3- الإسلام بين التطرف والاعتدال = الجزء الرابع

الإِسلَامُ بَينَ التَّطَرُّفِ وَالاعتِدَالِ

المحتوى
مقدمة البحث …
خطر التَّطرُّف على الإسلام …
الإرهاب بين صناعته وسماسرته …
متى يكون الجهاد عُنفاً ؟…
شركات أمريكية لتصنيع وتصدير الإرهاب …
هل يمكن أن تحمي العلمانية المجتمعات العربية من التطرّف ؟…
الوسطية في الاعتقاد والسلوك هي الحل الوحيد لمشكلة التَّطرُّف …
أصل الوسطية في اللغة والمراد بها …
وسطية الإسلام في الفروع والأحكام السلوكية …
الخاتمة …

مقدمة البحث( )
إن مما يلفت النظر حقاً أن الناس الذين يعيشون غرباء عن الإسلام وعن دياره كلَّما ازدادت نفوسهم استئناساً بالإسلام وكلما ازدادت عقولهم إقبالاً إليه وتأَمُّلاً فيه واقتناعاً بمبادئه ازدادت عداوة أعداء هذا الدين شراسة وفَاحَ المزيد من رائحة الضغينة والحقد والكراهية عليه في نفوسهم . ولقد حَدَا بِهم ذلك إلى أَنْ يَطوُّروا الوسائل التقليدية التي كانوا يَستعينون بها للوقوف في وجه المدِّ الإسلامي الذي شاءه الله سبحانه وتعالى ، لم تَعد وسيلتهم اليوم كما كانت – إرساليات تبشيرية ، شكوكاً تُبَثُّ في عقائد الإسلام ومبادئه … – ، وإنما اصطُنِعَ لذلك سلاحٌ جديدٌ ربما رأَوْا أنَّه أمضى سلاحٍ وأيسرُ ما يُمكن أن يُتَّخّذَ من سبيل للقضاء على خطر الإسلام ومدِّه .
يصطنعون في ديارهم التَّطرُّف ويصطنعون الإرهاب – وما أكثر معاملهما هناك – ثم إنهم يُصدرون كُلّاً منهما إلى ربوع عالمنا العربي والإسلامي ، ثم يُلْصِقونَ كُلَّاً مِنهما بالإسلام من خلال نِسبة مُختلقة مُصطنعة ، فيقولون: التَّطرُّف الإسلامي ، الإرهاب الإسلامي. وينتشر هذان الشعاران هنا وهناك أملاً في أَنْ تُؤْمِنَ عُقولُ المسلمين ، وفي أَنْ تُؤْمِن عقولُ شُعوبهم ، بأنَّ الإسلام إِنَّما هو مَعينُ الإرهاب ، وأنه مَعينُ التَّطرُّف والغلو ، فهل الإسلام كذلك يا عباد الله ؟ هذا ما أُريد أَنْ أُجيبَ عنه في موقفي هذا إليكم .
أمَّا دستور الإسلام الذي هو القرآن فما رَأَيْتُ فيه إِلاَّ مَا يُحذِّر من الغلو والتَّطرُّف والإرهاب الإجرامي ، ولقد نَشَّأَ القرآنُ رسولَ الله  في ظلِّ الرحمة ، في ظلِّ المسامحة ، ألم يقل كتاب الله عز وجل لرسوله : فَبِما رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ في الأَمْرِ [آل عمران: 159] .
وهذا الكلام الموجَّه إلى رسوله  ليس خاصَّاً بمعاملته بالمسلمين فقط ، بل بكلِّ من قد أُرْسِلَ إليه ، أليس كتاب الله عز وجل هو الذي أرسى موازين العدالة المطلقة مُتحرِّرةً من العصبية للعرق ، مُتحرِّرةً من العصبية للمذهب ، مُتحرِّرةً من العصبية للدين ؟!.
ألم يقل: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8] .
ألم يُدافع كتاب الله عز وجل من خلال عَشرِ آياتٍ عَن يَهوديٍّ ظُلِم عِندما أُلْصِقَتْ به تهمة سرقة ، وقد كان بَريئاً منها ، وقد كان السارق مُسلماً من ضعاف الإيمان والإسلام ؟! صُدِّرَتْ هذه الآيات بقول الله عز وجل: إِنَّا أَنزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً( ) [النساء: 105] .
هذا هو الدستور ، وبهذا ينطق ، ولئن كان هناك من يُحارب التَّطرُّف ومن يُمزِّق الإرهاب الإجرامي ، فلن تَجد في العالم كلِّه ولا في التاريخ القصي والقريب مِثل كِتَابِ الله سبحانه وتعالى يُحارب التَّطرُّف ويُمزِّق الإرهاب الإجرامي .
محمد رسول الله  – الذي نَشَّأَهُ الله على عَينه في ظِلال الرحمة والمسامحة والوسطية – هو الذي كان يُعامل الناس جميعاً بما ظهر منهم ، ولم يَكن يَخترق ظاهراً إلى باطن ، لم يَكن يَتحسَّسُ البواطن ليُغْمِضَ عينيه عن الظواهر ، هذا هو قدوتنا بعد ذلك الدستور الذي حَدَّثتُكم عنه .
أفتجدون في شيء من سيرته  رائحة تطرف ؟! أفتجدون في شيء من سيرته  رائحةً لغلوٍّ ، رائحةً لإِرْهابٍ يا عباد الله ؟!.
تعالَّوْا وانظروا بعد هذا إلى سيرة أصحاب رسول الله  الذين استظلوا بمظلة الشريعة الإسلامية تلك التي اعتُصِرت من كتاب الله ومن سنَّةِ وسيرة رسول الله  ، كيف كانت حياته !.
نشأَتْ كما تعلمون بعد رسول الله  فِرقٌ إسلامية شاردة عن المنهج الأمثل الذي يدعو إليه كتاب الله عز وجل ، جَهَمِيةٌ ومُرجِئةٌ ومعتزلةٌ … وآخرون ، أصغوا السمع جيداً يا عباد الله ، وتأملوا هل تجدون في أصحاب رسول الله  مَن كَفَّرَ واحداً من هؤلاء ؟! هل تجدون كلمة التكفير فَاحت رائحتها هنا أو هنا أو هناك في وجوه هؤلاء الذين شَرَدُوا عَمَّا كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة ؟.
لا نعلم – وقد دَرَسنَا التاريخ ووعيناه ونَقَّبنَا دخائله – لا نعلم أنَّ في أصحابِ رسول الله  مَن كَفَّرَ أيَّاً من هذه الفرق .
هل تجدون إلا المسامحة ؟ هل تجدون في كلِّ ما يُمكِن أَنْ تتأَمَّلوه في حياة أصحاب رسول الله  رائحةً لتطرُّفٍ ، رائحة لإِرهابٍ ، هل تجدون ؟ لن تَعثروا على ذلك قط .
هذا هو إسلامنا مُتَمثِّلاً في دستوره الأمثل مُتمثِّلاً في سيرته  ، هل تجدون إلا اللُّطْف ؟ هل تجدون إلا نقيض إلا ما قد يُتَّهم به الإسلام ومن ثمَّ المسلمون ؟!.
أقول بعد هذا: تُرى لو كان هذا السلاح الجديد الذي يُستخدم اليوم للقضاء على الإسلام ولخنقه في ربوعه – في ربوع الإسلام – لو كان هذا السلاح مِن شأنه أن يكون ناجحاً ينبغي أن يتجلَّى نجاحُه في ربوع تلك البلاد قَبل أَنْ يَتجلَّى نجاحُه في ربوعنا ، فهل نَجح هذا السلاح بالوقوف في وَجه المدِّ الإسلامي الزاخر في ربوع الغرب بشطريه الأوروبي والأمريكي ؟.
لماذا يَعتنق في كل عام آلاف الناس في ربوع الغرب دينَ الله عز وجل الإسلام ؟! وإِنّي لأعلم أنَّ الذين يَدخلون الإسلام سِرّاً أكثر ممن يَعتنقونه جهراً ، لماذا لا يُخْدَعون بهذه القالة ؟! لماذا لا تخدعهم تهمة التَّطرُّف التي تُلْصَقُ بالإسلام والمسلمين ، لماذا ؟ ومِن ثم لماذا هذا الخوف الذي يَستبدُّ بأفئدةِ القائمين بأُمورِ الغرب ، إِنْ في أوروبا أو في أمريكا ؟ أيُّ بُعبُعٍ هذا الذي يَظهر لهم من الإسلام ، الإسلام يدعو إلى السلم: يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً [البقرة: 208] .
