3- مصطلح ((جهاد النكاح)) وحقوق المرأة في الإسلام = الجزء الثاني

مصطلح “جهاد النكاح” وحقوق المرأة في الإسلام

المقدمة
الحمد لله رب العالمين , والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين ، وعلى جميع أنبياء الله ورسله ، وعلى آل كلٍّ وصحب كلٍّ أجمعين ، وبعد:
فإنَّ الحرب الكونية التي استهدفت سورية الحبيبة مؤخراً ، لا تستهدف فقط محور المقاومة والنيل من عزتها وكرامتها ، بل المراد ما هو أعمق من ذلك وهو استهداف الإسلام الوسطي المعتدل الذي تتميز به بلاد الشام ، وذلك عبر الأفكار الهدامة التكفيرية الوهابية التي صُدِّرت إلينا من خلال المجموعات المسلحة التي تحمل هذه الأفكار ، والتي تعيث في أرضنا الحبيبة فساداً وعنفاً وقتلاً وتدميراً .
وإنَّ هؤلاء المجرمين يستخدمون في هذا كلّه شعارات تحمل اسم الإسلام ، والإسلامُ منها براء ، يُرِيدُونَ ليُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللهُ مُتِمُّ نُورِه  [الصف: 8].
ولعلَّ من أخطر هذه المصطلحات التي تمَّ طرحها مصطلح “نكاح الجهاد” ، وذلك لما فيه من الإساءة إلى المرأة التي كرَّمها الإسلام وأعطاها حقوقها كاملة غير منقوصة ، ولما فيه من الترويج للأفكار الهدامة التي يطرحها الغرب بين الحين والآخر ، والتي يُريد من خلالها أن يُبيِّن لأتباعه – بل للعالم أجمع – بأنَّ الإسلام ظَلَمَ المرأة وأعادها إلى القرون الوسطى وعصور الظلام .
وإنَّ طرح مصطلح غير معروف فقهياً سابقاً – وهو جهاد النكاح – حَدَا بنا للحديث بشكل مُفصّل عن حقوق المرأة في الإسلام ، بعد بيان موجز لهذا المصطلح الخطير الذي ظهر في الآونة الأخيرة ، ولا سيما في سورية .
وما نريد قوله: أننا لسنا حريصين على الحديث عن مسألة “جهاد النكاح” ، لما في ذلك من الترويج لمفاسد خطيرة ، ومن شأن الإكثار من ذكرها التهوين من خطرها ، ولكن من الضرورة بمكان التنبيه على الخطة القذرة التي تستهدف الإسلام بأساليب ماكرة .
من أخطر الأساليب في محاربة الإسلام إطلاق عناوين إسلامية براقة على مسميات مناقضة للإسلام وتعاليمه . ومن ذلك: إطلاق اسم الجهاد على ما يرتكب من جرائم وحشية همجية في سورية ، يقتل فيها الأبرياء ومنهم الأطفال والنساء . ومن ذلك: جعل كثير من الجرائم مصحوباً بالشعار المقدس: “الله أكبر” ليغدو هذا الشعار المقدس مثيراً للفزع والخوف عند إطلاقه . وأسوأ ما يمارس لمحاربة الإسلام الترويج للفاحشة وتلبية الشهوات المحرمة من قبل مجموعات القتلة والمجرمين بما يسمونه “جهاد النكاح” ، فقد استخدموا أطهر أمرين في ديننا لأقذر جريمة يمارسها المجرمون ، جريمة تشمئز منها جميع الطبائع السوية ، بينما يروج لها المجرمون لتشويه هذين الأمرين العظيمين في شريعتنا: الجهاد والنكاح ، بجعل هذا التركيب يدل على أبشع ممارسة لا أخلاقية باسم الإسلام الحنيف وشريعتنا الغراء .
لقد حاول بعض رموز الوهابيين والتكفيريين ، بعد أن ارتفعت صيحات الاحتجاج والاستنكار لهذه الجريمة ، التبرؤ من هذه الجريمة المثيرة للاشمئزاز ؛ إلا أن مفتي تونس السابق قد فضح جريمة إرسال فتيات قاصرات لممارسة ما يسمونه “جهاد النكاح” على أنه طريق سريعة لدخول الجنة .
وقد نشرت مواقع ووكالات أنباء ما قاله مفتي تونس حول هذه الجريمة القذرة ، وأوضحت أن فضيلته دفع ثمن ذلك منصبه ، فقد غضبت عليه الحكومة الإخوانية وأقالته نتيجة هذا التصريح ، وقد أكد وقوع هذه الجريمة أيضاً وزير الداخلية التونسي فيما نقلته عنه وكالات الأنباء ومواقع الأنترنت ، وفيما يأتي أحد المنقولات: (كان المفتي السابق فضيلة الشيخ عثمان بطيخ أول المحذرين من ظاهرة حمل التونسيات بفعلة “جهاد النكاح” في سوريا ، ودفع ثمن ذلك بأن تمت إقالته ، وقد كان لنا معه هذا الحوار حول المستجدات الخطيرة لهذا الموضوع الذي أصبح يتصدر الصحف العالمية) .
قال المفتي السابق للجمهورية التونسية فضيلة الشيخ عثمان بطيخ لـ “الشروق”: (إنه يجب على العائلات التونسية أن تحذر من انتشار هذه الظاهرة الخطيرة وتنتبه أكثر من أولادها ، وتقوم بمراقبة تصرفاتهم حماية لهم من غسيل الأدمغة الذي يتعرض له شبابنا من قبل أصحاب الفكر المتشدد ، قائلاً في هذا السياق: (ما يزعجني في هذا الموضوع أن ضحايا “جهاد النكاح” هن مجرد فتيات صغار السن لا حول ولا قوة لهم).
وأكد الشيخ عثمان بطيخ أن أصحاب الفكر الوهابي يقومون باستغلال الضحايا ويوهمونهم بأن الجنة مصيرهم ، وما يقومون به سيجازون به ، وأن ما يقومون به يعتبر نوعاً من أنواع الجهاد في سبيل الله ، مضيفاً أنه حذر في العديد من المناسبات من خطورة سفر التونسيات إلى سوريا وفتح الحدود لهن ، ولكن لم يجد آذاناً صاغية ، وصمتت سلطة الأشراف ، مما أنجز عنه أن عشرات الفتيات دفعن ثمن هذا الفكر الذي تسبب في كارثة كبرى في تونس .
وعن حُلول التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة التي تفشت في المجتمع بسبب عودة أكثر من مائة تونسية حامل من أعداد كبيرة من المقاتلين في سوريا ، قال عثمان بطيخ المفتي السابق: (إن على كل إمام مسجد أن يحارب هذه الأفكار من خلال منبره) قائلاً أيضاً: (سأتصدى لهم من خلال خطبتي في الجامع وكتاباتي) ا.هـ جريدة الشروق . وما ورد هنا أكدته رويتر .
وأقر وزير الداخلية في تونس بذلك وبأن الجهات الأمنية اكتشفت عصابة تجند الشباب للقتال في سورية ، وتغرر بالفتيات القاصرات للذهاب إلى سورية لممارسة “جهاد النكاح” .
بل إن بعض الذين انخرطوا في سلك هذه المؤامرة على سورية من أبناء الوطن بلغت بهم الدناءة والخسة أن دفعوا بنسائهم وبناتهم في هذا الطريق القذر ، فزجوا بهم – بكل خسة ودناءة – في طريق الرذيلة باسم: “جهاد النكاح” ، وهم يدركون جيداً أنهم يكذبون ، ولكنهم باعوا نفوسهم وأعراضهم طمعاً بدراهم يكسبونها بزج نسائهم وبناتهم في هذه الرذيلة ، وقد أقرت ضحاياهم بذلك .
إننا لا نناقش مدى قذارة هذا الفعل المشين ، ولا نناقش مدى تعارضه مع الفطرة الإنسانية السوية لدى جميع البشر ، ولا مدى قذارة هذا السلوك المنحرف ، كل ذلك أمر لا يُنكره عاقل ، ولكن الذي نُريد أن نوضحه أن ثمة حرباً على الإسلام باسم الإسلام ؛ تمارس من خلال استخدام المصطلحات الإسلامية التي تعبر من مدلولات سامية عظيمة لممارسة أقذر أنواع الانحراف الأخلاقي ؛ بغية تشويه الإسلام ومفاهيمه ، ليدرك كل عاقل أن ما يجري في سورية إنما هو حرب على الإسلام بامتياز .

أهمّية البحث في قضية المرأة المسلمة
تنبثق أهـمّية البحث في قضية المرأة المسلمة من أمرٍ بالغِ الأهمّية ؛ هو أنّنا – معشرَ المسلمين – أمةٌ حمّلها الله رسالة هداية البشرية بشريعة الإسلام ، ومن ثَمَّ فنحن مأمورون دائماً بحشد طاقاتنا جميعاً من أجل تأدية هذه الرسالة على خير وجه . ولما كانت المرأة نصفَ المجتمع البشري تقريباً ، وهي تُربّي – في الواقع – النصفَ الآخر منه ، فإنها طاقة عظيمة القيمة ، وقوّة لا يجوز التغافل عنها ، لأنها تُسهم في إنشاء الحضارة في إطار تلك الرسالة .
