3- الحركة التكفيرية الوهابية “نقد وتحليل” = الجزء الثالث

الحركة التكفيرية الوهابية
“نقد وتحليل”

المحتوى
الفاشية في الاصطلاح الفلسفي …
الفاشية الدينية … حقائق في المصطلح …
الفاشية والإسلام السياسي …
الوهابية الوجه المقيت للقتل والتكفير …
بدايات الفاشية الوهابية … المنهج والسلوك …
ثنائية الوهابية والإخوان في الانتشار الفكري …
الفاشية الوهابية …
التنافس على الفاشية الوهابية الدينية …
حقائق عن الفاشية الوهابية …
الجهاد الفاشي …
المناسك الدينية في دائرة الفاشية الوهابية …
تجنيد الإرهابيين للقتال في البلدان العربية …
فوبيا الفتاوى الفاشية …
الفاشية الدينية ومحاربة الفكر والإبداع والنقد …
الفاشية الوهابية لماذا لم تطال الصهيونية …
الغرب ومحاربة الفاشية الدينية …
الفاشية الدينية والفخ الإعلامي …
الأحزاب الدينية مدخل للسلوك الفاشي …
جدلية الدين والخطاب الديني …
مناشدة …
وختاماً نقول ..
الفاشية في الاصطلاح الفلسفي
لا بد في البداية أن ننطلق في بحث الفاشية الوهابية من خلال توصيف المعنى الدقيق للفاشية ، وخصوصاً المعنى الفلسفي المتداول غربياً لأصل المصطلح ، حيث “يمكن تعريف الفاشية كشكل من أشكال السلوك السياسي ، يتميز بهَوَس في انحطاط المجتمع ، والشعور بالذلّ والإحساس كالضحية ، كما تتميز بعبادات ذات صفة تعويضية أو بديلة للوحدة وللقوة وللنقاء التي من خلالها يقوم حزب شعبوي مُؤلف من ناشطين وطنيين مُلتزمين ، عاملاً في تعاون غير مستقر لكن فعال مع النخب التقليدية ، بالتخلي عن الحريات الديمقراطية ، وبالسعي عبر عنف خَلاصي وبدون أي قيود أخلاقية أو قانونية ، وراء أهداف التطهير الداخلي والتوسع الخارجي”  .
وعلى ذلك يمكن استخلاص أيديولوجية الفاشية من خلال عدة أفعال تجمعهم تحت عنوان “تعبئة المشاعر”:
– الشعور بأزمة ساحقة أبعد من متناول الحلول التقليدية .
– أولية الجماعة ، حيث على الفرد نحوها واجبات تتفوق على كل حقّ ، أكان فرديّاً أو عائليّاً ، وخضوع وتبعية الفرد لها .
– الاعتقاد بأن الجماعة هي ضحية ، وهو شعورٌ يُبرر أي عمل ، خارج أية حدود قانونية أو أخلاقية ضد أعدائها ، سواء في الداخل أو في الخارج .
– الخوف من انحطاط الجماعة بسبب النتائج المدمرة لليبرالية الفردية ، الصراع الطبقي والتأثيرات الغريبة والمغايرة .
– الحاجة إلى تكامل أوثق لمجتمع أنقى عبر الموافقة إذا أمكن أو عن طريق العنف الإقصائي عند الضرورة .
– الحاجة للسلطة من قبل قياديين بالفطرة دائماً من الذكور ، تبلغ ذروتها بشخصِ زعيم ديني أو وطني قومي ، وحده قادر على تجسيد المصير التاريخي للجماعة ، وهو في الجماعات الدينية الأمير المطلق .
– جمال العنف وفعالية الإرادة ، عندما يتم تكريسهم لنجاحات الجماعة .
– حقّ الشعب المختار في الهيمنة على الآخرين بدون أية عوائق قانونية ، إلهية كانت أم بشرية .
– المعيار الوحيد للحقّ هو قوة وإقدام الجماعة في إطار نضال دارويني  .
لذلك ومن هذا المنطلق نجد أن الفاشية تُعتبر “نزعة انتابت بشكل عضويّ حركات سياسيّة متعدّدة ومختلفة ومتعاقبة”  ، والنزعة هي الميل أو الاتجاه ، فهي إذن مرحلية جرثومة مؤقتة قد تصيب بعض الأحزاب , وكذلك التيارات الدينية .
إن هذه الحركات لم تتخل يوماً عن جوهرها الذي تأسست عليه ، وإن قامت ببعض التنازلات أو خففت من حدة خطابها في فترة معينة ، فهذا بداعي البراغماتية السياسية للوصول إلى مبتغاها عبر تفنيد السمات الأساسية للحركات الفاشية ، وهي في رأينا:
أولاً: عبادة الزعيم الذي يعلم كل شيء والذي لا يُخطئ والذي يُجسد الأمّة جمعاء .
ثانياً: تمجيد العنف لا كوسيلة بل كغاية في حد ذاتها .
ثالثاً: بناء منظّمات حربيّة خارجة عن سلطة الدولة .
رابعاً: تبنّي نظريّة المؤامرة كمدخل لتفسير التاريخ كما السياسة .
خامساً: تبرير أي شتيمة منظّمة وأي جريمة منظّمة وأي كذب منظّم ، على قاعدة أنّ كل شيء مباح لمحاربة نظريّة المؤامرة .

