ على العاطفة الإسلامية للمجتمع، فعندما أخاطب الناس بأنني مسلم، وأريد أن أطبق الإسلام، سأجد عشرات بل مئات الناس يفسحون لي المجال، ويتبنون وصولي إلى الحكم، هؤلاء السياسيون المحترفون يسيل لعابُهم، وسرعان ما يأتي الواحد منهم فيطلق لحيةً، ويُظهر التمسُّك بالدين والغيرة على الإسلام، ويسجد ويضغط عند سجوده ليُحدِث علامةَ سجودٍ على جبهته، فأنا ما أدراني بحقيقته؟ النتيجةُ أنني سأجد أن ظهري أصبح مَطِيَّةً لهؤلاء الناس، ركِبوا الإسلام عن طريقي، فلما وصلوا إلى الحكم تنكَّروا لي.
أنا لا أتحدث عن خيال، لا يوجد حزب إسلامي إلا وخمسون بالمئة منه أو أكثر من الحرفيين الذين دخلوا في هذا الحزب؛ لأنهم وجدوا أن الطريق معبدٌ إلى أمانيّهم السياسية المختلفة التي يريدون الوصول إليها إذاً.
رابعاً: عملُ الدعوة إلى الله عز وجل لا يُكَمِّله النشاط السياسي, بل يلغيه وينسخُه، لأنني عندما أقوم بعمل سياسي لا أستطيع أن أقنع رئيسَ الدولة أو المسؤول بأنني أنصحه لله، عندما يجد أنني أُناكِبُه العمل وأسابقه في الهدف، ويسيل لعابي على الكرسي الذي يجلس عليه, كيف يصدّقني؟.
لكن عندما يعلم أنني زاهدٌ في كرسيِّه، وإنما أطمع في عقله؛ عندئذ يمكن أن يستجيب لي.
كيف يجب أن تكون علاقة الدعاة مع ولي الأمر؟
علماء الشريعة الموثوقون الربانيون من أمثال الإمام الرازي، وحجة الإسلام الإمام الغزالي, والإمام النووي، يقولون:
أولاً: ينبغي أن يستعلي ويستغني الداعي عن المغانم المالية التي قد تصل إليه من الحكام والقادة والمسؤولين.
ثانياً: ينبغي أن يُبرِز ما يُثبِت صدقَه, وعِفَّته وتساميه عن كرسي الحكم الذي يتبوَّؤه ذلك الحاكم.
ثالثاً: إذا دعاه الحاكم يجب أن يلبِّـــيَه، وأن يجعل لقاءه لقاء نصح له ودعوة، ولا ينبغي أن يجعل هذا اللقاء فرصةً لـمَغنم دنيوي أيّاً  كان.
رابعاً: إذا سنحت الفرصة للداعي إلى الله أن يجلس إلى حاكم, فدعاه ونصحه تنفيذاً لقول رسول الله : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ينبغي إذا خرج أن لا يحرّكَ لسانه بما حصل في ذلك المجلس، فلا يقول في المجالس مثلاً: أنا اليوم دُعيت إلى مجلس عند الرئيس الفلاني، فقلت له كذا، وقلت له كذا، لأن الرجل في الواقع فاسق لأنه كذا، ثم يجلس في مجلس آخر، ومجلس آخر, هذا لا يجوز أبداً، وإن فعل ذلك فهو دليلٌ على أنه يُعاني من نوعٍ من النفاق والرياء.
وكثيرٌ من الدُّعاة يغيب عنهم هذا الأدب الذي يذكره العلماء المسلمون فيما يتعلق بالعلاقة بين الدّعاة والحكام، فحديث: (كلمةُ حقٍّ عند سلطان جائر) يجعلونه “كلمة حق على سلطان جائر” أو “في غياب سلطان جائر” فيصعد المنبر ويقول: “الحكّام هكذا شأنهم يظلمون, يرتكبون …” ولكنَّ الحكام لا يسمعون، فهو يحكي للناس، والنبي  لم يقل: “كلمة حق في غياب سلطان جائر” أو “على سلطان جائر” إنما قال: عند، أي تجلس إليه، وتقول له هذا الكلام، وليست كلمة (عند سلطان جائر) دالَّـةً على أنه ينبغي أن تكون هذه الكلمة بقسوة، كما يظنّ البعض، أبداً. فالباري  قال لسيدنا موسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: ].