تلك هي رسالته ، الإسلام يُصَحِّح الحضارة عندما تفسد ، يُقَوِّمها عندما تعوَّج ، هذا هو إسلامنا ، عندما يُتَّهم اليوم بالتَّطرُّف أو بالإرهاب ، وعندما أُصْغي السمع إلى مَسؤولٍ فَرنسي – يُعْلِن كما لم يُعلن من قبل عداءه العجيب الشديد للإسلام وتَوَعُّده للإسلام والمسلمين من خلال ما يَتَّهِم به الإسلام من التَّطرُّف والإرهاب – فإنني أقول لكم – وهي كلمتي الأخيرة التي أرجو أن نعتصر منها العبرة والدرس الواجبين -: إن هذا الذي يقولونه عن الإسلام يعلمون أنهم كاذبون فيه ، وإن عملاءَ لهم هم الذي يُلصقون هذا بذاك ، يلصقون التَّطرُّف الذي يُصَدِّرونه إلينا من هناك بالإسلام ثم يَنسبونه إليه قائلين التَّطرُّف الإسلامي ، يُلصقون الإرهاب بالإسلام ثم إنهم يَختلقون نِسبةً إليه فيقولون الإرهاب الإسلامي . وأنا أقول لإخواننا وأبناء عمومتنا: أيها الإخوة مَصيرنا واحد ، إسلامنا هو المظلة التي نستظل بها ، ديننا إنما هو هويتنا ، عبوديتنا لله سبحانه وتعالى . تعالوا نعد إلى أمن وطمأنينة هذا الدين ، تعالوا نُعلن عن عبوديتنا لله عز وجل ، تعالوا نَدخل جميعاً تحت ظل قول الله عز وجل: إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم [الحجرات: 10] ، قرارٌ وأمر ، أما القرار فقوله عز وجل: إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة ، وأما الأمر فقوله عز وجل: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ .
خطر التَّطرُّف على الإسلام( )
لا ريب أن السِّلم هو مَطمح آمال المجتمعات الإنسانية كلها ، إذ هو المناخ الذي يتحقق فيه الأمن وتشيع فيه الطمأنينة .
ولكن السِّلم ليس شيئاً يصنعه الإنسان ، أو عملاً يُمارسه ، وإنما هو رَغبة في النفس ومَقصدٌ من أهم مقاصد الإنسان ، وإنما سَبيل الإنسان إلى تَحقيق رَغباته والوصول إلى مَقاصده، أن يَبحث عن الأسباب الموصلة إلى تلك الرغبات والمقاصد ، فَيُمارسها ويَعكف على إنجازها .
فما هو السبب السلوكي الموصل إلى السِّلم ؟
ما هي الوسيلة التي إِنْ تَمَّتْ مُمارستها تَحقَّقت في المجتمع الإنساني حقيقة السِّلم ؟
لا توجد إلا وسيلة واحدة لبلوغ هذا المقصد ، إنه ممارسة العدالة في علاقة الإنسان مع الإنسان . ومن الواضح أن هذه الممارسة لا تتأَتَّى من شخصٍ واحد ، إذ هي علاقة سلوكية تسري ما بين الأشخاص ، تتلخَّص في عدم العدوان على حقوق الآخرين ، وعدم التقصير في النهوض بالواجبات المرعية تجاه الآخرين ، وإِنَّما يتمُّ ذلك بسلوكات نوعية متبادلة .
إذن فالعدل هو الوسيلة السلوكية المتبادلة التي تُوصل المجتمع إلى مناخ السلم ، ومِن ثم تُحقِّق في حياة أفراده الأمن والطمأنينة ، وإذا غاب العدل غاب معه الطريق الموصل إلى السِّلْم .
ولما كان القرآن الذي هو خطاب الله الموجه إلى عباده جميعاً ، يَتضمَّن دَعوةً مُلِحَّةً إلى سلوك السبيل المؤدي إلى واحة السلم ، وذلك في مِثل قول الله عز وجل: يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً [البقرة: 208] ، فقد ركَّز في تعريفه للسبيل المؤدي إليه تركيزاً كبيراً مُؤكداً على ضرورة ممارسة العدل في العلاقات الإنسانية جمعاء ، بل إنه يَأمر النَّاس باللجوء إلى هذا الميزان في كل الأحوال ومع الآخرين أياً كانوا ، وأياً كان نوع العلاقة معهم .
تأمَّلوا في حرارة هذه التوصيات وتأكيد الأمر بها بمختلف الأساليب:
– وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المائدة: 8] .
– وَإِذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبَى [الأنعام: 152] .
– إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلَى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ [النساء: 58] .
– إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُرْبَى [النحل: 90] .
– فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9] .
إن هذه الأوامر المتكرِّرة بأساليبها المتنوعة – والموجهة إلى الناس جميعاً للانضباط بموازين العدل – ليس إلا تفسيراً لكلمة (ادْخُلُوا) في قوله تعالى: يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً [البقرة: 208] ، إنها بيان للمدخل الذي لا بدَّ منه ولا بديل عنه سبيلاً إلى السلم .
وإذ قد ذكرنا معنى العدالة قبل قليل ، وهو باختصار شديد: رعاية الحقوق والواجبات ، فمن اليسير إذن أن نَعلم أن التَّطرُّف هو الجنوح عن هذه الرعاية ، فكأن العدل هو الطريق الآمن العريض الذي تتلاقى على السير فيه الأسرة الإنسانية جمعاء ، والتَّطرُّف هو الجنوح عنه شارداً ذات اليمين أو ذات اليسار ، ولا ريب أن هذا الجنوح إذ يبتعد بصاحبه عن صراط العدل ، لا بدَّ أن يَزُجَّه في لون من ألوان الظلم ، إذ هما نقيضان ، إن غَاب أحدهما حلَّ الآخر مكانه ، وإذا وقع الظلم انقدحت مِن جَرَّاء ذلك شرارة الفتن ، وما هو إلا أن تَعصف رياحها برواق السلم وتقضي عليه .
إذن على كل مَن يَنشد السلم أن يُبرهن على صدق بَحثه عنه بِتَوَخِّي العدالة والسهر على حمايتها وحراسة موازينها ، بل إننا لا نَشك أنَّ كلَّ مَن استهان بموازين العدل ، وضَحَّى بحقوق الآخرين في سبيل مصالحه ورغائبه الذاتية ، فهو عَدُوٌّ للسلام مَاضٍ في طريق القضاء عليه ، سواء كان فرداً من الناس أو ممثلاً لدولة .
والآن … وعلى ضوء ما قد تم بيانه ، نستطيع أن نُبرِزَ مَعنى “الإرهاب” ، هذا المعنى الذي ظل مخبوءاً عن الكلمة المعبرة عنه ، على الرغم من إلحاح كثير من الدول والمجتمعات الإنسانية ، على الذين فَاجَئُوا العالم بهذا المصطلح ، واتخذوا مِنه فَتيلاً لإشعال نار الحروب ، أن يكشفوا للعالم المعنى الخفي الذي يقصدونه به .
أقول: على ضوء هذا الذي تم بيانه نستطيع أن نبرز معنى “الإرهاب” من تلافيف الخفاء: “إنه كل جُهد يَهدف إلى العَبث بميزان العدالة ويُلِحُّ على اغتصاب الحقوق انتصاراً للذَّات واعتماداً على مبررات القوة التي لا يَتمتع بها الآخرون” .
فكيف السبيل إلى حماية الطريق إلى السلام أن لا يُنسَفَ بأسلحة الإرهاب ، فتحجز المجتمعات الإنسانية أو أكثرها من السلام الذي تنشده ، إذ يَقوم بينها وبينه بَرزخ من القَطيعة وفَجوة عميقة مما أحدثته يد الإرهاب .
السبيل إلى ذلك اتِّباع القانون الذي أخَذَنا به بيانُ الله القائل: وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُوْلِي الأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 179] .
وبعبارة أخرى: السبيل إلى ذلك الضَّربُ على أيدي المتربصين بالسلام ، وإنما يكون الضرب على أيديهم بإنزال العقاب المكافئ لجريمتهم ، وإنه لَلسِّياجُ الذي لا بُدَّ منه لحماية السلام .
ولم تَرِد في القرآن ألفاظُ الجِهَاد والقتال ، إلا تعبيراً عن هذا المبدأ ، وليس فيه آية تدعو إلى الجهاد أو القتال ، إلا ضِدَّ مَن يُصِرُّون على إبعاد موازين العدالة عن الطريق إلى تحقيق رعوناتهم وإلى بسط سلطان بَغيهم على الآخرين ، فإذا أقلع البُغَاةُ عن بَغيهم وجنحوا إلى السلم ، وجب الكف عنهم ومدّ يد التعاون معهم على حراسة السلام وتعبيد الطريق إليه .
يبدو هذا جلياً في قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190] .
ونَتَبَيَّنُهُ جَلياً أيضاً في قوله عز وجل: لاَ يَنْهاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين [الممتحنة: 8] .