الفاشية الدينية … حقائق في المصطلح
من المصطلحات التي يرددها البعض بقصد الإساءة إلى دين الإسلام وإيهام الجهلة من المسلمين بضرورة فصله عن الدولة أو عن السياسة مصطلح “الفاشية الدينية” ، مستغلين في ذلك المظهر السيئ الذي ظهر عليه الإخوان المسلمين وبعض العلماء والدعاة المنتمين للتيارات الإسلامية خلال الفترات السابقة .
والعارف لمعنى هذا المصطلح وأسباب نشأته يُدرك تماماً بَراءة الدين الإسلامي منه ، وأنه لا يصح وصفه به على الإطلاق ، ومن العار على أي مسلم صحيح الإسلام والإيمان أن ينطق به ، حيث ظهر هذا المصطلح في أوائل عشرينيات القرن الماضي كمذهب سياسي ، وربما ألصق بالدين بعد ذلك تأثراً بتسلط الكنيسة على مُقدرات أوروبا وقرارات حكامها في عصور الظلام ، وما نتج عن ذلك من انتشار محاكم التفتيش وصكوك الغفران واستبداد القساوسة والباباوات .
وعلى هذا الأساس فإنه وإن صح بالنسبة للدين المسيحي في تلك الحقبة فهو لا يصح بالنسبة للدين الإسلامي ، لأنه معروف بالسماحة والرحمة ، وتضمنه مبادئ سامية لا توجد في أي نظم وضعية أخرى ، مثل العدل والمساواة والحرية ، حرية العقيدة والرأي والفكر ، وآية ذلك أنه لم ينتشر إلا بالمعاملة الحسنة وبعظمته وجلاله ، فكيف ولأي سبب يتجرأ أحد على وصفه بهذا الوصف المشين؟
وإذا كان معتنق هذا المصطلح أو مروجه أو مؤيده “يريد به تصرفات الأشخاص ومتاجرتهم بالدين لقهر الشعوب به ، فالأصح أن يطلقه على الأشخاص أو الحكام أو الأحزاب أو غيرهم ، فيقال مثلاً: “فاشية الإخوان” أو “فاشية الوهابية”  أو “فاشية حزب الحرية والعدالة” ، بِغَضِّ النظر حول الجدل بشأن صحة هذه المسميات بالنسبة لمن ذُكروا من عدمه”   .
لذا ومن خلال ما سبق ننطلق في هذا البحث مُستخدمين لفظ الفاشية الدينية الوهابية كتعبير رفضي للممارسات ، ومستنكرين في الوقت عينه إطلاق المصطلح على الدِّين ، وتشويه معالم الإسلام الحنيف ، إلا أن استخدامنا لهذا المصطلح في بعض مظان هذا البحث لا تعدو عن كوننا نساير وجوده كمصطلح عالمي وللأسف الشديد ، ولكن بعد نسبة هذا المصطلح إلى أصحابه “الفاشية الوهابية” .
الفاشية والإسلام السياسي
كثر الحديث في الإعلام المضاد وغيره في إطلاق صفة الفاشية على الإسلام السياسي المتطرف جرّاء أعماله الإرهابية البربرية البشعة في القتل والخطف والنحر والتمثيل والتعذيب ، وهي أعمال اتخذت أساليب فاشية في همجية ووحشية قساوتها ، إلا أن إطلاق صفة الفاشية على الإسلام السياسي المتطرف لم تَكن دقيقة في صحة مادية موضوعيتها العلمية ، إذ أن أُسس جوهر الحيثيات الفاشية لا تتسق وأسس جوهر حيثيات الإسلام السياسي المتطرف في شكل طبيعة تكوين البناء ، صحيح أن الفاشية يُمكن تعميم مجاز مصطلحها على الأيدلوجيات والحركات السياسية وأنظمة الدولة التي تتخذ مواقف قومية وعرقية شوفينية في التسلط والدكتاتورية ، وفي التاريخ نشأت كتائب فاشية في إسبانيا وبلجيكا ورومانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الكتائب الفاشية التي شَهدتها أوروبا في نهاية الحرب العالمية الأولى وفي نهاية الحرب العالمية الثانية .
وإذا كانت مظاهر الأساليب الفاشية المرتبطة بالإسلام السياسي وكما عهدنا فاشية أساليبها مثلاً في قاعدة طالبان في أفغانستان واليمن وفي العراق وسوريا وليبيا والسودان والإخوان المسلمين في مصر التي تكشفت أساليبهم الفاشية البربرية في القتل والإقصاء والسيطرة والإرهاب والتكفير والعداء السافر للثقافة ، إلا أن ذاكرة النازية الفاشية المتمثلة فيما قاله “غوبلز”  تتمثل في مواقف الإخوان المسلمين وكراهتهم للثقافة: “إذا ذُكرت الثقافة أضع إصبعي على زناد مسدسي”  ، ذاكرة فاشية تشكلت في حكم الإخوان المسلمين سنة كاملة في مصر العربية ، ذاكرة رافلة بقبح التكفير والإقصاء والكراهية للفن والثقافة ولروح الإنسانية المصرية الزاخرة بحب الحياة ، ورغم أن الإخوان المسلمين رواد الإسلام السياسي في تنظيماتهم الديماغوية والحديدية وادعاءاتهم الباطلة كونهم وحدهم الفرقة الناجية من النار ، وأنهم وحدهم الممثلين الشرعيين لدين الإسلام ، ومن هو خارج حزبهم من الكافرين ، فإنهم إرهابيين وطائفيين وتكفيريين وظلاميين ، إلا أنهم ليسوا قوميين شوفينيين وعرقيين معادين للسامية ، بل إن طابعهم طابع أممي إسلامي عالمي يتجاوز الروح الشوفينية للقومية ، فالانتماء عندهم للإسلام وليس للوطن أو القومية !
إلا أن الإسلام السياسي عند زعماء الإخوان والوهابية يَحمل صفات تراكمية وعلاقات مشبوهة تؤهله مستقبلاً أن يتحول إلى ممثل شرعي للرأسمال الكبير ، ومنتقلاً قلباً وقالباً إلى فاشية إسلاموية دينية تتكرس قولاً وعملاً وارتباطاً وفكراً في شوفينيةِ مغالية جداً ودموية إلى حد كبير .
ولكن أيمكن للتاريخ أن يُعيد نفسه في مظاهر “النيوفاشية” ، وإذا كان التاريخ لا يُعيد نفسه فإن التاريخ يلون نفسه ، أيتلون بفاشية خلاف فاشية “موسليني” في إيطاليا ، وخلاف نازية “هتلر” في ألمانيا ؟ وفي عملية استقطاب الإسلام السياسي عبر رساميل الشركات المتعددة الجنسيات والانتقال به إلى قواعد فاشية شكلاً ومحتوى وفقاً لمخططات الامبريالية العالمية وحيثيات “النيوليبرالية” وأساليبها المتمثلة في مطامع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على صعيد العالم ! أهذا ما يعني التحالف الضمني والسري بين الإخوان المسلمين وجهات أمريكية مخابراتية ؟ كما تُشير جهات مصرية مَوثوقة حِيال الإخوان المسلمين في مصر وما يتفشى في علاقاتهم السرية وارتباطات بعض زعمائهم بالمخابرات الأمريكية  !.
وأحسب أن العولمة في أقصى مراحلها الامبريالية ودور رساميل الشركات الاحتكارية والمتعددة الجنسيات تُخطئ في حساباتها في عصر له سمات انجازات علمية تكنلوجية لا يُمكن الاستفادة منه واستغلاله من خلال منظمات دينية رجعية راديكالية محافظة ، ولها ذهنية متخلفة متطرفة في الفكر والدين والعقيدة مثل الإسلام السياسي الإخواني أو السلفي ، ويتمثل بما يحملونه من عقول وأفكار أكلَ وشربَ عليها الدهر ودفعت بها الشعوب واحدة بعد الأخرى إلى مزابل التاريخ !.

الوهابية … الوجه المقيت للقتل والتكفير
من المؤكد أن الإرهاب المتفشي الآن في العالم بات يُشكل خطراً على العالم وعلى الحضارة البشرية ،
وهذا صحيح ، خاصة وأن الإرهاب الفاشي صار مدعوماً بمنابر ومؤسسات تعمل على نشر أيديولوجية تحقير الحياة وتمجيد الموت ، وقد نجح في رفد أعداد كبيرة من الشباب المسلمين الذين يتمتعون بإمكانيات علمية وتكنولوجية ، إضافة إلى الدعم المالي الهائل الذي يتلقاه من أغنى بلد عربي مسلم ، والذي مِن رَحِمِ هذا الفكر والمال وُلِدَتِ القَاعدة ، فلو تتبعنا تاريخ الإرهاب المتفشي الآن ، لوجدناه مرتبطاً بالعقيدة الوهابية منذ ولادتها في الجزيرة العربية على يد مؤسسها محمد بن عبد الوهاب (1703-1791) ، حيث تبنى أتباع هذه الحركة تقديس العداء للآخر بأساليب بدائية وهمجية شرسة في نشر الرعب والخراب في كل ما وصلت إليه أيديهم ، ويبررون جرائمهم هذه بتعاليم دينية ونصوص قرآنية ، يقومون بتأويلها وتفسيرها حسب أهوائهم ليلائم ذلك تعاليم أسيادهم من الغرب المتصهين الذي استطاع أن يستأجرهم لهدم تعاليم الدين بلسان أبنائه .
بدايات الفاشية الوهابية … المنهج والسلوك
بدأت الحركة الوهابية في الصحراء القاحلة في الجزيرة العربية ، وكان أتباعها من البدو القساة الذين صقلتهم البيئة الصحراوية الحارة والجافة والفقيرة بقساوتها ، فَعُرفوا بالغلظة والقسوة في التعامل ، لذا كان هؤلاء يعيشون على الغزو والنهب ، ولعدم وجود غير المسلمين في هذه المنطقة لجأت الوهابية إلى تكفير من لا يُقرهم على تعاليمهم من المسلمين من المذاهب الأخرى ، وذلك لتوفير غطاء ديني لغزوهم ونهبهم ، لذلك لجأت الوهابية إلى اعتبار العقيدة الوهابية هي وحدها العقيدة الإسلامية النقية الصحيحة ، وأنهم – أي الوهابيون – يسعون لإحياء التعاليم الإسلامية النقية وإعادة الإسلام إلى عهده الأول في زمن الرسول  والصحابة  ، لذلك قامت بتكفير المذاهب الإسلامية من أجل توفير ذريعة للغزو  .
لقد مُنح رجال الدين الوهابيون اليد الطولى في إدارة الشؤون الدينية والتعليمية ، وظلت الوهابية محصورة في الجزيرة العربية حتى الستينات من القرن الماضي ، عندما نزح إليها عدد من الإخوان المسلمين من أتباع سيد قطب ، ونشأ حينذاك التحالف السلفي الوهابي ، وتبنيه “الجهاد” ضد الحكومات العلمانية الكافرة  .