وإذا كانت نهاية القرن العشرين قد شهدت موجة تزعّمها الغربُ لتكريم المرأة تمثّلت أخيراً في (يوم المرأة العالمي)( ) ، تلك الموجة التي كان يقصد بها التكفيرُ عن التفريط في جنبها وتضييع حقوقها ، كما يرى د. البوطي – رحمه الله – حين يقول: (كلّ مُتتبّع يعلم أن حديث الغرب اليومَ عن حقوق المرأة ليس إلّا غطاءً لستر ذلك الماضي) ، فإن الإسلام ليس بحاجة إلى أن يُكفّر عن تفريطٍ في جنب المرأة ، لأنه لم يظلمها ولم يسئ إليها ، لا بل هو الذي أحسن إليها وأنصفها ، وكرّمها التكريمَ الحقيقي ، في وقت أساءت إليها فيه معظم القوانين في ظلّ الحضارات التي سبقت الإسلام ، بل وكلّ الحضارات والقوانين الوضعية التي لحقته ، على حينَ وضعها الإسلام في مكانها الصحيح ، وذلك في حدود دوافعها الفطرية وتكوينها الطبيعي ، حتى تقوم بدورها المتّزن في بناء المجتمع وإنشاء الحضارة ، ومن ثَمَّ تجد المرأة في ظلّ الإسلام أن من واجبها أن تَلْهَجَ بتكريم الإسلام والثناء عليه ، لا يوماً في السنة ، بل كلَّ يومٍ في حياتها .
الفصل الأوّل
أحوال المرأة قبل الإسلام
لعلَّ من المفيد إلقاء نظرة سريعة على أحوال المرأة لدى أبرز الأمم التي سبقت الإسلام ، سواء لدى العرب أو الأمم الأخرى ، وذلك للبرهان على صحّة ما ذهبنا إليه من تكريم الإسلام للمرأة وإنصافه لها .
– فعند اليونان تبدّلت أوضاع المرأة حسب تقلّب أحوال الأمّة ؛ ففي فجر حضارتهم كانت المرأة عفيفة مُحْصَنة لا تُغادر البيت ، وظيفتها الإشرافُ على شؤونه ، لكنّها محرومة من الثقافة ، لا تسهم في شؤون الحياة العامّة ، مُمتَهَنَة من قبل الرجل ، مُحتجبة إن كانت من البيوت الراقية ، هذا اجتماعياً . وأمّا قانونياً فالمرأة عندهم متاعٌ من المتاع ، تُباع وتشترى في الأسواق ، وليس لها حقّ في الميراث ، وهي مسلوبة الحرّية والحقوق المدنية ، محرومة من المسرّات خاصّة ، وتبقى طيلة حياتها خاضعة لسلطان الرجل في زواجها وطلاقها وتصرّفاتها المالية ، وما ذكر من أنها نالت في إسبارطة( ) بعض الحرّية والحقوق المدنية ، إنما اضطرّوا إليه اضطراراً لانشغال رجال المدينة بالحرب ، فتركوا التصرّف في حال غَيبتهم للنساء .
وفي أَوْج حضارتهم اختلطت المرأة بالرجال في الأندية والمجتمعات ، ففشت الفاحشة في مجتمعهم ، حتى غدت دور البغايا مراكز للسياسة والأدب ، ولهج الأدباء بالحرّية الشخصية التي لا تعرف قيداً ولا حدّاً ، فانتشرت الفوضى في الأخلاق ، وفشا فيهم الشذوذ الجنسي ، وكان ذلك خاتمة المطاف في حضارتهم .
– وأمّا عند الرومان ؛ ففي العصر القديم من حضارتهم لم يكن الأب مُلْزَماً بضمّ أولاده إلى أسرته ، وكانت سلطته على أفراد الأسرة أبناءً وزوجة – مهما بلغت سنّهم – تمتدّ حتى وفاته ، وكانت هذه السلطة تشمل البيع والنفي والتعذيب والقتل( ) ، وسلطته سلطة مِلْك لا حماية .
ولم يكن للأفراد في الأسرة حقّ التملّك ، إنما يستخدمهم ربُّ الأسرة أدواتٍ في زيادة أمواله ، وهو الذي يقوم بتزويج الأبناء والبنات دون إرادتهم ، وظلّت المرأة فاقدة حقّ التملّك حتى العصور المتأخّرة ، حين استُثني من ذلك ميراث أمّها ، وإذا تزوجت أبرمت مع زوجها عقداً يسمّى (عقد السيادة) ، به تخرج الفتاة من سلطة أبيها إلى سلطة زوجها . وفي عهد الازدهار العلمي (105 ق.م – 305م) تحوّلت السلطة على المرأة من سلطة مِلك إلى سلطة حماية ، لكنها مع ذلك ظلّت قاصرة الأهلية ؛ فقبل “جوستنيان” كانت الأنوثة سبباً من أسباب عدم ممارسة الأهلية ، فجاء قانون “جوستنيان” ليشترط لصحة التعاقد:
– أهلية حقوقية ، عدّد فيمن يفقدها الخاضعاتِ لسلطان رئيس الأسرة .
– أهلية فعلية ، عدّد فيمن يفقدها كذلك الخاضعاتِ لسلطان رئيس الأسرة إذا صِرن مَدِيْناتٍ دون إذنه ، أو المستقلّات إذا صِرن مدينات دون إذن الوصيّ . ورغم أن هذه الحالة الأخيرة قد زالت مع زوال الوِصاية على النساء ، لكن هؤلاء المستقلّات ظللن فاقداتِ الأهلية عند تحمّل دين الغير دون نفع لهن .
وبهذا يتبيّن أن الرومان حكموا على المرأة منذ فجر حضارتهم بالقصور ، وكان شعارهم الذي تداولوه منذئذ أن قيد المرأة لا يُنزع ونِيْرها لا يُخلع ، ولم تتحرّر عندهم إلّا يوم تحرّر الأرقّاء إثر ثورات متلاحقة ، هنالك مُنحت المرأة جميع حقوق الإرث والملْك ، وجعلها القانون حرّة طليقة لا سلطان عليها للأب ولا للزوج .
وعلى مسير الأيام دخل في حوزة الرومانيات جزء عظيم من الثراء ، فكنّ يُقرضن أزواجهن بأسعار الربا الفاحشة ، مما يجعل أزواجهن عبيداً لهن . ثم سهّلوا أمر الطلاق وصار يُلجَأُ إليه لأتفه الأسباب ، وصارت المرأة الواحدة تتزوّج رجلاً بعد آخر من غير حياء ، حتى حدّث “القديس جروم” (340 – 420 م) عن امرأة تزوّجت في المرّة الأخيرة الثالثَ والعشرين من أزواجها ، وكانت هي أيضاً الحاديةَ والعشرين لبعلها . ثم بلغ بهم التطرّف آخر الأمر أن عدّوا الزنى شيئاً عادياً ، وبذلك انحلّت عُرى المجتمع الروماني ، وأدّى ذلك إلى دمار مجتمعهم ثم سقوط دولتهم .
– أمّا الفرس ، فالمرأة عندهم كانت عبدة سجينة لا منزلة لها ، وهي تحت سلطة الرجل المطلقة ، يحقّ له أن يحكم عليها بالموت ، دون رقيب أو مؤاخِذ . وقد أباحت الأنظمة الفارسية بيعها وشراءها ، وشرٌّ من ذلك كلّه أنها أباحت الزواج بالمحارم ، ومتى حاضت المرأة أبعدوها عن المنازل وجعلوها في خيام صغيرة في ضواحي المدينة لا يخالطن أحداً .
– وأمّا عند الهنود ، فلم يكن للمرأة حقٌّ في الاستقلال عن أبيها أو زوجها أو ولدها ، فإذا مات هؤلاء وجب أن تنتميَ إلى رجل من أقارب زوجها ، وهي قاصر طيلة حياتها ، وليس لها – في بعض شرائعهم – حقُّ الحياة بعد وفاة زوجها ، وتُحرق معه وهي حيّة على موقد واحد . واستمرّت هذه العادة حتى القرن السابع عشر الميلادي ، حين أُبطلت على كرهٍ من رجال الدين الهنود .
– وأما عند الصينيين ، فالمرأة عندهم تُعدّ عبأً على الآباء ، وكان من أشدّ المذلّة الدائمة للأمّهات أن لا يكون لهن أبناء ذكور ، وإذا ولد للأسرة بنات أكثر من حاجتها ولقيت الأسرة الصعاب في إعالتهن تُركن في الحقول ليقضي عليهن صقيع الليل أو الحيوانات الضارية !. فلما كان عهد “كونفوشيوس” أصبح في وسع الزوج أن يبيع زوجته ، وكان يطلب من زوجته أن تحرق نفسها تكريماً له بعد موته !.
– أمّا اليهود ، فيعدّون المرأة لعنة لأنها أغوت آدم ، وتضعها بعض طوائفهم في مرتبة الخادم ، ولأبيها الحقُّ أن يبيعَها قاصرة .
– وكانت المرأة في نظر القساوسة النصارى القدماء شرّاً لا بدّ منه ، وآفة مرغوباً فيها ، وخطراً على الأسرة والبيت ، ومصيبة مَطلية مموّهة ، وفتنة مهلكة .