ومن كان دَأبه أن يَتَتَبَّعَ كَلمات القتال والجهاد في القرآن ، وأن يحصي أعدادها ، ثم يَقطعها عن المناسبات والجمل التي أُحيطت بها ، ليتأتى له أن يَزعم أن القرآن قَاموسٌ إِرهابي يُصدر إلى الناس أوامر القتل والبغي والجهاد ، فَمُشكلته أنه يُعمي عَينيه عن ألفاظ العفو والصفح واللطف والعدل والقسط التي يَفيض بها القرآن الكريم ، وهي لو أحصاها لبلغت أضعاف ما يَتَتَبَّعُهُ مِن ألفاظ القتال والجهاد ، على أن الألفاظ – أياً كانت – عندما تَكون مُفردات في القاموس ، لم تُستعمل بَعدُ للتعبير بها عن حكم أو قرار ، فهي كالمادة الخَام قَابلة لأن تُوَجَّه إلى أي غَرض أو استصناع ، وما لم يَتِمَّ إدخالها في طور الاستصناع والاستعمال فهي إذن لَيست أكثر مِن مُجَرَّدِ قَابليات لأي توجيه أو صنع .
على أن العَدالة إن غَابت وحَلَّ مَحلها الظلم ، فإن مِن الممكن أن تَهتاج لَوَاعج الظلم في نفس المظلوم ، فَيقضى على بعض البُرَآء في طريق انتقامه من الظالم ، ولكن مَرَدَّ هَذا التصرف إلى الثورة التي يُحدِثُهَا الظلم في نفس المظلوم ، وقد نهى القرآن عن ذلك ، وأمر المظلوم أن لا يُسرف في الثأر أو الانتقام لنفسه ، بِحيث يُزهق مع حياة المجرم الذي ظلمه أرواح حَاشيته مِن البُرَآء ، ألم يقل: وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي القَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنصُورًا [الإسراء: 33] .
ولواعج الثأر من شأن الطبيعة الإنسانية عندما يَستشري الظلم في المجتمع ، ويعتد القوي فيه بقوته إلى درجة أن يجعل منها بَديلاً عن القانون وتفسيراً للحق ، وهذه اللواعج تَجتاح اليوم المجتمعات الغربية أكثر مما هي موجودة في مجتمعاتنا الإسلامية ، وأياً كان الأمر فإن الشريعة الإسلامية تُلجمها بِلجام التربية الدينية التي تتلقى غذاءها من عوامل الخوف من الله والاستسلام لحكمه وسلطانه ، وإنا لنعلم أن في قوى الشر ما يَستثير هذه اللواعج في نفوس المظلومين ، لِتدفعهم إلى تجاوزات تَتخطى حدود الشرائع والقوانين ، كي تُلصق بهم تهمة الإرهاب ، فيعثر المخططون لاستلاب الحقوق واستلاب الأوطان على المبررات الشكلية لذلك ، وإنَّ في أرشيف الذاكرة لنماذج ومستمسكات كثيرة لذلك .
يَطيب لي أخيراً أن أَختم حديثي هذا بسؤال أرجو أن أتلقى إجابة شافية عليه: في عام 1976م رفع “وليم كليفورد” مدير معهد علم الإجرام في استراليا تقريراً عن سلسلة مؤتمرات عَقدتها المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة ، المنبثقة عن الجامعة العربية ، إلى هيئة الأمم المتحدة التي كانت قد أرسلته إليها بصفة مراقب ، تضمن التقرير ما خُلاصته لفت نظر الدول الغربية إلى احتمال ظهور ما سماه “يقظة إسلامية جادة” في الدول العربية ، فإذا قُرِنَ ذلك بما يَملكه بَعض هذه الدول من ينابيع النفط ، فإن من الراجح أن اجتماع هاتين القوتين سَيُشَكِّلُ خَطراً حقيقياً على الحضارة الغربية ، ثم يُوصي التقرير بِنَاءً على ذلك بأن تضع الدول الغربية أيديها بالطرق الممكنة على ينابيع النفط بأسرع وقت .
إن الملاحظ أن التقرير الذي بلغ ثلاثين صفحة لم تَرِد فِيه كلمة “الإرهاب” على الإطلاق ، ولم تَكن استراتيجية السياسة الغربية تَستعمل هذا المصطلح بعد .
فما السبب في أن لَصِيقة “الإرهاب” هذه إنما تَم العُثور عليها ثم لَصقها بالإسلام والمسلمين ، بعد تلقي المؤسسات الغربية المعنيّة لهذا التقرير الذي يَنصح الدول الغربية باستلاب يَنابيع النفط من أصحابه ، والعمل على مَنع “يقظة إسلامية جادة” يُمكن أن تَنبعث عما قريب .
هل للعالم العربي والإسلامي أن يَتلقى جَواباً شافياً عن هذا السؤال مِن المصادر التي تَلقت تَقرير “وليم كليفورد” ثم عَكفت على دراسته ووضعه مَوضع التنفيذ ؟
الإرهاب بين صناعته وسماسرته
متى يكون الجهاد عُنفاً( ) ؟
من عجيب المفارقات أن يُعَدَّ تطاول الإنسان على جاره بحجة أن له مَصالح كامنة في عُمق داره سياسة مصالح ، وأن يعد دفاع هذا الجار عن حقِّه وسعيه بالوسائل الممكنة إلى حماية حقوقه وممتلكاته الشرعية فيها جوراً وتطرفاً وإرهاباً …!.
منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها وأمريكا ماضية في تعبيد الطريق إلى مصالحها عبر العالم ، على حساب ما للآخرين من حريات وحقوق ، إنها تُخاطب العالم بمنطق عجيب يقول: يجب مُقاومة العنف أينما وجد ، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لحماية مصالحها الاستراتيجية !.
والترجمة الخفية الكامنة في تلافيف هذا المنطق هي: يجب أن تَشُقَّ أمريكا الطريق إلى مصالحها حيثما وجدت ، وكل نِضَال يَصدر من الذين تَتعارض حقوقهم وحرياتهم مع مصالحها إرهاب تَجب مُقاومته والقضاء عليه .
إن مَنطق رِعاية المصالح من طرف واحد ، لَيس لَه إلا تَرجمة واحدة ، هي أن المصلحة والحق لا يُوجدان إلا حَيث تُوجد القُوة .
وإن بوسعنا أن ندرك وجود هذا المنطق من خلال سياسة الواقع الذي يَفرض نفسه ، ولا شك أن من العَسير جِداً محاولة تَنسيق هذا الواقع مع ما يُسمى برعاية حقوق الإنسان وقدسية الدفاع عن الذات .
ففي غِمار هذا الواقع الذي تَفرضه سياسة القوة تختلط الأوراق ، فيسمى الإرهاب والعنف المتطرف نضالاً ونظاماً ، ويُسمى النضال والنظام اللذان يرعيان الحقوق إرهاباً وعنفاً …!.
إن الولايات المتحدة الأمريكية تملك باسم النضال والنظام المجَنَّدين لرعاية المصالح ، أن تمضي في حصارها لكوبا إلى ما لا نهاية له ، ولن يكون لدفاع كوبا عن نفسها ومصالحها وحرية اختيارها إلا اسم واحد هو التَّطرُّف والإرهاب .
والولايات المتحدة كانت مُحقّة يَوم سَدَّدت إلى البرازيل الضربة القاضية ، عندما تَبين أنها تَسير في طريق الانتعاش والازدهار ، إذ إن ازدهار الآخرين – ولا سيما على أرض أمريكا – هو عَين الإرهاب المهدد لمصالحها ، وما الدور الذي لَعبه “كيسنجر” في انتخابات الرئاسة في البرازيل آنذاك عن الأذهان ببعيد .
والولايات المتحدة مُحقَّة عندما سَددت بالأمس الضربة ذاتها إلى نمور آسيا ، إن هذه الضربة ليست في منطقها إلا ممارسة لما يَقتضيه النظام في سبيل المصالح ، على حين أن ازدهار تلك المناطق – كغيرها من المناطق الأخرى – عُنف مُتطرف يَتهددها !.
والولايات المتحدة لا تَفعل إلا ما يَقتضيه النظام العالمي الحر ، عِندما تَحشو جِوار السودان من سائر الأنحاء بأسلحة الدمار ، وتُلهبُ تِلك الساحة الواسعة بِلَظى الحرب كلما خَبت نَارها وبَرد أُوارها ، لأن ازدهار السودان – بالخير القديم على أرضها والذخر الجديد في باطنها ، مع النهج الذي اختارته بمحضِ حريتها – إرهاب مُتطرف يُهدد مَصالحها !.
وهي مُحقَّة أيضاً ، ولا تَفعل إلا ما هو واجبها في رعاية النظام العالمي الجديد ،  نظام ما بعد الحرب الباردة ، أو ما يسمى اليوم بالعولمة ، عندما تُوغِرُ قَلب الصديق هنا في الخليج على صديقه الجار ، ثم تُغري الواحد منهما بالآخر ، ثم تَفرض من نفسها الحكم العدل والولي الشفوق ، فتحشو ساحة ما بين الإخوة والجيران بالأسلحة المدمرة المتنوعة ، وتُحَمِّلُهم أوقاراً من أثمانها الباهظة مَشفوعة بما يتبعها من ضَريبة الغيرة على الأمن وحرارة الدفاع والسهر على الحقوق !.
