4- الإخوان المسلمون النشأة والحقائق ج2 = الجزء الثالث

الإخوان المسلمون

النشأة والحقائق

الجزء الثاني

مقــدمة البحث
ليست هذه محاولة للتنديد بتاريخ الجماعة المظلم ، ولا حتى محاولة لإثبات كذب محاولاتها الراهنة في تملق الرأي العام والقول بغير ما تعتقد ، لكنها محاولة لإعطاء الفرصة للجماعة لكي تنظف يديها من هذا التاريخ الملوث فتنتقده ، لعلنا نمنحها بعضاً من التصديق .
فبعد الحديث عن الإخوان المسلمين في الجزء الأول “النشأة والحقائق” ، نأتي في هذا الجزء بشيء من التفصيل عن حقيقة الإخوان في مناهجها الغامضة وغاياتها الضبابية ، وكيفية تربية العضو في الجماعة على المراوغة والمخادعة ، وصولاً إلى التحايل والالتفاف في مواجهة المواقف من خلال الغموض في التفاصيل .
هذا الجزء الثاني ، وهو عبارة عن رؤية نقدية في آلية التربية الإخوانية للأعضاء الجدد ، الذين ينتسبون إلى هذه الجماعة ، وهو في الوقت نفسه يُسلط الضوء بشكل دقيق على حقيقة الأهداف والغايات الإخوانية بتجرد ، بعيداً عن الشطط الفكري والتصدير الحكمي ، وإنما بتوضيح ممنهج لحقيقة الإخوان في البدايات والنهايات .
الإخوان المسلمون
الأهداف – المناهج – الغايات الغامضة
كثر الحديث حول مناهج الإخوان وغموض أهدافهم ، واتهموا من قبل أعدائهم بإخفاء أهدافهم ، واعترف كثير من قادتهم بإخفاء هذه الأهداف , والتمسوا له المبررات المختلفة , وتركز الغموض حول الأهداف السياسية , أما حول توقيت هذا الإخفاء فقد دار تساؤل ، هل أخفى حسن البنا أهدافه بعد فترة من تأسيس الجماعة ، حين بَرزت في الميدان السياسي ؟ أم هل أخفى أهدافه السياسية منذ بدأ تأسيس جماعته ؟.
وبمعنى آخر: لقد بدأت جمعية الإخوان المسلمين كجمعية دينية ، يَقتصر نشاطها على التربية الأخلاقية والاجتماعية ، فهل كان هذا هو هدفها الحقيقي والأصيل ، ثم تطورت مع الأحداث إلى الاشتغال بالسياسة ؟ أم أن هذا كان هدفاً مرحلياً يخفى وراءه الهدف الأصيل ، وهو الاشتغال بالسياسة والتطلع للحكم ؟.
وإذا استعرضنا تاريخ الجماعة وتاريخ حسن البنا , وجدنا من الشواهد والمواقف ما يُوحي بالاحتمال الأول ، كما وجدنا أيضاً مَا يُرجح الاحتمال الثاني .
فمما يُرجح الاحتمال الأول أن ثقافة حسن البنا ونشاطه العملي قبل تأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين كان يَغلب عليه الروح الدينية الصوفية , كما كان بعيداً عَن التيارات السياسية والنشاط الحزبي , ولم تبدر منه بوادر نقد للنظام السياسي ، بل كان يبدو منه الرضا والتأييد لهذا النظام ، فرغم الانقلابات الدستورية التي قام بها الملك فؤاد في العشرينيات ، فقد كان حسن البنا يملي على تلاميذه – وهو بالإسماعيلية – قِطَعَ إِملاءٍ يُشيد فيها بالملك , وكان يَحرض العمال على حسن استقبال الملك فؤاد ، وضرورة الخروج إلى الشوارع لاستقباله حين كان يَمر بالإسماعيلية , وبرر هذا لأحد موظفي شركة قناة السويس الفرنسيين بقوله: حتى يَفهم الأجانب أننا نحترم ملكنا .
وحين تَبرعت شركة قناة السويس – وهي خاضعة  للقوى الاستعمارية – لجماعة الإخوان بالإسماعيلية بمبلغ 500 جنيه ، كانت تنظر إليها كجماعة دينية يُمكن أن تلعبَ دوراً في التهدئة والمحافظة على الاستقرار , ومما يُرجح الاحتمال الثاني الواقع العملي الذي تَطورت إليه الجماعة ، واعتراف الكثيرين من قادة الإخوان ، بَل وتَبَاهِيهِم بِقدرة حسن البنا على إخفاء أهدافه ، وخداع كل القوى السياسية الأخرى من الانكليز والسراي والأحزاب .
ومهما كانت النوايا الحقيقية لحسن البنا حين أسس جماعته ، فإننا نرجح أن تطور الجماعة إلى العمل السياسي قد جاء تطوراً طبيعياً لاتساع نشاط الإخوان من جهة ، واحتكاكهم بالقوى السياسية المحلية والخارجية , وتحقيقاً لطموحات قادتهم وخاصة طموحات حسن البنا الذي كان رغم تواضعه الظاهري يُؤمن بقدراته إيماناً لا حَد له ويثق بنفسه ويعتقد بكفاءته لقيادة الأمة ، وكان ذكاؤه وفصاحته وقدرته الخطابية على التأثير على الناس ، واستلاب أفئدتهم واستهواء نفوسهم ، كان لهذا كله الأثر الكبير في تزايد طموحه .
لقد أراد حسن البنا – بعد أن تعددت عليه التساؤلات حول الأهداف والغايات من الانضمام إلى الإخوان المسلمين ، هذه التساؤلات التي أخذت في بعض الأحيان التشكيك في غموض أهداف الإخوان – أن يُحدد طبيعة الإخوان , ويعدد الدوافع المختلفة للانضمام لجماعة الإخوان المسلمين , يقول حسن البنا: “لا زال كثير من الناس ولا زال كثير من الإخوان الجدد يقفون في شيء من التردد والحيرة أمام أهداف الإخوان ، يَرانا بعض المتعبدين نصلي الصبح فنقرأ الأدعية المأثورة , فيقول: هؤلاء قوم يتعبدون لله ، فلا بأس أن أكون معهم على طاعة الله , فيتابعهم على أنهم أهل أوراد ومشايخ طرق ، وبهذا يقع على ضالته المنشودة . ثم يَراهم آخر بعد قليل يَقومون بألعاب رياضية فيقول: هَؤلاء قوم مُجاهدون يُرَبُّون في النشء مَعاني البطولة ، وينمون فيهم القوة الجسمانية وتقوية العضلات , فينضم إليهم على هذا الاعتبار . ويجيء ثالث فيدخل دارهم ، فيجد على يمينه شركة المعاملات الإسلامية , وما قامت به من مشروعات فيقول: هذا جميل , إن الإخوان المسلمين لن يَتحرروا اجتماعياً إلا إذا تحرروا اقتصادياً , فلا بُد أن نَملأ هذه الناحية الاقتصادية , فأنا مَعهم على الاستقلال الاقتصادي . ثم يَجيء رَابع فَيجدهم يَتكلمون في الأهداف الوطنية ، فلسطين وسوريا ولبنان واندونيسيا وشمال إفريقيا … ، يقولون: لا تَصلح أمة ما دامت يَدُ الغاصب تَستغل كل مشروع من مشروعات الحياة فيها , وما داموا مُكبلين بالأغلال – أغلال العبودية والاستعمار – ، فيقول: هذا جميل ، جميل أنهم يَعملون للصالح العام ، فأنا معهم . وهكذا نَجدهم قد اختلفوا في أغراضهم . ثم يَأتي الأول فيقول: ما لنا والسودان واندونيسيا وما إليها , لم نَنضم إلى الإخوان إلا على كلمة “لا إله إلا الله” والصلاة والصيام وما إليها , فما لنا وهذا ؟ فَيدخل في نفسه شيء . ويجيء الآخر فيقول: إننا اجتمعنا على الإخوان للعمل على الأهداف الوطنية , فما لنا والمأثورات والصلاة والصيام ؟ “دُوْلَ بِتُوع دين” ، مَا لي وهذا . ثم يَجيء الثالث ممن دخلوا على عمل الاستقلال الاقتصادي , وقد رآهم اتجهوا إلى ناحية الخير ، فيقول: ما لي وهذا , لقد عاونتهم على عمل الاستقلال الاقتصادي ، فمالي وهذا . وهكذا نجدهم اختلفت وجهاتهم وتغيرت أوضاعهم” .
