4- أفعال شرعها الإسلام وأنكرها متنطعو الوهابيـة = الجزء الرابع

أَفعَالٌ شَرَعَهَا الإِسلَامُ وَأَنكَرَهَا مُتَنَطِّعُو الوَهَّابِيَّة

المحتوى
مقدمة البحث …
حكم زيارة قبر النَّبيِّ  …
جَوَازُ الاستِغَاثَةِ وَالتَّوَسُّل …
حياة الأنبياء وعدم انقطاع أعمالهم بالموت …
جواز تصرُّفِ الأَنبياءِ والأَوْلياءِ بالأُمورِ المعنوية كالمرض والضيق …
التَّبرُّك بآثار الأَنبياءِ والصَّالِحين …
الاحتفال بالمولد النبوي ليس بدعة ضلالة …
الرد على دعاة الجهة والتجسيم لله تعالى …
الخاتمة …

مقدمة البحث( )
علمتم أن الإيمان بالله ورسوله لا يَتم إلا بالنهوض على ركنين لا بُدَّ منهما:
أما أولهما فــ “اليقين” الذي يَحتضنه العقل .
وأما الثاني فــ “الحب” الذي يُهيمن على القلب .
إيمانٌ بِعقلٍ عَارٍ عن الحب لا يُعَدُّ إيماناً في ميزان الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة ، وإيمان يَتمثَّل في حُبٍّ لا يَحتضنه يَقين عَقلي ليس إيماناً في مِيزان الله عزَّ وجلَّ قط .
وحَديُثنا اليوم عن الركن الثاني ألا وهو الحبُّ ، وحديثنا عن حُبِّ رسول الله  الذِي هو فَرعٌ عن حبِّ الله عزَّ وجلَّ .
لا يُعَدُّ الإنسان مُؤمناً بمجرّد يَقينه العقليّ بأنّ محمداً  رَسولٌ حقاً ، بَل لا بُدَّ مِنْ أَنْ تُهيمن مَحبَّة رسولِ الله  على قلبه ، ولقد قال : (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ ، حَتَّى أَكونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَّاسِ أَجْمَعين)( ) قاله رسولُ الله  مُبلِّغاً عن الله ، ولم يَقُلْها استكباراً أو بِدَافِعٍ مِن الأنانية قط .
وإذا تَبَيَّنَت هذه الحقيقة فإنَّ مِن شأْنِ الحُبِّ – أَيَّاً كان نَوعه وأيَّاً كان المحبوب – أنْ يَحتضن كُلَّ ما يُذَكِّرُ بالمحبوب ، هذه حقيقة لا يَستطيع أنْ يُنكرها لا المؤمن ولا الفاجر ولا الْمُلحد ولا الفاسق ، فَمَن أَحبَّ شَخصَاً مَا حُبَّاً حَقيقياً إذا رأى شَيئاً مِمَّا يَخصّه ، كَثوب ، كنعل ، ككتاب ، كأي شيءٍ يَتعلَّق به ، إذا رَآه اهتاجت مِن جَرَّاءِ ذَلكَ الذِّكرى في قَلبه ، واهتاجَ الحَنين إِلى مَحبوبه من جراء ذلك ، إذا مَرَّ بمنزل المحبوب اهتاج الحنين إِلى المحبوب لدى رُؤية ذَلكَ المنزل ، وإذا رأى أي أَثَرٍ مِن آثاره اهتاج في قلبه الحُب لذلك الذي هَيمن حُبه على قلبه ، وإذا مَرَّ بزمان أرَّخَهُ بينه وبين نفسه تمَّ في ذَلكَ الزمان أو تلك الساعة لِقاءٌ مَعَ مَحبوبه هَيَّجته تلك الساعة إِلى ذكريات لا يَستطيع أن يَنساها أو أن يَتَناساها ، أفي النَّاس مَن يُنكر هذه الحقيقة ؟.
مَا أظن في العقلاء مَن يُنكر هذه الحقيقة التي نتفاعل معها جميعاً لا باختيار مِنَّا بل بانفعال قَسري كما تقولون . فَتَعَالَوا إِلى القلب الذي هَيمنت عليه محبَّة رسول الله  حقاً على قلبه ، ورأى الثوب الذي كان يرتديه رسول الله  ، مَاذا يَفعل من رأى ذَلكَ الثوب أمام عينيه وقد رآه ؟ لا بُدَّ أن يَهتاج مِن جَوارحه مِن أقصى جوانح قلبه الحنينُ إِلى المصطفى  ، ولا بُدَّ أن يبرِّحَه الشوق إليه . رأى المنزل الذي وُلد فيه رسول الله  ، رأى الغار الذي لجأ إليه رسول الله  يوم هجرته ، مَرَّ باليوم الذي وُلد فيه رسول الله  وهو يُحبّ رسول الله  ، ماذا تفعل به هذه المذكّرات كلّها من زمان أو مكان ؟ لا ريب أن هذه المذكرات تَقدح – لا أقول زِنَادَ الحبّ ، الحبُّ مَوجود ، ولكنها تقدح – زناد الشَّوق المبرح إِلى رسول الله  ، فمن أنكر ذَلكَ فقد أنكر سببه وهو الحبّ .
هذه الأمور التي تُذَكِّر الإنسان بأمر من أمور الدين أو بماضٍ من ماضي الرسل والأنبياء شاء الله عز وجل أن يُعْجَنَ كَثيرٌ مِنه بالعبادات ، قَرَأْنا قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا والْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شاكِرٌ عَليم [البقرة: 158] ، ما معنى هذا الكلام ؟ إِنَّ الصَّفا والْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله مَعْلَمَةٌ من المعالم التي شاء الله عز وجل أن تَصطبغ بها حقيقة دينيّة مُنذ وَاقعة جَرت في أيَّام خليل الرحمن سيّدنا إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام ، يوم شاء الله عزّ وجلّ أن يَترك زَوجته وطفله في ذَلكَ المكان بين الصفا والمروة , تبعته الزوجة وهي تقول إِلى أين تَدَعُنا ؟ لم يردّ . إلى أين ؟ لم يرد . قالت له: آالله أمرك بهذا ؟ أشار إليها: أَنْ نعم . قالت: لن يتركنا الله إذاً . واشتد عليها وعلى وليدها الظَّمَأُ بَعدَ لَأْيٍ وبعد حين ، فَرَاحت تبحث عن الماء ، راحت تَسعى صاعدةً إِلى الصفا راجعةً إِلى المروة عائدةً إِلى الصفا راجعةً إِلى المروة ، فشاء الله عز وجل أن يَبعث ملكه جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، فضرب بجناحه الأرض ، وإذا بالماء يَنهمر وينفجر من تلك البقعة ، وذلكم هو ماء زمزم ، مِن هُنا جعل الله عز وجل من الصفا والمروة شَعيرتين مِن الشعائر ، لماذا ؟ لأنها تَحمل ذِكرى . إذاً فَبَيان الله عز وجل يُعلِّمنا كيف نَحتفل بالذكريات التي تَربط ما بيننا وبين مَاضٍ يُبرز معنى عبوديةِ كَثيرٍ من أنبياء الله ورسله فوق هذه الأرض .
واتَّخِذواْ مِن مَّقامِ إِبْراهيمَ مُصَلَّى [البقرة : 125] ، لماذا مقام إبراهيم بالذات ؟ إحياءً لذكرى وقوفه في ذَلكَ المكان وصلاته في ذَلكَ المكان .
لماذا الطُّواف حول بيت الله العتيق ، وقد علمنا أن البيت حجارة لا تنفع ولا تضر ، كما قالَ سيدنا عمر ( ) ؟ لَكنّ الأمر يَحمل ذِكرى ، وبيانُ الله عز وجل يَأْمُرنا أنْ نَحتضن الذكريات التي تَرتبط بعاطفة ، ترتبط بِوِدٍّ ، التي تُغذي مَزيداً مِن الحبّ الذي يَنبغي أن يُهيمن على الفؤاد .
تَعالَوا ننظر إِلى رسول الله  كيف كان يَحتفي بِالذكريات المرتبطة بماضٍ عَزيزٍ على القلب ، بماضٍ يُذَكِّر بالله عزّ وجلّ وحرماته .
رُئِيَ المصطفى  صَائماً يوم الاثنين ، سُئِلَ عن ذلك فقال: (ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فيه)( ) . إذاً هو يَحتفي بِيَوم ميلاده ، والحديث صحيح .
هاجر المصطفى  إِلى المدينة وسمع أن يَهوداً يَصومون يَوم عاشوراء ، وقد مَرَّ ذَلكَ اليوم فعلاً ، سَأل عن السبب ، قيل له: إنه اليوم الذي أنجى الله عز وجل فيه موسى ومَن معه مِن فِرعون وقومه ، وتأكّد المصطفى  من ذَلكَ فقال: (نحن أولى بموسى منكم)( ) وأمر أصحابه بالصوم ذَلكَ اليوم ، وأمر مَن كان مُفطراً أن يُمسك إِلى المساء ، إنها الذكرى ، وإنه إحياء من رسول الله  لتلك الذكرى .