ثنائية الوهابية والإخوان في الانتشار الفكري
يُعرف عن أئمة الوهابيين أن سمعتهم سيئة بين المسلمين ، وذلك بسبب تعصبهم واعتمادهم العنف في فرض تعاليمهم ، لذلك اعتمدوا على مُثقفين أزهريين مصريين في بادئ الأمر ، مثل “رشيد رضا” و “حسن البنا” أوائل القرن العشرين ، وحققوا في ذلك نجاحاً باهراً ، فكان من ثمار ذلك تأسيس حزب الإخوان المسلمين على يد “حسن البنا” ، ومن بعده “سيد قطب” صاحب المؤلفات التحريضية الدعوية في هذا المجال ، وكان للإخوان المسلمين دور في الانقلاب العسكري الذي قاده “جمال عبد الناصر” في 23 يوليو 1952م ، ومن ثم اصطدم بهم حيث تآمروا عليه وقاموا بمحاولة اغتياله ، لذلك تم إعدام زعيمهم “سيد قطب” ، علماً أن الشعب المصري كان من أكثر الشعوب العربية تسامحاً بين مكوناته ، وخاصة التآخي بين المسيحيين والمسلمين ، ولكن بدأت المشكلة بتأسيس حزب الإخوان المسلمين “الإخوان الوهابيون” ، والذي راح يَنشر بذور العداء والبغضاء بين المسلمين وتحريضهم ضد الأقباط المسيحيين ، وكان من نتيجة هذا الالتقاء ولادة ما يعرف بالسياسة الراديكالية ، والتي أنتجت الإسلام السياسي ، حيث “إن التلاقح بين الوهابية المحافظة اجتماعياً وثقافياً بالقطبية “سيد قطب” صاحب السياسية الراديكالية ، أنتج الإسلام السياسي الوهابي المتشدد ، الذي بدوره أنتج تنظيم القاعدة”  ، ولم يَتوقف تأسيس حزب الإخوان المسلمين على مصر ، بل راح يُفَرِّخ أحزاباً مماثلة في جميع البلدان العربية ، خاصة بعد امتلاك دول الخليج العربي ثروة نفطية هائلة ، فراحت المملكة تَصرِف ببذخٍ عشرات المليارات من الدولارات على نشر التعاليم الوهابية في العالم عن طريق تأسيس الأحزاب الإسلامية في البلاد العربية والإسلامية ، وتقوم هذه الأحزاب باستمالة الجماهير الفقيرة في هذه البلدان عن طريق فتح المؤسسات الإسلامية الخيرية ، إضافة إلى أسواق ومستشفيات ومصحات لمساعدة الفقراء ، حيث استغلت تدهور الوضع الاقتصادي ، كل ذلك ساعد على تفشي الوباء الوهابي في البلاد العربية ، إضافة إلى تمويل دول الخليج العربي لفتح عشرات الألوف من المدارس الدينية وبناء مساجد في باكستان ومصر والدول الغربية ومناطق أخرى من العالم ، وإصرارها على وضع مناهج هذه المدارس وفق التعاليم الوهابية ، وتعيين أئمة وخطباء المساجد من أتباع المذهب الوهابي .
الفاشية الوهابية
فبعد هذا التوصيف الدقيق للوهابية كمنهج وفكر وسلوك , السؤال هنا ولعله الأهم:
ما هي الفاشية الدينية الوهابية ؟
نقول هي الفاشية التي تتحدث عن قطع رقاب وأيدي وأرجل وجزية وحساب في الدنيا وإلغاء للآخرة ، والجاهل يصبح قاضي ويصدر أحكاماً بالقتل ، ومواطنين من الدرجة الأولى وآخرون من الدرجة الثانية ، والوطن غائب .
كما يلحق بالفاشية الدينية كل من فاته قطار التعليم ، ويأخذ الدين واللحية سبباً ليحكم ويسيطر ، ومسلمون يقتلون مسلمين ، وأصحاب ديانات سماوية يحتقرون ويكفرون ، وإلغاءٌ لحق لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِين [الكافرون: 6] ، لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِر [الغاشية: 22] ، والاستعداد لحرب كل العالم قائم في كل وقت ليكونوا على ديننا وإلا الموت ، متناسين قول الله: وَلَو شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُم أُمَّةً وَاحِدَة [المائدة: 48] ، وفيها أيضاً القتل الحلال والسرقة الحلال ، والزنا الحلال ، وتحليل القتل لكل من على دين مخالف في فهم خاطئ للدين ، وغيره وغيره  .
فالفاشية الدينية تنزع الرحمة والشفقة من القلوب ، ومن تُنتزع الرحمة من قلبه يُصبح حيواناً مسعوراً ووجوده خطر على الجميع.

التنافس على الفاشية الوهابية الدينية
بدأت الوهابية منذ سبعينات القرن الماضي بحشو الفراغ الديمقراطي في المنطقة العربية بـشيوخ الإفتاء ، فأنشأت هيئة كبار العلماء يَرأسها مفتي السعودية ، وهي هيئة دينية إسلامية تعمل بديلاً عن البرلمان ، ومع حرب الخليج الأولى عام 1991م دخلت قطر على خط التنافس السياسي والديني مع السعودية ، ونَشبت حرب فتاوى واضحة المعالم بين جهاز الفتوى القطري وجهاز الفتوى السعودي ، فالسعودية أنشأت “رابطة العلماء المسلمين” ، فما كان من قطر إلا أن قامت بإنشاء “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” ، ووضعت على رأسه “يوسف القرضاوي” الذي هو بالأصل عضواً في جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية ، كما أنشأت قطر محطة الجزيرة الفضائية ، فردت عليها السعودية بمحطة العربية الفضائية ، وكلا القناتين تقوم بنشر ثقافة الكراهية والتكفير وتغذية التطرف والإرهاب في جميع أنحاء العالم العربي ، ويتنافس كل من زعماء الخليج وأمراءهم على التحكم في الفكر الديني للأمة الإسلامية لتسخيره في خدمة مشاريعهم السياسية ، ويقومون بكل ما من شأنه تعزيز القبضة على الجماعات الإسلامية المتطرفة ومنها جماعات الإخوان المسلمين ، يساعدهم في ذلك العائدات المالية الضخمة التي يدرها عليهم النفط والغاز .
كما يعتمد الفكر الوهابي على افتتاح مئات المساجد والمدارس في أماكن متفرقة من العالم لنشر الفكر الوهابي القاتل والمدمر ، وتأليب المسلمين ضد المسيحيين وضد المذاهب الإسلامية الأخرى التي تعارض الوهابية .
كما أن دول الخليج حاولت خلال الخمسين عاماً الماضية نشر الفكر الوهابي في العالم العربي ، إلا أن الأنظمة الحاكمة في تونس وليبيا وسوريا والعراق مثلاً لم تكن تسمح بهذا التمدد ، ولكن بسقوط هذه الأنظمة استغلت السعودية فوضى غياب الرقابة فاخترقت مصر وتونس وليبيا والعراق ، وجندت المئات من دعاة الوهابية وشيوخها وأرسلتهم إلى هذه البلدان ، وبالتدقيق بنوع المحاضرات التي يقومون بإلقائها على شباب المسلمين في هذه البلاد تَبين أنها “عبارة عن تدريس للعقيدة الوهابية القائمة على تكفير المسيحية وجميع المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى كالشيعة والمتصوفة والأشعرية ، والإفتاء بجواز قتلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وسبي نسائهم وأطفالهم وأموالهم  .
كما أن دول الخليج تلعب نفس الدور الهدام بإنفاقها لأموال النفط على شيوخ التكفير وتحليل قتل كل من لا يرضى عنه حكام الخليج ، فضلاً عن إنفاقها لملايين الدولارات لدعم العديد من الجماعات الإسلامية الإجرامية وتمويل خلايا إرهابية تستخدمها في زعزعة الاستقرار في البلدان التي يغضب عليها حكام الخليج ، فضلاً عن قيامهم بتجنيد وتمويل آلاف الإرهابيين المجاهدين ، وإرسالهم إلى كل من ليبيا وسوريا والعراق للقيام بالأعمال الإجرامية ورفع علم تنظيم القاعدة على أرض هذه البلدان .