ثم يقول: والواقع – أيها الإخوان – أن هذه الصورة تتراءى أمام الناس لأنها كلها عند الإخوان ، فالذي يَنظر إلى الإخوان من ناحية واحدة لا يَرى إلا ما وَقع عليه نظره ، أما مَن نَظر إليهم من جميع نَواحيهم ، فإنه يجدنا نعمل للإسلام ، ونستمد من الإسلام ، ولا نخرج عن الإسلام ، فَهِمنا الإسلام على أنه نظام كامل يُريد أن يُنظم شؤون الحياة ، وأول شأن من شُؤونه إصلاح النفس وحسن الصلة بالله  .
وتتكرر الاتهامات الموجهة للإخوان بِغموض الأهداف ، ويتناول حسن البنا هذه الاتهامات ليرد عليها بما يَزيدها غُموضاً وإيهاماً ، ونعرض هنا أحد رُدود حسن لبنا في حَديثِ الثلاثاء عن هذا الاتهام ، حِين يتحدث أحد المترددين على دار الإخوان عن غموض فِكرتهم ، ويريد توضيحاً لها فيقول حسن البنا: “ثم يُذكرنا الأخ بناحية أخرى فيقول: رَغم تَرددي على دار الإخوان المسلمين لم أَستطع أن أَتَبين هذا تبيناً كاملاً واضحاً ، لأنكم تَخوضون في كثير من المعاني العلمية ، ولا نَسمع عن فِكر الإخوان شيئاً ، فنحن نُريد كلاماً يُوضح الغاية ويكشف عن الوسيلة ، لِنَسير معكم على وضوح ، وإني أشكر للأخ هذا التوجيه ثم أقول: إن فِكرة الإخوان وهدفهم يُمكن أن يُوضع في جملة واحدة ، “إننا نريد أن نُحقق رسالة الإسلام” لأن للإسلام رسالة هي أكمل وأوسع وأتم الرسالات الكبرى ، لم تَر الدنيا في تاريخ الرسالات أحسن ولا أتم بالخير والعدل والرحمة منها” .
ثم يقول: “إن فكرة الإخوان هي تَخليص الناس من الآراء الكثيرة التي فَرقت الكلمة وصرفت القلوب ، وتُرجعهم إلى المعين الأول ، وهو ما كان عليه رسول الله  وأصحابه ، ثُمَّ نُحاول أن نَجمع القلوب على رسالة الإسلام حتى يَهُزَّهَا الشوق ويُحييها الأمل”  .
وإذا كان هُناك من انتقد مِن داخل جماعة الإخوان المسلمين تَورطها في السياسة ، فَهُناك على الجانب الآخر مَن أسكرته نَشوةُ الانغماس في السياسة ، ورفعت حَرارته الثورية الخطبُ المثيرة والواعدة ، واللهجة الواثقة بالنفس وبالمستقبل ، التي كان يَسمعها من المرشد العام وقادة الجماعة ، فاندفع يَستعجل الثمرة وجني الحصاد ، ولكن البنا يُحاول أن يُمسك بالعنان حَتَّى لا تَفلُتَ مِنه السيطرة على حركة الجماعة ، فيتوجه إلى المتعجلين ببيان مراحل الدعوة ، من تعريف وتكوين وتنفيذ ، لأن الدعوة لا بد لها من دعائم تنهض عليها ، من وضوح الفكرة وتحديدها ، واستخلاص المؤمنين المخلصين لها ، وتكوينهم بحيث يَنهضون بعبء الدعوة ، ويؤمنون بها ويغارون عليها ، ويكونون من الإيمان والارتباط والقوة بحيث لا يَنالون مِن قَريب ، ولا يَنصرفون عن دعوتهم إذا واجهتهم المصاعب والمشتقات التي لا بُدَّ مِنها في كل دعوة يُراد حَملُ الناس عليها” .
والبنا يُصارح المتعجلين بِأَنَّ المرحلة الثانية لَم تَكتمل ، “ولم تتكون بعدُ التَّكوين الذي يَسمح لنا بالتنفيذ العملي” ، وأنه مُصِرٌّ على الاستمرار في الطريق الذي رسمه ، وأن مَن عَصانِي وأبى إلا الفورة الوقتية والحماسة العاطفية والتهور الذي أعتقد أنه لا يُجدي ، فإن الله غفور رحيم ، ولينصرف عني إلى حيث يشاء ، ولكني لا أُريد أن أحمل تبعة طريق لا أثق بفائدتها .
مَن أراد أن يَتعجل فَمَيَادين التعجل أمامه فَسيحة ، فليعمل وليحمل تبعة عمله ، وأنا أعتقد أن البطولة الممتازة هِي جِهاد النفس في الصبر ، حتى يَحين الوقت المناسب لكل عمل ، ولن يطول الوقت الذي نُدعى فيه إلى كفاح جدي ، ولكننا لن نَتقدم بِغير إعداد مهما طال ، فاستعدوا ، وليكن أهم ما يَشغلكم حسن الاستعداد  .
وحول هذه المعاني صارح حسن البنا أتباعه – وبخاصة المتعجلون منهم – في خطابه في المؤتمر الخامس بأسلوب غاية في البلاغة والحصافة وبُعد النظر فقال: “إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده ، ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول ، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يَقطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال ، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات ، ومَن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويَحين القطاف فأجره في على الله .
أيها الإخوان: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول , وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف ، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع , واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة , ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة , ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غَلابة ، ولكن غالبوها واستخدموا وحَوِّلوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض ، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد  .
إن هذا التباين في المواقف مِن داخل جماعة الإخوان المسلمين كَان تعبيراً عن غموض الأهداف وتميُّعِهَا ، وهروبٌ من التحديد العملي لها .
قادة الإخوان يعترفون بغموض الأهداف
هذا عمر التلمساني – وهو المرشد العام الثالث – يذكر أن حسن البنا أخفى أهدافه وخدع الإنكليز والسراي ، حتى ثبت أقدام الدعوة , فيقول: في الوقت الذي وضع حسن البنا أسس الجماعة ونظامها وتشكيلاتها ، وبدأ في الانضمام للجماعة العشرات بل الألوف , فإن هذا الأمر لم يَلفت أنظار عناصر وقوى الضغط والنفوذ ، وأبرزها الإنكليز والسراي , وهكذا نجحت الدعوة ، وهذا من توفيق الله وذكاء حسن البنا في تثبيت أقدامها وترسيخها ، ثم بَدأت رُدود الفعل التي تفاوتت بين الشدة والهدوء . ويقول عمر التلمساني: في بداية الأمر فإن الإنكليز والسراي لم يكونوا مُتنبهين لأداء حسن البنا ، وكانوا يَظنونه شيخاً من مشايخ الطرق الصوفية ، ولم يُقيموا له وزناً أو احتياطاً لما كان يَهدف هو إليه ، فظلت الدعوة تَنشر مطالبة بعودة المسلمين إلى تعاليم دينهم ، ولما تكشفت الحقائق وعلمت السراي والإنكليز أن الإخوان المسلمين يُريدون أن يَكون الحكم شورى بين المسلمين – كما ورد في القرآن الكريم – شعر الطرفان أن دعوة الإخوان كانت تهدف أصلاً إلى تحرير الأوطان الإسلامية من الاستعمار والأجانب ، فأدركوا قوة خطر الإخوان وأدركوا حقيقة أهداف الإخوان المسلمين  .
ويذكر عمر التلمساني أن أهداف الإخوان بدأت تتضح في أواخر الثلاثينات ، أي بعد أكثر من عشر سنوات على تأسيسها ، وبدأ الإخوان يَتبينون أهدافها ومراميها في هدوء ، وفي بُعد عن الشعارات والإعلانات  .