اسمعوا وتأمَّلوا بقلوبكم ، بأبصاركم وبصائركم .
رجع المصطفى  مِن غَزوة تبوك ، وَلَمَّا دَنا مِن المدينة المنورة وبَدَت طلائع بُيوتها قَالَ : (هَذِهِ طابَة) ثم التفت إِلى أُحد وقال: (وَهَذا أُحُد ، وَهوَ جَبَلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّه)( ) ، لماذا هذا الغزل من رسول الله  بجبلٍ هُو الصخر الصلد ، لا يعي ولا يفهم ، هو رمز للجمادات ؟ (جَبَلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّه) ؟! لأنَّه يَحمل ذكرى أولئك الشهداء الذين دُفنوا في سفح ذَلكَ الجبل ، أولئك الذين يَحتضنهم – يحتضن دماءهم الزكيّة – سفح ذَلكَ الجبل .
إذاً هي الذكرى عزيزةٌ على القلب . وإذا كان القلب يَحتضن حُبَّاً – أيَّاً كان – فلا بُدَّ أن يَحتضن ذكريات هذا الحب ، بينهما تَلازمٌ دائم ، لا يَنبغي لأحدٍ أن يَشُكَّ أو أن يَرتاب في هذا ما دام أنه مِنَ البَشَر ، وما دام أنَّ إِنسانيته لم يَتسرَّب إليها شُذوذٌ قط .
إذاً فإذا كُنَّا نَعلم أننا جَميعاً نتمتع بِقِسطٍ – وأرجو أن يَكون وافراً – مِن حُبِّنَا لرسولنا محمّد  ، إذا ثبت أن أفئدتنا تحتضن هذا الحب ، أَفَيُعقل أن نَمُرَّ بِذكرى مِن ذِكرياته – إِنْ بِذكرياتٍ مَكانيّة أو زمانيّة أو بِمتاعٍ أو أيِّ شيء آخر – هل يُعقل ألا تُحرك هذه الذكريات الزمانيّة أو المكانيّة حَقيقة الحب المهيمن على قلوبنا ؟ هل يُعقل ألا يَتحوَّل هذا الحب إِلى حَنين وشَوق إِلى هذا الحبيب الذي آمَنَّا بِه ولم تَكتحل أعيننا برؤيته ؟ لا بد أن يستبد الحَنين إذا مَرَّ بِنَا ذَلكَ اليوم الذي ولد فيه رسول الله  ، ذَلكَ اليوم الذي آذن الله عز وجل فيه أن يَجعل مِن وُجوده بيننا رحمة للعالمين . يا سبحان الله !
حسناً ! اهتاجت مَشاعر الحب بين جوانحنا لمناسبة هذه الذكرى – مكانيّة كانت أو زمانيّة – هل يُمكن للحنين الذي يَهتاج في الفؤاد ، هَل يُمكن للشوق الذي يُهيمن على القَلب أن يَختفي ؟ إذاً لاختنق الإنسان ، لا بُدَّ أن يُعَبِّر عن حَنينه ، لا بُدَّ أن يُعبِّرَ عن اهتياجه ، لا بُدَّ أن يُعبِّرَ عن شوقه ، ويُعبِّرُ بالطريقة التي يَشاء ، له أن يُعَبِّرَ بالصوم كما فعل رسول الله  ، له أن يُعبِّرَ بالآهة ، له أن يُعبِّرَ بالنَّغمة ، له أن يُعبِّرَ بأي طريقة يُبْرِدُ بِهَا لَظى حَنينه إِلى رسول الله  ، يَجلس مع إخوانه كما كان يقول ذَلكَ الصحابيّ: (تَعالَوْا بِنا نُؤْمِنُ ساعَة)( ) ، يَجمع إخوانه على تلاوة شمائل رسول الله  ، على تِلاوة سيرة رسول الله  ، على الثناء على الله الذي ابتعث لنا حبيبه محمّداً رسول الله  ، عِندئِذٍ يَبرد لَظى قَلبه وحنين فؤاده المهتاج ، بسبب هذه الذكرى التي مرّت به .
هذه حقيقة فَرَغنا مِنها ، ولا نقولها لنناقش بها قُساة القلوب ، فَهؤلاء لا يُنَاقَشون ، وماذا عَسى أن يفيد نِقَاشُكَ لأولئك القُساةِ القُلوب ، ولقد كان جَبَلُ أُحُدٍ أَحَنَّ مِن أصحاب هؤلاء القلوب ، ولقد كان جَبَلُ أُحد الذِي تَغَزَّلَ بِه رسول الله  أكثر لِيناً مِن قُلُوبِ هَؤلاء الناس اليوم ، لَكِنَّني أَقولُ هذا الكلام لِأُعَبِّر مِن خِلال ذَلكَ بِجُزءٍ مِن اشتياقي إِلى رسول الله  ، وأعتقد أنكم تَطرَبُون لسماع هذا الكلام ، لِأَنكم تَرون فِيه شَيئاً يُبرز لظى اشتياقكم إِلى رسول الله  .
فإن أنكر مَن أنكر هذا الذي أقول ، فإنّهم في الحقيقة لا يُنكرون التَّعبير في هذه المناسبة عن حبّنا لرسول الله  ، لا يُنكرون التعبير عن الشوق اللاهب الذي يُهيمن لدى مُرور هذه الذكرى برسول الله  ، وَلَكنَّهُم يُنكرون مَصدر ذَلكَ ، ألا وهو حبُّ رسول الله  ، هذا ما أجزم به ، ولا أدَلَّ على ذَلكَ مِن أَنَّك تَتَّبَعُ حال هؤلاء الناس ؛ فلا تَرى فِيهم مَن يَقوم قُبيل الفجر لِيَقف بين يدي الله مُستغفراً ، ولا تَجد فِيهم مَن يَرِقُّ مِنهُ القَلب والفؤاد في تِلك الساعة مِنَ السَّحَر لِيبكي ويَتَخشَّع ويَتَضَاءَل ، يستنزل الرحمات من الله عز وجل .
لا تَجد فِيهم مَن إِذَا صَلَّى جَلَسَ مُتأدِّباً فِي مَكَانِ صَلاته يتلو أوراد الصلاة البعدية ، ثم يَبسط كفيه بِذُلٍّ وَضَراعة إِلى الله ، لا ، بل إِنَّ أَحدهم لَيقول: إِنَّ بَسْط الكفَّ إِلى سماء الرَّحمة الإِلَهية بِدعة !
إذاً كان رسول الله  مُبتدِعاً عندما قال: (إِنَّ رَبَّكُمْ تَبارَكَ وَتَعالى حَييٌّ كَريمٌ ، يَسْتَحْيي مِنْ عَبْدِهِ إِذا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)( ).
إذاً كان رسول الله  مُبتدعاً حينما بسط كفيه إِلى السماء ليلة بدر .
إذاً رسول الله  كان مُبتدعاً عندما صلى بالقوم صلاة الاستسقاء وبسط كفيه إِلى السماء يستنزل رحمة الله سبحانه وتعالى .
اهنؤوا بأن الله عز وجل غَرس مَحبَّة رسول الله  في قلوبكم ، إذاً أُبَشِّرُكُم وأُبَشِّرُ نَفسي بِأَنَّنَا سَنكون غداً من الإخوان الذين تَشَوَّقَ إليهم رسول الله  يوم قال: (وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنا إِخْوانَنا)( ) .
اللهم اجعلنا بِمَنِّكَ وجودك من إِخوان حبيبك المصطفى  ، الذين تَشَوَّق إليهم ولم يَرَهُم ، ليست لنا في سبيل هذا الدعاء بِضَاعَةٌ إِلا بِضَاعَةُ الحُبِّ والتعبير عن هذا الحبِّ في يَوم ذِكْراه .
حكم زيارة قبر النَّبيِّ ( )
واعلم أن زِيارة مَسجده وقبره  مِن أعظم القربات إِلى الله عز وجل ، أجمع على ذَلكَ جماهير المسلمين في كل عصر إِلى يومنا هذا ، لم يُخالف في ذَلكَ إلا ابن تيمية غفر الله له ، فقد ذهب إِلى أن زِيَارة قبره  غير مشروعة . ودليل مَا أجمع عليه المسلمين مِن دُونِهِ عِدَّةُ وُجوهٍ:
الوجه الأول: مَشروعية زِيَارَةِ القُبور عُموماً واستحبابها ، وقد كان النَّبيُّ  يَذهب كُلَّ ليلةٍ إِلى البقيع يُسلِّم على أهلِه ويدعو ويستغفر لهم ، ثَبت ذَلكَ في الصحيح ، والأحاديث الثابتةُ في تفصيل ذَلكَ كثيرة ، ومعلوم أنَّ قَبْر رسولِ الله  داخل في عموم القبور ، فَيَسري عليه حكمها .