والولايات المتحدة ليست إلا حامي أمنٍ ورسول سلام ، عندما تُفصِّلُ مع اسرائيل – ومِنْ ورائها الصهيونية العالمية – ثَوباً للسلام في هذه المنطقة على قدر مصالح هذا الثنائي ، ولا تدري أيهما التابع والمتبوع ، فإن شكى الطرف العربي أن هذا الثوب لا تَبقى مِنه أي فضلة لتغطية شيء من حقوقه هو الآخر ، وناشدَ رسولَ السلام رِعايةَ العدل ، سَجَّلَ اسمه على الفَور في قائمة دُول الإرهاب ، ووجهت إليه تُهمة الوقوف في وجه عملية السلام !.
لقد أعلن مُستشار الرئيس السابق “كلينتون” لشؤون الأمن القومي “المستر أنطوني لينك” أن أمريكا ستقف في وجه أعمال الإرهاب الهادفة إلى وقف عملية السلام في الشرق الأوسط ، ولكن ها هي ذي إسرائيل تقف في وجه هذه العملية مُستعينة بكل أنواع التَّطرُّف والإرهاب دون أن ينالها شيء من نتائج هذا التهديد ، وها هو ذا الطرف العربي يَنشد السلام العادل الذي يُعطي لكل ذي حق حقه ، ويُمتع المنطقة كلها بِظلالٍ من الطمأنينة والأمن ، فلا يَنعت ذلك إلا بالتَّطرُّف والإرهاب .
وفي كلمة تَحدَّث فيها “روبرت بيليترو” مساعد وزير الخارجية الأمريكية الأسبق ، عن الإسلام ، وذلك في 27 أيار / مايو عام 1994م ، قال: “إن الولايات المتحدة تَحترم الإسلام بِصفته إحدى ديانات العالم ، لكنها تَرفض أهداف ونشاطات المتطرِّفين” .
ونقول: إن النَّهج الذي تُحاول الولايات المتحدة فَرضه إلى اليوم على تركيا عن طريق قُوَاتِها المسلحة – أي القوات التركية طبعاً – ، وبعيداً عن النهج الديمقراطي ، يُؤكِّد أنَّ الإسلام من حيث هو ليس إلا التَّطَرُّف بِذاته في ميزان الرؤية الأمريكية ! وإن المسلمين الصادقين في إسلامهم في تركيا – وهم الكثرة الساحقة فيها – يَضربون للعالم المثل الأعلى في نَبذ التَّطرُّف والتسامي عليه بكل أنواعه ، إنهم لا يَبحثون عن حقوقهم الإسلامية إلا في ظِلال الديمقراطية وحرية العقيدة والرأي ، فَفِيمَ تَضغط أمريكا على الجيش التركي صباح مساء ، مُهيبة به أن يَكتسح قُدسية الدِّيمقراطية ، وأن يَتَنكر لمبدأ حرية العقيدة والرأي ، وأن يتجاهل الازدهار الاقتصادي – الذي تحقق بفضل الديمقراطية ورسلها الحقيقين – في سبيل وقف المدّ الإسلامي الذي يُعانِقُ الديمقراطية ويُحارب التَّطرُّف ويَتَسامى عليه ؟!.
إن المصالح الأمريكية هي المقياس دَائماً لكلِّ شيء ! وإِنَّا إذا أسقطنا عن الاعتبار الإسلام التراثي أو الانتمائي الفارغ من المضمون ، والذي مِن شَأنه أن يَتحوَّل إلى وِعاءٍ لاستيعاب الحضارة الغربية بشكلٍ كَيفي ، ولاحظنا بَدلاً عَنه الإسلام الأيديولوجي ، ومن ثم السلوكي والحضاري الملتزم ، فَلا شَكَّ أنَّ مِن شأنه أن يُحِدَّ مِن مَساحة الهيمنة الغربية ، بل الأمريكية على العالم ، إذن فلا شك أن هذا الإسلام هُوَ التَّطرُّف بذاته .
تلك هي صورة مُصغرة عن سياسة الأمر الواقع الذي تَفرضه أمريكا سعياً وراء الهيمنة على العالم ، غير أن لهذه الصورة تتمة ، لا يَتَسَنَّى العثور عليها إلا من خلال التقارير الخفية التي تتسرَّب من مكاتب مجلس الأمن القومي الأمريكي ، أو مِن خِزانات الـ “سي آي إي” ، أو أقنية الديمقراطية الخفية والسارية حَصراً بين الكونغرس والبيت الأبيض .
إن هذه الجهات تَعلم أن إضفاء صِفتي الإرهاب والتَّطرُّف على كل مَا يُمكن أن يَقف في وجه المصالح الأمريكية في أي مكان من العالم ، لا سيما مَنطقة الشرق الأوسط ، لا بُدَّ أن يُثير حفيظة الناس الذين تتبدد حقوقهم في هذا السبيل . وتَعلم أن النَّتيجة الطبيعية لذلك هي أن يُطالب هؤلاء الناس بحقوقهم ، فإن لم يَجدوا آذاناً صَاغية تَلتفت إليهم بالتقدير والإنصاف ، فلا بَديل عِندئذ إلا المقاومة التي هِي شِرعة سائر المظلومين .
فهذه النتائج الطبيعية المتوقعة ، كانت ولا تزال محل دراسة واهتمام في المحافل السرية الخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ، والخُطة المرسومة لِصَدِّ هذه النتائج وإبعادها عن المصالح الأمريكية هي العمل بِكل الوَسَائل الممكنة على أن تَتَفَجَّرَ هَذه المقاومة فِيما بَين الهَائِجِين أنفسهم ، وَبِذلك يَتَنَفَّسُ الضَغطُ وَيَهدَأُ الغَليان .
إن العُنف الذِي نَراه اليَوم مُهتاجاً في حركة دَائرية عَائدة على الذات داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، مِن تَأَلُّب بعض الإسلاميين على حكامهم ، ومن ثم تَأَلُّب حُكّامهم عليهم ، وتَأَلُّب الإسلاميين بعضهم على بعض ، إنما هو في حقيقته واحدة من عمليات التنفيس لمقاومة كانت مُتَوَجِّهة في أصلها إلى سياسة الإرهاب العالمي الذي تَقوده أمريكا والصهيونية العالمية في سبيل مَصالحهما ، إلا أن الذي يَجري الآن هُوَ إِخمادهما عن طريق مَا يَتِمُّ مِن دَفعها إلى التآكل الذاتي .
أجل … فَإِنَّ هذا الذي يُسمى اليوم بالتَّطرُّف الإسلامي – والذي يَبعث رجاله على اتخاذ الإرهاب الأداة الأولى لنشر الإسلام وتحضير فاعليته – إنما هو مِن صُنع السياسة الأمريكية ذاتها ، وهو الجزء الْمُتمم والضَّامِن لِنجاح سِياسة فَرض الأمر الواقع التي تُحاول أن تَقودَ مِن خِلاله العالم ، وليست التَّصريحات التي يُدلي بها زعماء هذه السياسة – والتي يُعبِّرون من خلالها عن تَبَرُّمِهم بهذا التَّطرُّف وتخوفهم منه – إلا غِطاءً للخُطط الخفية التي يَجب ألا تَنشط إلا تحت عناوين مُنَاقضة لها .
يقول تقريرٌ لمجلس الأمن القومي الأمريكي صدر في شهر مارس من عام 1991م ، بعد أن تَحدَّث عن الإسلام وخُطورته على مصالح الغرب – أي مصالح أمريكا – ، وعن ضرورة اتخاذ السبل الكفيلة بِدَرءِ خَطره: “لإيقاف التأثير المتزايد للإسلام والمشكلة الفلسطينية يَجب إِشغال المسلمين بتناقضات ، لِيُحارب كل منهم الآخر ، وللقضاء على قوتهم ، كما يَجب خَلق عَداوات بين التيارات الإسلامية” .
ونشرت مجلة الشؤون الخارجية “foreign affairs” – لسان حال وزارة الخارجية – مَقالاً ضَافِياً في عدد تشرين الثاني لعام 1992م عن خطر الإسلام ، وبيان أفضل الطرق لتفاديه والقضاء عليه ، وأفضل الطرق لذلك – فيما انتهى إليه المقال – هو تَقطيع جُسور التضامن والتعاون بين شعوب المنطقة وحكامها ، بِحَيث يَسودها القلق والاضطراب ، وتنأى عن الهدوء والاستقرار .
إذن ، فإن هذه التناقضات – التي تَقدح زِنَادَ البَغضاء والكيد والعنف دَاخل المجتمعات العربية والإسلامية – من صُنع الخطط الأمريكية ، وليست صَيحات الحذر مِنها والاستنكار لها إلا مِن قبيل التَّغطِيَة والإيهام .