حقائق عن الفاشية الوهابية
الوهابية خطر عقائدي وفيروس تكفيري واضح لا يخفى على عاقل وبصير ، ولكن ما هي النتائج المترتبة على هذا الفكر الفاشي الشاذ ؟
1-لم نعرف في تاريخ بلادنا إرهاباً إلا من جهتين اثنتين: إما مجموعات تكفيرية وهابية ، أو جماعات الإخوان المسلمين التي تستمد عقيدتها من الفكر الوهابي .
2-لم نسمع في الدين الإسلامي عن فتاوى التكفير والقتل إلا من شيوخ الوهابية  المنتشرين في جميع أنحاء العالم العربي .
3-جميع الفتاوى التكفيرية التي تدعو إلى قتل المخالفين من السنة أو الشيعة ، وتحلل نسائهم وأطفالهم وأموالهم مصدرها شيوخ الفاشية الوهابية .
4-جميع الفتاوى التي تُكفّر الغرب والشرق وتدعو إلى قتل غير المسلمين كالمسيحيين واليهود والبوذيين وتحلل نسائهم وأطفالهم وأموالهم تصدر من فتاوى شيوخ الفاشية الوهابية .
5-جميع الفتاوى التي تُسمى فتاوى جهادية مصدرها شيوخ الوهابية .
والنتيجة: نستطيع القول أن مصدر الإرهاب كله هو الفكر الوهابي الإجرامي الفاشي ، ولا يتوقف هذا التضليل عند حدود العالم العربي بل يتعداه إلى الخارج ، ونحن لو دققنا في اتجاهات الشارع العربي فإننا لن نجد شعبية جماهيرية للجماعات والأحزاب الإسلامية الإرهابية في الوطن العربي إلا في أضيق الحدود ، لكن لو أخذنا بعين الاعتبار سيطرة المال الخليجي على أغلب أجهزة الإعلام ، لفهمنا حجم التضليل الذي يتعرض له الشعب العربي والعالم عندما يسعى إلى تقييم حجم ونفوذ الجماعات الإسلامية الإرهابية على أرض الواقع .

الجهاد الفاشي
مكونات الدعم الإرهابي للجهاد الفاشي في البلاد العربية
تعتبر الفاشية الدينية الوهابية أكبر ممول لما يسمونه “العمليات الجهادية” في سورية ممثلة بكبار المشايخ السلفيين العاملين في المؤسسات الرسمية الدينية ، وكذلك أئمة المساجد والهيئات الشرعية الذين يحرصون بقوة على تمويل منتظم وإسناد مالي غير محدود للمجهود العسكري التخريبي على أرض الشام والرافدين ،كما أن بعض مشايخ الفكر الوهابي الناشطين يُجبرون الناس وبأشكال مختلفة عبر الترهيب والترغيب بالتبرع بمدخراتهم ومصوغات نسائهم دعماً لما يسمونه “الجهاد في أراضي المسلمين” ، وقد قدرت تلك التبرعات بملايين الريالات وبضع مئات من الكيلوات من المصوغات الذهبية والفضية .
وللعلم هناك مؤسسات أهلية ذات صلة ببعض شيوخ الفاشية الوهابية تعمل تحت غطاء مؤسسات خيرية ذات النفع العام أصدرت على فترات زمنية وبانتظام إعلانات ومطبوعات مشبوهة دعت فيها إلى التبرع لنصرة الجهاد في أرض المسلمين .
كما أن سهولة الحصول على المال وتمويل العمليات الإرهابية في البلاد العربية تكمن في أن معظم الممولين معجبين بتنظيم القاعدة ومناصرين لفكرها وهم من كبار أصحاب الأموال وذوي الدخول الكبيرة ويظنون أن تبرعهم يزيد من بركة أموالهم وثرواتهم ، ولذلك يبذخون من أموالهم على العمليات الإرهابية في سورية والعراق ، ومن بين هؤلاء تجار يعملون في الاستيراد والتصدير وقضاة ومشايخ وهابيون ائتمنوا على أموال الصدقات والزكاة التي يدفعها المواطنون لهم بغية صرفها على الفقراء والمعوزين والأيتام .
ويقول مطلعون على نسيج المجتمع الخليجي ودورة المال في هذه البلاد أن تقنيات القائمين على تمويل العلميات الإرهابية في سورية معقدة وهي في الواقع شبكة أفقية عريضة تتكون من شركات وهمية ومؤسسات افتراضية مرتبطة بوكالات لها فروع دولية وشبكة بنوك عالمية وإقليمية ومصارف محلية ذات طابع إسلامي ومؤسسات وقفية وصناديق استثمارية ووكالات ادخار المال الخاص ومحلات صرافة متعددة الوظائف وشركات تحويل العملات الأجنبية ، وكل هذه المؤسسات تقوم بتوفير غطاء محكم لعمليات تمويل سرية ضخمة للحرب الإرهابية الدائرة في سوريا ، “ويشارك في السيطرة على هذه الشبكة شريحة كبيرة من مشايخ الفاشية الوهابية ورجال أعمال ممن لهم خبرة واسعة في تبييض الأموال في السوق المحلية والعالمية ، مع العلم أن شبكة تمويل “الجهاد في الشام” – كما يسمونها في الخليج – تتكون من المئات مما عرف بتسميته بـ “خلايا التمويل النشطة” ، ولهم قاعدة جماهيرية واسعة ترتكز عليها مخططاتهم وتتخذ من المساجد في كافة المدن والقرى الخليجية وكذلك المدارس الشرعية والهيئات الدينية وحلقات التبليغ السلفية مروراً بتجمعات القبائل البدوية والحضرية وانتهاءً بالنوادي الرياضية منطلقاً لجمع الأموال والتحريض على التبرع بالمال لإرساله إلى سوريا لاستخدامه في أقذر حرب دينية ضد المدنيين الأبرياء”  .

المناسك الدينية في دائرة الفاشية الوهابية
لا يخفى على أحد أهمية المناسك الدينية في حياة المسلمين وخصوصاً الحج ، وما فيه من مناسك الأصل فيها أن تؤمن الأمن والأمان والسكينة الفكرية والروحية والدينية لحجاج بيت الله الحرام ،  ونشر الوعي والتآخي وثقافة التسامح والوسطية ، ولكن ماذا يحدث في الحج مثلاً ؟
تبدأ ثقافة الكراهية والإلغاء والإقصاء حيث يعمد أزلام الوهابية إلى ممارسة التطرف ونشر الكراهية بين جموع الحجيج والملايين من الزائرين إشباعاً لهوسهم الديني العنيف وغرائزهم العقائدية الراديكالية التي أنتجت عقول تجيز قتل الملايين لسبب بسيط فقط وهو الاختلاف في المعتقد أو حتى الرأي .
هذه هي حال دول الخليج التي تحتضن أشرس وأعنف وأخطر دين ومذهب في العالم ، وهو “الوهابية” ، فما يُشاهده الحاج خلال مناسك الحج وخلال جولة دينية واستطلاعية بسيطة وبغض النظر عن مزاعم الخدمات التي يتباهون بها للحجاج إلا أن ما يُشاهده ويلامسه من قريب وعن كثب يجعلنا أمام مسؤولية جسيمة لفضح ما تمارسه المؤسسات الوهابية ، والكشف عن حقائق الدور الرسمي في دعم تلك المؤسسات التكفيرية المتطرفة والإرهابية التي تمتلك نفوذاً واسعاً في كل مكان ولها رموز يعملون على تضليل العباد وتخريب العقول من خلال نشر أفكار التطرف وفتاوى تجيز إباحة دماء الملايين من الناس في كل مكان .
وتحت عناوين المؤسسات الخيرية تعمد على نشر سموم ثقافة الكراهية والأفكار التحريضية الصريحة داعية إلى زرع بذور الفتنة والشقاق بين البشر لتنوعهم الفكري والعقائدي ، إلا أن ما هو مميز أن تمارس الدولة الوهابية مبدأ “التقية” ، وتتقمص دور النفاق في نشر الأفكار المتطرفة رغم فضاحة ما قامت بها المؤسسات الرسمية  في إطلاق يد الكلاب الوهابية للتشويش على العقول من خلال حملة تبشيرية واسعة بعد انتهاء موسم الحج – وقبلها أيضاً – عبر نشر كتب الضلال والكراهية وأشرطة الكاسيت التي يتحدث فيها شيوخ الفتاوى والجهاد عن “الشرك” و “البدع” و “الكفر” في محاولة حثيثة لنشر المعتقد الوهابي الفاسد والمتطرف .