الوجه الثاني: ما ثَبت مِن إجماع الصحابة والتابعين ومَن بَعدهم على زيارة قبره  كُلَّما مَرُّوا على الروضة الشريفة ، روى ذَلكَ الأئمة الأعلام وجماهير العلماء ، بِمَن فِيهم ابن تيمية رحمه الله .
الوجه الثالث: مَا ثَبت مِن زِيارةِ كَثيرٍ مِن الصحابة قَبْرَه  ، منهم:
بلالٌ  فيما رواه ابن عساكر بإسنادٍ جيد .
وابن عمر  فيما رواه مالك في الموطأ .
وأبو أيوب  فيما رواه أحمد .
دُون أَنْ يُؤْثَرَ عَنهم أو عن أحدٍ مِنهم أي استنكارٍ أو نَقدٍ لذلك .
الوجه الرابع: مَا رُوي بِسندٍ صَحيحٍ أَنَّ النَّبيَّ  خَرَجَ يُوَدِّعُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ  لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَن ، قالَ لَهُ: (يا مُعاذُ ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لا تَلْقاني بَعْدَ عَامي هَذا ، وَلَعَلَّكَ أنَ تَمُرَّ بِمَسْجِدي هَذا ، وَقَبْري)( ) ، فكلمة (لعل) تأتي في أعم الأحوال للرجاء ، وإذا دخلت (أن) على خَبرها تَمَخَّضَت للعرض والرجاء .
فالجملة تنطوي بصريح البيان على توصية معاذ بن جبل  بأَنْ يُعَرِّجَ عند رجوعه إِلى المدينة على مسجده  وقبره ليسلم عليه .
إذا تبين هذا ، فاعمل أنه لا يُوجد لِمَا انفرد به ابن تيمية رحمه الله مِن دَفع هذه الأوجه كُلِّها في غير دافعٍ ، والقول بأنَّ زِيَارة قَبره  غير مشروع !.
وجملة ما اعتمده ابن تيمية في ذلك قول رسول الله : (لاَ تُشَدُّ الرِّحالُ إِلا إِلَى ثَلاَثَةِ مَساجِدَ: الْمَسْجِدِ الحَرامِ ، وَمَسْجِدِ الرَّسولِ  ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)( ) .
وقوله : (قاتَلَ اللهُ اليَهودَ ، اتَّخَذوا قُبورَ أَنْبيائِهِمْ مَساجِد)( ) .
وقوله : (لا تَجْعَلوا قَبْري عيدًا)( ) .
وليس في شيء من هذه الأحاديث الثلاثة ما يَصلُحُ أَن يَكون مُستنداً لما انفرد به ، فقوله عليه الصلاة والسلام: (لاَ تُشَدُّ الرِّحالُ …) استثناءٌ مُفَرَّغ كما هو معلوم ، والمستثنى منه محذوف ، وإنَّما يُقَدَّر المستثنى مِن جِنسِ الْمُستَثنَى مِنه ، وإلا كان استثناءً مُنقطعاً ، وهو استثناءٌ مجازي ، ولا يَجوزُ إِضمارُ المجاز إلا عِند الضرورة التي لا تَصلح معها الحقيقة .
فتقدير الحديث: لاَ تُشَدُّ الرِّحالُ إِلى الْمَساجِدِ إِلاَّ إِلى ثَلاثِةٍ منها … إلخ ، فالمستثنى منه هو المساجد ، والمعنى أن جميع المساجد في الفَضلِ سَواء ، إلا هَذه المساجد الثلاثة ، فلا وَجه لتفضيلِ بَعضها على البَعضِ فِي زِيَارَةٍ أو اعتكافٍ أو نحو ذلك ، وعملاً بهذا الحديث قالَ الفُقَهاء: إِنَّه لو نَذَرَ الاعتكاف وَسَمَّى مَسجداً مُعيناً غير هذه المساجد الثلاثة لم يَجب عليه قصد ذَلكَ المسجد بخصوصه ولم يُسنّ ، بل يُغنيه أنْ يَعتكف في أي مَسجدٍ من مَساجد الدنيا .
أما حَديثنا فهو عن زيارة قبر رسول الله  ، وهو لَيس دَاخِلاً لا في المستثنى منه ، فالحديث بمعزل عن أي إشارة إليه ، وهو كما لو قلت: لا يَجوز أن تُشدَّ الرِّحالُ إِلى زيارة الأرحام أو العلماء لنتعلم منهم ، لحديث (لاَ تُشَدُّ الرِّحالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَساجِدَ …) !.
ثم إِنَّنا نسأَل بعد هذا: أَفَيَفْهَمُ ابنُ تيمية من كلمة (تُشَدُّ الرِّحال) معناها الحقيقي ، أم المعنى المجازي الذي هو القصد والعزم على الشيء ؟
فإن كان يَفهم منها المعنى الحقيقي ، فينبغي ألا تحرم زيارة غير هذه المساجد الثلاثة من المساجد الأخرى إلا إذا شَدَّ لِذلك رَحلاً ثم مَضى إليه بواسطة الرحل ، قَرُبَت المسافة أو بَعُدت ، فإن سعى إليه بِوَسيلة أُخرى غَير شَدِّ الرِّحال لم يَعد ذَلكَ حراماً ، وهل يَقولُ عَاقل بذلك ؟
وإن كان يَفْهَم مِن الكلمة معناها المجازي – وإنما المعنى المجازي لها هو الاتجاه إِلى الشَّيءِ لا يَقصِدُ غَيره – فإِنَّ عمَلِ رسولِ الله  يعرضه ويرده ؟ فقد كان صلوات الله عليه يَزُورُ مَسجِدَ قباء في كلِّ أسبوع ، وفي رواية كل يوم سبت ، وقد كان مَسجد قِباء خارج المدينة( ) .
والخلاصة أَنَّ المستثنى منه في الحديث هو المساجد ، وزيارة الأرحام والقبور والأشخاص والمعالم غير داخلة في المستثنى منه ، فلا شأن للحديث بها .
ومعنى الحديث: إن أولى المساجد بالاهتمام للتوجه إليها من مسافات بعيدة هذه المساجد الثلاثة .
وقوله : (قاتَلَ اللهُ اليَهودَ ، اتَّخَذوا قُبورَ أَنْبيائِهِمْ مَساجِد) لا شأن له بموضوع الزيارة إطلاقاً ، إذ هو نهي عن اتخاذ قبور الأنبياء وما حولها مُصلى على نحو ما مَرّ بيانه قريباً ، تَعلم هذا من قوله (مَساجِدَ) إذ المساجد أماكن الصلاة .
ولو استقام أن يَكون مُجرَّد زيارة القبر اتخاذاً له مسجداً ، لكان مِن مُقتضى ذَلكَ أن يَكون النَّبِيُّ  قد جعل من البَقيع كله مَسجداً له ، إذ كان يَزورُهُ دَائماً .
أما قوله : (لا تَجْعَلوا قَبْري عيدًا) فإنما مَعناه: لا تتخذوا لِزِيارَة قَبري وَقتاً مُعيناً لا يُزار إلا فيه ، كما هو شأن العيد ، كما فَسَّره بذلك الحافظ المنذري وغيره من علماء الحديث ، ولا مانع أن يُضاف إليه أَيضاً النَّهي عن إظهار الصَّخب واللهو ومظاهر الزينة عنده ، على نحو ما يَكون في الأعياد . أما أَن تَدُلَّ الكلمة على النَّهي عن زيارة قبره ، فَإِنَّهَا عن ذَلكَ بِمَعزِل ، وما كان النَّبيُّ  لِيَنهى الناس عن اتخاذ قبره عِيداً بهذا المعنى المزعوم ثُمَّ يَعمد هو فَيَتَّخذ مِنَ البقيع في كلِّ يِوم عيداً !.
ثم اعلم أنَّ لِزِيَارَةِ قَبره آدَاباً لا بُدَّ مِن اتِّباعها ، فإنْ أكرمك الله تعالى بالتوجه إِلى زيارته ، فاعقد العزم أولاً على زيارة مسجده ، ثم انو مع ذَلكَ زيارة قبره الشريف ، ثم اغتسل قبيل دخولك المدينة ، والبس أنظف ثيابك ، واستحضر في قلبك شرف المدينة ، وأنك في البقعة التي شرفها الله بخير الخلائق  ، فإذا دخلت المسجد فاقصد الروضة الكريمة ، وصلّ ركعتي تحية المسجد ما بين القبر والمنبر ، فإذا دنوت إِلى القبر الشريف بعد ذلك ، فإياك أن تَتَهَجَّم عليه أو أن تَلتَصِقَ بالشبابيك أو تتَّمسح بها كما يَفعل كثير من الجُهَّال ، فتلك بدعة تُوشك أن تكون مُحرَّمة ، بل قف بَعيداً عن القبر نَحو أربعة أَذرع ناظراً إِلى أسفل ما يَستقبلك من جدار القبر ، وأنت غَاضّ الطرف تَستشعر الهيبة والإجلال ، ثم سَلِّم على رسول الله  بصوت خفيض قائلاً: “أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أشهد أنك قد بلغت رسالة ربك ، ونصحت لأمتك ، ودعوت إِلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وعبدْت الله حتى أتاك اليقين ، فصلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك كثيراً ، كما يُحبُّ ربنا ويرضى” .