وفي هذا اعترافٌ بأن حسن البنا كان يَحتفظ لنفسه بكثير من أهداف الجماعة بعيداً عن أعضائها وقادتها ، وأنه وحده الذي كان له الحق في أن يَبوح ببعضها لمن يشاء وفي الوقت الذي يُريده .
ومحمود عبد الحليم – أحد قادة الإخوان والمؤرخ المعتمد لديهم – يَذكر أن المرشد أخفى أهدافه عن الحكومة ، وَمَوَّهَ على الإنكليز الذين فُوجئوا بخطورة الإخوان ، فالحكومة المصرية لم تَفهم – في فترة الإخوان الأولى في الجامعة – فكرتهم ولا أهدافهم ، “ولكن الإنكليز تَنبهوا لخطورة هذه الدعوة ، حين رأوا فَجأةً استجابة لها في أواسط طلبة الجامعة ، وأقول فجأةً لأنهم لم يَكونوا يَعرفون عن دعوة الإخوان شيئاً قبل أن تصل الجامعة ، وتبين لي أن حسن البنا كان حَريصاً مِن أول يوم قام فيه بالدعوة على أن يُموه على الإنكليز ، ويتفادى أي إجراء يَستَلفِتُ نظرهم”  .
وكاتب آخر مِن كُتَّاب الإخوان يَعترف بأن حسن البنا لم يُفصح عن جميع أهداف دعوة الإخوان ووسائلها دفعة واحدة ، وأن هذا مِن دواعي التكتيك ، وأن حسن البنا كان قد حَدد مِن أول يوم للدعوة أُسسها العقائدية والحركية ، وأن مَراحلها قد حددها في نفسه ، ولكنه لم يُفصح عنها إلا لخاصته بين الفينة والأخرى ، وأما الآخرون فَلم يَعرفوا إلا الأهداف المرحلية الآتية التي كان يُعلنها للناس كافة  .
وذكر أن الدعوة بقيت مجهولة للأعداء ولم تتضح أهدافها إلا في المؤتمر الخامس ، ويذكر أن هدفه من هذا الاخفاء هو عدم لفت أنظار “الأعداء المتربصين بها ، فَيضربوها قبل أن يَشتَدَّ عُودها ويكثر أتباعها” … “والحقيقة أن هَذه الدعوة بَقيت مَجهولةً بالنسبة للأعداء ، إذ كانوا يعدونها من الحركات الصوفية ، أو جَمعية دِينية تقليدية مِن الجمعيات التي كانت مُنتشرة في مصر آنذاك ، … ، ولم تبرز كقوة تُهدد أطماع المستعمرين وتعرقل مُخططاتهم إلا حِينما أَفصح البنا عَن أهداف هذه الدعوة في المؤتمر الخامس لقادة الإخوان الذي عُقد عام 1938م”  .
ومما يُؤكد غموض الأهداف المقالات والتصريحات المتعارضة لحسن البنا عن طبيعة الجماعة ، فهو يَتساءل: “هل نَحن طريقة صوفية ، جمعية خيرية ، مؤسسة اجتماعية ، حزب سياسي ؟” ثم يجيب: “نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة ، … ، نحن نجمع بين كل خير” .
وفي المؤتمر السادس للإخوان المنعقد في 10 يناير 1941 م ، يَأتي تعريف الإخوان بِأنهم دعوة سلفية .. طريقة صوفية .. هيئة سياسية .. جماعة رياضية .. رابطة علمية ثقافية .. شركة اقتصادية .. فكرة اجتماعية  .
ويُعلن حسن البنا في رسالته المسماة: “بين الأمس و اليوم” فيقول:
أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية ، ولا حزباً سياسياً ، ولا هيئة موضعية الأغراض محدودة المقاصد ، ولكنكم روح جديد ، ونور جديد ، و صوت داو”  .
فحسن البنا في هذا المؤتمر يُنكر على الإخوان أنهم سياسيون حزبيون ، وفي نفس الوقت يَعترف بأنهم سِياسيون يَعتقدون أن الحكومة – وهي القوة التنفيذية – جُزء من تعاليم الإسلام .
وفي العدد العاشر من مجلة النذير عام 1938 م يَكتب حَسن البنا تحت عنوان “الإخوان بين الدين والسياسة” ، أهو تَدخل حزبي أم قيام بواجب إسلامي ؟ فقال: “ليس هناك شيء اسمه دين وشيء اسمه سياسة ، وهي بدعة أوربية”  .
وفي رسالته إلى الشباب يُذكر أن التفريق بين الدين والسياسة ليس من تعاليم الإسلام ، “فليهجرنا مَن يُريد تحويلنا عن هذا المنهاج ، فإنه خصم للإسلام أو جاهل به” . ثم يقول: “يُخطئ من يَظن أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دراويش ، قد حصروا أنفسهم في دائرة ضيقة من العبادات الإسلامية ، كل همهم صلاة وصوم وذكر وتسبيح ، فالمسلمون الأولون لم يَعرفوا الإسلام بهذه الصورة ، ولم يُؤمنوا به على هذا النحو ، ولكنهم آمنوا به عقيدة وعبادة ، ووطناً وجنسية ، وخلقاً ومادة ، وثقافة وقانوناً ، وسماحة وقوة ، واعتقدوه نظاماً كاملاً يفرض نفسه على كل مظاهر الحياة ، وينظم أمر الدنيا كما ينظم الآخرة ، اعتقدوه نظاماً عملياً وروحياً معاً ، فهو عندهم دين ودولة ومصحف وسيف”  .
وحول فكرة شمول الإسلام للدين والدولة يَذكر الدكتور إسحاق موسى الحسيني أن تَفكير الإخوان لم يَكن واحداً في كل الأوقات بالنسبة للإسلام كدين ودولة ، وهذه المراوحة بين وجهي الدعوة السياسية والدينية كانت تَخدم الجماعة وتساعدها في فترة توسعها الأولى على النمو ، فقد استطاع تحت سِتار الدعوة الدينية أن يَجذب كثيراً من العناصر ذات الاهتمامات الفطرية الدينية ، بعيداً عن الصراعات السياسية ، وتحت ستار الدعوة السياسية شَدَّ المتطلعين إلى العمل السياسي خاَرج نِطاق الأحزاب القائمة ، وهذا يُوحي بأن الغموض كان مفيداً ومُتعمداً يَخدم أهداف الجماعة  .
وللغموض في الأهداف حِكاية …
لقد ساعد هذا الغموض الجماعة في الهرب من تحديد البرامج السياسية الواضحة ، سواء بالنسبة للقضية الوطنية أو القضايا الداخلية التي تَمس مَصالح الجماهير العَريضة من الشعب .
ويُؤكد طارق البشري هذه الحقيقة فيقول: “كان هذا الغموض أيضاً يُعفي الجماعة من تحديد الأهداف الواضحة فيما يَتعلق بالقضايا السياسية الجوهرية التي تُواجه الأمة ، كالمسألة الوطنية ومشاكل نظام الحكم الداخلي ، ويُعفيها من تفسير الموقف العملي الذي تتخذه في كل مناسبة ، ويمنحها القدرة على أن تَطرح للناس موضوعاً أو مشكلة مُغايرة تماماً لما يَشغل الجميع من مشاكل سياسية حالة في أي لحظة ، والحقيقة أن الجماعة بِرَغم ما كان يَصدر عن قادتها من تعريض بالاستعمار أحياناً أو هَجوماً عليه ، كانت أَقل التنظيمات السياسية المصرية تعرضاً للمسألة الوطنية وتحديداً للموقف إزاءها ، وكان هذا مُثيراً للشكوك وملقياً فيضاً من الغموض عليها في أوقات كانت المسألة الوطنية خِلالها هِي بُؤرة الاهتمام العام ، وقد تَضمنت رسالة “نحو النور” مَا سُمي بالموبقات العشر ، ورَدُّ الاستعمار على رأسها ، ثم تَضمنت خمسين مَطلباً مِن المطالب العملية للدعوة تحت عنوان “بعض خطوات الإصلاح العملي” لم يَرد بها مطلب واحد يتعلق بالجلاء أو الاستقلال ، إنما اكتفت بعبارة: “تقوية الروابط بين الأقطار الإسلامية جميعاً وبخاصة العربية ، تمهيداً للتفكير الجدي والعملي في شأن الخلافة الضائعة”  .