تجنيد الإرهابيين للقتال في البلدان العربية
ليس مستغرباً أن تقوم المؤسسات الدينية الوهابية بإرسال المتطوعين إلى سوريا والدول العربية الأخرى كالعراق واليمن لـلجهاد ، أي لقتل المسلمين العرب ونشر الموت في البلاد العربية ، ولكن المستغرب هو أن يدعي النظام الوهابي أنه يُحارب الإرهاب وأفكار التطرف فيما الوقائع والمشاهدات على الأرض تثبت العكس وتدحض كل تلك المزاعم ، حيث هناك تعبئة خاصة تجري في الوسط الديني وخاصة في المدينة المنورة وبين صفوف ما يُسمونهم “المطاوعة” أو “المطوّعين” أصحاب الأثواب القصيرة واللحى الطويلة والذين يتحولون بعد التجنيد إلى أناس آخرين يلبسون “الجينز” ، ويحلقون اللحى للتمويه ، ويذهبون إلى سورية للانضمام إلى مجاميع القاعدة وجماعات القتل الإرهابية .
ولكن كيف يتم التجنيد ؟
يتم التجنيد من خلال عدة قنوات ومؤسسات رسمية وشبه رسمية ، الرسمية هي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هذه المؤسسة التي لها اليد الطولى في المدينة وخاصة أطراف الحرم ، وتقوم بدور الردع لكل من يُحاول أن يُمارس طقوس دينية تخالف المذهب الوهابي ، حيث تَصطاد الشباب وتقنعهم بالذهاب إلى سورية لقتل الروافض والبعثيين ، والمعروف عن هذه الهيئة أنها تملك صلاحيات واسعة تتخطى صلاحيات رجال الأمن والأجهزة الأمنية ، بل نستطيع القول أن الأخيرة تُعتبر أداة تنفيذ بيد الهيئة لا تستطيع عصيان أوامرها ، وهي تملك أقبية تحت الحرم وتحت مقبرة البقيع يتم اقتياد كل من يَشكون أنه يُمارس طقوس أو يُبدي مقاومة في وجه تطرفهم إلى دهاليزها لتنفيذ عقوبة الجلد والضرب والتعذيب ضده .
أما المؤسسات شبه الرسمية فهي الجمعيات الخيرية وبعض المدارس الدينية وحلقات الدروس العقائدية التي تقام في الحرم النبوي أو في الجوامع المنتشرة في المدينة ، والحكومة على اطلاع كامل عن تلك الحلقات والمجاميع ، ولا تتخذ أي إجراء ضدهم ، بل هناك معلومات مؤكدة بأن النظام يدعمهم ويخصص لهم الأموال الطائلة تحت عناوين مختلفة  .
وفي مكة بعد انتهاء المناسك مُباشرة تبدأ عملية توزيع كميات كبيرة من الكتب التكفيرية المحرضة على الكراهية ، وخاصة ما يتعلق بزيارة القبور والأماكن المقدسة ، وفيها دعوة صريحة إلى الفكر الوهابي المتطرف بمجموعة كتب وكراسات في طباعة أنيقة وذات ألوان جذابة وفاخرة تشير بوضوح إلى وجود  مؤسسات ضخمة وحكومية تدعم ذلك المجهود التبشيري التكفيري الذي أنتج عناصر وأناس من مدرسة 11 سبتمبر ، والذين تفاخروا من بعدها بـغزوة “منهاتن” الشهيرة  !.
والمؤكد أن الفاشية الوهابية في المنطقة قد أعطت الضوء الأخضر لكل المتطرفين والإرهابيين وأصحاب الأفكار الهدامة التحريضية للشروع بحملة واسعة من التشويش الإعلامي والتحريض على العنف ، وهذا ما يُلامسه الحاج بشكل يقيني وقطعي ، وما زالت ماكينة الإعلام الموالية للفاشية الوهابية تدعم وبشكل علني القوى التكفيرية والمتطرفة في مكة والمدينة ، وتلهب فيهم مشاعر الحقد والكراهية ليقوموا بدور العبث بالعقول في الأماكن المقدسة من خلال الدعاية التبشيرية المكفرة وعبر الكتب المحرضة على التكفير والفتنة والطائفية في الأماكن المقدسة ، وكل هذا يؤدي إلى عودة جديدة إلى الأصولية الدينية الوهابية بعنفوانيتها وكفرانيتها !.

فوبيا الفتاوى الفاشية
لقد استغل بعض المرتبطين بالتوجهات الأمريكية الجديدة حماس بعض الشباب المسلم الذين يعتقدون جهلاً وغباءً بعد غسل دماغهم من خلال بعض فتاوى جماعة من المحسوبين على الإسلام أن ما يقومون به ضد إخوانهم في العقيدة واللغة والانتماء وضد بعض الأجانب إنما هو جهاد في سبيل الله .
لقد جاءت هذه العمليات الإجرامية لتكون حسب الظاهر بمثابة إعلان حرب على كل من يخالف أو يقف أمام توجهات وآراء أولئك الذين يدفعون بهؤلاء الانتحاريين للقيام بمثل هذه الأعمال الإرهابية ممن يجهلون أو يتجاهلون أنها تتنافى كلياً مع حرمة قتل النفس المقرونة بجريمة الشرك بالله ، ومع حرمة الظلم والفساد في الأرض والتواطؤ على الإثم والعدوان .
والسؤال المشروع هنا ، هل هؤلاء المحرضون عبر بعض الفتاوى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وعبر نشر ثقافة التكفير وتزيين بعض الأعمال الإرهابية التي تُؤدي إلى وقوع مثل هؤلاء الشباب في الضلال ، هل هؤلاء المحرضون هم مقتنعون بما يقومون به ، أم أنهم مجرد أداة فاعلة لقوى خارجية ؟.
ومع التطلعات الأمريكية في تغيير بعض الأنظمة وتغيير التوجهات والمعتقدات في المنطقة وهو ما لقي تجاوباً سريعاً ومفاجئاً من بعض القيادات العربية خاصة التي ظلت تدعي الثورية أكثر من ثلاثين عاماً ، وعدم التجاوب من قيادات عربية أخرى والتي تستمد شرعيتها من تمسكها بعقيدتها وثوابتها السياسية داخلياً وخارجياً كسورية ، حيث يأتي ثقلها الإقليمي والدولي بكونها محور الاستقرار في المنطقة من استمرارها في الحفاظ على هذه الثوابت مما يستحيل عليها المساومة فيها مَهما كلفها ذلك .
أمام هذا الصمود كان لا بد من استخدام وسائل عديدة لزعزعة أوضاعها واستقرارها واقتصادها والتي تمثلت بحملات إعلامية شرسة ، حيث ساعدت وسائل الإعلام الأمريكية في هذا الجانب بالذات بعض وسائل الإعلام العربية التي تقف وراءها بعض الشخصيات العربية بما فيها شخصيات داخلية ممن كان ينتظر منها أن تكون أكثر إخلاصاً ووطنية ، لكن هذه الحملات الإعلامية المستمرة الآتية من ذوي القربى والبعدى لم تُحقق أهدافها المرجوة ، خاصة وأن القيادة السورية كلها تستوعب دروس وعِبَرَ التاريخ جيداً ، وتعرف حتماً أن انهيار الخصوم أمر حتمي .
أمام عدم نجاح هذه الحملات الإعلامية الشرسة والمستمرة كان لا بد من استخدام أهم الجوانب المؤثرة في عقل وتوجه الإنسان السوري ، وهو الجانب العقائدي المرتبط بوجدانه وشعوره ووجوده ، فوجدت هذه القوى الخارجية ضالتها في مجموعة ضالة ومُضِلَّة ممثلة بهؤلاء المحرضين بفتواهم وأفكارهم طمعاً بتغيير النظام ، مما يُؤكد بكونهم مجرد أداة فاعلة لمن يرغب ويتطلع في تغيير النظام والثوابت الأزلية داخل المجتمع السوري .
كل هذه الدلائل الموجزة والتي هي غيض من فيض إنما تؤكد أن هؤلاء المحرضين مرتبطون بحوافز ومبررات وتوجهات خارجية ، مما يؤكد أن اللعبة شبه منتهية ، وأن تعريتهم وتعرية الجهات الخارجية التي هي وراءهم – وهي معروفة – خاصة في ظل استمرار مثل هذه الأعمال الإجرامية والتي بات السكوت عن كشفها شبه مستحيل ، إنما يعني أن الإرهاب في مجتمعنا السوري يلفظ أنفاسه الأخيرة.