ثم استقبل القبلة وانحرف إِلى اليمين قليلاً حتى تَكون بين القبلة والأسطوانة التي عِند أَوَّلِ القَبر وارفع كفيك بدعاء خَاشِعٍ إِلى الله جل جلاله ، ولا تَتَوَهَّم أن في هذا سُوءُ أَدَبٍ مَعَ رَسُولِ الله  ، وأن الدُّعَاءَ يَنبغي أن يكون مع استقبال القبر ، فإن الدعاءُ خِطَاب لله عز وجل ، والخطاب لله لا يَجوز أن يُشرَكَ فِيهِ غَيره ، وخير اتجاهٍ إِلى الله عز وجل لِدُعَائِهِ هُوَ اتجاهُ القبلة ، ولا تَلتَفِت إِلى كَثرَةِ مَن قَد تَرَاهُم يُخَالِفُونَ هذا من الجهال والمبتدعين ، وابَدأ دُعَاءَكَ قَائلاً: “اللهم إنك قلت وقولك الحق: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَموا أَنْفُسَهُمْ جاءوكَ فاسْتَغْفَروا اللهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسولُ لَوَجَدوا اللهَ تَوَّابَاً رَحيمَاً [النساء: 64] ، وقد أتيتك مُستَغْفِراً من ذنوبي مستشفعاً برسولك إليك ، فأسألك يا رَبِّ أنْ تُوجِبَ لي المغفرة كما أَوجبتها لمن أتاه في حياته” ، ثم أَكْثِر من الدعاء لما تَشَاءُ مِن أَمرِ دِينِكَ وَدُنيَاك ، ولإخوانك وعامة المسلمين .
ولا تنسَ – يا أخي – أن تَخُصَّنِي أَنَا أيضاً بشيءٍ من دعائك ، قل: “اللهم إذا جمعت الأولين والآخرين لليوم الذي لا رَيب فيه ، فأَسْبِل جميل سترك على عبدك المذنب محمد سعيد بن ملا رمضان ، وأدخله بمحض منك وفضلك في عبادك المغفورين ، وامنحه شَربةً هَنيئةً مِن حَوض نبيك محمد  ، يوم يقف عليه مُشرِقَ الوَجه باسم الْمُحَيَّا ، يستقبل أصحابه الذين عَرفهم وإخوانه الذين لم يَرهم واشتاق إليهم ، ولا تَجعله من المطرودين أو المحرومين” .
جَوَازُ الاستِغَاثَةِ وَالتَّوَسُّل( )
من البديهي الذي لا يَخفى على ذِي عَقل أن هذا العالم هو عالم الوسائط والأسباب ، وأن الله تعالى قد جَعل لِكلِّ شيءٍ سبباً ، وَلَولا ذَلكَ لَبَلَّغَ الله – وهو القادر على كل شيء – أوامره لخلقه من غَير واسطة رسول ولا سفير ، ولأَشبع البُطُونَ الخَاوية وأروَاها بدون واسطة طعام أو شراب ، ولَعَفى عن الْمُذنب الجاني يوم القيامة بدون شفاعة رسول أو عالم أو والد ، إِلى غير ذَلكَ ما يعدّ البحث في إثباته من العبث ، حيث اتضح ذلك . فالعبد الْمُذنب الذي اجترح السيئات وفرّط في جانب الحق تعالى يرى أن دُعاءه لا يُستجاب ، وأعماله لا تُقبل ، وليس ذَلكَ لبُعد الله عنه ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريد [ق: 16] ، بَل لِخلَلٍ في أصل عمله ، أو فَقدِ شَرط من شروط القبول ، أو عَدم  تَحرير الإخلاص فيه ، وإن شِئت فاذكر قوله  في الأَشْعث الأَغْبَر: (يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّماء ، يا رَبِّ يا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرامٌ ، وَغُذيَ بِالحَرامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجابُ لِذَلِك؟)( ) .
فَلو استغاث هذا بأحباب الله تعالى وتوسَّل بهم في قَضَاءِ حَاجته مَهمَا عَظمت لأجابه تعالى إكراماً لأحبابه ونُصرَةً لَهم ، وهو الذي يَقول: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين [الروم: 47] ، ويقول رسوله الذي لا ينطق عن الهوى  – فيما أخرجه الإمام أحمد ومسلم( ) – عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفوعٍ بِالأَبْوابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه) .
ولا ريب عند عاقل أن مَن تَوَسَّل بأحباب الله تعالى يَعتقد – اعتقاداً لا يَعتريه شك ولا يَطرقه تبديل – أنهم خَلقٌ مِن خَلقِ الله ، ليسوا أَربابًا أو آلهة ، ولا يَقدِرُون على شيءٍ لأنفسهم أو غيرهم إلا بإذن الله القادر على كل شيء .
والمستغيث بهم لدفع ضُرٍّ مسَّه ، أو جلْبِ خير أراده ولو عامِّياً أبله ، قائلٌ: أنَّه لا فاعل إلا الله ، وهو خالق كلِّ شيءٍ ، وبيده ملكوت كلِّ شيءٍ ، وإليه يَرجِعُ الأمرُ كلُّه ، فكأَنَّه يقول إذ يَستغيث: “يا أحباب الله ، أنتم أقرب إِلى الله وأعظم إيماناً مني , وأَعرَف بِكَيفيةِ خطاب الرب تعالى ، وقد أَمَدَّ حَوَاسَّكُم بقدرته , وَوَعَدَكُم بالإجابة السريعة , وتَولَّى حَربَ مَن عَادَاكُم بِنفسه , حيث تَحَقَّقتم بالعبودية له , بمصداق قوله في الحديث القدسي الثابت في البخاري( ): (إِنَّ اللهَ قالَ: مَنْ عادَى لي وَليًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ ، وَما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَما يَزالُ عَبْدي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِها ، وَرِجْلَهُ الَّتي يَمْشي بِها ، وَإِنْ سَأَلَني لأُعْطيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعاذَني لأُعيذَنَّهُ …) فبقدرتكم التي وهبكم الله ، ومنزلتكم عنده , أعينوني في حاجتي ، وتوجَّهوا إِلى الله تعالى في قضائها” .
قل لي إن كنت ترتاد الحق , والله شهيد على قولك: هل يُعَدُّ مِثلُ هذا شركاً وعبادة لغير الله , كعبادة الأصنام وتسمِّيها آلهة ؟
سبحانك اللهم هذا ضلال مُبين ورجمٌ بالغيب وتفريق بين المسلمين ، أَخرجَ إِمامُك وإِمامُنا أَحمدُ ابنُ حنبلٍ والتِّرمذيُّ والحاكمُ ، مِنْ حَديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ : (عَلَيْكُمْ بِالجَماعَةِ ، وَإيَّاكُمْ والفُرْقَةَ ، فَإِنَّ الشَّيْطانَ مَعَ الواحِدِ وَهوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، مَنْ أَرادَ بُحْبوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَماعَة)( ) .
هل أتاك حديث ذهاب الخلائق يوم القيامة إِلى الأنبياء والمرسلين ليشفعوا لهم عند الله تعالى ، وهم باعتقادهم الرَّاسِخ أن الأمر يومئذ لله ، وقد كُشف الغِطَاء إذ ذَاك فلا حِجَابَ بَينهم وبين خالقهم تعالى ، إذ يقول: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَديد [ق: 22] ! فبما قُربةٍ( ) ومَنزلَةٍ لهم لا شَكَّ عِند الله شُفِّعُوا في الخلائق ، أفترى أنهم نَالوا تِلك القُربَةَ بَعد الموت ؟ لا ، لأَنَّك تَعتقد انقطاع أعمالهم حينئذ ، لا جرم أنَّك تَقول إِنَّما نَالوا تلك القُربَةِ السامية والمنزلة الشامخة الرفيعة في دار الدنيا . إذاً ، فَمَا الْمُجَوِّز للاستشفاع بهم هناك ؟ وما المانع منه هنا ؟ تَدَبَّر وأَجِب مُنصِفاً بِرَوِيَّة .
ثم إني ألاطفك بِمثَلٍ قَريبٍ: سَقَطَ إِنسانٌ في بئر عميقة ، فنادى بأعلى صوته ، يا قوم ، يا مسلمين ، يا لفلان – للغريق – لقد أشرفت نفسي على الهلاك … خلصوني … أنقذوني … خذوا بيدي .
فما قولك بهذا ، وقد استغاث بغير الله ، والاستغاثة نوع من العبادة ، كما في صدر مقالتك الشاملة لهذا ، وإِنْ تناقضت من بَعْد .
وأَظنُّك تعتقد اعتقاد المسلمين أنه لا يُخلِّصه من ذَلكَ الضيق إلا الله الواحد القهار ، ولأن التعصب المذهبي يَحملك على تكفير هذا أيضاً ، فالمسلمون قَاطبةً وأنت وقومك واقعون في مثله .