والإمام الغزالي في كتابه الإحياء يطيل ويفيض في هذه الآداب، ويذكر قصصاً واقعية, أنا أقول هذا الكلام لإخواننا الذين يريدون أن ينهجوا المنهج الإسلامي في الدعوة إلى الله عز وجل. والله يا إخواننا هذا ما ينبغي أن يكون، وإذا كان الداعي إلى الله ملتزماً بهذه الآداب، ووقف أمام الحاكم يدعوه إلى الله وينصحه، فسيقبل منه النصيحة.
هل يعني الترفع عن المكاسب الدنيوية أنه لا يجوز للإمام أن يأخذ أجراً على إمامته؟
لا يوجد مشكلة أن يأخذ الإمام أو الخطيب أجراً، والعلماء أوضحوا ذلك، ولكن هذا العمل ليس هو العمل الذي يجعل منه داعياً إلى الله بالضوابط التي ذكرنا، وإنما عليه أن يُضيف إلى هذا العمل الذي يقوم به عملاً آخراً طوعياً بأي طريقة من الطرق، يجلس ويدعو الناس لحوار، أو يذهب إلى بعض الأرياف، فيشتغل مع بعض الجهّال التائهين ويحاورهم، ويلاطفهم ويدعوهم إلى ما يجهلون من أمور الدين, فيُكمل النقص. والأجرُ الذي يأخذه لا حرجَ فيه مع ذلك. لا نقول أنَّ هذا الخطيب لا ثوابَ له مطلقاً، فإذا كان يعلم من نفسه أنه لو لم يتقاضَ هذا المرتَّب سيظلُّ يؤدِّي وظيفتَه هذه، فلن يحرمه الله من أجر الدعوة، لكنه ينبغي أن يضيف إلى ذلك دعوةً صافيةً من الشوائب.
دُعيتُ عندما كنت أدرِّس في الجامعة لإلقاء درس في أحد مساجد دمشق، ولم أكن وقتها أدرّس في المساجد، فاستعفَيْتُ، فسألني والدي -وكان من كبار الصالحين ولعلّه كان من الأولياء- لماذا استعفيتَ؟ فأجبتُ بأنني أمارسُ الدّعوة من خلال عملي في الجامعة، فقال لي والدي: “لا، هذا العمل الذي تقوم به ليس لك عليه أجر، لأنك تقوم به مقابل مرتّب، فإذا انقطع المرتّب تركْتَه.
العمل الذي ينبغي أن تعلم أنه يُقرّبك إلى الله هو أن تجلس مع هؤلاء الناس وتدعوهم إلى الله دون النظر إلى أي هدفٍ دنيويّ” فسلكتُ منذ ذلك اليوم هذا المسلك، وأخذت أجلس مع شيوعيين وملاحدة، وكم سمعتُ من كلماتٍ فيها من الـهُزْء ما فيها.
مرّةً سألني أحدهم: “إذا أردنا أن ننْهجَ النَّهجَ الذي تتحدّث عنه نصلي ونتجه إلى الاستقامة، فكم نحتاج حتى يحقق الله لنا النموّ الاقتصادي ونتخلّص من الرجعية؟” طبعاً كان يتكلم باستهزاء، قلت له: أنت ماركسي، هل سألتَ لينين أو سألتَ الذي يشرف عليك في هذا الموضوع هذا السؤال؟ هل قلتَ له كم من السنوات ينبغي أن نصبر إلى أن نجد هذا الفردوس المفقود الذي تحدثوننا عنه؟ أبداً ما قلت, أنت عبدٌ يا أخي وأنا عبد، عبوديتنا لله تمنع أن نقول هذا, وأن نشترط على الله, ما جئنا إلى العالم بشرط.
والآن هو مِن أفضلِ المصلّين, ومن أفضل المتجهين إلى الله عز وجل.
الخاتمة
الدعوة إلى اللهِ سبحانهُ وتعالى هو العمودُ الفقريُّ في المجتمعِ الإسلاميّ، بل إنَّ الدّعوةَ إلى اللهِ سبحانهُ وتعالى هو لبُّ الدّين، ومن أساسِه وجوهره، وإذا فرغَ المجتمعُ من دعاةٍ إلى الله، مرشدينَ إلى دينِ الله عزَّ وجلّ، وقد آل هذا المجتمع إلى بناءٍ تهاوت دعائمهُ؛ لا بدَّ أن يتهاوى هو الآخرُ من وراءِ ذلك، كيفَ لا وإنَّ ربّنا جلَّ جلالهُ ليقول: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون [آل عمران: 104] ويقولُ عزَّ وجلّ: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين [فصلت: 33].