وبعد ، فإن مُصيبة الأُمَّتَين العربية والإسلامية لا تَكمن في الإرهاب الْمُقَنَّعِ الذي تَغزُو به أمريكا هذه الأمة حمايةً لمصالحها المزروعة في كل مكان من العالم ، وإنما تَتمثل في أمرين مُتَمَازِجَين هُما: ضُمور الوعي السياسي ، والتفكك الأخلاقي ، اللذان يُمسك الغَرب الأمريكي مِنهُمَا بِأغلى ورقتين يَلعب بهما .
إن في الإسلاميين اليوم مِن تَعوزهم الرؤية السياسية الثاقبة ، على الرغم من أنهم يأبون إلا أن يخوضوا غمار العمل السياسي ، ويعوزهم الإخلاص لوجه الله عز وجل ، على الرغم من أنهم باسم الإسلام يتحركون وفي سبيله يعملون ، ومن هنا يُستَدْرجون إلى التَّطرُّف والعنف في التعامل مع أبناء دينهم وجلدتهم باسم الجهاد الإسلامي المقدس ، بدلاً من أن يتوجهوا بجهادهم المقدس إلى ذلك الذي يُمعن في اغتصاب حقوقهم واستلاب ثرواتهم .
أما عن كفاح القَادة ونِضَالهم أو جِهادهم المتطاولين ، فأَحسب أنه لم يعد خافياً على ذي بصيرة أن وحدة الأمة هي الأساس الذي لا بُدَّ منه لِكُلِّ كِفاح ، وهو الشرط الذي لا بُدَّ أن تُضيع سائر الجهود من دونه سدى .
إن النِّضَال أو الجِهاد الذي تُمارسه دول أو فئات متدابرة أو متناثرة ، لن يَكون مآله – مهما كان مشروعاً – إلا إلى اضطراب وخسران ، ولن يَكتسب في تَيار الإعلام الغربي المهيمن إلا اسم التَّطرُّف والإرهاب ، على حِين يَظل الإرهاب الغَربي الذي يُلاحق ويُظلم ، مُقَنَّعاً باسم حماية الأمن والنظام العالميين .
ولكن الجهاد المشروع ذاته عندما تنهض به أمة ذات قيادة واحدة حقيقية ، وتضامن استراتيجي راسخ ، لن يَكون مآله إلا الفوز والنصر ، ولن يتماسك عليه إلا اسم الكفاح أو الجهاد ، ولن يلتصق به إلا وصف الدفاع عن الحق ، مهما حاول الآخرون أن يَصبُغوه بِسِمات ونعوتٍ أخرى ، على حين يُعرى الموقف الغربي عندئذ ، ويتجلى لكل ذي بصيرة أنه هو الذِي يُمعِنُ في صُنع الإرهاب وتصديره .
وأنا أعلم أن في الناس مَن يُذَكِّرُنِي بِصُعوبة عَودة هذه الأمة إلى حِمى وَحدتها الدابرة ، وربما يُحاول أن يُؤكد بأن هذه العودة غَدت من قبيل المستحيلات .
وأقول بحقٍّ: إن عِصابة مَن أقوى وأعتى – قطاع الطرق – بوسعها أن تُغلق فَم الطريق على مجموعة من الإخوة أو الأصدقاء الْمُتَوَادِّين والمتآلفين ، وأن تُجَرِّدهم مِن كُلِّ مَا بِحَوزتهم من الأموال ، وتُعَرِّيهم مِن كل ما يَتجملُّون أو يَتَستَّرون به من الثياب ، ولكنها لا تَستطيع مَهما حاولت ، أن تُحيل مودة ما بينهم إلى عداوة ، أو أن تَقطع ما هو مَوجود بينهم من صلة التضامن والقربى … ، إنها تستطيع أن تستلب ما هو مَوجود ومرئي أمامها على الساحة ، ولكنها لا تَستطيع أن تَصل إلى ما هو مَخبوء في طوايا القلوب .
وإذا رَأينا في الظاهر أن عَدواً فَرَّق بين أَخوين وأَحال مَودتهما إلى خصام ، فإن التفسير الوحيد لذلك أن هَذا العَدو اكتشف وُجود ما هو أغلى من تلك الْمَودَّة في قلب كل منهما أو في قلب أحدهما ،كالمال أو الزعامة أو شهوة من هذه الشهوات ، فوضع العدوّ يده من ذلك على ورقة ثمينة ، وراح بها وما يزال ، حتى استطاع أن يُبدِّد مشاعر الودِّ والقربى في قلبي الأخوين بقوة من سلطان المحبة الأقوى والكامنة في قلبيهما أو قلب أحدهما .
ويرحم الله ذاك الذي خَلَّدَ هذه الحقيقة التي لا تتبدل في المثل التالي: “وقعت قطعة فأس في بستان ، فذعرت الأشجار من هذا العدو المداهم ، ولكن شَجرة كبيرة تَقَادَمت عليها السنون طمأنتهم قائلة: لن تَستطيع هذه الحديدة أن تَنال من أيٍّ مِنكم بأذى ، إلا تَبرع غُصن منكم بأي يكون مَقبضاً لها” .
ولكن بَقي أن نُجيب عن سُؤالٍ يَقول: فإذا تناثرت الاتجاهات وتسابقت مشاعر الأثرة بدلاً من الإيثار إلى النفوس ، وتبددت القلوب بين الأهواء المتناقضة ، فما المحور الجَاذب الذي يُمكن أن يَتغلَّب على سائر المشاعر والأهواء المتناقضة ، وأن يُعيد القلوب إلى الْمَعين الواحد ، بعيداً عن السواقي المفرقة …؟.
إن الجواب مَعروف ، والحديث عنه ذو شجون ، ولكن الخَوض فيه يُقصِينَا عَمَّا نَحن بصدده ، وحَسبنا أن نُلمح إليه مِن خِلال الإصغاء إلى قول الله تعالى: واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ واذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْداء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 103] .
شركات أمريكية لتصنيع وتصدير الإرهاب( )
سوف يتسلسل حَديثي من خلال بيان النقاط التالية:
أولاً: من أين يَنبثق الإرهاب الذي يَعنِيه الغَرب ويتظاهر بالتخوف منه ، وأين يُخطط له ؟
ثانياً: مَا هِي الدَّوافع إلى ترويج الغرب للإرهاب وتصديره إلى عالمنا العربي والإسلامي ، ثم مُلاحقته على أرضنا .
ثالثاً: ما الإرهاب الذي تَعنِيه الدوائر الغربية الأمريكية ؟ وما المعنى الذي تَشمله كلمة الإرهاب في اللغة والعُرف ؟ وما مَوقف الشريعة الإسلامية ومَوازين العدالة الإنسانية منه ؟
رابعاً: جَريمة إسقاط “إرهاب البَغي” على الجِهاد الذي شرعه الله ، وذلك مِن خِلال بَيَان مَعنى الجهاد في الشريعة الإسلامية ، وعرض الدلائل العلمية على ذلك .
خامساً: الواقع التَطبيقي الذي يُبرز الوجه الإنساني والعدالة الاجتماعية ، من خلال الفتوحات وواقع المجتمعات الإسلامية .
سادساً: الحركة السياسية الإسلامية في الوطن العربي “عواملها ، ما لها ، ما عليها” .
النقطة الأولى:
بكلمة بسيطة واضحة ، وبقرار لا مجال للريبة فيه أقول: إن الإرهاب بالمعنى الذي يَتحدَّث عنه الإعلام الغربي ، إنما تَمَّ ويتم طَبخه وإنضاجه في دوائر غَربية مُعينة ، ثم إنه يُصَدَّر إلى العالم العربي أولاً ، وسائر العالم الإسلامي ثانياً للتنفيذ ، ولِيَكن واضحاً أنني حِيثما قلت “الدوائر الغربية” فإنما أَعني – على الغالب – الدوائر الأمريكية .
وقد تَزايد الاهتمام بالتخطيط له ثم طبخه ثم تصديره إلينا ، عقب سقوط الاتحاد السوفياتي ، واختيار “الدوائر الغربية” عَدوَّها الجديد الذي يَنبغي أن تُنَاصبه العداء بعد زوال الاتحاد السوفياتي ، وهو كما تعلمون الإسلام .
ما الدليل على هذا الذي أقول ؟
سأعرض طائفةً يَسيرةً من أدلَّةٍ كثيرة على ذلك:
أولاً: أعود فأقول مرة أخرى: نَشرت مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية “foreign Affairs” مقالاً ضافياً في عدد تشرين الثاني لعام 1992م ، عن خطر الإسلام وأفضل الطرق لتفاديه والقضاء عليه ، وأفضل الطرق إلى ذلك – فيما انتهى إليه المقال – تقطيع جسور التواصل والتضامن بين الدول العربية ، التي هي المصدر الأول للخطر الإسلامي ، ثم العمل على إيجاد أكبر قدر من التشاكس بين المنطقة وحكامها ، بحيث يَهتاج فيما بَينها العنف ويَسودها القلق والاضطراب .