تغطية الغموض بشعارات مثالية
خلاصة القول أن الأثر الإيجابي للجماعة في أحداث المرحلة لم يَكن يتناسب مع حجمها الكبير ، وكما ذكر طارق البشري بأن الغموض يَمنح الجماعة القُدرة على أن تَطرح للناس مَوضوعاً مُغايراً لما يَشغلهم ، فقد حاول حسن البنا تغطية هذا الغموض بإثارة الشباب وإلهاب حماسهم بشعارات مثالية طوباوية ، وإغراقهم في مثل هذه المتاهات ، وإثارة روح الاستعلاء والعنصرية عن طريق استثارة عبق الماضي وأمجاده وما يستنفره من خيلاء .
ففي رسالته بعنوان “إلى الشباب” يُذكر أن الله كتب لهم “منزلة الزعامة بين العالمين ، وكرامة الأستاذ بين تلامذته” … “إنكم سادة الدنيا ، وأساتذة العالمين” ، وهي شعارات حماسية ومبالغات لاستنهاض الهمم ، ولا بَأس من ذلك . “إن العالم كله حائر يَضطرب ، وكل مَا فيه من النُّظُم قد عجز عن علاجه” … “فتقدموا باسم الله لإنقاذه ، فالجميع في انتظار المنقذ” .
الغموض في التفاصيل
وليس معنى غموض أهداف الإخوان المسلمين أن أدبياتهم قد خلت من الحديث عن هذه الأهداف ، بل مَعناه أن أهدافهم السياسية الخاصة بالقضايا التفصيلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لم تَكن بالتحديد الكافي لهيئة تتصدى للعمل السياسي ، هذا عَلاوة على إنكارها أحياناً أنها تَعمل بالسياسة أو أنها حزب ، بينما تُمارس نشاطاً سياسياً وحزبياً ، وتُطالب بإلغاء الأحزاب . أما عن المناهج العامة والخطوط الرئيسة فإننا نَجد الكثير من التصريحات والمقالات النافذة خاصة عند تشخيص الداء ، ففي 1934م ، كتب حسن البنا بمجلة “الإخوان المسلمون” تحت عنوان “ناحية واحدة لا تكفي” ، دَاعياً  إلى تعدد نواحي الإصلاح ، بل لا بد لها من أن تَتناول كل النواحي بِالتقويم والتجديد ، سواء في ذلك النواحي الاجتماعية أو الاقتصادية أو الخلقية أو الأدبية الفنية أو الفكرية العلمية أو السياسية أو القانونية ، وذلك حتى يُقوي بعضها بعضاً .
وقد اشتملت أهداف الإخوان – بجانب إعادة الخلافة والوحدة العربية الإسلامية ، وإدماج الأحزاب في هيئة واحدة ، وتطبيق نظرية الإسلام الاقتصادية – على إعادة النظر في نظام الملكيات في مصر ، وذلك بتحديد أو اختصار الملكيات الكبيرة ، وتعويض أصحابها ، وتشجيع الملكيات الصغيرة ، ولكنها لم تَضع حداً أعلى للملكية ، وانتزاع المرافق العامة من الشركات الأجنبية ، وتوزيع أملاك الحكومة على صغار الزراع ، وفرض ضريبة الزكاة على رأس المال والربح ، وإقرار الضرائب التصاعدية وإعفاء الفقراء منها ، وتحريم الربا ، والعودة إلى القرآن والسنة كمصدرين للتشريع  .
أسباب غموض المناهج
ونستطيع بعد هذا السرد أن نُجمل الأسباب الكامنة وراء غُموض البرامج عند الإخوان المسلمين فيما يلي:
1-    يجذب الغموض إلى الجماعة كثيراً من الجماهير ومن القوى السياسية المتباينة في المواقف السياسية والأهداف العملية ، وقد تَمكنت الجماعة من النمو تَحت شعار الدعوة الدينية البحتة في فترتها الأولى .
2-    يُعطى للمرشد الفاعلية في مُراوغة الحكومات والأحزاب والرأي العام بوجهي الدعوة ، فيؤكد على الطابع الديني إذا وجد في الحكومة رئيساً قوياً ، وينغمس في الصراعات السياسية إذا وَجد رئيساً ضعيفاً .
3-    يُفيد الغموض في الحركة الطليقة التي لا تَتقيد بِأهداف محددة ولا مناهج مُسبقة , فيعفي الجماعة من تَحديد الأهداف الوطنية وتحديد الموقف مِنَ المشاكل الداخلية وتفسير مواقفها العملية في كل مناسبة ، ويُعطيها القدرة على طرح موضوعات مُغايرة لما يَشغل الناس .
4-    يَحل الغموض مُشكلة تَرتبت على مُطالبتها بإلغاء الأحزاب رغم أنها حِزب سِياسي يَسعى للسلطة ، وهي في هذا تَتستر وراء اللافتة الدينية .
5-    يُفيد الغُموض في انطلاق السلطة الشخصية التي تعتمد على حرية العمل والتصرف ، وانتقاء المحاسبة من قبل الآخرين , والغموض “يُحيل صاحب الدعوة من عامل مُلتزم بتحقيق فكرة ما إلى صاحبٍ لهذه الفكرة يدور بها حيث شاء ، ويَستر في خَفائها حَركته وبواعثها ، ولا يَكون للآخرين إزاءه إلا الطاعة أو الخروج عليه , وكذلك بالنسبة لما يَلقى مِن آراء ومَبادئ مُتعارضة تُشيع اللبس ، ويَجري الاختيار مِنها حَسب المشيئة بِغَير التزام”  .
ولا يستطيع غيره في أي مَوقف أن يُوضح ما غَمض وانبهم مِن تصرفات الجماعة , فكان الغموض مُصادرة للمعرفة لحساب المرشد فقط ، وكان غموضاً واعياً ومقصوداً ، وقبلت الجماعة هذا الوضع مما تَرتب عليه نَوع من التقديس للفرد ، أو كما قال “هيوارث دان”: إن هناك نوعاً من المهدية في حركة الجماعة , وإن المرشد العام هو المهدي  .
وقد نتج عن هذا التقديس أن استشعرت الجماعة – بعد اغتيال مرشدها العام – اليتم ، وفقدت الرشد ، واتسم نموها الكبير بطابع الشيخوخة السريعة ، فظهرت الخلافات السياسية بين أعضائها وقادتها ممتزجة بالأطماع الشخصية ، وباختفاء حسن البنا فقد الغموض القوة المتحكمة فيه ، والمسيطرة على الجماعة من خلاله ، وأصبح هذا الغموض هو القوة غير الواعية المتحكمة في الجماعة  .
التربية الإخوانية للأعضاء
أولاً: المخادعة:
من أبرز مناهج الإخوان التربوية الاهتمام بالعضو اهتماماً مُبالغاً فيه لدرجة السيطرة على عقله وفكره وحتى جسده ، وصولاً لمرحلة مُتقدمة من التأثير في تصرفاته السلوكية وحتى النفسية ،
فمن الأمور الملفتة للنظر – والتي أثارت نقداً موجهاً لحسن البنا ولجماعته فيما يتعلق بأسلوبه في مواجهة النقد الموجه إليه أو إلى الجماعة – أنه عمل على المراوغة وعدم المجابهة ، وإشاعة جَوٍّ مِن التعتيم التام على الآراء المعارضة , والقدرة على الهروب من تحديد المواقف الواجبة ، وإبدالها بقضايا جانبية تَستقطب الاهتمام وتمتص الطاقة بعيداً عن المشكلات الرئيسة , مُستثمراً في ذلك قُدراته الأسطورية في الحديث والخطابة ، وما يَتمتع به من إجلال ومَهابة في قلوب أتباعه , ويُعَبِّرُ طارق البشري عَن هذه المجابهة والمخادعة فيقول: “اشغلوا الناس عن الفكرة الباطلة بالفكرة الصحيحة” أي صَرف انتباه الناس عما يَنشغلون به إلى مَا يَرى شُغلهم فيه بغير مجابهة ولا نقاش  , وكان يقول: “إن الإشاعة يُقضى عليها بعمل إيجابي نافع يَمتلك الأنظار ويستنطق الألسنة بالقول ، فتحل الإشاعة الجديدة وهي حَق ، مكان الإشاعة القديمة وهي باطل” .