وفي هذه الخاتمة أريدُ أن أتكلّمَ عن طرفٍ من آدابِ الدُّعاةِ إلى اللهِ سبحانهُ وتعالى، وعن طرفٍ من آدابِ المسلمين إذ ينصتونَ إلى الدّعوةِ إلى اللهِ عزَّ وجلّ.
إنَّ على الدّاعي إلى ربِّهِ سبحانه أن يعلمَ هذه الآداب ويلتزمها ويتمسّكَ بها، كما أنَّ على النّاسِ جميعاً الذين يتلقّونَ هذا الإرشادَ والتّوجيه أن يعلموا الآدابَ التي ينبغي أن يصطبغوا بها.
على الدّاعي إلى اللهِ عزَّ وجلّ ألا يجعلَ الدّعوةَ إلى دينهِ متّكئاً لغيبة، ولا وسيلةً لفتنة، ولا مجالاً لفضحِ من سترهمُ اللهُ سبحانهُ وتعالى في معاصيهم، فما ينبغي للداعي إلى اللهِ عزَّ وجلّ أن يُعلِنَ عن أسماء سترها اللهُ سبحانه، وما ينبغي أن يجمعَ بينَ الدّعوةِ إلى ربّه، وهو أمرٌ يأمرنا اللهُ عزَّ وجلَّ به، وبينَ الغيبةِ التي ينهانا اللهُ سبحانهُ وتعالى عنها. وقد كانَ سيِّدُنا رسولُ اللهِ  أوَّلَ الدُعاةِ وسيِّدهم، فما كانَ يرفعُ سترهُم، وما كانَ يفضحُ أمرهم، وما كانَ يذكرُ العصاةَ بأسمائهم، وإنما كانَ من هديِهِ عليهِ الصّلاةُ والسّلام أن يقول: “ما بالُ أقوامٍ يفعلونَ كذا، ما بالُ أناسٍ يفعلونَ كيتَ وكيت”. وقد خطبَ مرّةً فيما يرويهِ مسلمٌ فقال: (لقد هممتُ أن آمرَ فتيتي فيأتوني بحزمٍ من حطب، فآتيَ أقواماً يُصَلّونَ في بيوتهم من غيرِ عذر، فأُحَرِّقَ عليهم بيوتهم).
فما كانَ المصطفى عليهِ الصّلاةُ والسّلام وهو يقومُ ليُنكِرَ منكراً، ما كانَ ليربطَ بينَ المنكرِ وأصحابهِ بأسماءَ صريحةٍ علانية، وإنما كانَ يقولُ: “ما بالُ أقوامٍ..”.
ثمَّ إنَّهُ صلى اللهُ عليهِ وسلّم لا يبالِي أن تقعَ هذه الكلمةُ أينَ وقعت، ولا يبالِ أن تلتصقَ هذه الكلمةُ بمن كانَ أهلاً بأن تلتصقَ به.
من آدابِ الدّعوةِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ أيضاً: أن يكونَ الدّاعي إلى ربِّهِ سبحانهُ وتعالى حكيماً، وأن يكونَ مندفعاً إلى الدّعوةِ والإرشاد بسائقِ حبٍّ وشفقةٍ ورحمة، لا بسائقِ كيدٍ وضغينةٍ وغلظة، فإنّ نبيّنا عليهِ الصّلاةُ والسّلام حذَّرَ كلَّ التّحذيرِ من هذا، وأرانا في هديهِ العمليّ وسلوكهِ التّطبيقيّ، كيفَ ينبغي أن يكونَ الدّاعي إلى ربِّهِ شفوقاً بالناسِ جميعاً، بمن فيهم من العصاةِ وغيرِ العُصاة، بل بالمسلمينَ وغيرِ المسلمين. لأنهم جميعاً مرضى، والداعي إلى اللهِ عزَّ وجلّ يقفُ منهم موقفَ الطّبيب، فإن لم يكن الطّبيبُ شفوقاً على مرضاه، فكيفَ يستطيعُ أن يبحثَ لهم عن العلاجِ والدّواء؟ تلكَ هي خلاصاتٌ بل طرفٌ من آدابِ الدّاعي إلى اللهِ عزَّ وجلّ.