ثانياً: يقول “برنارد لويس” في كتابه “الشرق الأوسط والغرب” [the Middle East And the West ]: “إن التغريب في المنطقة العربية أدى إلى تفكيكها وتجزيئها ، وإن هذا التفكيك السياسي واكبه تفكيك اجتماعي وثقافي ، والواقع أن إلحاق المنطقة بالغرب لم يَكن مُمكناً إلا مِن طَريق تَفكيكها وتجزيئها ، عن طريق إثارة الفتن الطائفية ، وافتعال أسباب الخصومات والعنف” .
ثم قال: “ولا شك أنَّ مَن يَسعى إلى هذا يُحزنه مَشهد السلام بين الطوائف ، ويُسعده اندلاع التقاتل بينها ، ولعل مَن يَستبعد دور الغرب في إشعال فتيل هذا التقاتل ، واحدٌ من اثنين: خَادعٌ أو مَخدوع” .
ثالثاً: أكرر وأُذكِّر بما أصدره مجلس الأمن القومي الأمريكي في نهاية عام 1991م ، من التقرير الذي يتحدَّث عن خطر الإسلام على المجتمع الغربي وضرورة القضاء عليه ، ثم وَضع عَشرة بُنود تقريباً كمشروع يَطلب تنفيذه على هذا الخطر:
البند الأول: هو إثارة التناقضات في الفكر الإسلامي .
البند الثاني: تأليب المسلمين بَعضهم على بعض بكل السبل الممكنة .
البند الثالث: تحويل العمالة العربية الإسلامية في الخَليج إلى عمالة آسيوية … إلخ .
رابعاً: كُنت قَبل سَنوات في زيارة لمقرّ جريدة “زمان” في استانبول ، ودَارَ الحديثُ مع بعض القائمين عليها حول مُشكلة العُنف الذي تَسَرَّب إلى العمل الإسلامي ، بل العلاقات الإسلامية في السنوات الأخيرة ، فأخبرني أحدهم أن فَتاةً مُحَجَّبة ومُتَنَقِّبَة أخذت تَستَثِير الفتيات الْمُتدنيات من طالبات جامعة استانبول ، وتدفعهن إلى القيام بأعمال سَلبية ضِدّ الدولة ، لمواقفها اللادينية من الحجاب الإسلامي ، ورَآهَا بعض الشباب بَين ثلة من الطالبات الجامعيات وهي تَستثيرهن باسم الإسلام ، فرابه أَمرها وصوتها ، فدنا مِنها ثم أَسرع فَانتزع نِقابها ، وإذا هِي شاب من الرجال ، وكان “مُصَوِّر” الجريدة له بالمرصاد ، ثم تَبين أن الشاب كان مَدفوعاً من جهة ما للتسرب بين الفتيات المتدينات والقيام بهذه الاستثارة ، أملاً في خَلق مُواجهة ما بين الدولة والاتجاهات الإسلامية للإيقاع بالمسلمين مِن جَانب ولِصَبغِ الإسلام بصبغة الإرهاب من جانب آخر .
أقول: وإن هذه الجهة وإن بدت أنها جهة داخلية كالاستخبارات التركية مثلاً ، إلا أن تلك الجهة بِدورها إنما تُنَفِّذُ مَهمة وكلت إليها من قبل دوائر أجنبية ، ولا رَيب أن الدوائر الغربية بِمقدار ما تُظهر الاشمئزاز والسخط مِن أعمال العُنف وما تُسميه مَظاهر الإرهاب التي تُؤججها في أقطار عَربية وإسلامية كثيرة ، تُبطن حَقيقة السعادة والرضا بذلك ، وَلِذَا فَهي تَذهب في دعم تلك المظاهر سِرّاً وبالأساليب المتنوعة إلى أقصى حُدود بالإمكان …!.
النقطة الثانية:
وهي التساؤل عن العوامل القديمة والجديدة التي تَدفع الدوائر الغَربية إلى التخطيط للإرهاب ثم لِطبخه وتهيئ أسبابه ، ثم لِتصديره إلى عالمنا العربي والإسلامي .
وأقول في الجواب عن هذا التساؤل: استقر في دِماغ الإدارة الأمريكية – منذ غياب الاتحاد السوفياتي عدوّها التقليدي – أنها بحاجة – أي السياسة الأمريكية – إلى عدّو بَديل ، إذ وُجِدَ على مَسرح السياسة العالمية مَن أقنع ذلك الدماغ بأن المصالح الأمريكية لا تَزدهر ولا تتنامى شبكتها في العالم إلا مِن خلال اصطفاء عَدوٍّ تُمارس مِن خِلالِ مُعَادَاته سُبل طُموحاتها .
شَركاتُها العِملاقة وفي مقدمتها تِلك التي تُنتِجُ الأَسلحة المتطورة ، وتَصطَنِعُ الوسائل الرهيبة لتسويقها واستهلاكها ، لا بُدَّ مِن سَبيلٍ لهيمنتها على الأسواق العالمية ، وخير سَبيل وأقصره إلى ذلك – فيما يَراه دِماغُ السياسة الأمريكية – فتح أنفاق الحروب ، واتخاذها شرايين تَسري مِن خلالها دماء المصالح الأمريكية .
وكان لا بُدَّ أن يَقع الاختيار على الإسلام بديلاً عن العدو التقليدي الذي انقضى عهده ، ولكن لماذا وقع الاختيار على الإسلام دون غيره ؟
وقع الاختيار عليه لعاملين اثنين:
أولهما: تَزايد انتشار الإسلام في المجتمعات الغربية بشكل ذاتي ، وتقبل العقلية الغربية مبادئ الإسلام ومعتقداته ، وتأثرها بالكثير من أخلاقياته ، وهو الأمر الذي نَبَّهَ القيادات الغربية إلى خطر الإسلام على الحضارة الغربية .
ثانيهما: تقارير كَثيرة تَقَدَّم بها مُراقبون غَربيون إلى دَوَائِر غَربية مُتخصصة ، تتحدَّث عن احتمال ظهور يَقظة إسلامية حقيقية ، تَدفع المسلمين إلى تجاوز علاقاتهم التقليدية بالإسلام ، وتنهض بهم إلى تطبيقه قيماً وشرعة ونظاماً ، لَعلَّ مِن أهمها وأخطرها ما سبق ذكره ، وهو التقرير الذي رفعه “وليم كليفورد” أستاذ علم الإجرام ومدير معهد علوم الإجرام في استراليا ، الذي أوفدته هيئة الأمم المتحدة إلى سلسلة مؤتمرات عقدتها المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضدّ الجريمة ، والتابعة للجامعة العربية في أواخر السبعينات من القرن الفائت ، أوفدته مراقباً وممثلاً لها .
وكان أن تَطارح المؤتمرون آنذاك فِكرة العَودة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لمعالجة الجريمة والتضييق من أخطارها ، فأثار ذلك الطرح العَرضي العَابر ما يُشبه الذُّعر في نفس ذلك المراقب ، ورفع إلى هيئة الأمم المتحدة – وإلى كثير من الدوائر الغربية المتخصصِّة – تقريراً مُطولاً يَبلغ مَا يُقارب ثلاثين صفحة ، يقرع فيها أجراس الخطر على مسامع المسؤولين الغربيين ، وقد شاء الله تعالى أن يَتسرَّب إليَّ هذا التقرير ، الذي كَتبت عنه دراسة وافية في كتابي “على طريق العودة إلى الإسلام” .
يتلخص التقرير في النقاط التالية:
إنه يُحَذِّر أولاً مِن ظُهور حَركة انبعاث إسلامية قوية ، تغذيها “دولة مضادة للاستعمار” على حدِّ تعبيره ، ويُحَمِّل الغَرب مسؤولية النتائج التي قد تَنجم عن ذلك الانبعاث الإسلامي الذي بَات يُنذر بتجاوز الحدود التقليدية للممارسات الإسلامية إلى السعي الحثيث إلى “استعادة تحقيق الذات” ، ومن ثم إلى “استعادة طاقة الحياة الاجتماعية الإسلامية الكامنة ، والكفيلة أيضاً بضمان نجاحها السياسي” ، على حدِّ تعبيره .
ثم إنه يَربط مَخاوفه الشديدة ممّا يُسميه الانبعاث الإسلامي ، بالقوة المادية الأولى التي يَتمتع بها الشرق العربي ، ألا وهي النفط ، فيُكرِّر أكثر من مَرَّة أن “حَركة انبعاث إسلامية جادة تدعمها الطاقة المادية التي يَتمتَّع بها أصحاب ينابيع النفط ، كفيلة بِقَلب الموازين الحضارية كلها ، والقضاء على ما تَبقَّى للغرب من هيبة ونفوذ” ، على حدِّ تعبيره .
وفي الختام يَنصح التقرير الغرب بالعمل بكل الوسائل الممكنة على أن يَضع يَده على ينابيع النفط هذه ، وأن يَحول دون ما يسميه “انبعاثاً إسلامياً جادّاً” يُمكن أن يَتحقَّق في أي حين .
فهذان العاملان هُما السبب في اختيار الغَرب الأمريكي الإسلام دُون غيره عَدواً جَديداً يُمارس من خلال بَطشه ومعاداته له تمرير مَصالحه المختلفة وطموحاته التي لا حدّ لها .