إذن ، لا مُوَحِّدَ على وجه الأرض سابقاً ولا حقاً – في زعمِك – وَأَعظِم بها من جريمة .
وَلَرُبَّمَا تَضِيقُ ذَرْعاً في المحاكمات العقلية – وللمعقول فضاء واسع – فتقول: هَاتِ نَصاً صَريحاً مِن الشَّرْع الْمُطَهَّرِ وَفِعلِ السَّلَفِ الصَّالِح بِجَوَازِ التَّوَسُّل والاستشفاع .
فإليك ما يَحضرني من ذلك:
•    قالَ الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَموا أَنْفُسَهُمْ جاءوكَ فاسْتَغْفَروا اللهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسولُ لَوَجَدوا اللهَ تَوَّابًا رَحيمًا [النساء: 64] ، وقالَ تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقيتًا [النساء: 85] ، ولا يَخفى وجه الاستدلال في الآيتين على أمثالك أيها النبيه .
•    أخرج البخاري في التاريخ ، والترمذي وقال: حسن صحيح ، والنسائي ، وابن ماجه ، والبيهقي ، والحاكم وقال: على شرط الشيخين – ، وذكره الحافظ السيوطي في الجامع الكبير والصغير: عَنْ عُثْمانَ بْنِ حُنَيْفٍ ، أَنَّ رَجُلاً ضَريرَ البَصَرِ أَتَى النَّبيَّ  فَقالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يُعافيَني قالَ: (إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهوَ خَيْرٌ لَك) قالَ: فادْعُهْ ، قالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضوءَهُ وَيَدْعوَ بِهَذا الدُّعاءِ: (اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبيِّ الرَّحْمَةِ ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي في حاجَتي هَذِهِ لِتُقْضَى ليَ ، اللهُمَّ فَشَفِّعْهُ فيَّ) ، فعادَ الرَّجلُ وقَدْ أَبْصرَ( ) .
وقد استعمل السلف الصالح مِن الصحابة والتابعين والعلماء هذا الدعاء في قضاء حَوائجهم بَعد انتقاله  إِلى وقتنا هذا ، وكانوا يُعَلِّمونه أَبناءَهم ، وفيه استغاثةٌ وتوسُّلٌ به  حيّاً وميتاً .
أَفَكُلُّهُم مُشْركون بِزَعمك ؟ مَهلاً أيها الكاتب الْمُتَسَتِّر ، لَقَد ظَنَّ قَومك ظَنَّ السوء ، وأخطؤوا خَطَأً مُبيناً ، وَانتَبَذُوا عن الحق في هذا مَكَاناً قَصِيَّاً .
•    رَوى ابنُ السُّنِّي أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنهما خَدِرَتْ رِجْلُهُ ، فَقِيلَ لَهُ: اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَزلْ عَنْكَ ، فَصاحَ يَا مُحمَّداهُ ، فانْتَشَرَتْ( ) أي: زال ما بها من الألم .
لا تَغفُل – أيها الموفق – عن هذه الاستغاثة الصادرة من ابن عمر رضي الله عنهما ، وَأَعْظِمْ بِسُمُوِّ مَقامه في العلم .
•    أخرج البَيهقي في دلائل النبوة وأقرَّهُ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ ، مِن رِواية مُسْلِمُ الْمُلائِي ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: جاء رجل أعرابي إِلى النَّبيِّ  فقال: يا رسول الله ، لَقَدْ أَتيناك وَما لَنا بعيرٌ يَئِطُّ ولا صَبيٌّ يَغطُّ ، ثمَّ أَنْشَدَهُ شِعْراً يَقولُ فيه:
وَلَيْسَ لَنا إِلاَّ إِليكَ فِرارُنا *** وأَينَ فِرارُ الناسِ إِلاَّ إِلى الرُّسْل
فَقامَ  يَجرُّ رِداءَهُ حتَّى صَعِدَ المِنْبَرَ فَقالَ: (اللهُمَّ اسْقِنا الْغَيْثَ …) إِلى آخر الحديث ، وفيه: ثمَّ قالَ : (لَوْ كَانَ أَبو طالِبٍ حَيَّاً لَقَرَّتْ عَيْناهُ) مَنْ يُنْشِدُنا قَوْلَه ؟ فَقامَ عَليٌّ رضي الله عنه فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ كأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:
وأَبيَض يُستَسقَى الغَمامُ بِوَجْهِهِ *** ثِمال اليتامى عِصْمَة لِلأَرَامِلِ
تَلُوذُ بِهِ الهُلاكُ مِنْ آلِ هاشِمٍ *** فَهُمْ عِنْدَهُ في نِعْمَةٍ وَفَواضِلٍ( )
فَلتَسمَع أُذُنُك الوَاعية ، كيف أَقرَّ رَسولُ الله  الأَعْرابيَ وأَبا طالبٍ على شِعْرِهِما ، – وهو أعرف الناس بمداخل الشرك – ، بل تَمَدَّحَ بِشِعْرِ أَبِي طالب وأعجبه .
ويأبَى أصحابُنَا النَّجدِيُّون إلاَّ أَنْ يُقِيموا الطَّامَّة الكُبْرى على قَولِ البُوصِيري رحمه الله تعالى:
يَا أَكرَمَ الخَلقِ مَالِي مَن أَلُوذُ بِهِ *** سَوَاكَ عِندَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمِمِ
وَيَعتَقِدُونَ أَنَّهُ مِن أَعظَمِ أَنوَاعِ الشِّرك .
وَمِن أَجْلِ ذَلِكَ وأمثاله يَرون مِنَ التَّقَرُّبِ إِلى الله تعالى حَرقُ “البُرْدَة الشريفة” و “دلائل الخيرات” ، وكلّ قصيدةٍ نبوية تَغرس غصون محبَّة الله ورسوله  في قلوب الرجال والنساء كما هو المشاهَد .
ومن الْمُقَرَّرِ عِند الْمُتَبَصِّرين ، أَنَّ محبَّة النَّبيِّ  الصَّادقة ، هي التي أخذت بِضبعي الصحابة الكرام حتى استووا على عرش العِزِّ وَالْمَجد ، وَحَفَّهُم النصر مِن كلِّ جانب .
أما جَسَدُ العَالم الإسلامي اليَوم فَهُوَ مَيِّتٌ خَاوٍ مِن هَذِهِ الرُّوحِ الزَّكِيَة ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم أَرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتِّباعَه ، وأَرِنا البَاطلِ بَاطلاً وارزُقْنا اجْتنابَه .
•    أَخرَجَ الزُّبيرُ بنُ بَكارٍ مِنْ طَريقِ داودَ ، عَنْ عَطاءٍ ، عَنْ زَيدِ بنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ رضي الله عنه ، والبُلاذُري مِنْ طَريقِ هِشامِ بنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبيهِ: اسْتَقى عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ رضي الله عنه عامَ الرَّمادَةِ بِالعبَّاسِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَذَكَرَ الحَديثَ … وَفِيه: فَخَطَبَ عُمُرُ رضي الله عنه النَّاسَ ، فَقالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ  كانَ يَرى لِلْعبَّاسِ ما يَرى الوَلَدُ لِوالِدِهِ ، فاقْتَدوا أَيُّها النَّاس في عَمِّهِ العبَّاس ، واتَّخِذوهُ وَسيْلَةً إِلى اللهِ تَعالى .
وفيه: فما بَرحوا حتَّى سقاهُم الله تعالى( ) .
فهذا عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ رضي الله عنه – الذي نزل القرآن مُوافِقَاً لرَأْيه – يَأْمُر الصحابةَ الأجلاَّء باتِّخاذ الوسيلة إِلى الله ، وحاشا أن يَأْمر بالشرك .
•    أَخرج ابن ماجة والبيهقي ، عَنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْريِّ رضي الله عنه قال: كانَ  إِذا خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ قالَ: (اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلينَ عَلَيْكَ ، وَبِحَقِّ مَخْرَجيَ هَذا ، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرَاً وَلا بَطَرًا وَلا رِيَاءً وَلا سُمْعَةً ، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ وابْتِغاءَ رِضائِكَ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرَ لي ذُنوبي ، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إِلاَّ أَنْت)( ) .
انظر رعاك الله ، هذا رسول الله  يَتوسَّلُ بِالسَّائلين أَحَياءً وأَمْوَاتَاً ، وهو أفضل خلق الله ، وأغنى الخلق عن الخلق ، فكيف لا نَتوسَّلُ نَحن بجاهه  مَع ضَعْفِنا وَكَثْرَةِ ذُنوبنا .
وَإِني أَسألُك ، هل ما ثَبت مِن الْمَزِيَّة والقُرْبِ والفضل ، لأجسام الأنبياء والأولياء أم لأرواحهم ؟
لا شَكَّ أَنَّهُ لِأَرواحهم الزكية المطهرة ، وَالْمُتَوَسِّلُ إنما يَتوسَّلُ بِالروح ، وأنت مَعي فِي أَنَّ الرُّوحَ بَاقية لا تَفنى .