وكان يستثير العواطف لا بموقف حَازم مِن الاستعمار يُجابه به مَا يَشغل الناس فعلاً , ولكن بإثارة فِكرة جَديدة يُريد شُغلهم بها ، فيقول: “إن الدور عليكم في قيادة وسيادة الشعوب ، وتلك الأيام نداولها بين الناس” ، ثم يتكلم عن أن الدين يُوجه المسلمين إلى أَفضل استعمار وأبرك فَتح ، … ، وَيُقيم الْمُسلمين أَوصياء على البشرية القاصرة ، ويُعطيهم حَقَّ الهيمنة والسيادة على الدنيا  .
هذا في الوقت الذي نَشكو نحن ، ونُجاهد ضد التسلط الاستعماري الانكليزي على أرضنا وشعبنا ، وكأنه – بهذه الروح الاستعلائية الفارغة والنظرة المتعصبة – يُقدم المبرر للسيطرة الاستعمارية الممقوتة في عصر تناضل فيه الشعوب ضد نزعات التسلط والنهب والاستعلاء ،
ولا شك كان أسلوب المراوغة والمخادعة والبعد عن القضايا المركزية إلى القضايا السطحية هو منهج اتبعه جميع الخلفاء الذين تعاقبوا على رئاسة الإخوان .
ثانياً: السيطرة على العضو جسدياً وفكرياً:
لقد كَوَّنَ حسن البنا كتائب أنصار الله في خريف عام 1937م ، بهدف استيعاب نشاطات العضو البدنية والعقلية والروحية ، وضمان ولائه للجماعة وأفكارها وأعضائها , وإن كل كتيبة تلتقي على حِدة في ليلة من الأسبوع لِتمارس تَدريباتها في تلك الليلة ، وكانت هذه التدريبات تتضمن السهر ليلاً وأداء أكبر قَدرٍ مُمكن مِن صَلوات الفرد والجماعة والتسبيح , وأقل قَدر مُمكن من النوم ، وكانت هذه الجلسات يَتخللها تَوجيهاتٌ رُوحية في أَيِّ مَوضوعٍ بَدءاً مِن الصُّوفية وانتهاءً بِالجنس ، يُلقيها حسن البنا في أي وقت من الجلسة , وكان الالتزام المطلوب مِن عُضو الكتائب يَتلخص في ثلاث كلمات: العمل والطاعة والصمت  ، وبهذا الالتزام يُصبح العضو مُهيأً للانضمام إلى التنظيم السري .
وحين فَشل نظام الكتائب في إنجاز البرامج والمراحل المعد لها ، وانتقلت الوظيفة التي كانت مَرجوة منه ، وهِي التلقين العقائدي التربوي ، وضمان وَلاء العضو للجماعة ، انتقلت إلى نظام الأسر الذي أُنشئ في أيلول 1943م ، هذا علاوةً على مُشاركة فِرَقِ الجوالة في النهوض بَعده بالوظيفة منذ نَشأتها ، فعضو الأسرة يَخضع للتزامات شخصية واجتماعية ومالية تَنعكس على سلوكياته الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، بِهَدف تكوين الشخصية الإسلامية مع التركيز على التنشئة الأخلاقية والاجتماعية للعضو . فالعضو مِن الناحية الشخصية مُلتزم بأداء فَرائض الدِّين وتجنب الكبائر وإثبات الولاء الدائم للتنظيم ومبادئه وقادته وهداية منزله ، ومن الناحية الاجتماعية يُقوي عَلاقاته بالأسرة فَيحضرُ اجتماعاتها ويَقضي مَعها ليلة شهرياً في الهواء الطلق يَتناول معهم وجباتهم جماعةً وينامون معاً ، ويُؤدون صلاة الجماعة الفجر والعشاء معاً وجماعة . ومن الناحية المادية فكل عُضو مسؤول عن بقية الأعضاء يتحملون معاً الأعباء ويقتسمون المكاسب , والعلاقة بين أفراد الأسرة تُبنى على دَعامات التعارف والتفاهم والتكافل .
وكان مكتب الإرشاد العام في توجيهاته حريصاً على ربط الأعضاء بالجماعة وامتصاص كل وقتهم لحساب برنامج الجماعة , ففي المنشور الدوري الأول لسنة 1358ه الصادر عن هذا المكتب ، يُعدد مظاهر النشاط الشهري للإخوان ، فَنَجد فيه “يوم النصيحة .. يوم الآخر .. يوم العبادة .. يوم التعارف” كما يُعدد مَظاهر النشاط الأسبوعي ، فَنجد فيه أيضاً: ليلة الدرس الذي يُلقيه المرشد في القاهرة . ويُلخص في “النذير” ليلة الكتيبة – يوم المعسكر  .
لقد كانت الجماعة حريصة على أن يعيش العضو كل لحظة من حياته في إطار قيم ومبادئ وسلوكيات وتوجيهات الجماعة ، فلا يَتنفس إلا مِن خلال أوامرها ونواهيها ، فهي لا تَعتمد في ربط العضو بها على الإثارة وحدها ، ولا تَكتفي بعمل العضو بها على الإثارة وحدها ، ولا تكتفي بعمل بين صفوفها في اللجان المختلفة ، ولكنها بعبارة طارق البشري: تضعه كفرد بين عدد ضخم من الواجبات تحيط بحياته كلها ، وترسم له أعماله وسلوكه اليومي وعلاقاته الشخصية , وتنصحه حتى بالتزام طريقة معينة في التحدث والضحك , وثمة واجبات لبدنه .. وواجبات لخلقه .. وواجبات لجيبه .. وواجبات لغيره .. وواجبات للدعوة .. وواجبات لربه .. وواجبات قبل النوم .. وثَمَّة تَعليمات عن زيارة الآخرين والتجمل في الحديث . وإن اتباع كل هذه التعليمات والنصائح التنظيمية يجعل عضو الجماعة عضواً بها في كل لحظة من لحظات عيشه , فَلا تَشمل مَهامه التنظيمية جانباً واحداً مِن جَوانب حياته ، بَل تُحيط بِجوانبه كلها ، فَيُمارس نشاطَهُ اليومي لا باعتباره فرداً عادياً ، ولكن بِاعتباره عضواً وأخاً مُسلماً ، وذلك يعني أن تمتص الدعوة والجماعة كل نشاطه الحيوي ، ويرتبط بها لا فهماً وإيماناً فحسب ، وليس في نشاطه العَام فقط ، ولكن في جميع نَثريات الحياة , بحيث يُصبح كما لو كان يَستمد وجوده المادي منها , ويَخلق فيه ذلك الطواعية والسلاسة لجماعته ، ويُصبح هو والآخرون مِن إخوانه مجتمعاً مُنغلقاً يَحيا أفراده حياتهم اليومية وِفق تعليمات وضعتها قيادتهم لا يُشاركهم في الالتزام بها أحد من خارجهم ، وبهذا يَذوب الأفراد في الجماعة وفي زعيمها المعد لها المبايَع على السمع والطاعة ، بواسطة أمور لا تتعلق بهدف سياسي مُعين ، ولا بمنطق عَقلي واضح ، ولا بنشاط عام مُحدد ، ولكن يَذوبون بالانسياق من الداخل , ويتم البناء النفسي للفرد مع إشاعة عَبق سَلفي يُحيط بالجماعة ومنشآتها وأفرادها .