أما العامل الجديد الذي لا يَزيد عُمُره على عامين ، فَيتمثَّل في الهياج الخفي الذي يَسري في كيان الصهيونية العالمية ، مِن جَرَّاء المشروع الذي وَصلته أنباؤه ، وهو سَعْيُ الدول الأوروبية والآسيوية إلى بناء ما يُسمونه الجسر الأوروبي الآسيوي بينهما ، فمن المعلوم أن آسيا تلعب دوراً رئيسياً لإنجاز هذا المشروع ، وهو تأسيس نظام اقتصادي “أورو – آسيوي” ، يَحلّ محل الانهيار المالي الذي يُهدد العالم وفي مقدمته أمريكا .
يقول “لندون لاروش” أحد الذين تَرشحوا للرئاسة الأمريكية في محاضرة له ألقيت عبر الانترنت يوم 24/6/2001م”: إن القوى الإسرائيلية في الخارج والتي يُمثلها بشكل نموذجي “زبيغينو بريجنسكي” سَتحضِّر لحربٍ في الشرق الأوسط لمنع الدول الأوروبية والآسيوية من بناء هذا الجسر البري بينهما ، والذي مِن شَأنه أن يُزيح هَيمنة الصهيونية العالمية على الاقتصاد العالمي والنظام النقدي ، ويَنبغي أن تُطلق حَرباً دِينية ثم تَستَجِرُّ إليها أوروبا ، وبذلك يتلاشى هذا المشروع في ضرام تلك الحرب المستعرة .
فما هو دور الإدارة الأمريكية برئاسة “بوش” تجاه هذا الموقع ؟
دورها تنفيذ ما تُوحي به الدوائر الصهيونية لتأزيم الأمور وإشعال فتيل الحرب ، والشرارة – التي لا بُدَّ منها لذلك – إنما هِي إلباس الشرق الأوسط – على حين غرَّة ودون سابق توقع – كسوة الإرهاب ، وإنما يتأَتَّى ذلك عن طريق ربطه بالإسلام الذي يُعدّ الشرق الأوسط المعين الأول له .
إن هذا الذي تُخطِّط له الدوائر الصهيونية – كما قد خَططت مِن قبل للحرب العالمية الأولى بمعونة بريطانيا التي كانت هي الظاهرة على مسرح الأحداث – لم يَعُد خَفياً ولا مَجهولاً في المجتمعات الأمريكية ذَات الثقافة المتميزة ، والسؤال الذي يَتطارحه الجميع هناك: إلى أي مدى سيندفع الرئيس الأمريكي في هذه المغامرة الرهيبة ؟
إذن هذا هو العامل الثاني – وهو عامل جديد – لاصطفاء الإسلام عدوّاً جديداً لأمريكا بعد رحيل الاتحاد السوفياتي .
والآن: ما الإرهاب الذي تَعنيه أمريكا من خلال تهديداتها التي فاجأت بها العالم في هذه السنوات الأخيرة على غير توقع ؟
إن الإرهاب الذي تَعنيه أمريكا هو كل جُهد أو مَشروع أو فِكر يتعارض مع مصالحها أو مع ما تحسبه أنه من مصالحها الذاتية ، دُون أي نَظَرٍ إِلى ما قَد تَتطلبه حُقوق الآخرين ، ونظراً إلى أن الخطة “الأورو – آسيوية” تُنَاقض مصالحها ، فينبغي دعم الدوائر الصهيونية في السعي إلى إشعال حرب في الشرق الأوسط تتكفل بالقضاء على تلك الخطة ، ونظراً إلى أن الوقود الوحيد لإشعال هذه الحرب هو لصق أكذوبة الإرهاب بالإسلام الذي إليه يَنتمي سُكان هذه المنطقة ، إذن فيجب قرع طُبول الحرب على أساسها ومن مَنطلق الاتهام بها .
ولكن فلنتساءل: ما شأن الإسلام والإرهاب ، وما علاقة كل منهما بالآخر ؟
وقبل أن أجيب عن هذا السؤال ، لا بدَّ أن أَذَكِّر بما هو بدهي ، من أن الإسلام ليس مُكلفاً بالخضوع للمصطلح الأمريكي لكلمة الإرهاب ، ومِن ثم فإن الإسلام ليس مِن شأنه أن يكون الحارس الأمين لمصالح أمريكا في العالم .
إن كلمة الإرهاب التي هي مَصدر لــ “أَرْهَبَ ، يُرْهِبُ” ، سلاحٌ ذو حدين ، كما هو معلوم للدنيا كلها ، فهو بالنسبة لأحد حَدَّيه وسيلة تربوية لا بُدَّ منها ، وسُورٌ لا غِنى عَنه لحماية العدالة في المجتمع ، لولا شيء من الإرهاب لما صَلح أمر تربية الأولاد في المنزل ، ولما سلمت تربية التلاميذ في المدرسة ، ولما استقر حكم القضاء في المجتمع ، ولما تَحصنت الحقوق عن أيدي المعتدين والغاصبين .
فأما إن تجاوز المجتمع أو الأفراد هذا الحدّ المشروع للإرهاب – بأن أصبح يُستعمل لسلب الحقوق ، أو خنق الحريات ، أو الإساءة إلى الكرامة الإنسانية – فذلكم هو البغي في المصطلح الإسلامي ، والباغي يَجب أن يُقطع دابره ، وخطاب الله في هذا صريح لعباده ، إذ يقول: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرَى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ [الحجرات: 9] .
تلك هي عَلاقة الإرهاب بالإسلام أو الإسلام بالإرهاب ، وإنه قَرار إنساني عادل تُجمع عليه أعراف وقوانين وشرائع الأمم والدول المتمدنة والمتحضرة كلها .
وعندما تُفسر الإدارة الأمريكية الإرهاب – الذي فَاجأت الدنيا بالتهديد والتوعد لكل من يمارسه – بالبغي الذي لا يَغيب معناه عن أحد ، فإن العالم الإسلامي كله ، شعوباً وحكومات ، معها في الوقوف في وجه البغي والقضاء عليه .
ولكن مَاذا عن أولئك الذين يَشُدُّون الغَرب إلى الشرق فَيَنعِتُون الجهاد القتالي الذي شرعه الله عز وجل لحماية الحقوق وردع العدوان ، بالإرهاب ؟
إن الجهاد في الشريعة الإسلامية – في كلمة جامعة – ليس أكثر من العين الساهرة التي تحرس حقوق الأمة ، وآية ذلك أن المسلمين عاشوا في مكة مع رسول الله  ثلاثة عشر عاماً يَتعرضون لأصناف من الاستهانة والإيذاء ، دون أن يُؤذن لهم بالجهاد ، إذ لم تَكن لهم فيها حقوق يُقاتلون دونها ، فلما هاجروا مع رسول الله  إلى المدينة ، وتحقق للمسلمين فيها أرض ووطن ، وقامت لهم عليها دولة ، وظهر لهم في ظلها نظام سلطوي ، كان لا بُدَّ لهم في سبيل لحماية حقوقهم هذه من أي عدو مُتربص هنالك ، ومن أجل هذه الحاجة شرع الله الجهاد .
أما في مكة فلم يكن للمسلمين فيها وراء العقيدة التي يدعون إليها ويحاورون في سبيلها أي حق ثابت ينهضون لحراسته ويقاتلون في سبيله إن اقتضى الأمر ، ومن ثم لم يكن للجهاد القتالي أي موجب ، بل لقد علمنا أن النبي  ما كان يَستقبل عُدوان المشركين له إلا بمزيد من الشفقة عليهم والرحمة لهم … ! فما حَرَّك لِسانه بكلام قَاس لهم أو بِدُعاء عليهم ، حتى في أحلك الساعات وأقسى الظروف التي مرت به وبالمسلمين في تلك السنوات الطوال التي أمضوها في مكة .
إذن فالجهاد لم يُشرع لإرغام الناس على الإسلام – كما يَحلو لبعض المفتئتين من مُحترفي الغزو الفكري أن يقولوا – ومتى كان الإسلام الذي يُساق الإنسان إليه كُرهاً إسلاماً مَقبولاً عند الله ؟ إذن لاستوى المنافق والمؤمن في ميزان الله عز وجل ، وأنى يكون ذلك ؟
لقد شهد تاريخ الفتوحات الإسلامية التي كانت بقيادة رسول الله  ، ثم التي كانت بقيادة الخلفاء من بعده ، أنه ما مِن غَزوة عُقِد لِواؤها إلا وكانت رداً على عدوان واقع أو مُتوقع ، أي عُدوان خَفي يُخطط له ، ولقد دخل رسول الله  مكة فاتحاً فلم يُرغم مشركاً على الإسلام ، ولم يستقبل من المبايعين له إلا من سَاقته إليه قدماه طوعاً ، وحسبكم في بيان هذه الحقيقة التي تعتز بها الإنسانية أيما اعتزاز ، هذا البيان الإلهي القائل: وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُون [التوبة: 6] .