إذن ، لا فَرق بَين التَّوَسُّل بِالحي والميت ، وكلٌّ جائزٌ ، بل قُربةً وعِبادةً . وَخُذ نَصَّاً صَريحاً في ذَلكَ زِيَادَة على مَا تَقَدَّم مِنَ النُّصُوص .
•    أَخرج الدارمي في مسنده المعروف صِحَّتُه ، عَنْ أَبي الجَوْزاءِ قالَ: قُحِطَ أَهْلُ الْمَدينَةِ قَحْطَاً شَدِيدَاً ، فَشَكَوْا إِلى عائِشَةَ رضي الله عنها فَقالَتْ: (انْظُرُوا قَبْرَ النَّبيِّ  ، فَاجْعَلُوا مِنْهُ كوًى إِلى السَّماءِ ، حتَّى لا يَكونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّماءِ سَقْفٌ) فَفَعَلوا ، فَمُطِروا مَطَرَاً حَتَّى نَبَتَ العُشْبُ ، وَسَمِنَتِ الإِبِلُ حتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْم ، فَسُمِّيَ عَامَ الفَتْقِ( ) .
فَليَتَبَصَّر أُلو الإِنْصاف ، هل جَهِلَتْ الشِّركَ عائِشةُ رضي الله عنها ؟ وَهَل جَهِلَهُ أيضاً عموم الصَّحابةِ حِين فَعَلوا مَا أَشارَت به عائشة ؟ وَعَلِمَه أصحابنا النَّجديون !.
•    أَخْرجَ البَيْهقيُّ وابنُ أَبي شَيْبَةَ بسَنَدٍ صَحيحٍ عَنْ مالِكِ الدَّارِ – وَكانَ خَازِنَ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه عَلَى الطَّعامِ – قَالَ: أَصابَ النَّاسَ قَحْطٌ في زَمَنِ عُمَرَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ – هو بلال – إِلَى قَبْرِ النَّبيِّ  ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ ، اسْتَسْقِ لأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكوا ، فَأَتَاهُ رَسولُ الله  في الْمَنَامِ فَقالَ: (ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ السَّلام ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْقون) … الحديث( ) .
فَهَذَا بِلالٌ مُؤَذِّنُ رَسولِ اللهِ  يُخاطِبُه وَيَستغيثُ بِهِ بَعد الموت ، والصَّحابةُ مِنْ حَوله يَنظُرُون إليه ، فَهَل هُم – بِرَبِّكَ – مُشْرِكون ؟ وَيح الجهل !!! وقد جاء في الحديث نَفسه أنَّ الله تعالى أَغاثَهم وسقاهم حتى رووا ، فهل يُعينهم الله تعالى على أن يُشْركوا به ؟ وَلا يَرْضَى لِعِبادِهِ الْكُفْر [الزمر: 7] .
•    رَوَى القَاضِي عِياض في كتابه الشفاء بسندِه الصحيح ، أَنَّ أمير المؤمنين أبا جعفر قالَ للإمام مَالك: يَا أَبَا عبد الله ، أَأَستَقبِلُ القِبلة وَأَدعُو أَم أَستَقبِلُ رَسُولَ الله  ؟ فَقَال: وَلم تَصرِف وَجهك عَنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إِلى يوم القيامة ، بَل استقبِلهُ واستشفع به فَيُشَفِّعُه الله . قالَ الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَموا أَنْفُسَهُمْ جاءوكَ فاسْتَغْفَروا اللهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسولُ لَوَجَدوا اللهَ تَوَّابَاً رَحيمَاً [النساء: 64] ، فَحَدِّث ولا حَرَجَ عَنْ وَرَعِ الإِمامِ مالكٍ رحمه الله ، الذي كَان يُسأَلُ عَن أَرْبعينَ مَسأَلةٍ في العلم فَلا يُجيب إِلاَّ عن ثَلاثٍ ، ثُمَّ نَزِّهْهُ عَن أَنْ يَأْمُر بما فِيهِ رَائِحَةُ الشِّركِ ، نَسأَلُ اللهَ العَافية .
•    حَدِيثُ تَوَسُّلِ آدَمَ بِالنَّبيِّ  تَعَدَّدَتْ طُرقُه بِكَثْرَةٍ عِنْدَ الْمُحَدِّثِين وَالْمُفَسِّرِين وصحَّحهُ الحاكمُ وأقَرَّه ، وهو: (لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطيئَةَ قالَ: يا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ إِلاَّ غَفَرْتَ لي ، فَقالَ: يا آدَمُ ! كَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدَاً وَلَمْ أَخْلُقْهُ ؟ قالَ: يَا رَبِّ لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَني بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكِ رَفَعَتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبَاً “لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، مُحَمَّدٌ رَسولُ الله” فَعَرَفْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلاَّ أَحَبَّ الخَلْقِ إِلَيْك ، فَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقْتَ يا آدَمُ ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ ، وَإِذْ سَأَلْتَنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَك ، وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُك)( ) .
فَهَذَا آدَمُ أبو البشر عليه السلام يَتَوَسَّلُ بِمُحَمَّدٍ  قَبْلَ أنْ يُخلَق ، وَهُوَ أَعظَمُ مِنَ التَّوَسُّلِ بِهِ بَعدَ مَوتِه ، إِنْ كُنتُم تُنْصِفُون .
•    رَوَى الطَّبرانيُّ( ) عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوان ، أَنَّ النَّبيِّ  قَالَ: (إِذَا أَضَلَّ أَحَدُكُمْ شَيْئًا ، أَوْ أَرَادَ عَوْنَاً ، وَهوَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِها أَنِيسٌ فَلْيَقُلْ: يا عِبادَ اللهِ أَغيثوني ; فَإِنَّ للهِ عِبادَاً لا نَراهُمْ) .
•    حَدِيثُ تَوَسُّلِه  بِنَفْسِهِ وبِالأَنْبياءِ مِنْ قَبْلِه في دُعائِهِ لفاطِمَةَ بنتِ أَسَدٍ يَوْمَ ماتَتْ( ) ، قالَ العلماء: إِسْنادُه جَيِّد .
قُل لي أيها الكاتب: أَفَبِهَذه الأحاديث أنتم مُدهنون ، أَم تجعلون رزقكم أنَّكم تكذبون ؟.
وَمَن تَصَفَّحَ كُتُبَ الحَديث والتاريخ بِعَين الإنصاف ، وَجَدَ شَوَاهِدَ كَثيرة لا يُحصيها العَدُّ ولا يَجمَعُهَا ، مثل هذا المقال ، فلا أَدري أَجَهلٌ كُلُّ هَذَا أَم تَجَاهُل ؟ وَلا عِلمَ لي أَفَبِآيَاتِ الله وَأَحَادِيثِ رَسول الله  يَلعبون ؟ استغفر الله .
لَكني أقول: يَجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم ، حذر أن يُخَالط أذهانهم برهان صادق يُزعزع لهم تِلك العقيدة مِن أَصلها ، فَوَيح التعصب البارد الْمُفَرِّقِ بَينَ الشُّعُوب .
حياة الأنبياء وعدم انقطاع أعمالهم بالموت
لَيس بإمكانك – وأنت تعلم – أن تنكر حياة الأنبياء والشهداء بعد ثبوتها في نصِّ القرآن العظيم ، وما تواتر من الأحاديث وما تتابع من الآثار . قالَ تعالى: وَلا تَقولوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرون [البقرة: 154] ، وقال سبحانه: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقون [آل عمران: 169] إِلى غير ذَلكَ من الآيات .
وأخرج البيهقي وأبو يعلى في مسنده – وهو حديث صحيح – عَنْ أَنَسِ رضي الله عنه ، قالَ رَسولُ اللهِ : (الأَنْبياءُ أَحْياءٌ في قُبورِهِمْ يُصَلُّون)( ) إِلى غير ذَلكَ مما ستراه .
وقالَ الحافظ السيوطي – وناهيك باطلاعه -: حياةُ النَّبيِّ  في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا عِلماً قَطعياً ، لما قَام عندنا من الأدلة في ذَلكَ وتواترت به الأخبار .
كأَنِّي بك وأنت تُغَالِط في مفهوم ذَلكَ فتجعل الحياة للأرواح فَقط وَتُصَرِّح بفناء الأجسام وذهاب إحساسها ، ولا ريب أنَّ الأرواح كلَّها – كافرة أو مسلمة – باقية في البرزخ لا تَفنى ، وعليها يَدور نعيم القبر وعذابه .
وإليك قول العلامة ابن القيم – وأنت تعتمده – في قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْت [آل عمران: 185]، يقول: إن أُريدَ بِذَوقِهَا الموت تألمها بمفارقة الجسد ، فنعم هي الذائقة الموت بهذا المعنى ، وإن أُريدَ أنها تعدم وتفنى مع البدن فلا ، بل هي باقية بالإجماع في نعيم أو عذاب ، فلو كان المراد من حياتهم حياة الروح فقط لما كان هناك فائدة ولا مزية في تخصيص الشهداء والأنبياء في معرض المدح بالحياة دون غيرهم ، ولجاز إطلاق الحياة على الكفرة بهذا الاعتبار ، ولم يرد ذَلكَ في آية ولا حديث ولا أثر ، وهو لعمر الله إبطالٌ لمقصود القرآن الكريم ، وتعطيل لمفهوم الأحاديث !.