الفاشية الدينية ومحاربة الفكر والإبداع والنقد
هناك عدة قضايا تتعلق بمحاربة الفاشية الدينية للفكر والإبداع والنقد نجملها بما يأتي:
القضية الأولى: تتعلق بالفاشية الثقافية التي تلازم الحركات الدينية المتطرفة ، وهي لا تتم حتماً عبر القوانين ، ولكن عبر ممارسة الإرهاب الفكري على كل فكر مخالف ، لأن الفكر الفاشي لا يملك مقومات الصمود أمام التنوع والمجتمع المفتوح .
القضية الثانية: تتعلق بنقد التراث الإسلامي ، ففي حين أن نقد النص الديني بل والهجوم عليه شيء طبيعي في المجتمعات المتقدمة ، تُمارس الحركة الإسلامية المتطرفة توسعاً لا معنى له في تعريف المقدس ، حتى بات يَشمل التراث والفقه والتاريخ والخلافة والحكومات الإسلامية ، بل وصل الأمر أن كل شخص يُطلق لحيته ويرتدي الزي الباكستاني أصبح له حصانة المقدسات الممنوع الاقتراب منها بالنقد ، أي أن كل ما يتعلق بتاريخ وتراث الدولة الإسلامية القديم والمعاصر برمته أصبح بقرة مقدسة .
القضية الثالثة: تتعلق بمصطلح “ازدراء الإسلام” وهو أيضاً جُزء من مصطلحات الفاشية الدينية ، لتعميم الفاشية الثقافية والإرهاب الفكري عالمياً ، والنزول بمعايير الحريات العامة والخاصة الدولية إلى مستوى أدنى ، خاصة بعد تبني مجموعة الدول الإسلامية هذا المصطلح عبر الأمم المتحدة ومؤسساتها ، في الوقت الذي لا تقدم هذه الدول تعريفاً منضبطاً لمعنى كلمة “ازدراء الإسلام” ، بل هي محاولة لنقل المصطلحات المطاطة التي تَفرضها النظم المستبدة على شعوبها إلى المستوى الدولي ، أي أن الدول الإسلامية تَسعى جاهدة إلى تدويل الاستبداد والإرهاب الفكري عبر مصطلحات مثل: “ازدراء الإسلام” و “الإسلاموفوبيا” و “العداء للإسلام” و “التأمر على المسلمين” و “استهداف المقدسات الإسلامية” …
القضية الرابعة: تتعلق بتقييد أقلية دينية منفتحة نسبياً بمعايير الاستبداد الديني عند متطرفي الأغلبية ، وهذا يشكل مظهر من مظاهر طغيان الأغلبية لمحاولة قولبة الأقلية وتذويبها في ثقافة لا تريدها وتتنافى مع معتقداتها وتراثها .
القضية الخامسة: تتعلق بمفهوم النقد عموماً ، فالفاشية الثقافية تعتبر النقد أداة هدم ، والدولة العصرية المتقدمة تعتبر النقد أداة بناء ، بل هو أهم أداة بناء عرفها التاريخ ، بل يُمكن القول أن النقد هو المحرك الفعلي لنهضة الحضارة الغربية برمتها ، بل ولا يُمكن تحسن وتطور المجتمعات الإنسانية بدون ممارسة النقد على نطاق واسع ، ولكن الفاشية الدينية تعادي وتجرم النقد لأنه يُحطم الأصنام المقدسة التي تصنعها وتجبر المجتمعات على عدم المساس بها .
القضية السادسة: وهي الخطيرة ، وتتعلق بمستقبل بلد تحاصره الفاشية الثقافية ، فلا يُمكن لهذا البلد أن يأخذ بالمناهج العلمية المتطورة ، ولا بأساليب البحث العلمي الحديث ، ولا بأدوات التقدم ، ولا بمنتجات الحداثة ، ولا بمظاهر العولمة ، ولا بمتطلبات الديمقراطية الحقيقية ، ولا بمستلزمات السياحة العصرية ، ولا بمناخ الاستثمار الجذاب ، ولا بالاستقرار السياسي القائم على الحكم الرشيد ، ولا بالإعلام المتوازن الموضوعي المهني … ، وباختصار: إن البلد الذي تُحاصره الفاشية الثقافية يَخرج من التاريخ .

الفاشية الوهابية … لماذا لم تطال الصهيونية ؟
هل سيكون الموقف الأمريكي والأوربي من الفاشية الوهابية كما هو عليه الحال اليوم ، حيث غض النظر عن كل أنواع القتل والإرهاب متعدد الأشكال والأنواع ، فمن الدعم المالي المكشوف للعصابات التي تعبث قتلا ًوفسادا ً في سوريا ولبنان والعراق ، ومن قبل ذلك  في دول المغرب العربي ، إلى الاحتلال المباشر ودخول الجيوش الوهابية لدول أخرى ، كما يحصل في البحرين اليوم ، وإلى تدخلات بعيدة عن المنطقة ، ودعم الإرهاب التكفيري الذي لا دين ولا عقيدة له . هل يمكن للفاشية الوهابية أن تقوم بذلك بدون الدعم الأمريكي  ؟.
لا يحتاج الجواب شديد ذكاء ، فالموقف واضح على المستوى الدولي من الإرهاب الوهابي بأنها بيادق تحرك من وراء الستار ، قد تكون لها بعض التوجهات العدائية تجاه بعض  الدول ، لما يمتاز به حُكامها من تحجر وإغراق بالتخلف البعيد عن تعاليم الإسلام الذي كان رسالة نور وعقيدة ثورة غيرت حياة أمم كثيرة من التخلف إلى واقع متقدم ، لا كما هو حاصل اليوم في الخليج من العودة إلى أفكار منغلقة تحمل بذور القتل والإرهاب   .
إن الدول راعية العولمة والمنظرة لها وجدت ضالتها في الفكر التكفيري الفاشي لتحقيق مآرب عديدة دون أن تخسر هي شيء ، منها على سبيل المثال  :
-تحقيق أهدافها نحو عولمتها المبنية على الفوضى الخلاقة ، والتي ساهم المال الوهابي والفكر التكفيري في خلقه واقعاً على دول المنطقة  .
-تحقيق تقزيم دول المواجهة مع الصهاينة مقابل تدعيم قوة الصهاينة وتثبيت كيانهم الدخيل  .
-القضاء على الجيوش العربية الكبرى التي كان من الممكن أن تواجه إسرائيل في أي حرب قادمة ، مثل الجيش العراقي والجيش السوري ، وإشغال الجيش المصري والمقاومة اللبنانية  .
-سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية على موارد المنطقة وتحكمها بها  .
-الإساءة إلى الدين الإسلامي ومحاولة تشويهه وتصوير القتل والإرهاب الذي تقوم به العصابات التكفيرية وكأنه واقع الإسلام  .
-مد يد الصداقة وإقامة علاقات وتفاهمات مع الصهاينة مما لم يحلموا به من قبل ، وفتح سفارات لهم في دول المنطقة ، مما زاد في عنجهيتهم وأطماعهم في المنطقة كلها  .
-اكتشفت أمريكا ودول أوروبا أن المواجهات المباشرة تنهكها وتكلفها الكثير من المال والسلاح والعتاد والرجال ، كما حصل في العراق وأفغانستان ، وأن ما يؤديه المرتزقة بواسطة المال الوهابي يُعوض كل هذا الجهد ، وهذا وغيره جعل أمريكا وحلفاءها يُناصرون حكاماً يَغرقون في ظلام العصور المتخلفة ، ولا يذكرونهم بمكروه رغم أنهم لا يَعرفون الديمقراطية ولا روح العصر التي تنادي به عولمتهم العصرية .
ولكن السؤال هنا: ماذا لو كان الإرهاب ضد الصهاينة ؟
لو كانت عصابات داعش والنصرة ومثيلاتها قد نفَّذت جزءاً من عملياتها ضد الصهاينة ، فهل كانت أمريكا وحلفاءها سيصمتون كما هو صمتهم اليوم ؟ وهل سيمدون هذه العصابات بالدعم ويعتبروها فئات مقاومة ثائرة رغم أنها عناصر غريبة عن الدول التي تُقاتل فيها وينطبق عليها مصطلح المرتزقة ، وهي بعيدة عن المقاومة ؟.
بالتأكيد إنها أسئلة أجوبتها واضحة ، وإن هذا لا يُمكن أن يحصل لا مع داعش ولا مع جبهة النصرة .