– وفي القرن الخامس الميلادي اجتمع مَـجْمع “ماكون” – قرية قرب باريس في فرنسا – للبحث في مسألة: هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه ، أم لها روح ؟ وقرّروا أنها خِلوٌ من الروح الناجية من العذاب ، ما عدا أمّ المسيح  . كما قرّروا أنها رجس يجب ألّا تأكل اللحم ، وألّا تضحك ، ومنعوها من الكلام ، حتى وضعوا على فمها قفلاً من الحديد !.
– وفي القرن السادس الميلادي عقد الفرنسيون مؤتمراً للبحث: هل المرأة إنسان أم لا ؟ وقرّروا أنها إنسان ، لكن خُلقت لخدمة الرجل !.
– أمّا في جزيرة العرب ؛ فقد تضاربت الأقوال عن حال المرأة فيها قبل الإسلام ؛ فمن مُشِيد بالرعاية التي لقيتها في مجتمع الجزيرة ، كأنما يريد أن يقول: إنه لم يكن للإسلام فضلٌ كبير عليها ، أو رغبةً في الدفاع عن المرأة العربية من حيث هي امرأة . ومن مضخّم للامتهان الذي عاشته المرأة فيها ، يريد أن يعظّم منّة الإسلام عليها . ولكلٍّ من الفريقين أدلّته في المجتمع الجاهلي ؛ فقد كان الجاهليون يحترمون المرأة في نواح ، ويمتهنونها في نواح .
وفي الشعر الجاهلي دليلٌ كبير على مظاهر الرعاية لها ، ومنزلتها في المجتمع الجاهلي ، وفي نفس الرجل في ذلك المجتمع وعقله ؛ فهو يبدأ كلّ قصيدة من قصائده بذكرها ومناجاتها ، ويتمدّح إليها ببطولاته وأمجاده في حومة الوغى أو إثر قيامه بمكرمة ، ويحتكم إليها ويستشهدها على شجاعته ، ويرى خيرَ مكافأة له على بطولاته إعجابَها به . نرى ذلك في شعر عنترة ، وعمرو بن كلثوم ، وحاتم الطائي ، وغيرهم .
وكان العُرف يَفرِض على الرجل أن يحميها ويفديها بروحه إذا تعرّضت لتهديد أو سَبْيٍ ، وكثيراً ما كانت الحروب تنشب دفاعاً عنها .
ولعلّ ما امتازت به الجزيرة من صفات الرجولة والمروءة والشجاعة والكرم وغيرها ، مردّه في الدرجة الأولى إلى أن المرأة العربية كانت – على الجملة – تمتاز بالعفّة والفصاحة وحسن التربية لبنيها ، وكان الرجل يسعى لتخيّر المرأة التي ستكون أمّاً لأولاده ، فإذا كبروا منّ عليهم بذلك بمثل قوله:
وأوّل إحســـاني إليكم تخيُّري             لماجـــدة الأعراق بـادٍ عفافُها
وأمّا جوانب الظلم والمهانة التي تعرّضت لها المرأة في جزيرة العرب قبل الإسلام ، فأوّلها تطيّرهم منها ، وغلا فريق منهم في كره الأنثى حتى قصّ الله تعالى علينا من أمرهم هذا ، فقال عزّ من قائل: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُون  [النحل: 58 – 59]. ثم بلغ ببعضهم الأمرُ أن لجأ إلى وأدها خشية العار أو الفقر ، كما كانت تفعل قبائل ربيعة وكِندة وتميم .
ومن تلك الجوانب عادة السبي ، فإذا شنّ قوم الغارة على قوم ساق الفارس ، مع ما قدر على حمله من الأمتعة من النساء والذراري ، فكانوا جميعاً مِلكه يتصرّف فيهم كيف يشاء .
وأبلغ من ذلك في المهانة أن الرجل إذا مات صديقه قال: أنا أحقّ بامرأته ، فإمّا يتزوّجها أو يزوّجها ويستولي على مهرها . وحين يموت الرجل يرث الولد فيما يرث من متاع زوجاتِه جميعاً ، فيتمتّع بهنّ كما كان يتمتّع أبوه ، أو يرثها أولياء المتوفَّى كما يرثون البهائم والمتاع ، إن شاء بعضهم تزوّجها ، أو شاؤوا زوّجوها دون رضاها وسلبوا مهرها ، وإن شاؤوا عَضَلُوها فلم يزوّجوها حتى تفتدي نفسها بشيء .
وكان بعضهم إذا توفّي عن المرأة زَوجُها ألقى عليها وليُّه ثوبه فمنعها من الناس ، أو حازها كما يحوز السَّلَب والغنيمة ، فإن كانت جميلة تزوّجها ، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها . وكان بعضهم يطلّق المرأة ويشترط عليها ألّا تنكح إلّا من أراد حتى تفتدي نفسها منه بما كان أعطاها كلِّه أو بعضه .
ولم يكن للمرأة عند العرب قبل الإسلام أيّ حقّ لها على زوجها ، وليس لها حقّ في اختيار زوجها ، وإن كان بعض أشراف العرب يستشيرون بناتهم في أمر الزواج . ولم يكن للطلاق عدد محدّد ، ولا لتعدّد الزوجات حدّ معيّن .
ومظالم أخرى انتشرت في الجزيرة العربية حينذاك بلا قيد ولا شرط ، فيها امتهان للمرأة وكرامتها ، كنكاح البدل( ) ، ونكاح الشِّغار( ) .
ومن المظالم أيضاً حرمان النساء من الميراث ، فكانوا يقولون: (لا يرثنا إلّا من يحمل السيف ويحمي البيضة) ، فإذا تزوّجت اغتصب أقرب الناس إليها – أبوها وأهلها – مهرها . وقد يعضلونها عن الزواج أصلاً ؛ وذلك حين تكون يتيمة عند قريب لها ، فهو غير راغب في تزوجها لقبحها أو غيره ، ولا يزوّجها غيره خشية ذهابه بمالها . فهي في جميع الحالات عرضة غبن وحَيْف ، تؤكل حقوقها ، وتُبتزّ أموالها ، وتحرم إرثها .
وآخر ما يذكر من تلك المظالم أنهم كانوا لا يعتبرونها والرجل سواءً في الدماء ، فإذا قتل رجل امرأة لم يكن عليه شيء ، وإن كان من النوادر قتل المرأة إلّا لفاحشة ترتكبها امرأة هي خاصّة .
ونخلص من دراسة وضع المرأة العربية في الجاهلية بتصوّر عامّ عن ذلك الوضع نذكره في وجوه:
أوّلها: أن المرأة كانت في شريعة الجاهلية شيئاً لا كائناً بشرياً ، وأن ما لقيته من المنزلة المهينة والمعاملة السيئة ممّا يهبط بإنسانيتها وإنسانية الرجل على حدّ سواء .
ثانيها: أن ما لقيته من قسمة الإنصاف والكرامة مساوٍ لما لقيته أختها في بلاد العالم الأخرى على تباعد أرجائه وتنوّع عاداته وشرائعه .
ثالثها: أن ما عرفه المجتمع الجاهلي من الرعاية لها وأداء حقوقها ، إنما درجت عليه بعض الأسر النبيلة فقط ، ممّا لا يَصلح إطلاقه على مجموع الجاهلية ، فضلاً عن أن التكريم الذي لقيته لم يكن لاعتبارها فرداً من جنس النساء يعمّها ما يعمّهن من الحقّ والمعاملة ، بل كانت تُكرّم عند الزوج لأنها بنت ذلك الرئيس الـمُهاب أو أمّ ذلك الابن المحبوب . وأمّا حماية الرجل لها أباً أو زوجاً أو أخاً – وهو الشيء الوحيد الذي تعتزّ به على أخواتها في العالم – فإنما هي حماية الواجب المفروض عليه لكلّ ما في جواره ، أو كلّ ما في حَوزته وحِماه ؛ فيعاب على الرجل منهم أن يُهان حَرَمه ، كما يَعِيبه أن يُعتدى عليه في كل مَحْمِيّ أو ممنوع ، ومنه فرسه ودابّته وبئره ومرعاه .
كذلك نخلص من دراسة وضع المرأة في أرجاء العالم القديم قبل الإسلام بما في ذلك المرأة العربية بهاتين النتيجتين:
1- أنّ الأخطاء التي ارتُكبت في حقّ المرأة في تلك العصور إنما تنبثق جميعُها من خطأ واحد ؛ هو أن إنسانيتها لم تكن محلّ اعتبار لدى الرجل ، إمّا لأنهم أنكروا إنسانيتها أصلاً ، أو لإحساسهم أن مهمّات المرأة في الحياة لا تقتضيها دوراً أساسياً تسهم به في المحيط العام .
2- أنّ كلّ ما نالته المرأة – في الأمم والحضارات التي استعرضنا – من مكانة مُرضية لم يكن عامّاً ، وإنما اقتصر على فئات وطبقات معيّنة ، ولم يكن أمراً شرعياً تعترف به الدولة والأمّة ، بل كانت تناله بباعث من بواعث العاطفة في بعض الأحيان ، أو كمطلب من مطالب المتعة والوجاهة الاجتماعية في عصر الترف والبذخ الذي تنتهي إليه الحضارات الكبرى في أحيان أخرى .