إذاً إثبات الحياة للشهداء وبعض الخواص مُشعر بالبداهة أنها حياة حقيقة ، أكمل وأعز وأسمى من الحياة السابقة ، خلاف حياة عموم الناس البرزخية ، وما المانع من ذَلكَ والله على كل شي قدير .
ثم لا تنسَ قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: (في قُبورِهِمْ يُصَلُّون) وهل تكون الصلاة بالمعنى المتبادر للروح فقط ، وأيضاً لا يخفاكَ أنَّ أحاديث المعراج بلغت حدَّ التَّواتر ، فليس بالإمكان إِنكارها ، وفيها عند مسلم في صحيحه( ) مِنْ حَديثِ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، يَقول عليه الصَّلاة والسَّلام: (رَأَيْتُني في جَماعَةٍ مِنَ الأَنْبياءِ ، فإِذا موسى قائِمٌ يُصَلِّي ، فإِذا رَجُلٌ ضَرْبٌ – خَفيفُ اللَّحم – ، جَعْدٌ كأَنَّهُ مِنْ رِجالِ شَنوءَةَ – قَبيلَةٌ مِنَ العَرب – ، وَإِذا عيسى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قائِمٌ يُصَلِّي ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعودٍ الثَّقَفيُّ ، وإِذا إِبْراهيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قائِمٌ يُصَلِّي ، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صاحِبُكُمْ – يَعْني نَفْسَهُ – فَحانَتِ الصَّلاةُ فأَمَمْتُهُمْ …) الحديث .
فهل في وُسعك أن تجعل هذه الأوصاف للأنبياء وتلك الصلاة إماماً ومأموماً وذلك الخطاب بينهم للأرواح فقط ؟ أخبرني إن كنت من المنصفين !.
وأَخرجَ إِمامُ السُّنَّة أَحَمدُ بنُ حنْبلٍ وأَبو داودَ والنَّسائي وابنُ ماجَه والدَّارميُّ والبيهقيُّ وابنُ خُزيمةَ وابنُ حِبَّانَ في صحيحه والطَّبرانيُّ وسعيدُ بنُ منْصورٍ وابنُ أَبي شَيْبةَ والحاكمُ وصححه: (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فيهِ خُلِقَ آدَمُ ، وَفيهِ قُبِضَ ، وَفيهِ النَّفْخَةُ ، وَفيهِ الصَّعْقَةُ ، فَأَكْثِروا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فيهِ ، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْروضَةٌ عَلَيَّ) قالوا: وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ – بَليت- فَقالَ: (إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلى الأَرْضِ أَجْسادَ الأَنْبياء)( ) ، فهذا نص صريح بحياة أجساد الأنبياء .
وأَخرجَ الدَّارميُّ( ) – ومعلوم صحَّة سنده – عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ – الذي قالَ فيه الإمام أحمد: ليس بالشَّامِ أَصحُّ حديثاً منه – قالَ: لَمَّا كانَ أَيَّامُ الحَرَّةِ لَمْ يُؤَذَّنْ في مَسْجِدِ النَّبيِّ  ثَلاثًا ، وَلَمْ يُقَمْ ، وَلَمْ يَبْرَحْ سَعيدُ بْنُ الْمُسيِّبِ المَسْجِدَ ، وَكانَ لا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلاةِ إِلاَّ بِهَمْهَمَةٍ يَسْمَعُها مِنْ قَبْرِ النَّبيِّ  .
وفي رِوايةٍ لأَبي نُعيمٍ( ) عن سَعيدِ بنِ الْمُسيَّبِ قال: رَأَيْتُني لَيالي الحَرَّةِ وَما في مَسْجِدِ رَسولِ اللهِ  غَيْري ، وَما يأْتي وَقْتُ الصَّلاةِ إِلاَّ سَمِعْتُ الأَذانَ مِنَ القَبْر .
وأَخْرَجَ الزُّبيْرُ بنُ بكَّارٍ عَنْ سَعيدٍ نحو ذلك .
فهذا سعيدُ بنُ المسيَّبِ – سيِّدُ التَّابعين لصفاءِ جَوْهَرِه ونورِ بَصيرَتِه وحُسْنِ اقتدائهِ وصدْقِ محبَّتِه – سمعَ أَذانَ النَّبيِّ  في قَبْرِه ، فهل هذا الصَّوتُ الذي سَمِعَه سعيدٌ مِنَ الرُّوحِ فقط ؟ تأَمَّل مُنْصِفاً .
ولعلَّك تقولُ: ما بالنا إذاً لا نراهم بيننا ونبصرهم بأعيننا ؟
فإليك نقل مرجعك العلامة ابنَ القيِّم في كتابه “الروح” ، عن القرطبيِّ – وأقرَّه – ما مُلخَّصه: حصل القطع بتواتر الأخبار أنَّ موْتَ الأَنبياءِ راجعٌ إِلى أنْ غُيّبوا عنَّا بحيث لا نُدركهم وإنْ كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة فإنَّهم أحياءٌ ولا نراهم .
بل متى تقشَّعت عن سماء بصيرتك غمامة الذنوب برياح الذكر والاستغفار ، وانطوت بشريتك الكثيفة وزكت نفسك الأمارة بالسوء حتى رجعت راضية مرضية ، وانتشرت روح المحبَّة في ذرّات وجودك ، وهدَّمت هذه العقبة الصعبة بينك وبين الأنبياء بمعول الإنصاف والرجوع إِلى الحق ، بَرَزَت لناظرك شمس ذات الأنبياء ، وانعكس شعاعها على مرآة قلبك ، فهنالك تجتمع روحك الزكية المباركة – وأنت في دار الدنيا – بالملائكة الكرام ، وعندئذ تجهر بالحق قائلاً لشيعتك وقومك: هذا السرور المقيم ، هذه اللَّذة الدائمة ، هذه الحياة الطيبة .
لا جرم أنك تَذهل إذ ذاك عن المال والولد والأهل الأوطان و… ، ولئن كَبُر على نفسك التصديق بهذا ، فانتصب لإِقناعك قوله عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي اليَقَظَةِ ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي)( ) .
وقد رأَى النَّبيَّ  في اليقظَةِ كثيرٌ مِنْ عُلماءِ السُّنَّة الْمُطهَّرةِ الذين تَعتَمِدَهم أَنت في نقل الأحاديث وتصحيحها ، ومنهم الإمام الحافظ السيوطي ، فقد رأى النَّبيَّ  في اليقظة نيفاً وسبعين مرَّة ، أفتصِمَه بالكذب في هذا ؟ وأَراك تُصدِّقه تارةً أُخرى في نقل الحديث وتَصْحيحِه . إنْ هذا إلاَّ تَنَاقضٌ وتلون …!.
وبعد إِثبات مرجعك – ابن القيم – أَنَّ حياةَ الأَنبياءِ كحياةِ الملائكة ، لا يصعب عليك أن يرى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أُلوفٌ من الناس في جهات مختلفة في آنٍ واحد ، كما لا يصعب عليك أن تُصِّدق بقبض عزرائيل عليه السلام أَرواحَ مَن في المشرق والمغرب بلحظة واحدة .
هوِّن عليك ، فالله على كلِّ شيءٍ قدير ، أو كمثل الشمس في كبد السماء ، يَراها كُلُّ ذي باصرة سليمة في سائر أنحاء الأرض ، مالم يَتعرَّض أمامها حجاب .
ولا يَتخيَّل لي أَنَّك تجهل من كتب السنة رؤيةَ كثيرٍ من الصَّحابةِ مَلائكةَ الله يَقظَةً لا مَناماً ، وأنَّ رسولَ الله  أَقرَّهم على ذلك .
أَلم تسمَع هذا عنْ أَبي بكرٍ وعائشَةَ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ والعِرْباضِ بنِ سارية وعبدِ اللهِ بنِ رَواحَةَ وحُذيفَةَ بنِ اليمان ومحمدِ بنِ مَسْلَمَةَ وحارِثَةَ وأُبيِّ بنِ كَعْب ، وغيرِهم رضوان الله عليهم أجمعين .
أَلم ترَ في صحيحي البخاري ومسلم( ) ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ ، إِذْ جَالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَإِذَا هوَ بِمِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ المَصَابِيحِ عَرَجَتْ إِلَى السَّماءِ حَتَّى ما يَراها ، فَلَما أَصْبَحَ أَخْبَرَ رَسولَ اللهِ  بِذَلِكَ ، فَقالَ: (تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَ النَّاسُ يَنْظُرونَ إِلَيْهَا ، لاَ تَتَوَارَى مِنْهُم) .