الغرب ومحاربة الفاشية الدينية
إن الجماعات الإسلامية المتشددة القريبة من تنظيم القاعدة تُسيطر على أقاليم تَفوق مساحتها مساحة بريطانيا ، وذلك غربي العراق وشرقي سوريا ، وفي أفغانستان والصومال ، والغريب أن الدول الغربية رفعت شعار “محاربة الإرهاب” لتشن حروباً في العراق وأفغانستان ، وأنفقت أموالاً ضخمة ، وقوضت الحريات ، وانتهكت حقوق الإنسان ، وتغاضت عن التعذيب والاحتجاز دون محاكمة ، والتجسس على بيوت الناس” ، لكنها فشلت في تحقيق الهدف ، ولكن لماذا ؟.
العالم الغربي ظل سنوات طويلة يُعاون حكومات الدول الإسلامية المختلفة للقضاء على الإرهاب بالسلاح والمال والدعم السياسي ، في الوقت الذي فشل هؤلاء الحكام فشلاً ذريعاً لدرجة أن الإرهاب وصل للغرب في عقر داره ، وتجلى ذلك في 11 سبتمبر ، وبعدها قرر الغرب أن يَترك الإرهاب في منابعه ، فالدول الإسلامية أحق به ، فهي من تُنشئه وترعاه ، وبدلاً من تصديره قرر الغرب أن يتيحوا له الفرصة لتصعيده للحكم ، أو تكوين ما يسعى له ، وهو “الخلافة الإسلامية المزعومة” ، والتي للأسف لا زال في الوطن العربي من الجهال ملايين يصدقون أن الدين أمر بذلك بفضل النشأة المتشددة والفهم الديني المغلوط ، ولذلك حاول الغرب جاهداً مُساعدة الجماعات الإسلامية في إعادة توطينها في الدول الإسلامية ، وانسحب تدريجياً من الحرب عليها ، وسلم الإخوان الراية لتقود الفصائل والجماعات الإسلامية ، وتدريجياً لم يُصبح الغرب وصياً على أحد مثلما يظن المغفلين ، وأن أمريكا وأوروبا ستحرك جيوشها مثلما كان يحدث في السابق ، لو حدث أي مشكلة في دولة عربية ، الغرب فاض به الكيل وفشل في التعامل مع العقول العربية ، فهو لا يفهم كيف يُربي العرب الإرهابيين من الصغر ، ويريدوا أن يحاربوهم في الكبر ! فإما مع الإرهاب تحتضنوه داخل بلادكم ، وقد يصل للحكم مثلما كان الربيع العربي ، وتريحوا العالم من شروره ، أو تحاربوه وتقضوا عليه وتجففوا منابعه .
كما أن وجود السلفية الوهابية وترعرعها في دول الخليج هي السبب الرئيسي لكي تكون بيئة حاضنة لمشروع التطرف والإرهاب ، فأسلوب التعليم والاهتمام الزائد بالنشأة المتشددة تجعل الشخص مُعداً ومهيأً لكي يكون مَشروعاً إرهابياً لو أُتيحت له الظروف ، ولن نَضحك على أنفسنا ، فالمال الخليجي من مشايخ السلفية هو السبب الرئيسي لانتشار التشدد والإرهاب من شرق الوطن العربي لغربه وحتى امتد لأوروبا مع المهاجرين ، ومن أمثلة ذلك سفير مالي السابق في السعودية ، والذي أصبح قائداً إرهابياً كبيراً في مالي لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية الذي قضت عليه فرنسا بأموال خليجية ، والأمثلة غيره كثيرة ، فلا تكاد تخلو حادثة في الغرب دون التشكيك في أي إسلامي متشدد ، كاحتمال أرجح للإرهاب .
ودول الخليج تدفع ثمن غض بصر العالم عن ترعرع الفكر المتشدد داخلها من خلال علاقات وصفقات كبيرة بمليارات ، لدرجة أنها أصبحت من أكبر مُستوردي السلاح في العالم ، في حين أنها لو قامت بإحلال الفكر الوسطى السمح مَحل الفكر الوهابي المتطرف ، فإنها سَتُخرس ألسنة العالم الذي يَسعى لاقتناص الفرص للاستيلاء على البترول في الخليج .
والنتيجة ما هي ؟
سورية أصبحت مُدمرة في أكبر كارثة إنسانية ، ولا زالت دول الخليج تدعم الجماعات الإرهابية لإزاحة النظام ! رغم أن الغرب رَفع يَده عن دعم الإرهابيين ، ولا نعرف متى سَيَعِي هؤلاء أن أموالهم تذهب لإرهابيين وتجار بَشر ، وسينقلبون إليهم بعد الانتهاء من سورية إن استطاعوا ، ووقتها سيتركهم العالم ليشاهد كيف يَقضي الإرهاب على نفسه في منابعه .

الفاشية الدينية والنفخ الإعلامي
فقد انتشر في الآونة الأخيرة استعمال شياطين الإعلام المضلل لمصطلح الفاشية الدينية ، ويريدون به إرهاب الناس من الشريعة الإسلامية والتحاكم إليها ، لذا وجب علينا أن نحرر هذا المصطلح من زيفهم وتضليلهم ، ووصفه غير سياقه السابق الذي تحدثنا عنه ، ويتردد كثيراً على لسان البعض قول: الدولة الدينية ، والفاشية الدينية … ، ومصطلح الدولة الدينية فيه خداع إعلامي كبير ، فنحن كإسلاميين أول من نتصدى للدولة الدينية الثيوقراطية ، والتي هي ثلاث أنواع: الدولة الكهنوتية وقد أزالتها العلمانية من أوروبا ، ودولة الحاخامات وهي تحكم الكيان الصهيوني الآن ، أما الإسلاميون فيريدون الدولة الإسلامية ، وليس الدينية دولة مرجعيتها في سن القوانين وفي كل ما هو متعلق بالحياة المدنية تكون المرجعية فيه حلالاً وحراماً للشريعة الإسلامية ، ضمن دولة مدنية تحترم الآخر على إطلاقه وتفرز مصير المسلمين ضمن علاقات دولية تعترف بالقوانين الدولية المجمع عليها ، دولة مدنية السيادة فيها للتسامح والأمن والأمان وقبول الآخر وإعطاء المرأة فيها الدور الريادي الأمثل .

الأحزاب الدينية مدخل للسلوك الفاشي
إن قيام الأحزاب على أساس ديني فتح الباب أمام الفاشية الدينية ، وأساء إلى الدين كما أساء إلى الناس باسم الدين ، ولهذا لا يجب إقحام الدين في اللعبة السياسية التي غرضها مصالح فقط ، وهو ما من شأنه أن يشوه الدين  .
إن الأصل منع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني ، لأن الأحزاب تستخدم الدين لأغراض أخرى ، وتُصدر فتاوى بعيدة كل البعد عن الدين ، ولذلك يَجب فصل الممارسة السياسية عن الدين  .
إن إيجاد أحزاب على أساس ديني هو في حد ذاته تقسيم وتفرقة بين المجتمع ، فهذا سني وهذا شيعي ، وهذا مسلم وذاك مسيحي أرثوذوكسي أو كاثوليكي ، إلى ما لا نهاية ، فالأحزاب التي تُبنى على أساس ديني أو عرقي أو مهني أو أي نوع من أنواع التمييز بين الناس ، هي مدخل رئيس للسلوك الفاشي الموصل للتطرف والعنف والإرهاب ، فالكل سواسية ، وأي محاولة لذلك هي محاولة لبث الفتنة وإثارة النزاع والبلبلة بين صفوف المواطنين .