أمّا المكانة التي تحسب من عمل الآداب والشرائع أو الحضارات فقد كانت معدومة في عصور الحضارة الأولى جميعاً ، ما خلا حضارةً واحدة لم نعرِض لها هي الحضارة المصرية ؛ فقد خوّلت المرأةَ حقوقاً شرعية قريبة من حقوق الرجل ، فكان لها أن تملِك وأن ترِث وأن تتولّى أمر أسرتها في غياب من يعولُها ، وهي حقوق كانت تضطرب باضطراب الدولة ، وتعود مع عودة الطمأنينة إليها .
بيد أن الحضارة المصرية زالت وزالت معها شرائعها قبل عصر الإسلام . ومنذ استولى الرومان على مصر والشرق الأوسط عامّة واشتدّ ظلمهم ، انتشر في مصر وغيرها من أقطاره موجة من كراهية الحياة الدنيا ، وانتهى بهم ردّ الفعل بعد سقوط الدولة الرومانية – بـما انغمست فيه من ترف وفساد – إلى الإيمان بنجاسة الجسد ونجاسة المرأة .
الفصل الثاني
مكانة المرأة في الإسلام وحقوقها وواجباتها فيه
يبدأ إحسان الإسلام إلى المرأة وإنقاذه إيّاها من حيث انبثقت المظالم والمهانات التي تعرّضت لها في الأمم التي لم تستظلّ بالإسلام بلا استثناء ، ونعني بذلك قضية إنسانيتها ؛ فعلى حين رأينا أن إنسانية المرأة لم تكن محلّ اعتبار لدى الرجل في تلك الأمم ، إمّا لجحودهم تلك الصفة فيها ، وإمّا لاعتقادهم بأن مهمّاتِ المرأة لا تخوّلها دوراً أساسياً تُسهم به في المحيط العام ، نزل الإسلام في جزيرة العرب ليرفع منزلة المرأة من ذلك الدَّرْك الهابط إلى ذلك المستوى الرفيع العالي الكريم ، انطلاقاً من تكريم الإسلام لبني آدم أجمع ؛ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ … [الإسراء: 70] ، ومن نظرته إلى الحياة الإنسانية ، وإلى شطري الإنسان ، فكان ذلك الارتفاع الذي لم تعرفه البشرية إلّا من ذلك المصدر الكريم .
تقرير الإسلام لإنسانية المرأة:
أوّل فضل الإسلام على المرأة وتكريمه لها تقريره مشاركتها الرجل في أخوّة النسب الإنساني من جهة ، وفي وحدة المعنى الإنساني من جهة أخرى على النحو التالي:
1- فهي أخت الرجل ؛ إذ تنسب وإيّاه إلى أب واحد وأمّ واحدة ، وذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير [الحجرات: 13]، ولفظ (الناس) في اللّغة يَشمل أفراد الإنسان كافّة رجالاً ونساء ، فهو على هذا يقرّر الأخوّة ؛ أخوّة النسب بين الرجل والمرأة ؛ فكلّ منهما شقيق للآخر كما يصرّح بذلك الرسول  بقوله: (إنّما النساء شقائق الرجال)( ) ، وأخوّة النسب على هذا النحو تقتضي المساواة ؛ إذ لا يكون أحد الشقيقين أوفر حظاً في النسبة إلى أبويه من الآخر ؛ فالمرأة على هذا مساوية للرجل في النسبة إلى الأبوين لا تزيد فيها عنه ولا تنقص .
2- وهي إنسانة مثله مساوية له في معنى الإنسانية ، وذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]. فقوله سبحانه: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة فيه دلالة على النسبة الروحية أوضحُ وأوكد من دلالته على أخوة النسب الحسّيِّ الذي لا بدّ فيه من نفسين اثنين لا نفسٍ واحدة ، لا سيّما أن النفس في اللّغة تدلّ على الروح ، وعلى الصفات المعنوية للمرء ، ولا تقتصر دلالتها على شخص الإنسان الظاهر للحسّ .
ثم يأتي قوله تعالى في الآية نفسها: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ليسهم مع سابقه في توكيد الدلالة على وحدة المعنى الإنساني ، ذلك أن الجملة السابقة تردُّ الجميع إلى نفس واحدة هي نفس آدم  ، أمّا هذه الجملة فتنفرد بتقرير نسبة الزوجة – أمّ الجميع – حوّاء إلى نفس المصدر الروحي الذي نسب إليه بنوها ؛ فالأبناء وأمّهم معهم داخلون في التقويم الإنساني المستمدّ من خصائص تلك النفس الواحدة .
ولعلّ ما يتكرّر في القرآن الكريم من الإشارة إلى هذا التماثل بوجهيه السابقين ، إنما هو من أجل استئصال الشعور الراسخ باستصغار المرأة في نفوس بعض العرب ، وتلك واحدة من مفاخر الإسلام في فترة كانت تنعقد فيها مؤتمرات بعض الأديان لتبحث في المرأة: هل هي إنسان أم غير إنسان عند بعض الأمم ، وفي أمم أخرى كانوا يظنّون أن إله الخير خلق الرجل وإله الشرّ خلق المرأة .
وعلى أساس ذلك التماثل في الإنسانية الذي قرّره الإسلام بين الرجل والمرأة وترجمة له وتثبيتاً لجذوره في نفوس الناس إلى يوم القيامة ، أعلن الإسلام:
– مبادئَ كرّم بها المرأة .
– وأهلياتٍ قرّرها لها .
– وتشريعاتٍ شرعها لها .
– ودوراً حدّده لها في المجتمع .
أوّلاً: المبادئ التي كرّم بها الإسلام المرأة: وأهمّها:
1- أنه دفع عنها اللّعنة التي كان يلصقها بها رجال الشرائع السابقة ، فلم يجعل عقوبة آدم بالخروج من الجنّة ناشئة منها وحدها ، قال الله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه … [البقرة: 36] ، وقال سبحانه في توبتهما: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين [الأعراف: 23] ، بل قرّر إعفاء المرأة من مسؤولية أمّها حواء ، وهو أمر يشمل الرجل والمرأة على السواء ، قال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون [البقرة: 134].
2- حارب فكرة أن المرأة عالة يَحسن التخلّص منها وهي وليدة ، فحارب عادة الوأد التي كانت معروفة في حياة بعض القبائل العربية حرباً لا هوادة فيها ، وعالج تلك العادة بنفس الروح التكريمية الخالصة التي ينظر بها الإسـلام إلى البشر عامّة ، قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ …  [الإسراء: 31] ، وهنا أزال خوف الوالدين من الفقر على أرزاقهم ، وقدّم رزق الأولاد في هذه الآية ؛ لأنهم سبب الخشية من الإملاق ، ليملأ صدور الآباء ثقة برزق الله وكفالته للأولاد قبل الآباء !.
ثم استجاش وجدان العدل والرحمة وهو يقول عن يوم القيامة: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: 8 – 9] ، فجعل هذا موضع سؤال استنكاري بارز ظاهر في ذلك اليوم الرّهيب ، وقرّع الوائدين فقال سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ …  [الأنعام: 140] ، حتّى لقد كان في صيغة بَيعة الرسول  للنساء: (…ولا تقتلن أولادكن…)( ) .
3- حارب كرهها والتشاؤم بمولدها ، حتّى صرّح أنها بِشارة عظمى ، وذلك في الآية التي قرّع فيها الله سبحانه المتطيّرين بمولدها ، قال تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُون [النحل: 58 – 59] . وقد شرح رسول الله  هذه البشرى شرحاً تطبيقياً عملياً يفيض بالحنان والعاطفة ، عندما قال : (من بركة المرأة تبكيرها بالأنثى)( ) . ونسمع قوله الله : يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ … [الشورى: 49] فنرى كيف بدأ بالإناث قبل الذكور .
4- حرّم سبيَها مذ حرّم الغزو أصلاً .
5- سوّى بين دمها ودم الرجل ، فصار يُقتل قاتلُها ، ولم يكن الأمر كذلك .
6- حمى سمعتها من أقاويل السوء حين شرّع حدّاً قاسياً على ضَربين مادّيٍّ ومعنوي لمن يتهمها بالزنى ، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون [النور: 4] .
7- حرّم استئثار الرجل دونها بالمهر ، وجعله حقّاً خالصاً لها .
8- حدّد تعدّد الزوجات وقيّده بالقدرة والعدل بين الزوجات ، وكان قبل بلا حدّ ولا قيد .
9- حرّم ما كان معروفاً في الجاهلية من إكراه الفتيات على البِغاء ، فقال الله سبحانه وتعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ …  [النور: 33] .
10- أمر بتكريمها أمـّاً وبنتاً وزوجاً وجنساً:
– أمّا الأمّ فقد ورد تعظيمها في الشرع مع الإرشاد إلى مقام عظيم مقدّر لها ، لتأديتها أجلّ الأعمال للحياة الإنسانية عامّة ولولدها خاصّة ؛ فهي مع الوالد سبب في مجيء إنسان ينعم بما في هذا الكون من مغانم معرفة الله تعالى وعبادته ، لذلك جاء الإحسان إليهما مقارِناً للإيمان به تعالى والأمر بعبادته: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام: 151] ، بل جاء وجوب الشكر على تلك النعمة مقارناً لوجوب شكره تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير [لقمان: 14] . وبذلك يلحظ المسلم كيف أسبغ الله سبحانه على مكانة الوالدين صبغة القداسة والمسارعة إلى مرضاتهما ، فبرّهما فريضة واجبة على الأبناء .