ثالثاً: امتصاص طاقات الأعضاء بعيداً عن القضايا الرئيسة:
كان طبيعياً بسبب الهيمنة الفردية والأسلوب غير الديمقراطي في التنظيم ، ونوع التربية السياسية التي ربى حسن البنا الجماعة عليها ، أن تتجه طاقات الأعضاء بَعيداً عن القضايا الرئيسة الوطنية والاجتماعية , وأن تبدو جماعة الإخوان كالتيار الشارد مُنفصلاً ومتعارضاً مع القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية ، ومُقترباً بدرجات مُتفاوتة مع السراي وأحزاب الأقلية , وبذلك استطاعت قيادة الإخوان المسلمين استلاب طاقات جماهير أعضائها – وهي طاقات كبيرة – عن المشاركة الإيجابية في قضايا الأمة والمجتمع وامتصت ثَوريتها ، ويُعبر طارق البشري عن هَذه الحقيقة حين يقول: “كانت الجماعة تَضم قسماً من الجماهير ، والشباب كان له ثقله السياسي الكبير لو وجه إلى الطريق الصحيح للثورة وأسهم في حل المشاكل السياسية والاجتماعية التي كانت تواجه الشعب وقتها , ولكن الجماعة اختزنت ثورية الآلاف من هؤلاء وامتصت طاقاتهم ووجهتهم إلى غير متوجه ، وكأن تنظيم الجماعة بأسلوبه غير الديمقراطي مِن العوامل التي أدت إلى تحكم القيادة في هذه الجماهير , كما كان لِنوع التربية السياسية التي درب المرشد السابق المحيطين به عليها , كان لذلك كله أثره في نجاح قيادة الجماعة في عَزل الكتلة الشعبية العريضة المختزنة داخل الجماعة عن المشاركة في قضايا الشعب وقضاياه”  .
البنَّا يُضفي عَبقاً سلفياً على دعوته
لكي يُعَمِّق حسن البنا إحساس الأعضاء بدعوته ويُغريهم على الإقبال عليها والتشبث بها ولاستماتته في الدفاع عنها ، أضفى عبقاً سلفياً على الدعوة بمقارنتها بالدعوة في عهد الرسول  وتشبيهها بها ، فهو يَقف بين أتباعه يُحدثهم حديث الثلاثاء ويقول لهم: كل ما وجدت مع الإخوان في حَفل شَعرت بخاطر ، هذا الخاطر هو المقارنة بين عهدين لدعوتنا: عهدها الأول: حين قام الرسول  وحده يُجاهد مُنفرداً ، وعهدها الثاني: عهد انبعاثها على أيديكم أنتم أيها الإخوان ، فَقُمتم تُجددون العهد وتحشدون القوى وتبذلون الجهود ، حتى يَرجع للدعوة شبابها وتكتمل قوتها  .
ويُؤكد هذا المعنى في مَوقف آخر حين يُشَبِّه وقفته بين أتباعه بوقفة النبي  واجتماعه بأصحابه الأول في بطن الصفا ، ويفيض عليهم من رُوحه الكريم ومن آيات الوحي الإلهي , ويُحاول حَسن البنا بذلك أن يَبعث في أتباعه رُوح الأمل في النصر ، وأن يَستثير فيهم روحاً مِن التعالي والقداسة ، مُستنفراً وُجدانهم الديني فيقول: “أيها الإخوان الفضلاء: إن ما تُثيره في نفسي الليلة ، عاطفة الثلاثاء شعور من نوع جديد ، فهو رجوع بالذهن والفكر والقلب معاً إلى بطن الصفا , بَدأت نفسي تُحس هذا الشعور لأول ما وقفت في صلاة المغرب الليلة ، وقفت ونظرت إلى الإخوان ، وكانت هذه النظرة هي التي ذَهبت بِفكري وقلبي إلى بطن الصفا ، حيث كان يجتمع رسول الله  لأول دعوته مع نخبة من مختلف الأعمار والمنازل ، فمنهم الصبي , ومنهم الكهل , ومنهم الشاب , ومنهم الغني , ومنهم الفقير , ومنهم الظاهر , ومنهم المغمور , ومنهم اللقن المثقف , ومنهم الأمي العامي , ومنهم العبد , ومنهم الحر ، وهم جميعاً في عَدَدِ الأصابع لا يَزيدون عن الآحاد ولا يَصلون المائة ، ويجتمع  مع هذه النخبة في بطن الصفا ، ويفيض عليها من روحه الكريم ، ويُلقنها من كتاب الله العظيم ، ويُملي عليها من آيات الوحي الإلهي ، ويكون منها الأمة الجديدة بالدعوة الجديدة للعالم الجديد .
والله يا إخوان: كنت أَنسى التكبير في الصلاة لأني كُنت أغلب في تصور هذا الموقف , فَطَويت النفس على ما في النفس ، وانتهزتُ فُرصة هَذه الوَقفة بَينكم لِأُنَفِّسَ عَن نفسي بَعض ما في نفسي ، لم لا يكون من هذا الانعقاد – الصفا – ومن هذه الفئة الجديدة التي يُبني عليها العالم الجديد ؟ وطالعت في أشخاصكم وفي صدوركم هذه النخبة الكريمة بين يدي رسول الله ” .
ويُذكرهم بأن هذه النخبة التي اجتمعت برجل – النبي  – ليس بأعظمهم جاهاً ولا بأعزهم عدداً ولا بأقواهم عُدة ، ولكنه رجل منهم , ثم يَتساءل فيم كان هؤلاء يَحلمون وفيم كانوا يُفكرون حِين اجتمعوا في خِفية وفي مناجاة سرية ؟ ويجيب: إنهم يُريدون أن يَضعوا في رؤوس الناس عقلاً جديداً وأن يُقيموا على ظهر الأرض دُنيا جديدة , وأن يُرَمِّمُوا مِن هياكل البشرية بناء جديداً .
وأشار إلى أن هذه المجموعة العَزلاء القليلة استطاعت أن تُقيم نظاماً جديداً وإنسانية جديدة ، وأن تَجمع قلوب العباد على رب العباد حِين قامت دعوتها على الإيمان الكامل والحب والتضحية , وخَتم كلمته بأن هذه الأسس لو قامت في أنفسنا كما قامت في أنفسهم لَسلكت بنا من مسالك العزة والنصر ما سلكت بهم  . وهو في مكان آخر حين يتحدث عن ذكريات الهجرة وعن نشوة اللقاء بالإخوان ، يتمنى أن يَخرج مِن أتباعه “جيش الخلاص والإنقاذ” ، مثل أهل مكة والمدنية ، تجمعهم عاطفة الإيمان الجبارة ، وتجمعهم فكرة واحدة تجعلهم صفاً واحداً . فكم مِنَّا يَستطيع يا أخي أن يَكون هَواه تبعاً لما جاءت به الدعوة ؟.
فمتى تَصل فِكرتنا – أيها الإخوان – إلى درجة أن تَكون هي المهيمنة الأولى على كل أعمالنا ؟ فما وافقها قَضيناه وما خالفها خالفناه ، ولو أن الفكرة سَيطرت على مجموعة مثل مجموعتنا هذه إلى هَذا الحد لأحدثت في العالم حدثاً ، هذَا شأن بعيد كاف لالتفاف القلوب حولكم وحدبهم عليكم  .
وحين يُضفي حَسن البنا على دعوته عبقاً سلفياً وروحاً قُدسية يَلتمس لنفسه السبب في أن نَجاح الأعمال وانتصارها لا يَتوقف في رَأيه على كَثرة العدد ، وإنما يَتوقف على القوى الروحية ، فهي القوى الكبرى والوسيلة المجدية ، ولها فِعل السحر وتأثير الكهرباء ، فإن الإيمان بالفكرة والالتفاف حولها هو كل شيء  .
ولقد كانت الإثارة العاطفية بالعبق السلفي مِنَ الوسائل التي تَبعث الحَمِيَّة في نفوس الأعضاء ، وكانت مِنَ العوامل التي جَدبت انتباه الأعداد الكبيرة التي تَبنَّت فِكر الجماعة في الأربعينات في حياة حسن البنا , ولذلك حِينَما تَغيرت أساليب التَّلقين العَقائدي في عَهد المرشد الجديد “حسن الهضيبي” فَشلت الجماعة في جَذب انتباه هَذه الأعداد الكبيرة ، فَلقد ابتعد المرشد الجديد عن التوجه العاطفي إلى الجماهير على غرار ما كان يَحدث في فترة حسن البنا , وكان الهضيبي يَكره استعراضات القوة ، ويَنتقد كُلَّ مُستلزمات الاجتماعات الجماهيرية ، بَدءاً من الأحاديث النارية إلى إلقاء الشعارات وتأجج المشاعر والتظاهر ، وكان “الهُضَيبي” يَعترض على ترديد الشعار التقليدي “الله أكبر ولله الحمد … الخ ” أثناء الاجتماعات العامة ، وكان هذا جزءاً مِن سياسته في مكافحة الشعارات ومبالغات الماضي ، وكان اعتراضه على الشعارات الصوتية بمثابة إطفاء لجذوة حماس العضو  .