أَلم ترَ في صحيح مسلم( ) ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قالَ: (إِنَّ المَلائِكَة كانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيَّ ، فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ ، فَتُرِكْتُ ، انْقَطَعَ عَنِّي ، فَلَمَّا تَرَكْتُ فَعادَ إِلَيَّ) .
أَلَمْ تَرَ في سُنَن البيهقيِّ( ) ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، قالَ: عادَ رَسولُ اللهِ  رَجُلاً مِنَ الأَنْصارِ ، فَلَمَّا دَنا مِنْ مَنْزِلِهِ ، سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ في الدَّاخِلِ ، فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَرَ أَحَدًا ، فَقالَ رَسولُ اللهِ : (مَنْ كُنْتَ تُكَلِّمُ) قالَ: يا رَسولَ اللهِ دَخَلَ عَلَيَّ داخِلٌ ما رَأَيْتُ رَجُلاً قَطُّ بَعْدَكَ أَكْرَمَ مَجْلِساً وَلا أَحْسَنَ حَديثاً مِنْهُ ، قالَ: (ذَلِكَ جِبْريَلُ ، وَإِنَّ مِنْكُمْ لَرِجالاً لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُقْسِمُ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) إِلى غير ذَلكَ …
وقصارى الأمر أَنَّ ذَلكَ من باب كَرامَةِ الأَولياءِ وأَنْتَ لا تُنْكِرها ، وهل هي إِلاَّ أَمر خارقٌ للعادة بعيد عن المؤتلف ؟ فابحث قبل الإنكار أيها النبيه …!.
أَخْبرني أيضًا: هل تَعتقد أنَّ ما ثَبت من النشر والحشر والنعيم في الجنة والعذاب في النار للروح فقط ؟.
لا غَرو أَنَّك تقول: إِنَّما ذَلكَ للجسم والروح معاً ؛ لقوله تعالى: قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم [يس: 78- 79] .
فالقادر – جَلَّت حِكمته – على إِعادَة الروح إِلى الجسد بعد تَشَتُّتِ أجزائه ومُضيِّ آلاف السنين ، أَلا يَقدر على إِعادَةِ أَرْواحِ الأَنْبياءِ والشُّهداءِ بَعدَ الموتِ بقليلٍ وحِفظِ أَجْسامِهم وحَجبِهم عن أَعيُنِ النَّاسِ إِلاَّ الخواص ، أَليسوا أَكرمَ عليه مِنَ المَلائكة ؟ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون [يس: 81-82] .
ألم يَكن في بعض ما تقدم – وهو شذرة مما في السنة المطهرة – مُقْنِعٌ لِذَوي التَّبصُّر والإِنْصافِ ، أَنَّ حياة الأَنْبياءِ والشُّهداءِ حياةً حقيقيةً ، وأنَّ أَعمالَهم لم تقطع بل هي غِذَاء لهم يَتنعَّمونَ به كعبادة الملائكة الكرام ؟.
أَزيدُك على ذَلكَ أَنَّ غير الأَنْبياءِ مِنْ خواصِّ البَشَرِ كثيراً ما يُصلُّون في قبورهم بعد الموت ، ذَكَرَ الحجَّةُ السيوطيُّ وأَقرَّه عَنْ أَبي نُعيمٍ في الحِلْية( ) ، عن جِسر بن فرقد قال: (أَما وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ أَدْخَلْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ لَحْدَهُ وَمَعِيَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ فَلَمَّا سَوَّيْنَا عَلَيْهِ اللَّبِنَ سَقَطَتْ لَبِنَةٌ ، فَإِذَا أَنَا بِهِ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ . وَكانَ يَقولُ فِي دُعَائِهِ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَعْطَيْتَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ الصَّلاةَ في قَبْرِهِ فَأَعْطِنِيهَا ، فَمَا كَانَ اللهُ لِيَرُدَّ دُعَاءَهُ) .
وأَخْرَجَ التِّرمذيُّ – وحسَّنَه البَيهقيُّ( ) – عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: إِنَّ بَعْضَ أَصْحابِ النَّبيِّ  جَلَسَ عَلى قَبْرٍ وَهُوَ لاَ يَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ ، فإِذا فيهِ إِنْسانٌ يَقْرأُ سورَةَ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَها ، فأَتى النَّبيَّ  فأَخْبَرَهُ ، فَقالَ رَسولُ اللهِ  : هيَ المانِعَةُ ، هيَ الْمُنْجيَةُ ، تُنْجيهِ مِنْ عَذابِ القَبْرِ . قالَ العلامة أبو قاسم السعدي في كتاب الإفصاح: هذا تَصديقٌ مِنْ رَسولِ اللهِ  أَنَّ المَيتَ يَقْرَأُ في قَبْرِه .
وأَخْرجَ ابنُ مَنْده عنْ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ رضي الله عنه قال: أَردتُ مالي بالغابةٍ فأَدركَني اللَّيلُ ، فأَوَيْتُ إِلى قَبْرِ عبدِ اللهِ بنِ حَرامٍ فَسَمِعْتُ قِراءَة القُرآنِ في القَبْرِ ما سَمِعْتُ أَحْسَن منها ، فجِئْتُ إِلى رَسولِ اللهِ  فَذَكَرْتُ ذَلكَ لَهُ فقالَ: (ذَلكَ عبدُ اللهِ ، أَلم تَعْلَمْ أنَّ اللهَ تَعالى قَبَضَ أَرْواحاً فَجعَلَها في قَناديلَ مِنْ زَبَرْجَدٍ ويَاقُوت ، ثُمَّ علَّقَها وَسَطَ الجنَّةِ ، فإِذا كانَ اللَّيلُ رُدَّتْ إِلَيْهِم أَرْوحُهم حتَّى يَطلعَ الفَجْرُ ، فإِذا طَلَعَ الفَجْرُ رُدَّتْ أَرْواحُهم إِلى مَكانِها الذي كانَتْ فِيه) .
إِلى غير ذَلكَ مما أُفهم في الكتب المعتمدة ، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ؟!.
جواز تصرُّفِ الأَنبياءِ والأَوْلياءِ بالأُمورِ المعنوية كالمرض والضيق
من المقرر الذي لا يَفتقر إِلى برهان أنَّ المخلوق مِن حَيث هو – ملكاً كان أو نبياً أو ولياً – مجرداً عن معونة الله تعالى ، لا يقدر على شيءٍ ما ، وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون [الصافات: 96] ، فإنْ أَمدَّه الله تعالى بقوَّةٍ فَعَّالةٍ وأَذِنِ له في فِعل شيءٍ تَصرَّف فيه تَصرُّفاً غَريباً بما مَنحه الله تعالى من الفِكر الثاقب والسرِّ العجيب .
لا يرتاب مسلم في قدرة الملائكة على التصرُّف في كلِّ شيءٍ حتَّى في تخليق الجنين وتفصيل خَلْقِه ونفخِ الرُّوحِ فيه ، وإِنَّ منهم الْمُوَكَّلُ بتصريف السحاب وتسخير الرياح وقبْضِ الأَرْواح … إِلى غير ذلك .
كذلك نُشاهد في المعادن والنباتات وأجزاء الحيوان من الخواص العجيبة في قلب حقائق الأشياء وتسكين الأمراض أو إزالتها ، وفي البخار ومائع الأرض – كالغاز والبنزين – مِن رفع الأثقالَ وتسيير القناطير المقنطرة ، ما يبهر العقول وتحارُ بِه الأَفْكارُ !.
فالقادر على هِبَة الملائكة تلك القوة ، ووضع هاتيك الخواص في الجماد والنبات والحيوان ، أليس بقادر على أن يهب مثلها أو أعظم منها خاصةَ أَحْبابه وخِيرته من خَلْقه ؟ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان: 54] ، كيف والآدمي مُطْلقاً مُكرَّم على الجماد وأَمثاله ؟ قالَ تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم [الإسراء: 70] الآية .
وقد أَثْبَتَ اللهُ في مُحْكَمِ كِتابه لسيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام أفعالاً لا تَليق إلاَّ بالرَّبِّ تعالى فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: 49] ، فهذا نصٌّ صريحٌ في جواز إِطلاقِ الإِحياءِ والإِبراءِ والخلق وانكشاف الغيب على البشر ، قالَ تعالى فيمن أَتى بعرش بلقيس وليس بِنبيٍّ: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: 40] ، فقد طوى الله الزمان والمكان لهذا الولي حتى أتى بعرش بلقيس بطرفة عين ، وقالَ تعالى في مريم عليها السلام: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران: 37] .
فحيث جاز مِثل هذه الكرامات للأولياء من غير أمة محمد  ، فما ظنُّك بأَوْلياءِ خَير أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس .
ولا معنى للمحاولة بأن ذَلكَ بإذن الله ، حيث إن كل مؤمن يَعتقد أنه لا يَكون شيءٌ إلاَّ بإذنه ، حتى الجرعة يُسيغها واللقمة يبتلعها والثوب يلبسه ، و… إِلى غير ذلك .

لمتابعة القراءة يرجى تحميل الملف المرفق

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>