وإذا كانت الآيات هنا توضّح مقاماً من التعظيم يشترك فيه الأب والأمّ ، فإن الآيات التالية توضّح إفراد الأمّ بسهم آخر من التعظيم لمقامين خاصّين بها دون الأب:
أوّلهما: الحمل والفصال: قال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ … [لقمان: 14] وليس يخفى ما في الحمل والرضاع على أحد .
ثانيهما: مقامها في قانون الأمومة: الذي هو استعداد روحي تنفرد به الأمّ دون الأب ، وبوساطته يُحيي الله في إنسانية الولد – جنيناً وغير جنين – ملكةً تجعل صلته بأبويه صادقة التعظيم لهما ، وهو ما يشير إليه قوله الله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً … [النحل: 72] ، وفي الحـَفْد معنى الخِفّة في العمل والإسراع والخدمة والتعظيم( ) ، فالحَفَدَةُ هم الأولاد الذين يجدون في أنفسهم من الولاء والتعظيم لوالدِيهم ما يحبّب إليهم خدمتهم والمبادرة لطاعتهم ومرضاتهم طاعة وتقرباً إلى الله سبحانه ، لقول الله جلّ وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا  [الإسراء: 23 – 24] .
– وأمّا تـــكريمها بنتــــاً لا تــــزال تحت وصـــاية أبويها أو أوليــائها ، فيتمثّل في تحريم وأدها – كما ذكرنا – ، وفي مثل وصايا الرسول  إذ يقول: (من كان له ثلاثُ بنات فصبر على لَأوائِهنَّ وضرّائهنَّ وسرّائهنَّ ، أدخله الله الجنّة بفضل رحمته إيّاهنّ . فقال رجل: أو اثنتان يا رسول الله ؟ قال: أو اثنتان . فقال رجل: أو واحدة يا رسول الله ؟ قال: أو واحدة)( ) . وقول النبي : (من كانت له أنثى فلم يَــئِدْها ، ولم يُهِنْها ، ولم يُؤْثِر ولده عليها ، أدخله الله الجنّة)( ) .
من أجل هذا يغدو شعور المرأة بأنها غير مرغوب فيها آخر أمر يجوز أن يطوف في خَلَدِ المرأة المسلمة ، ولولا اختفاء جوهر الدِّين وراء التقاليد لما بقي لهذا الشعور حتّى الآن محلٌّ في المجتمع الإسلامي .
– وأمّا تكريمها زوجاً ، فما نظنّ هناك منزلة للزوجة أسمى إنسانية من منزلة رفعها إليها الإسلام ، وصحّح بها النظرة المعكوسة التي كانت عند الجاهليين ، اقرأ إن شئت قول الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون [الرُّوم: 21] . ولا ينسى المسلم قول رسول الله : (خيرُكم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)( ) ، وقول النبي : (الدنيا متاع ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)( ) ، وقول المصطفى : (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته)( ) ، أو قوله حين شكت بعض الصحابيات أزواجهنّ عند أمّهات المؤمنين ، فقال  مخاطباً أصحابه  في ذلك بفيض من اللطف والحكمة: (لقد طاف بآل محمّد نساء كثير يشكون أزواجهنّ ، ليس أولئك بخياركم)( ) .
– وأمّا تكريمها جنساً فيقرّره أمثال قول رسول الله : (حُبّب إليّ من الدنيا النساء والطيب ، وجعل قُرة عيني في الصلاة)( ) ، وقوله : (ما أكرم النساء إلّا كريم ولا أهانهنَّ إلّا لئيم)( ) ، وقوله : (إنهنّ يغلبنَ الكرام ويغلبهنّ اللئام)( ) ، وقوله  في خطبة الوداع: (… ألا واستوصوا بالنساء خيراً …)( ) .
ولقد تعهّد النبي  بنفسه ما تبقى من آثار الجاهلية – ونظرتها إلى المرأة – فقضى عليه ، وتكفّل التشريع بكلّ ما يتعلّق بمعاملتها ، وكاد ألّا يبقي على شيء من الفكرة الجاهلية نحو المرأة ، حتّى ما كان على صعيد الشعور من ميل الوالدين إلى الذكر أكثر من الأنثى ، فإن ما رآه الناس من عمله  وما سمعوا من كلامه في هذا الموضوع حتّى أواخر حياته الشريفة قد أبرأ نفوسهم من رواسب الجاهلية وسُقْمها ، فإذا هم يتسابقون لإعزازها وبرّها وتفضيلها .
ومضى الصحابة الكرام  – تلامذةُ الرسول  – يترسّمون في معاملة أزواجهم ما يفعله النبيّ  ؛ فقد كان مع أزواجه ليّن الجانب ، حُلو العِشرة ، كنّ يراجعنه في كثير من الأمور ، ويرددن عليه ، حتّى صِرْن القدوة للنساء .
ومن طريف ما يُروى في هذا المجال ما جَرى لعمرَ بنِ الخطاب  قال: (والله إنْ كنّا في الجاهلية ما نعدّ للنساء أمراً ، حتّى أنزل الله تعالى فيهنّ ما أنزل ، وقسم لهنّ ما قسم ، فبينما أنا في أمر أَأْتمِره ، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا ، فقلت لها: ومالك أنت ولِما ههنا ؟ وما تكلّفك في أمر أريده ؟ فقالت لي: عجباً لك يا بن الخطاب ! ما تريد أن تُراجَع أنت ، وإن ابنتك – تعني السيّدةَ حفصة أمّ المؤمنين – لَتراجع رسول الله  حتّى يظلَّ يومَه غضبان . قال عمر: فآخذُ ردائي ثم أخرج مكاني حتّى أدخلَ على حفصة . فقلت لها: يا بنيّة إنك لتراجعين رسول الله  حتّى يظلّ يومه غضبان ؟ فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه . فقلت: تعلمين أني أحذّرك عقوبة الله وغضب رسوله ، يا بنيّة لا يَغُرَّنَّك هذه التي قد أعجبها حسنها وحبّ رسول الله  إيّاها ، ثم خرجتُ حتّى أدخلَ على أمِّ سَلَمَةَ لقرابتي منها فكلّمتها ، فقالت لي أمّ سلمة: عجباً لك يا بن الخطّاب ! قد دخلت في كلّ شيء حتّى تبتغي أن تدخل بين رسول الله  وأزواجه ؟ قال: فأخذتني أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجد ، فخرجت من عندها…)( ) .
وقد بلغ تكريم الإسلام للمرأة أنّها تمتّعت بحرّية واسعة مارستها أوسع ممارسة في عهد رسول الله  ، نرى تلك الممارسة في مثل قصة بَرِيرَةَ الجاريةِ الضعيفة المملوكة ، زوجُها عبدٌ أسودُ اسمه مُغيث ، كان شديد التعلّق بها ، اشترتها عائشة وأعتقتها ، وكان لها بمقتضى الشرع أن تبقى عند زوجها ، أو تتركه وتعتدّ منه ، فلمّا خيّرها  اختارت نفسها وتركت زوجها ، فهام الزوج المحبُّ في سِكَكِ المدينة يطوف وراءها يترضّاها ، وهي تقول: لا حاجةَ لي فيك ، ورقّ له الرسول  وقال لها: (لو راجعتِه) فقالت: يا رسول الله تأمرني ؟ فقال: (إنما أنا أشفع) قالت: لا حاجة لي فيه . فجعل الرسول  يعجب ويقول للعبّاس: (يا عبّاسُ ألا تعجب من حبِّ مُغيثٍ بَرِيرة ، ومن بغض بَرِيرةَ مغيثاً!؟)( ) .
هكذا أثمر سعيُ صاحب الشريعة محمّد  في رفع شأن المرأة ، ورأت النساءُ أنفسَهنّ والرجالَ سواسية ، حتّى اعتددن بأنفسهنّ الاعتدادَ كلّه ، وحتّى كانت عائشة تستشهد بقوله : (إنما النساء شقائق الرجال)( ) .
وتألّقت أمّهات المؤمنين – لا سيّما عائشةَ – في ظلّ التربية النبوية مثلاً وقدوةً لكلّ امرأة مسلمة بما نعمت به من عطاء الإسلام للمرأة ، فإذا لهنّ مكانةٌ عظيمة في العلم والأدب والدِّين ، حتّى قال أبو موسى الأشعري : (ما أَشكل علينا – أصحابَ رسول الله - حديثٌ قطُّ فسألنا عائشة إلّا وجدنا عندها منه علماً)( ) ، فلمّا توفّي  صارت بعده المرجع الأوّل في كلّ ما يتعلّق بالعلوم الإسلامية ، لا في المدينة فحسب ، بل في الأمصار الإسلامية كلّها ؛ إذ كان المسلمون إذا أشكل عليهم الأمر كتبوا إلى الصحابة  ، فيرجع هؤلاء إلى الفقهاء والمحدّثين منهم ، وعلى رأسهم السيّدةُ عائشة . كذلك كانت نساؤه  جميعاً منبع خير لكلّ مؤمن وقدوةً لكلّ مؤمنة ، شاركن النبيّ  في ضَرّائه وسرّائه ، وظلّت بيوتهنّ مَهابط الوحي والرحمة والهدى مدّة حياته  ، فلمّا انتقل إلى جوار ربّه ، بقيت هذه البيوت مثابة للمؤمنين ومَوئلاً لمن أراد التفقّه في دين الله تعالى .