ولقد اتبع حسن البنا في تربيته للأعضاء منهجاً مُتدرجاً يَأخذ بالعضو مَرحلة بعد الأخرى حتى يصل به إلى مَرتبة المجاهد ، فَقد قَسَّمَ الأعضاءَ إلى ثلاثِ مَراحل:
المرحلة الأولى التمهيدية: وقد وَضع لها منهجاً مُيسراً يَتلاءم مع العضو المبتدئ , فعلى هذا العضو أن يُلِمَّ بِالمبادئ الأساسية للإسلام , وعلى المنهج في هذه المرحلة أن يَغرس العقيدة الصحيحة في القلوب ، مع قِراءة القران الكريم وتعليم التجويد … الخ .
المرحلة الثانية التكوينية: ومنهجها يُوضِّحُ أركان الإيمان فهماً والتزاماً ، ويُفسر القرآن ، ويَشرح الحديث , ويُعمق العقيدة ، ويَضع خطة للتربية الروحية والخلفية ، والدراسة العلمية والثقافية ، … الخ .
المرحلة الثالثة: وفيها يُلزَمُ الأخ بدراسات خاصة ، كالفقه وأصوله , والسنة ومكانها في التشريع ، وتاريخ الإسلام والحركات المعاصرة ، وما يُدبره أعداء الإسلام , كما يُلزَمُ الأخ بقيام الليل وتلاوة القران وتدبر معانيه ، مع إعداد النفس وتهيئيها للبذل والتضحية ، والقيام بالواجب نحو أمته وأوطانه  .
وقد اتبع حسن البنا – بجانب الدراسات النظرية للأعضاء – نماذج من التربية بالقدرة , فكان يَلتقي بتلاميذه من الشباب في رحلات تَستمر يوماً أو بَعض يوم خارج المدينة , أو في لقاءات داخلها يَنتقل بهم في مجالات مُختلفة ، من صلاة إلى تلاوة ، إلى إطعام مُشترك ، إلى تدريبات رياضية ، إلى جلسات روحية ، إلى تدريب على الخطابة ، وكان بِذلك يَربط بين النظرية والتطبيق العملي ، فكان يُصلي بهم صلاة طويلة مُطمئنة يَقرأ فيها من طِوَالِ المفصل من آيات القران الكريم ، وكان يُقَدِّم تَلاميذه تباعاً للإمامة لِيُدَرِّبَهُم عليها ، ويزرع فيهم الثقة بأنفسهم ، ويَضطرهم مِن بُعدٍ للحفظ والتجويد ، وأثناء تناولهم لطعامهم المشترك يَذكُرُ لَهم بَعض الأحاديث التي تتعلق بآداب الطعام والشراب ، وحِين يَقودُهُم إلى تدريبات رِياضية يُذَكِّرُهُم خِلالها بآداب الرَّميِ وَالسِّبَاق والجهاد … ، ويَدعوهم لقيام الليل للعبادة فرادى وجماعات ، ويَضرب المثل بنفسه فيكون أسبقهم , ويَجلس بَينهم جَلسات روحية للذكر والتلاوة ، ولا مانع مِن سرد القصص والحكايات المشوقة اللطيفة ، وأحياناً يَصل التأثر الذي تَرق به القلوب إلى حَدِّ البُكَاء
، وكان يُعلمهم أساليب الخطابة والدعوة , ويَعقد الجلسات للنقد المتبادل بَين الخطباء ، فَيُدربهم بذلك على مُواجهة الجماهير وقيادتها ، ويَفُكُّ عُقدة ألسنتهم فتنطلق فَصيحة مُعبرة ومُؤثرة ، وكان الحب يَحوط هذه الرحلات واللقاءات , ويترك ذكريات حُلوة تَزرع الرغبة في تكرارها ، وَكان لحسن البنا قُدرَةً خَارقةً عَلى التأثير في أتباعه , يَستَثِيرُ العَاطفة بإقناع العقل ، ويُلهِبُ الروح بالمعنى لا باللفظ  .
التحايل والالتفاف في مواجهة الموقف
كان لحسن البنا أسلوبه الماهر في الالتفاف والتحايل والبعد عن المجابهة ، فهو يقول: “اشغلوا الناس عن الفكرة الباطلة بالفكرة الصحيحة” . ويقول: “إن الإشاعة يُقضى عليها بعمل ايجابي نافع يستلفت الأنظار ويستنطق الألسنة بالقول , فتحل الإشاعة الجديدة وهي حق مكان الإشاعة القديمة وهي باطل” . ويقول: “إن الدور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب ، وتلك الأيام نداولها بين الناس” . ويقول: “إن الدِّين يُوجه المسلمين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح”  .
ويقول حسن البنا في رسالة “الإخوان المسلمون تحت راية القرآن”: إن مُهمتنا أن نقف في وجه  هذه الموجة الطاغية من مدينة المادة وحضارة المتع والشهوات التي جَرَفَت الشعوب الإسلامية ، حتى تَنحسر عن أرضنا ،  ولسنا واقفين عند هذا الحد ، بل سَنُلاحقها في أرضها وسنغزوها في عقر دارها ، حتى يَهتف العالم كله باسم النبي   .
وهو بهذا كأنه يُشَرِّعُ للعدوان الواقع علينا , فكيف يَستسيغ ذلك ؟ وكيف نُوفق بين الموقفين لندعم شرعية مُطالبنا في الاستقلال والحرية ؟
وفي رسالة “إلى أي شيء ندعو الناس” يقول: “إن القرآن الكريم يُقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة ، ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة” ثم يقول: “مهمتنا سيادة الدنيا وإرشاد إنسانية كلها”  .
فما هدف هذه العنتريات ؟ وهل هي نعرة تعصب واستعلاء ، أم مُحاولة لِبَثِّ الثقة في النفوس واستنهاض الهمم ؟ أليست هذه مُبالغات حَماسية تشغل الشباب وتدفعهم إلى التلهي بها عن دراسة الواقع الأليم والخروج بالحلول الواقعية والممكنة بدلاً من التعلق بأهداف خيالية تتناقض مع حقائق العصر وتتصادم مع قيمه ، وتُسيء تفسير الإسلام بما يَتعارض مع حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها ، وتدفع في النهاية إلى اليأس أو التهور ؟.
وفي العدد الأول من مجلة “الإخوان المسلمون” السنة الخامسة ، سنة 1937م ، نشر حسن البنا كلمة كان قد ألقاها في حَفلٍ خِتامي لِطلاب الإخوان المسلمين تحت عنوان “فليطمئن الزعماء” ، وتستشعر في كلماته أيضاً رُوح الاستعلاء والتعصب والعزلة ، فقد جاء في حديثه عن طبيعة دعوة الإخوان: “فدعوتنا تبني ولا تهدم ، وتأخذ بالإيجاب دائماً ، فعلينا أنفسنا قبل كل شيء ، … فعلينا أن ندرس قانونناً وفيه الكفاية ، ونقتدي بما يَقول قادتنا … ، وفي رسالة المأثورات غناء” .
وفي موقفه مِن الدعوات الأخرى دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية ، نلمس إلى جانب الاستعلاء التعصب والعزلة ، ونلمس روح التلاعب والمراوغة أمام نداءات الوحدة أو الجبهة ، فيقول: “إن خير طريق نَسلكها ألا يَشغلنا الالتفات إلى غيرنا عن الالتفات إلى أنفسنا ، وإن أُمتنا والميادين الخالية فِيها مُحتاجة إلى جُنود وإلى جهاد ، والوقت لا يَتسع لِنتطلع إلى غيرنا ونشتغل به” .