ولكنَّ هنالكَ آداباً أخرى ينبغي أن يتّسمَ بها النّاس الذينَ يستقبلونَ التّوجيه والإرشاد، ويصغونَ إلى النُّصحِ والأمرِ بالمعروفِ والنّهيِ عن المنكر.
على المسلمين -عصاةً كانوا أم مستقيمينَ على أمرِ الله ونهجه- إذا أصغوا بآذانهم إلى نصيحةِ ناصح، أو موعظةِ مُذكّر، أن يستقبلوا هذا النُّصحَ بقلوبٍ صافيةٍ مؤمنةٍ خالصةً عنِ الغشِّ والزّغل، وأن يُحطِّموا حظوظَ نفوسهم، وأن يكنسوا الطّريق مما بينَ آذانهم وأفواهِ هؤلاءِ المرشدين من عقباتِ العصبيّة، ومن صدود الأهواء الشّخصيّة المختلفة المتنوّعة، فإنَّ المسلم إذا كانَ قد حجبَ نفسهُ عن الدّاعي إلى اللهِ سبحانهُ تعالى بعصبيّةٍ، أو بأنانيّةٍ، أو بهوىً من الأهواءِ المختلفة، فإنَّ هذا الإنسانَ لا يمكنُ أن يستفيدَ من نصيحةِ النّاصحِ أبداً، مهما كانَ النّاصحُ مخلصاً لربّه، ومهما كانَ قريباً من مولاه، ومهما كانَ من الصّدّيقينَ والرّبّانيّين. بل لعلّهُ لو سمعَ تذكرةً من رسولِ اللهِ  وهو محصِّنٌ نفسهُ في سجنِ عصبيّته وأهوائه والانتصارِ لذاته، فإنّ هذه الكلماتِ النّورانيّة التي تخرج من فمِ رسولِ اللهِ  قد لا تلامسُ قلبه، وقد لا يتأثّرُ منها بشيء.
وذلكَ هو السّبب الذي من أجلِه لم يكن كثيرٌ من المشركينَ ليتأثّروا بنصائحِ المصطفى ، فقد كانوا يضعون بينهم وبينهُ سدوداً، ما كانت هذه السّدود سدوداً من حجارةٍ ولا صخور، أهون بها من سدود، فإن الحجارة والصخور تنهار وتذهب، ولكنَّها كانت صخوراً من حظوظِ النّفس، صخوراً من العصبيّة، إذا وجدَ أحدهم أنَّ كلمةَ هذا النّاصح تصيبُ كيانه وتهزُّ كرامته، لوى الرأسَ وأعرض، وذهبَ لا يلوي، لأنّه وجدَ هذا الكلامَ يلسعُه، ولما كانَ الميزانُ الذي وَضَعَهُ هذا الإنسان بينهُ وبينَ النّاصح ميزانَ نفسه، ميزانَ أنانيّته، ميزانَ عصبيّته، فلا بدَّ أنّهُ سيحسُّ بهذا كلّه، بمقدارِ تبلّدهِ عن إحساسٍ آخر، لن يحسّ أنَّ هذه النّصيحةَ تعالجُ منهُ مرضه، لن يحسّ أنَّ هذه النّصيحةَ تنسكبُ على داءٍ في قلبهِ بالشّفاء.
إذا وقفَ المرشد لينهى عن الغشّ وليحذّرَ المسلمينَ منه، ووجدَ بعضُ الجالسين أن هذا الكلام يتّجهُ إليه، فما ينبغي أن يغضبَ ويرتدّ، وما ينبغي أن تأخذهُ الغضبةُ الجاهليّة فيغضبَ ويتأثّر، فإنَّ مثلُ هذا التّأثّر يفقدهُ جدوى هذا الكلام، إذا وقفَ المرشد ليتكلّمَ عنِ الرّشاوي ومدى خطورتها، ومدى عِظَمِ وقعها وجريرتها في ميزانِ اللهِ سبحانهُ وتعالى، ثمَّ أحسَّ بعضُ السّامعين أنّ هذا الكلامَ مفصّلٌ على قدره، وأن هذا الكلامَ ربّما كانَ متّجهاً إليه، فأقامهُ الغضبُ ولم يُقعده، وربّما أعرضَ عن المكانِ فلم يعُد يغشاهُ ويعودُ إليه، وربّما أخذَ ينظرُ إلى هذا النّاصحِ بعدَ ذلكَ شزراً، فتعقّدت نفسُهُ منه، لماذا؟ لماذا كلُّ هذا؟
هل فضَحَكَ النّاصح فتحدّثَ عنك؟ هل انطلقَ النّاصحُ الذي نصحك بدافعٍ غيرِ دافعِ الشّفقة، غيرِ دافعِ أن يُحبَّ لك ما يحبُّ لنفسه، وإذا رأيت أنَّ مغبّةَ هذا الذي يُحذّرك موجودةً في كيانك، فلماذا لا تحمدُ الله على أنّهُ قد بعثَ إليكَ من ينبّهك، وأرسلَ إليكَ من يرشدك، فتشكرُ اللهَ ولا تشكر النّاس؟ اشكرِ اللهَ سبحانهُ وتعالى وقلِ الحمدُ لله الذي أرسلَ إليَّ من بصّرني بخطئي.