ويمضي الزمان ، وتظلّ بصيرة المؤمنين تكتشف صوراً من تكريم الإسلام للمرأة ، وحَسْبُ المرأة تكريماً أن الله  سجّل في القرآن الكريم شكوى امرأة أخذت تجادل رسول الله  في زوجها ، وأن الله كان يستمع إلى تلك الشكوى ، وأنزل فيها قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة ، فقال الله جلّ وعلا: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير [المجادلة: 1] .
ثانياً: الأهليات التي قرّرها الإسلام للمرأة:
لم يعتبر الإسلام الأنوثة سبباً لنقص الأهلية كما رأينا في الأمم الأخرى غيرِ المسلمة ، بل قرّر لها من الأهليات ما تساوي فيه الرجل ، بناءً على تلك الإنسانية المشتركة بين الرجل والمرأة . وأوّل هذه الأهليات:
1- أهلية التديّن: تثبت هذه الأهلية بنداء الله سبحانه وتعالى ومطالبته الناسَ بتكاليف التقوى ، وذلك في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ … [النساء: 1] والخطاب هنا متوجّه إلى المرأة قدرَ ما هو متوجه إلى الرجل باعتبار صفة الإنسانية فيها ، أي أن إنسانيتها هي التأهيل الروحي والفعلي لهذا التكليف ، ولأمرٍ ما أشرك الله  حواءَ مع آدمَ – عليهما السلام – فيما خاطبه به من أمر ونهي: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين  [البقرة: 35] .
كذلك قرّر القرآن للمرأة حرّية الاعتقاد للاستقلال عن الرجل في المسؤولية الدينية ، ولعلّ مما يدلّ على ذلك أنه كان للنساء بَيعة خاصّة في الإسلام دون بيعة الرجال ، لتدخل كلّ امرأة الإسلام من بابٍ غيرِ باب زوجها أو أبيها ، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم [الممتحنة: 12] ، فلا يجوز للرجل أن يفرض عقيدته على امرأة ، وإن القرآن ليعرِض هذه المسألة في أقوى صورها ؛ يَعرض الرُّسل الذين جاؤوا ليحملوا الناس على منهج الله ، فالمتصوَّر أن الأولى لهم أن يحملوا زوجاتهم عليه ، ومع ذلك قدّم لنا القرآن صورة نوح ولوط – عليهما السلام – وقد عجزا عن إقناع أزواجهما بمنهج الله وظلّتا مخالفتين له: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِين [التحريم: 10] .
والإسلام إذ يقرّر حرية الاعتقاد للمرأة يفعل ذلك ابتداء من أن الاعتقاد سيُلزمها بمنهج ، فإذا لم تكن مرتبطة بالعقيدة باختيارها وبطواعيتها ، فإن إقبالها على المنهج عموماً غيرُ مأمون بغير رقيب .
وبناء على تلك المسؤولية جُعلت المرأة مع الرجل في ميزان الثواب والعقاب الأخرويين على درجة سواء ؛ كلٌّ حسب عمله: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء: 124] . وفي مجال العقاب قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيم [التوبة: 68] . ويؤكّد القرآن الكريم هذا المبدأ في الآية الكريمة: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 35] ، فالآية تُصرّح بمسؤولية المرأة عن عملها مسؤولية خاصّة كاملة ، خصوصية مسؤولية الرجل عن عمله وكمالها .
ولقد بلغ احترام الإسلام لأهلية المرأة الدينية أن قرّر القرآن أن المرأة محلُّ اصطفاء الله سبحانه كالرجل تماماً ، محلٌّ لأن يَخصّها الله سبحانه بشيء ؛ كما اصطفى مريم عليها السلام: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين  [آل عمران: 42] ، واصطفى أمّ موسى وأوحى لها بأمور: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين [القصص: 7] .
2- الأهلية الاجتماعية: وهي ثاني الأهليات ، وتعتمد على الأهلية الأولى ؛ لأن المرأة إذا كانت مسؤولة عن عملها مسؤولية كاملة ، فإن هذه المسؤولية الكاملة تقتضي الحرّية في العمل حرّية كاملة ؛ إذ لا مسؤولية حيث لا حرّية ، فالمرأة في الإسلام حرّة التصرف في حقِّ نفسها ، إذا بلغت وظهرت عليها علامات الرشد وحسن التصرّف ، فتزول عنها ولاية وليّها أو الوصيِّ عليها ، فيكون لها التصرّفُ الكامل بشؤونها المالية والشخصية:
أ- فلها اختيار المكان الذي تقيم فيه ما دامت ذات عقل وعفّة مأموناً عليها . قال الشيخ أحمد إبراهيم في كتابه (الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية): (… والأنثى إذا بلغت مبلغ النساء ؛ فإذا كانت بِكراً أو شابّة أو ثَيّباً غيرَ مأمون عليها ، فلأبيها أو من يقوم مقامه من الأولياء والمحارم المأمونين عليها أن يحفظها عنده جبراً عنها ، وإن كانت بكراً ودخلت في السنّ واجتمع لها رأيٌ وعفّة ، أو ثيّباً مأمونة على نفسها ، فليس لأحد من أوليائها أن يجبرها على الإقامة عنده ، فإذا تزوّجت أوجب الشرع عليها أن تتبع الزوج لاعتبارات معلومة عادلة) .
ب- ولها حقّ قبول أو رفض من جاء يطلب يدها ، يقول الرسول : (الأيّم أحقّ بنفسها من وليها ، والبكر تُستأذن في نفسها وإذنها صُماتها)( ) .
جـ- ثم هناك حقّ المرأة في التعلّم ، بل هو فريضة عليها في الحدود الضرورية لها في شؤون دينها ، فما زاد على ذلك فحقٌّ مباحٌ لها ، لقوله : (طلب العلم فريضة على كلّ مسلم)( ) ، وهو هنا يشمل الرجل والمرأة باتّفاق علماء الإسلام . وكانت الشِّفاء تُعَلِّم أمَّ المؤمنين حفصةَ تَحسين الخطّ وتزيينه ، كما أمرها بذلك الرسول  ، ويدخل في هذا التعليم إعدادُهنّ لتبعات الحياة الأساسية .
وقد أحسّت المرأة في عصر التنـزيل – نتيجة لهذا الحثّ – بحاجتها إلى العلم ، حتّى روى أبو سعيدٍ الخدري  قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك ، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلّمنا ممّا علّمك الله . فقال: (اجتمعن في يوم كذا وكذا ، في مكان كذا وكذا) . فاجتمعن ، فأتاهن رسول الله  فعلّمهن ممّا علّمه الله …)( ) .
هكذا بلغ حرص المرأة المسلمة على العلم غايته حتّى طلبن المجالس الخاصّة بهنّ للتعليم ، مع أنهنّ كنّ يستمعن في المسجد لتعليمه ومواعظه عليه الصلاة والسلام .
كذلك نجد النبيّ  قد سنّ للنساء سنّة مؤكّدة هي شهود مجامع الخير يتزوّدن منها . تقول أم عَطيّة الأنصارية: أمرنا رسول الله  أن نخرجهنّ في الفطر والأضحى ؛ العواتق( ) والحُيّض وذوات الخدور . فأمّا الحيّض فيعتزلن الصلاة ، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين . قلت: يا رسول الله ، إحدانا لا يكون لها جلباب . قال: (لتلبسْها أختها من جلبابها)( ) . قال د. نور الدين عتر: “ولا يخفى ما في هذا الأمر المؤكّد من التكريم للمرأة والعناية برفع مستواها ، وحضّها على الخروج لشهود الخير العظيم ، وللتثقف بالثقافة الإسلامية” .
ويجب أن نعلم أن الإسلام لم يُحرّم عليها تعلّم أيّ نوع من أنواع العلم النافع ، وهي في هذا كالرجل سواء بسواء ؛ فلها أن تتعلّم الطِّبّ والصيدلة وعلوم الفضاء والزراعة والصناعة والتجارة … ، فقد أباح لها الإسلام التعلّم بمختلف أنواعه ومراحله .
د- ولعلَّ من أبرز معالم الأهلية الاجتماعية مكانةً – لـم تقرّر للمرأة في شريعة قديمة أو حديثة – أن الإسلام جعل لها حقّ أن تجير في الحرب أو السلم من أرادت من غير المسلمين .