وهذا الكلام المنمق يُغلف المراوغة والتلاعب ، لأن الميادين الخالية التي يتحدث عنها تشغل بكفاءة أكثر مع الوحدة والعمل الجبهوي ، وهو يُطالب بعدم الرد على ما توجه هذه الهيئات من اتهامات للجماعة: “ولا يشغلكم الرد عليه عن الجد فيما أخذتم أنفسكم بسبيله ، وستسمعون أن هيئة تتهمكم بالاتصال بهيئات أخرى تَكرهها أو تصادمها , فلا تهتموا بذلك ، ولا تحاولوا أن تنفوه أو تثبتوه ، فإن على المتهم أن يُثبت والبينة على من ادعى , وستسمعون أن قوماً يُريدون أن يَتصلوا بكم ، وأن تتصلوا بهم من أهل العمل ، إما صادقين أو غير صادقين ، فأحب أن أقول لكم هُنا بكل وضوح إن دعوتكم هذه أسمى دعوة عَرفتها الإنسانية ، وإنكم ورثة رسول الله  ، وخلفاؤه على قرآن ربه ، وأمناؤه على شريعته ، … ، وإذا كنتم كذلك فدعوتكم أحق أن يَأتيها الناس ولا تأتي هي أحداً ، وتستغني عن غيرها  ، إذ هي جِماع كُل خير ، وما عداها لا يَسلم من النقص ، إذن فأقبلوا على شأنكم ، ولا تساوموا على مناهجكم ، واعرضوه على الناس في عز وقوة ، فمن مَدَّ لَكم يده على أساسه فأهلاً ومرحباً ، أخٌ لكم يَعمل معكم ، ويؤمن إيمانكم ، وينفذ تعاليمكم ، ومَن أبى ذلك يَأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه .. لا تستعجلوا .. وستكونون من المطلوبين لا الطالبين” .
الإخوان المسلمون واحتكار الدين
لم تَكتَفِ عَقيدة الإخوان بالانعزال عن مشاكل الناس ، وإنما أرادت أن تُعمق عُزلة الإخوان عن بقية طوائف الشعب ، وتبعدهم عن التفاعل مع التيارات والهيئات المختلفة ، وتخلُقَ فيهم روح التعصب وضيق الأفق ، ففي البند الرابع مِن عقيدتنا “نص على مقاطعة كل الصحف والنشرات والكتب والهيئات والفرق والأندية التي تناوئ تعاليم الإسلام” ، وهي تَرى أن كل ما عداها من الهيئات مُناوئٌ لتعاليم الإسلام ، لأن المؤتمر الثالث أيضاً قَد اتخذ قَراراً يَحتكر به الإسلام لحساب الجماعة ، فذكر أن على كل مسلم أن يَعتقد أن هذا المنهج كله من الإسلام ، وأن كل نقص منه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة  .
وقد علق الدكتور محمد عمارة على هذا القرار بأن “الجماعة تُصادر به الدين لمصلحتها ، وبهذا لا تُصبح مُجرد جمعية تُطبق الدين كما يُحاول غيرها أن يَفعل ، وإنما تُؤكد أن مَنهجها وحده هو الإسلام الصحيح ، ومِن ثَمَّ فإن مَن يَقف ضِدها كجماعة يَكون خارجاً على الإسلام ذاته ، إنه مبدأ يَسعى للسيطرة على الإسلام لا للاتصاف به فقط  .
ويعلق أحد الكتاب “خليل سيد عبد العال” على هذا التحليل بقوله: “وبهذا يُمكننا أن نفسر حملات القتل والاغتيال التي نَظَّمَهَا أعضاء الجماعة ضد خصومها”  .
كما يمكننا أن نبصر في هذا الاتجاهً المتعصب وضيق الأفق ، والذي ظهر في مؤتمر الإخوان عام 1935م البدايات الأولى التي مَهدت في السبعينات والثمانينات لفكر جماعات التكفير والهجرة ، وكلها خَرجت من تحت مِعطف الإخوان المسلمين . وبهذا المنهج الديني الأخلاقي البعيد عن السياسة عاشت جماعة الإخوان المسلمين في مَرحلتها الأولى ، بَعيدة عن الأضواء ، مغمورة بين الهيئات السياسية ، ومجهولة من هذه الهيئات ، ومَن يَعرفها يَعرفها كهيئة دينية مع محاولة البعض الاستفادة منها في تحقيق أطماعه في الصراع الدائر بين التيارات السياسية والاجتماعية .
وما يدل على أن حركة الإخوان كانت مغمورة وغامضة وغير واضحة بالنسبة للهيئات السياسية أن مصطفى النحاس باشا لم يَكن يَعرف حسن البنا حين قابله ضمن وَفد لِعرض مقترحات خاصة بالتعلم والتربية الدينية ، وكان مصطفى النحاس باشا يظن أن حسن البنا أحد العمد الذين يتَألف منهم هذا الوفد  .
الصوفية وأهل السنة يُشَكِّكُون في عقيدة الإخوان
ورغم أن حسن البنا قد أقر التصوف والسنة – كفكرتين مُجردتين وليس كدعوتين – باعتبارهما عنصرين من الدين والسياسة الشاملة , ورغم أنه قد تَشَبَّع بأفكارهما واعتقدهما وأخذ نفسه بهما ، غير أن هاتين الفِكرتين بِاعتبارهما دَعوتين يَحملهما طائفتان قَد عَارضتا فَهمَ حسن البنا وجماعة الإخوان للإسلام ، فَهُمَا يَريَان أن نشاط الإخوان السياسي مَا هُو إلا إقحام للإسلام فيما لا يَعنيه ، فدعاة السنة اتهموا حسن البنا بأنه يَدعو إلى السفساف والتافه من أمور الإسلام ، ويدع العظيم والخطير منها وهو العقيدة الصحيحة وتطهيرها من البدع والخرافات , ورماه الصوفيون بأنه تَنكب الطريق الإسلامي بِدعوته إلى التدخل بأمور الدنيا , ولذلك أعرض حسن البنا في دعوته عن أهل التصوف ودعاة السنة ، واتجه إلى الطائفتين المحايدتين ، وهما طائفة من الصالحين من غير الطائفتين السابقتين ، وطائفة الذين لا يُبالون بالدِّين لجهلهم به ، وهما ممن لا تَشغل بالهم قضايا الخلاف . وقد رَدَّ حسن البنا على انتقاد أهل التصوف ودعاة السنة لَه بمجلة الإخوان المسلمين في أواسط الثلاثينيات بمقال قال فيه: “إن إخواننا الذين ينتقدوننا يحصرون دعوتهم في حدود المربع الصغير الذي يقع في مركز الدائرة ، وهم بذلك يقصرونها على الذين اكتمل فيهم كل ما يَرون أنه العقيدة الصحيحة ، وهذا عدد ضئيل ، أما نحن فنتوجه بالدعوة إلى كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، مَهما كان مُقصراً فيما سوى ذلك من تعاليم الإسلام وأفكاره ، وكل ما نطالبه به هو أن يَرتبط معنا برباط الأخوة الإسلامية للعمل على استعادة مجد الإسلام , وهذه الدعوة غير المشروطة بشيء إلا بالإقرار بالشهادتين ، يَستجيب لها طوائف على درجات متفاوتة من الإيمان بالتعاليم الإسلامية والعمل بها ، وفي ظل رُوح الأخوة التي تجمع بين كل هذه الطوائف , وتحت لواء المبايعة على العمل لاستعادة مجد الإسلام , وعلى ضوء توجيهات قيادة الدعوة الممزوجة بروح الحب والمودة تنصهر كل هذه الطوائف في بوتقة هذا المجتمع ، فترقى كل طائفة في إيمانها وعملها وعقيدتها وفقهها .
وقد هاجم الصوفية وأهل السنة حسن البنا ، وشككوا في عقيدة الإخوان وفهمهم للإسلام ، مما دفع حسن البنا إلى إصدار رسالة التعاليم ، ليحدد فيها رؤية الإخوان المسلمين للتعاليم الإسلامية الأساسية ، ورأيهم في مواطن الخلاف بين الطوائف  .
وختاماً
الإخوان المسلمون تَحدثنا عنهم في البدايات مُعتمدين الوثائق والحقائق لفكرهم ومنهجهم ، ولا بد من تتمة النهايات في الجزء الثالث وللحديث بقية ……….
والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>