وإذا قامَ المرشدُ أو الخطيبُ أو النّاصح يحذّرُ من بدعةٍ في العقيدة، من بدعةٍ فيما يتعلّقُ بكبدِ الإسلامِ وجوهره، يتحدّث عن سوء حال من يتجرّأُ على اللهِ بالفتيا، ومن يتجرّأُ بالعبثِ بكلامه، فما ينبغي لأحدٍ من السّامعين أن تهزّهُ الغضبة، بدافعٍ من العصبيّة أو القرابة أو أيّ معنىً من هذه المعاني دونَ أن يضعَ في الميزان، ترى هل هذا الكلام صحيح؟
ترى هل هذا الذي يقولهُ هذا النّاصح كلامٌ صافٍ عن الزغل؟ سليمٌ في ميزانِ القرآنِ والإسلامِ وهديِ ذلك؟ لو أنَّ هذا الإنسانَ وضعَ عصبيّتهُ تحتَ قدميه، وأرادَ فقط أن يصغيَ إلى كلامِ هذا النّاصح ويضعهُ في الميزانِ كلمةً كلمة، لكنّهُ ميزانُ الرّؤيةِ الدّينية، ميزان الأحكام الإسلامية، لما غضب، ولما أخذتهُ العزّةُ بالإثم.
هذا الذي أقولهُ لكم إنما هو تجسيدٌ لمصيبةٍ عظمى نعاني منها جميعاً، ربّما يعاني الدّعاة من عدمِ التزامِهم للآدابِ التي أمرهم اللهُ بها، فعلى الدّاعي أن يكونَ بصيراً بأمره، متنبّهاً إلى خطرهِ وخطئه. ولكنَّ النّاسَ أيضاً يعانونَ من الجزءِ العظيمِ من هذا الدّاء، فما أكثرَ ما نشعر بالعصبيّة، وما أكثرَ ما نشعرُ بالغضبةِ التي لا تنبعُ لله، ولكنّها تنبعُ من حظوظٍ آسنةٍ عفنةٍ من حظوظِ النّفس.
كيفَ نستطيعُ أن نعالجَ أنفسنا من هذا الدّاء ذي الشّطرينِ العظيمين؟
نعالجُ أنفسنا من هذا الدّاءِ بعلاجٍ واحد، هو الإخلاص لدينِ اللهِ عزَّ وجلّ. وليست ثمّةَ حيلةٌ أمامي لأدلّكم على الطّريقِ الذي يوصلُ الإنسانَ إلى الإخلاص، الإخلاصُ سرٌّ يهبهُ اللهُ لمن يشاءُ من عباده، الإخلاصُ نورٌ يقذفهُ اللهُ عزَّ وجلَّ في قلبِ من شاء، فمن حرمهُ الله من هذا النّورِ فهو محروم، وأسألُ اللهَ ألا يحرمني ولا يحرمكم من هذا النّورِ القدسيِّ العظيم.
لكنَّ السّبيلَ إلى ذلك كثرةُ التّضّرُعِ إلى الله، السّبيلُ إلى ذلك كثرةُ الالتجاء إلى الله، إذا رأيت أنني أحبُّ نفسي وأدافعُ عن ذاتي، وأدافعُ عن العصبيّةِ التي تعشعشُ في كياني، فالأعلم أنني مريض. وإذا لم أجد سبيلاً إلى الخلاصِ من هذا الدّاء فلألتجئ إلى الله ولأشكُ إليهِ دائي ولأتضرّع إليه، فإنَّ اللهَ يجيبُ الدّعاء.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>