فليس على رئيس الدولة الإسلامية أن يَستقبل الكافرين أياً كانوا وأن يرحب بهم فقط في دار الإسلام ، بل عليه أيضاً أن يُحقق لكل منهم مَظلةَ أمنٍ تَحميه من كل سوء خلال وجوده فيها ، كما أنّ عليه أن يَتَكَفَّل بإعادته – كافراً إن شاء أو مسلماً – إلى مأمنه الذي وفد إليه منه !.
وما من بُقعة سَعدت بالفتح الإسلامي إلا وكانت صُورة رائعة لتعايش سعيد ما بين المسلمين وغيرهم أياً كانوا ، تَشهد على ذلك مصر والعراق وبلاد الشام وغيرها ، ولم يَكن ذلك التعايش نَتيجة لسياسة ارتآها القادة والحكام ، ولكنه كان ولا يَزال حكماً نافذاً مِن أحكام الشريعة الإسلامية في كل زمان ومكان .
ولما تَوجهت الجيوش الصليبية غُزاةً إلى بلاد الشام ، أرسل قادة تلك الجيوش سِراً رَسائل إلى النصارى الموجودين بين ظهراني المسلمين – وكانوا لا يَقِلُّون عن الثلث – يَسألونهم عن قرارهم الذي اتخذوه ، أهو الوقوف إلى جانب بَني قَومهم المسلمين ، أم الوقوف إلى جانب بني دينهم الوافدين ؟ فكان جَوابهم: بل نتخذ مواقفنا إلى جانب بني قومنا . وشهد التاريخ كيف وقف المسلمون والنصارى يوم ذاك في خندق واحد لردّ غائلة الصليبين !.
ولقد أحصى المؤرخون عدد الذين قُتلوا – مِن مُسلمين وغيرهم – في الغزوات التي قامت بين الفريقين من السنة الثانية إلى التاسعة للهجرة ، فكان عددهم (1018) شخصاً ، ثم إن المؤرخين اليوم أحصوا عدد القتلى في الحرب العالمية الأولى التي أوقد نيرانها كُلُّ مِن بَريطانيا والصهيونية العالمية ، من عام 1914م إلى عام 1918م ، فكان عددهم بـ (8,538,315) قتيلاً ، و (21) مليون جريحاً ، و (7) مليون أسيراً ومفقوداً .
ألا ؛ فلتضحك الدنيا اليوم ضحكَ ذهول قاتل من هذا الذي تراه العين ولا يُصَدِّقه العقل: وحوشٌ تتقوقع تَحت سيما “ملائكة الحب والسلام” ، وقيم ربانية تَنزلت رَحمة للأسرة الإنسانية جمعاء ، تُنعت من قبل تلك الوحوش بالإرهاب !.
إذن هذا هو الجهاد في شرع الله وحكمه ، معناه وضابطه اليوم هو معناه وضابطه بالأمس: حراسة لحقوق الأمة أن لا يَسطو عليها باغ ، ولا يطمع في النيل منها طامع ، وحراسة الحقوق أياً كان سبيلها الذي لا بُدَّ منه أمرٌ مقدَّس ، لا لأنها حرب تَشفي الغليل ، ولكن لأنها خدمةٌ إنسانيةٌ للأسرة الإنسانية جمعاء ، ومن ثم فقد كان الحارس لحقوقها شهيداً إن أُريق دمه على هذا الطريق ، بشهادةٍ من رسول الله  القائل: (مَنْ قُتِلَ دونَ مالِهِ فَهوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دونَ أَهْلِهِ ، أَوْ دونَ دَمِهِ ، أَوْ دونَ دِينِهِ فَهوَ شَهِيد)( ) .
ومن أسمج ما يَشمئز منه المنطق أن يَكون وقوف الدوائر الغربية في وجه الدنيا كلها من أجل مصالحها المشروعة وغير المشروعة عَملاً مُؤيداً ومبرراً ، ثم لا يَكون دِفَاع المستضعفين عن حقوقهم المسلوبة مُؤيداً ولا مبروراً !.
وبعد ؛ أفتظنون أن هذه الحقيقة – التي فَرغنا من بيانها مُعززةً بأضعاف الأدلة والوثائق التي ذكرتها – يمكن أن تُثني الإدارة الأمريكية الحالية عن خطتها الرامية إلى إلهاب الشرق الأوسط بنيران حرب دينية تُستَجَرُّ إليها أوروبا ؟ إن من السذاجة أن نظن أن ذلك ، سيُحكَم إلصاق أكذوبة “الإرهاب” بنا نحن المسلمين شاءت أم لم تشأ الحقيقة ذلك ، لأنها الوقود الذي لا بُدَّ مِنه لإشعال نيران الفتنة ثم الحرب .
إحدى وسيلتين لا ثالثة لهما ، هي التي يُمكن أن تنتصر للحق ، وتحمي العالم من كارثةٍ تُوشك أن تَقع فتقضي حتى على المسخرين لتنفيذها في البيت الأبيض:
إحداهما: يَقظة الاتحاد الأوروبي إلى هذه الخطة المرسومة بصورة أتم وبفاعلية أقوى وأكثر جدية لمقاومتها ، ولكن ما يَنبغي نحن العرب والمسلمين أن نَركن إلى الأمل بهذه الوسيلة .
الثانية: أن تَنهض الدول العربية من كَبوتها ، وتُوَدِّع إلى غير رجعة خلافاتِـها الطافِيةَ على السطح ، والمتوضعة الخفية في العمق ، فتتحد أو تتضامن تضامناً حقيقياً ، تستعيد من خلاله ذاتيتها ، بحيث يُصبح قراراها – ولا سيما في هذا الأمر – قراراً واحداً يُرضي الله ويُعزُّ الأمة ، ويُخيب آمال القوى التي تُراهن على استبقاء خصوماتها واستزادة شِقاقها ، وعلى تحويل قادتها إلى صغار يتهارجون ويتنابذون في الخفاء ، ويتعانقون ويتجاملون على مسارح اللقاء ، وأمام عدسات التصوير وتحت الأضواء .
بقي أن نقول: إن شيئاً واحداً يُعكر صفو الحقيقة التي أكدتها بمزيد من الأدلة القاطعة والوثائق الناطقة في حديثي هذا ، إنه التَّطرُّف الذي يَبدو في تصرفات بعض من يَعُدُّون أنفسهم جماعات إسلامية ، كالذي جَرى في الجزائر ، والذي يَجري أحياناً في مصر ، والذي سمعنا نماذج عنه في اليمن ، وبتعبير آخر: إنه النَّهج الْمُتطرِّف الذي نَراه فيما يُسمى اليوم بالإسلام السياسي .
فما موجب هذا التَّطرُّف من هؤلاء الناس بعد الذي تَبيَّن لنا جميعاً من أن الإسلام لا يُقِرُّ شيئاً من هذا الغلو ، ويَبرأ من قَبوله سُلوكاً فَضلاً عن تسميته جهاداً ؟
أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال مَاثِلٌ فِي أَذهاننا جميعاً ، بَعد الذي ذَكرتُهُ لَكم عن الأدلة والوثائق الناطقة بأن هذا النوع من التَّطرُّف أو الإرهاب يُطبخ ويُحضّر في الدوائر الغربية ، ثم يُصَدَّر إلينا للتنفيذ . من منا يَجهل أن في بريطانيا – بل في لندن بالذات – نُخبة مُتميزة من قادة التَّطرُّف والإرهاب ، يُديرون عملياتهم الإرهابية باسم الإسلام من هناك ، ويُوحُون إلى جنودهم وصنائعهم في البلاد العربية التي تَطولها مَساعيهم كيفية تنفيذها ، وبريطانيا تَعلم ذلك وتقدم لأولئك الأشخاص كلَّ عَوْنٍ وتَحميهم من كل سوء .
غير أَنَّا لكي نَكون دقيقين في بيان الأمور وتحليلها ، يجب أن نَتذكر ما هو مُقَرَّرٌ وثَابتٌ مِن أن الدوائر الغربية لا تملك لتنفيذها خُططها وأهدافها – التي تحدثنا عنها – أن تُوجِد فينا مَعدوماً ، وإنما هي تَبحث دائماً عما هو مَوجود مما يُناسب أهدافها ، فتُسَخِّرُه وتُوجِّهه لمصالحها .
إذن فنشأة الجماعات الإسلامية الساعية إلى إقامة المجتمع الإنساني السليم أو الدولة الإسلامية الرشيدة ، حقيقة قائمة بدافع ذاتي وبشعور داخلي في الأصل ، ولا ريب أن لها عواملها الداخلية التي لا نَستبعد أن تكون عوامل غَيرة على الإسلام ومصيره .
وتتلخص هذه العوامل التي يَنبغي أن تَستأثر باهتمام قادة البلاد العربية والإسلامية فيما يلي:

لمتابعة القراءة يرجى تحميل الملف المرفق

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>