فلقد بلغت مكانة المرأة في الإسلام أن كانت تُجِير على المسلمين فيحترمون جِوارها . قالت عائشة: (إنْ كانت المرأة لَتجير على المؤمنين فيجوز)( ) ، وهذه أمّ هانئ بنت أبي طالب تجير رجلاً من المشركين ، فأبى أخوها عليٌّ  إلّا أن يقتله ، فأسرعت إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله ، زعم ابن أمّي عليٌّ أنه قاتلٌ رجلاً قد أجرتُه فلان بن هُبَيرة . فقال : (قد أجرنا من أجرتِ يا أمّ هانئ)( ) . هذا والإجارةُ أشبه شيء بإعطاء ما يُسمّى اليوم حقّ اللجوء السياسي . وحسبك به حَقّاً أعطاه الإسلام للمرأة لم يُعطها إيّاه إلى الآن أيّة شريعة أو قانون في بقعة من بقاع الأرض .
3- الأهلية المالية أو الاقتصادية: وأوّل صورها حَقُّ الملكية الفردية الذي قرّره الله سبحانه وتعالى في قوله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ … [النساء: 32] ؛ وذلك أنه إذا كانت المرأة في نظر الإسلام أهلاً للتكليف الإلهي بعبادة الله تعالى وفعل الخير ، فأولى أن تكون أهلاً لما دون ذلك من القيم الاقتصادية على اختلاف أنواعها ، وعلى رأسها الملكية الفردية ، وإذا كانت حرّة التصرف في حقّ نفسها  – وهو أسمى الحقوق وآصلها – فَلَأَنْ تكون حرّة التصرف في العمل والمال – وهو أهون – من باب أَولى . والمتتبّع لأحكام الفقه الإسلامي لا يجد فرقاً بين أهلية الرجل والمرأة في شتّى أنواع التصرّفات المالية كالبيع والإقالة والخيارات والسَّلَم والصّرف والشُّفعة والإجارة والرهن والقِسمة والبيّنات والإقرار والوِكالة والكَفالة والحوالة والصُّلح والشّركة والمضاربة والوديعة والهبة والوقف والعَتق وغيرها( ) ، ولها أن تمارس ذلك كلّه بنفسها أو بمن توكّله عنها باختيارها ، كما جعلها صاحبة الحقّ المطلق على مِلكها الذي حصلته بكافّة أسباب التملّك إرثاً أو مَهْراً أو تجارة أو هبة . وهذا المستوى في الكمال في الأهلية الاقتصادية لم تصل إليه المرأة في كثير من دول أوروبا إلى عهد قريب ؛ فبعضها يجعل الميراث لأكبر وارث من الذكور ، وبعضها يجعل إذن الولي ضرورياً لتوقيع أيّ تعاقد للمرأة بشأن المال ، ويجعل إذن الزوج ضرورياً لكلّ تصرف مالي من الزوجة في مالها الخاصّ ! وذلك بعد ثورات المرأة وحركاتها الكثيرة ، وما نشأ عنها من فساد في نظام المرأة كلّه وفي نظام الأسرة ، وفي الجوّ الأخلاقي العامّ . فأمّا الإسلام فقد منحها هذا الحقّ ابتداءً وبدون طلب منها ، وبدون ثورة ، وبدون جمعيات نسوية ، وبدون عضوية برلمان ، منحها هذا الحقّ تمشّياً مع نظرته العامّة إلى تكريم الإنسان جملة ، ذكراً كان أو أنثى .
ولا نشكّ أن من لوازم حرّية التصرّف في المال حقَّ العمل والحريّة فيه ؛ إذ كيف يُباح لها التصرّف في المال تجارة أو زراعة أو صناعة ثم يكون العمل محرّماً عليها ؟!. وأمّا الحجاب المفروض عليها فلا يستدعي تحريم مزاولة العلم عليها أو اضطلاعها بوظيفة ، ما تحلّت بآداب الإسلام ووقفت عند حدوده ، وما استطاعت التوفيق بينه وبين مسؤوليتها بصفتها راعيةً في بيت زوجها .
ثالثاً: التشريعات التي شرعها الإسلام للمرأة:
كثرت التشريعات المتعلّقة بالمرأة في القرآن الكريم والسنّة المطهرة كثرةً تُوحي بحرص الإسلام على المرأة وصيانته لحقوقها وكرامتها من جَوْر الأعراف وتقلّبات الأحوال على مرّ الدهور وكرّ الليالي من جهة ، وصيانته للأسرة التي أرادها الله أن تكون قاعدة للحياة البشرية من جهة أخرى . والبيت هو مجتمع الأسرة ، وهو المثابة والسكن ؛ في ظلّه تنبت الطفولة وتدرج الحداثة ، ومن سماته تأخذ سماتها وطابعها ، وكم من أحداثٍ أثّرت في مسير التاريخ ، تكمن بواعثها الخفية في مؤثرات بيتية .
والفرد الذي لا يستمتع في بيته بالسلام لن يعرف للسلام قيمة ، ولن يكون عامل سلام وفي نفسه صراع ، وليس من الممكن أبداً أن يقوم في البيت سلام والمرأة تَلْقَى فيه جَوراً أو مهانة ، كما لا يمكن أن يقوم لبناء الأسرة أو للسلام فيها قائمة ما لم تخضع العلائق فيما بين أفرادها لقوانين عادلة رحيمة ، تراعي استعداد كلّ فرد فيها والوظائف التي أنيطت به بحسب ذلك الاستعداد ، ويكون لها سلطانها على النفوس ، وهذه الصفات لا تتوفّر في قوانين أو تشريع ما لم يكن من عند الله سبحانه ، ومن هنا تأتي أهمّية التشريعات المتعلّقة بالأسرة في الإسلام .
وأوّل هذه التشريعات ما يتعلّق بأساس الأسرة:
1- الزواج:
الزوجية نظام أزلي يلتئم به شمل كلّ شيء ، ويصلح عليه وجوده ، وتخرج به ثماره ، قال الله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون [الذاريات: 49] . وقـال الله جلّ وعلا: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون [الروم: 21] . ويتبيّن من مجموع الآيتين أن الإسلام يعدّ الزواج ضرورة فطرية للفرد لسَكَنِ النفس ، وسبيلاً يدرج فيه الحبّ والتراحم في المجتمع ، وسبيلاً كذلك إلى حفظ التناسل . من أجل هذا كلّه دعا إليه الله سبحانه بمثل قوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ … [النور: 32] ، وقال : (يا معشرَ الشباب من استطاع الباءة فليتزوّج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وِجاء)( ). فالإسلام يَعُدُّ الزواج – إلى جانب ما تقدّم – وسيلة للعفّة والارتفاع الخلقي .
على أن الإسلام لم يكتف بالتشجيع على الزواج ورفع العوائق من الطريق إليه( ) ، بل أتبع ذلك بالتنظيمات والضمانات التشريعية ؛ وأوّلها الرضا والاستئذان ، لقول النبي : (لا تُنكح الأيّم حتّى تُستأمر ، ولا تُنكح البِكر حتّى تستأذن) قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها ؟ قال: (أن تسكت)( ) ، والرضا يستوجب الرؤية بلا شكّ ، ولو مراراً بحضور الولي أو غيره من الأهل .
وثانيها: العلانية والإشهاد: ولا بدّ من إيجاب وقَبول صريحين يشهد عليهما الشهود ، حتّى ليُستحبّ دقُّ الطبول لهذه المناسبة زيادة في الإعلان ، لقول رسول الله : (أعلنوا هذا النكاح ، واجعلوه في المساجد ، واضربوا عليه بالدفوف)( ) .
وثالثها: نيّة التأبيد لا التوقيت: فإذا نوى أحد الزوجين أو صرّح بأن يكون هذا الزواج موقوتاً بزمن لم ينعقد ؛ لأن هذا الارتباط مقصود به السَكَن والاستقرار .
رابعها: المهر: وهو تعبير عن رغبة الرجل فيها ، ورمز لتكريمها وإعزازها ، وقديماً صرّح الفقهاء بهذا بقولهم: “المهر فرض شرعاً لإظهار خطر المحلّ” ، فهو إذن ليس ثمناً للمرأة ، وإنما هو عَطِيّةٌ من الله للمرأة ، ليست مقابل شيء يجب عليها إلّا الوفاءَ بحقوق الزوجية ، كما أنها لا تقبل الإسقاط – ولو رضيت المرأة – إلّا بعد العقد ، لقول الله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: 4] .
وخامسها: النفقة: التي أوجبها على الرجل ، وجعلها فريضة كي يتاح للأمّ من الجهد والوقت ومن هدوء البال ما تشرف به على بيتها وأولادها .
وسادسها: قوامة الرجل: وفي سبيل الاستقرار البيتيّ وقطعاً لدابر الفوضى والنزاع فيه ، جعل الإسلام القِوامة فيه للرجل ، وذلك تمشّياً مع سياسة الإسلام في تنظيم لقاء الناس واجتماعهم ، وفي ذلك يقول الرسول : (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم)( ) .