جدلية الدين والخطاب الديني
هناك لبس واضح وجلي ما بين الخطاب الديني وحقائق الدين الواضحة ، وهذا اللبس الذي أربك أصحاب العقول والفهم والإدراك لمتطلبات الدين والحياة هو ذاته أثار تساؤلات كثيرة عن حقيقة الخطاب الديني الشارح لهذا الدين , ولعل أهم مصادر اللبس يعود إلى عدم الاعتراف بوضوح وبشكل مباشر وعلني بأن الخطاب الديني شيء والدين شيء آخر ، يُقال بشكل مستمر وعن حق: إن الإسلام مثل غيره من الأديان الأخرى لا يقر الإرهاب بكل أشكاله ، وإنه بريء مما يقوم به الإرهابيون ، لكن لا بد من مواجهة أن هؤلاء الإرهابيين يستندون إلى نصوص دينية ، وقد استندت جماعات أخرى مشابهة قبلهم طوال التاريخ الإسلامي إلى النصوص نفسها لتبرير ممارسات مماثلة . ماذا يعني هذا ؟ يعني أن هذه الجماعات مثل تلك ، قرأت النصوص الدينية بطريقة مغايرة لما تواضعت عليه الأغلبية ، قراءة تخصها هي ، ومن الواضح أنها قراءة متطرفة ومنحرفة من حيث أنها تُجيز لنفسها ممارسة العنف والقتل من دون حق ، وخارج حدود القانون وحدود الدولة ، وهي بهذه القراءة وتَطبيقاتها تُشكل تهديداً للاستقرار والأمن .
إذن نحن أمام قراءة مختلفة وخطيرة للنص ، لكنها بالتأكيد ليست النص ذاته ، والدليل أن هناك قراءات أخرى أكثر استنارة وأكثر التزاماً بمقتضيات هذا النص مما له علاقة بالحقوق والحريات والأمن والاستقرار ، لماذا لا نواجه المسألة من هذه الزاوية التي تميز بين الدين من ناحية وبين الخطاب الديني من ناحية أخرى ؟ والاختلاف بين الاثنين أشبع بحثاً ودراسة ، وإذا كان يتعذر قبول حقيقة هذا الاختلاف وحقيقة خطورته ، فليس أقل من قبول جعله موضوعاً للحوار والمناقشة ، وذلك لمواجهة هذا اللبس الذي لا يقل خطورة عن ظاهرة الإرهاب نفسها .
ويجب الانتباه إلى أن الملاحظات السابقة لا تعني أن الإرهاب يتمتع بقاعدة شعبية في المجتمعات العربية ، ولو كان الأمر كذلك لتغيرت صورة الأحداث ، فالحقيقة أن هناك شبه إجماع على رفض هذه الظاهرة ، كما أن هناك إجماعاً على شرعية النظام السياسي القائم ، لكن الملاحظات السابقة تعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع ، وطبيعة الارتباك الذي يُعانيه تحت وطأة تغيرات حدثت للمجتمع ، وتحدث في المحيط الإقليمي الذي ينتمي إليه هذا المجتمع ، وإلى عدم مواجهة الاختلاف بين الدين وبين الخطاب الديني ، ونشير هنا إلى الاعتماد على الخطاب الديني في مواجهة عنف يَنطلق من الخطاب نفسه ، وإن بقراءة مختلفة ، حيث “يجد هؤلاء الشباب أنفسهم مكشوفين أمام مجتمع مرتبك ومنطقة مرتبكة تعصف بها أحداث جسيمة ، في الوقت نفسه يجد هؤلاء الشباب أنفسهم أمام مصادر متعددة ومختلفة من المعلومات والأحداث ، ومن الشحن العاطفي من ناحية ، وأمام أحداث وانكسارات لا يعرفون تفسيراً لها ، ولا يشعرون أن هناك حدوداً يُؤمل أن تتوقف عندها من ناحية أخرى ، حتى الدولة لا تملك – أو هكذا يبدو – ما تقدمه لهؤلاء وسط هذه الحوادث والتحولات الكبيرة”  ، هناك جرعات من التاريخ تترى على المنطقة ، جرعات كبيرة ومتتالية يَصعب هضمها واستيعابها بسهولة ، إلى جانب ذلك “يجد هؤلاء الشباب أنفسهم أمام سلبيات وأخطاء اجتماعية وسياسية واقتصادية ، لكن من غير المسموح مواجهتها والاعتراف بها ومناقشتها علناً ، وما هو موجود دائماً هو الخطاب الديني ذاته ، فالمنطقة تغيرت ، والعالم بأسره تغير ، والأحداث تغيرت في طبيعتها وفي الوتيرة التي تسير عليها ، لكن هذا الخطاب لم يتغير ، ولا يبدو أنه قادر على الاستجابة لتلك التغيرات”  .
من هنا يفرض السؤال نفسه إن كان مصدر التهديد هو الإرهاب بحد ذاته ، أم الطريقة التي يتم التعامل بها مع هذه الظاهرة المقيتة .

مناشدة
إن المجتمع الدولي والعالم يتحمل مسؤولية أخلاقية للتصدي لخطر الفكر الوهابي التكفيري المتشدد ، وكما تصدى العالم قبل حوالي ستة عقود من الزمن للفكر النازي في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والشيوعية في الاتحاد السوفيتي !.
إن خطر الوهابية كخطر النازية والفاشية ، لأن هذا الفكر متلفع بالدين بالرغم من أنها ليست مذهب من مذاهب المسلمين ولا منهج إصلاحي ، بل هي حركة وفكر تدميري هدام يعتمد على إقصاء الآخر وتكفير وإلغاء وعدم الاعتراف بأي فكر ومذهب ودين آخر ، هذا الفكر ينتهك الأعراض ويستبيح الحرمات باعتماده على العنف والتطرف والحقد وتصفية العدو ، لذا يعتبر هذا الفكر ووجوده خطورة على البشرية والأديان الأخرى ، لأنه فكر متخلف لا يعترف بالتعايش مع الغير ، وهم أصحاب الفكر الشمولي الذي يَعتمد على قيم الجاهلية والبادية والصحراء .
لكل هذه الأسباب والعوامل التي تحدثنا عنها في بحثنا هذا وغيرها لا بد أن يتعاون الجميع إلى القضاء على هذا الفكر الوهابي وقبره إلى الأبد ، والتحرك السريع مع المجتمع الدولي والمنظمات العالمية لإصدار قرار ضد هذا الفكر ، ومحاسبته وكل من يقف خلفه ووراءه ، ويجب أن يُحاكم لأنه أنتج القاعدة وحركة طالبان الإرهابية المتخلفة ومئات الآلاف من الإرهابيين والقتلة في العالم الذين قاموا بأبشع الجرائم التي عرفها العالم ، وعلى اعتبار أن تزايد الأصولية الدينية والمتشددين في الدول العربية والإسلامية كان بسبب هذا الفكر الأصولي المتشدد والمتطرف الذي يَدعم الحركات الإجرامية في العالم كله ، وبما أن هناك ملفات وأسماء وصور وأرقام وتواريخ وحوادث موثقة لجميع الجرائم الإرهابية التي كان سببها هذا الفكر الوهابي الفاشي ، لذا يجب طبعها وتوزيعها على جميع دول العالم وبكل اللغات ، لكي يَتعرف العالم على ما اقترفته أيادي هذا الفكر الإرهابي ، وما حدث في سورية خاصة من قتل للأبرياء من مدنيين وعسكريين مسلمين ومسيحيين وباقي مكونات الشعب السوري على يد القتلة والمجرمين حاملي فكر القاعدة الفاشي ، الذي لا يعترف بالأخر بأي شكل من الأشكال ، كما أن هناك مسؤولية كبرى تقع على عاتق الإعلام العالمي والمحلي لفضح هذا الفكر وما قام به من جرائم ، والتصدي له وإلى الدور الخطير الذي تلعبه البعثات الدينية الوهابية الفاشية في مثل هذه الدول  .
وختاماً نقول:
إن الفاشية الدينية والحركة الوهابية توأمان سياميان لا ينفصلان ، وهما السبب الرئيسي لتفشي الإرهاب الإسلامي في العالم ، وهما سبب تأليب المسلمين ضد المسيحيين ، وحتى ضد المذاهب الإسلامية الأخرى التي تعارض الوهابية .
وويلات هذه الفاشية وصلت إلى دول الخليج العربي نفسها حيث باتت تعاني من الإرهاب القاعدي الآن ، ولكنها تُسمي ما يجري في بلادها بالإرهاب ، وفي نفس الوقت تشجعه في سورية وفي البلدان الأخرى ، وتسميه بالجهاد في سبيل الله والإسلام ، وتواصل دعمه بالمال والفتوى ونشر ثقافة الكراهية والموت ، حيث ما زالت دول الخليج العربي تدعم أئمة المساجد من الوهابيين في تحريض شباب المسلمين الجهلة وتجنيدهم وإرسالهم إلى سورية لقتل أبنائه ، لذلك فالمطلوب من العالم المتحضر – وخاصة أمريكا – أن يُدركوا هذه الحقيقة ، وأن لا يَنخدعوا بالمواقف المزدوجة لدول الخليج العربي ، فتعلن أنها حليفة لأمريكا في حربها على الإرهاب ، ولكنها في نفس الوقت تدعم المنظمات الإرهابية بالسر ، كما  يَجب على العالم الغربي أن ترغم دول الخليج العربي بلجم المؤسسة الوهابية ، وأن تتوقف عن دعمها للإرهاب ونشر ثقافة الموت ، وإلا فالمستقبل قاتم وخطير جداً على البشرية جمعاء .
ولا بد من قول في النهاية:
لقد دقّت ساعة الخلاص وإلى الأبد من الجماعات الإرهابية التكفيرية لحركات التكفير الفاشي في سورية ، وسيعلم الإرهابيون والتكفيريون وعملاء الاستعمار والصهيونية ومشاريعهم ومخططاتهم التوسعية إلى أي منقلب سينقلبون !.
والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>