2- مفهوم الثورة في الإسلام = الجزء الثاني

من فقه الأزمة (4)

مفهوم الثورة
في الإسلام

المقدمة
إن من الواجبات الكفائية التي خاطب الله عز وجل بها عباده في محكم تبيانه وجود فئات من الصالحين، الذين طهرت قلوبهم من السخائم، وهيمنت الرحمة عليها بعبادة الله سبحانه وتعالى، يمارسون وظيفة التعريف بالخير والدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ألم تقرؤوا قوله سبحانه: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون [آل عمران: 104].
ولكن الآفة التي ابتُلِيَتِ بها أمتنا الإسلامية في هذا العصر أن في هذه الفئات التي تنهض اليوم بواجب التعريف بالخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فئاتٍ لا تعلم الحق إلا ذاك الذي هدته إليه عصبيتها، أو طالعه عليه مزاجها، أو اقتضاه تحزُّبها، أو دَعَتْه إليه مصالحها، ذلكم هو الحق فيما يعرِّفون الناس به، وفيما يَدْعون إليه، فإن تنكَّبَ مُتنكِّبٌ عن هذا الذي يَدْعونَ هُم إليه اتُّهِم ذلك المتنكب بالفسوق أو الابتداع، وربما اتُّهِم بالكفر، وربما أُهْدِر دمه.
وميزان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو الثوابت المستقرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهدي رسوله الكريم محمد .
وأقول لهؤلاء الإخوة: إن علماء الشريعة الإسلامية عندما وصفوا الناس الذين ينبغي أن ينهضوا بهذا الواجب، وصفوهم بصفات في مقدمتها:
– الرحمة بعباد الله، وأن يكونوا ربانيين.
– أن تكون قلوبهم أوعية لمحبة الله، ولتعظيم حرمات الله.
– أن تكون لهم ساعات عهد ولقاء مع الله في الأسحار.
تلك هي أهم صفات الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، فلماذا ننظر فنجد أنَّ في الدعاة من يتَّصِف بنقائض هذه الصفات؟
ننظر إلى كتاب الله فنجده يبشِّر عباد الله سبحانه وتعالى بالمغفرة، وننظر إلى أحاديث رسول الله ، وإذا هي الأخرى تبشر بالمغفرة، يقول الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم [الزمر: 53].
ويروي الشيخان من حديث أنس بن مالك  أن رسول الله  قال: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار) .
وعن معاذ بن جبل ، أن رسول الله  قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وفي رواية: (وجبت له الجنة) .
وعن أبي عمرة الأنصاري  أن رسول الله  قال: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله، لا يلقى الله عبدٌ يؤمن بهما إلا حجب عنه النار يوم القيامة) .
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري  قال: سمعت رسول الله  قبل موته بثلاثة أيام يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل) .
وعن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: (إذا قال الرجلُ: “هلكَ الناسُ” فهو أهلكهم) .
إذن يا هذا، أموقن أنت أن هؤلاء الذين تتَّهمهم بما شِئْت من الفسوق والابتداع بل الكفر، أموقن أن الواحد منهم لن يصبح في الغد القريب خيراً مني ومنك؟.
أموقن أنك -وأنت تعتَدُّ بنفسك- أنني وإياك عندما نمتد على فراش الموت، ونعالج بُرَحاءَه لن تنسينا برحاء الموت شهادة “أن لا إله إلا الله”؟.
أموقن أنت بهذا حتى تُصنِّف نفسك، وحتى أُصنِّف نفسي معك في الناجين من عباد الله وحتى نُصنِّف التائهين مع الكفرة، أو مع الفاسقين، أو مع الفجرة؟
من كان فُضيل بن عياض يا أخي؟ ألم يكن قاطع طريق؟ ألم يكن مرتكباً للفواحش؟ إلام آل أمره بعد ذلك؟ ألم يكن واحداً من كبار الربانيين، من كبار عباد الله الصالحين؟
من كان بشر الحافي؟ ألم يكن مسرفاً على نفسه؟ ألم تكن الدنيا قد أسكرته بأهوائها وشهواتها؟ ثم إنه آل إلى الإنسان الذي ضُرِبَ به المثل في التقوى، وفي البعد لا أقول عن المحرمات، بل عن الشبهات وبالورع العجيب؟
من كان عبد الله بن المبارك وإلام آل أمره؟
أموقن أنت يا أخي، أنني وإياك إذا حانت سكرة الموت سنبقى على هذه الحالة، على هذه الاستقامة؟ إذاً فأنت تأمن مكر الله، والله يقول: فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون [الأعراف: 99].
ربنا سبحانه وتعالى فتح باب رحمته لعباده جميعاً، وجلبهم إليه بهذه الرحمة، ورسولنا الحبيب  يقول: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا) .
– أننفر بدلاً من أن نبشر؟
– أنعسر ولا نيسر؟!
والعلاج الذي يجعل الإنسان قائماً بواجب التعريف بالخير والأمر به، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون أن يقع في هذا الحضيض: أن نزكي قلوبنا، ونبذل كل ما نملك من جهد لغرس محبة الله بين جوانحنا، محبة الله عز وجل إذا غرست في أفئدتنا طردت حظوظ النفس، طردت الشهوات والأهواء، طردت الأنانية الشخصية والأنانية الحزبية، طردت ذلك كله وتحول القلب إلى وعاء نقي صافٍ من الأدران، ينبض بحبٍ واحدٍ لا ثاني له؛ ألا وهو الله.