وثمّة إرشاداتٌ أرشد إليها الإسلام حتّى يُؤتي الزواج ثماره التي أرادها الله منه ، منها أن تكون الزوجة المختارة أو الزوج المختار ممّن يتوقّع أن يحقّقوا هذه الثمار ، كما أرشد إليه رسول الله  بقوله: (… فاظفر بذات الدِّين تربت يداك)( ) ، وقوله : (تزوجوا الوَدود الولود ، فإني مكاثر بكم الأمم)( ) . كما أرشد النبي  من أجل صيانة القلوب بقوله: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتّى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب)( ) . ومن تلك الإرشادات اليُسر في المهر وتكاليف الزواج ، حتّى لقد زوّج الرسول  رجلاً بما معه من القرآن . واستنّ الصحابة والتابعون  بسنّته  ، حتّى زوّج سعيد بن المسيب ابنته لتلميذه ابن أبي وداعة على درهمين ، وقد خطبها الخليفة لولي عهده فأبى( ) .
وسابعها: الحدود التي رسمها الإسلام لحقوق كلّ من الزوجين وواجباته:
أ- حقوق الزوجة:
الأوّل: النفقة: وهو فرض واجب على الرجل لقوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ …  [البقرة: 233].
والثاني: إحسان العِشرة: لقوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19] . وما أعظم قولَ عمرَ بنِ الخطاب  لامرأة أرادت مفارقة زوجها لأنها تبغضه: (…ليس كلّ البيوت تبنى على الحبّ ، ولكنْ معاشرةٌ على الأحساب والإسلام)( ) . ومن مظاهر حسن العشرة ألّا يألوَ الرجل جهداً في الترفيه عن زوجته بما يُدخل السرور عليها ، ولا يتتبّعَ عَثَراتها ، ولا يتجسّس عليها ، ولا يتخوّنها ، فعن جابر : (نهى رسول الله  أن يَطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم)( ) .
ب- حقوق الزوج:
الأوّل: طاعته كلّما دعاها إلى فراشه ، لقول رسول الله : (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتّى تصبح)( ) ، – على أن هذا لا يعني أن تكون المرأة أداة متعة للرجل في نظر الإسلام طالما أن الاستمتاع الجنسي ليس هو المقصود لذاته في الزواج إنما هو للإحصان والنسل – وعلى الرجل أن يلبّي رغبتها في هذا الصدد كما يُنفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف .
ومثلما رفض الشرع أن تكون المرأة أداة للمتعة رفض أن يحدّد الرجل النسل بغير مرضاة الزوجة .
الثاني: أن تحفظه في ماله وفي نفسها إذا غاب عنها: وقد جعل الرسول  ذلك من صفات المرأة الصالحة في قوله : (… وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله)( ) ، فأمّا حِفظه في ماله فمعناه أن تحافظ على ما جعله تحت يدها إلّا لصدقة لا تتلف المال أو تستأصله ، قال النبي : (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتِها غيرَ مُفسِدَةٍ ، كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها أجره بما كسب …)( ) . وأمّا حفظه في نفسها فلقوله : (… فأمّا حقّكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون …)( ) .
هكذا ضمنت هذه البنود النظام الذي خطّه الإسلام للزواج:
1- العدالةَ التامّة فيما فُرض لكلّ من الزوجيـن من حقوق وفرض عليه من واجبات ، وذلك معنى قول الله سبحانه: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ … [البقرة: 228] .
2- المساواةَ التي تقتضي توزيع الحقوق والواجبات بين الزوجين على سبيل التكافؤ أو المماثلة ، كما هو واضح في الآية نفسها ، حتّى يقول ابن عبّاس : (إني أحبُّ أن أتزيّن للمرأة كما أحبّ أن تتزيّن لي المرأة ، لأن الله تعالى يقول:  وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ…)( ) .
3- التفاهمَ والتشاور بين الزوجين ، وإن لم ينصّ القرآن أو السنّة عليه صراحة ، ولكنه أمر تشمله كلمة “بالمعروف” كما تشمل حقوقاً وواجبات لكلّ من الزوجين لم يصرّح بها القرآن ، فالمعروف الذي يريده الله سبحانه يشمل العرف الذي يَجمع عاداتِ الناس وطرقَ معاملاتهم وعيشهم دون خروج على آداب الدِّين ومعتقداته ، كما يشمل معنى الرفق والإحسان في الأخذ والعطاء . وما دام الأمر قد تُرك للعرف فقد تُرك للتفاهم الذي بينها وبينه بالحسنى في أمور معاشهما جميعاً .
2- تعدّد الزوجات:
وقد ثبتت مشروعيته في قول الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا[النساء: 3] والتعدّد نظام لم يُنشئه الإسلام بل حدّده ، ولم يَأمر به بل رخّص فيه وقيّده . إنه في الإسلام رخصة تؤدّي وظيفة صمّام الأمان في مجالها كضرورة الطلاق عند الاقتضاء ، وهي في الإسلام وقاية اجتماعية بحتة يتّقي بها أخطاراً أكبر من مزاج الأفراد ومن رغبات الزوجات والأزواج ، إنه علاج لواقع قديم وحديث:
أ- فهناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة – تاريخية وحاضرة – تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج على عدد الرجال الصالحين للزواج ، كما حصل في بعض المجتمعات بعد الحربين العالميتين ، وهنا يجيء حَلّ الإسلام للمشكلة متمثّلاً بالتعدّد ، ومستجيباً لحاجة المرأة الفطرية إلى الحياة الطبيعية ، سواء في ذلك مطالب الجسد ومطالب الروح والعقل من السَّكَن والأنس بالعشير . وليست المسألة مُجرد حاجة اقتصادية لدى المرأة تجاه الرجل – كما يزعم الزاعمون – فهذا الحلّ الذي اختاره الإسلام هو رخصة مقيّدة لمواجهة الواقع الإنساني بفطرته وضروراته متمشّياً مع واقعيته الإيجابية ، ومع رعايته للخُلُق النظيف والمجتمع المتطهّر ، وهو الحلّ الذي تأتي حلول القوانين الأرضية مطابقة له حين يهتدي أصحابها إلى رشدهم ؛ فقد تقدم أهالي “بون” عاصمة ألمانيا الاتحادية سنة 1949م بطلب إلى السلطات المختصة يَلتمسون فيه أن يُنصّ في الدستور الألماني على إباحة تعدّد الزوجات لزيادة عدد النساء على الرجال بسبب الحرب العالمية الثانية .
ب- وهناك رغبة الزوج في الإِنْسال الذي تتوقّف فترته لدى الزوجة إذا بلغت الخمسين .
جـ- رغبة الزوجة عن أداء الوظيفة الزوجية لمرض أو تقدّم في السن أو غير ذلك ، مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال .
د- ومثله حالة عقم الزوجة مع رغبة الزوج الفطرية في النسل .
فالتعدّد في هذه الأحوال جميعاً حَلّ رحيم عادل نظيف ، والإمساك على الزوجة الأولى – في هذا الحلّ وضمن الظروف التي عددناها – مروءة ونبل ، وهذا الحلّ أفضل بلا شكّ من كلّ حلّ محتمل آخر طُرح لمواجهة الحالات السابقة مثل: أن نكبت الرجل ونصدّه عن نشاطه الفطري بقوّة القانون بحجّة أن هذا لا يتفق مع حقّ الزوجة ولا مع كرامتها ، وأفضل أيضاً من أن نُطْلق الرجل يسافح من يشاء من النساء .
ومن ثم تغدو المساوئ التي ذكرها الذاكرون للتعدّد من أمثال أنه ينشئ بين الزوجات تحاسداً وتباغضاً ، ويشغل الزوج بتوافه الخصام ، وأن هذا العداء ينتقل إلى الأولاد ، وأن الرجل لا يمكنه العدل مهما حرص في النفقة والمعاملة ، ممّا يزرع في قلب الأولى عذاباً لا ينتهي ، نقول: تغدو هذه المساوئ – وإن كانت ذات وزن – أهون من تلك الضرورات التي ذكرنا . ثم أيُّ نظام لا مساوئَ له ؟! وأيّ شيء في الدنيا يجري كما يحبّ كلّ إنسان ويهوى ؟! على أن التديّن الصحيح يخفّف – بلا شكّ – كثيراً من هذه الأضرار .
وأما إذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة واتخذوها فرصة للذّة الحيوانية ، فليس ذلك شأن الإسلام ، وليس هؤلاء الذين يُمثّلون الإسلام .
هذا وإن الإسلام قد شرط للتعدّد العدلَ بين الزوجات في المعاملة والنفقة والمعاشرة ، أمّا العدل في مشاعر القلوب فلا يُطالب به أحد من بني الإنسان ؛ لأنه خارج عن إرادة الإنسان ، وذلك مقتضى قول الله سبحانه: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ … [النساء: 129] ، وهذا ما يَكشف الوفاق بين مضمون الآيتين ، فإن عَرف الرجل من نفسـه عدم القدرة على العدل أو خاف من عدم تحققه فواجبه أن يَلزم قوله سبحانه: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً … [النساء: 3] .
هذا وقد كان للإسلام أثر إصلاحي كبير في التعدّد ؛ فقد قَصره على أربع وكان في الجاهلية بلا حدود ، وشدّد فيه على العدل بين الزوجات ، وربّى ضمير الزوج المسلم على خوف الله ومراقبته ، وكلّ ذلك ممّا يجعل التعدّد – حين تقتضيه ظروف الإنسان الشخصية أو ظروف المجتمع العامّة – قليلَ المساوئ والأضرار .

لمتابعة القراءة يرجى تحميل الملف المرفق

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>