مشكلة الانشغال بأحلام المجتمع الإسلامي عن الدعوة
شاء الله عزَّ وجلَّ -بواسع رحمته ودقيق حكمته- أن يختار من عباده ثلَّة يجعل منهم المثل الذي يُحتذى، والنموذج الذي يُقتدى به في الانقياد لأوامر الله وتطبيق تعاليمه وأحكامه، وكأنه عز وجل قضى -بباهر حكمته- أن يجعل من حياتهم وواقع سلوكهم في الجملة، وسيلةَ إيضاح لمن بعدهم، يهتدون بهديهم كلما غُمَّ عليهم الأمر والتبست عليهم الحقائق بأشباهها. وقد تمثَّلت هذه الثُّلةُ المختارة في صحابة رسول الله  رضوان الله عليهم.
وليس في اختيار الله لهم ما يثير دهشةً أو يبعثُ على تساؤل، فهم الرعيل الأول الذين تبلغوا عن الله وعن رسول الله  بعد فترة من الرسل، وهم الذين رأوا رسول الله  وأخذوا منه وتعلموا على يديه، وهم الذين سرى نور النبوة إلى أبصارهم، التي اكتحلت بمرأى رسول الله ، ثم سرى منها إلى قلوبهم التي فاضت بمحبة رسول الله . فحُقَّ أن يكونوا على خُطى رسول الله ، ثم أن يكونوا من بعده الهداة الذين يُقتدى بهم، والنموذج الأسمى لكيفية السير على صراط الله عزَّ وجلَّ.
وقد نظرنا ثم تأملنا طويلاً في موقف هؤلاء الصحابة، الذين جعلهم الله -بعد رسوله - قدوة لنا في كلٍّ من الواجبات التي كلَّفهم الله بها وأنهضهم إليها، والحقوق التي بشَّرهم بها وتكفَّل لهم بإنجازها، فرأينا أنهم توجهوا بكل مشاعرهم وقدراتهم إلى الواجبات التي حمَّلهم الله إياها، وسَعَوا في ثباتٍ واستمرار إلى النهوض بها، دون أن تطوف بأذهانهم أحلام تلك الحقوق التي وعدهم بها، ودون أن يدَّخروا شيئاً من جهودهم للبحث عن تلك الحقوق، بل دون أن يربطوا بين تلك الواجبات وهذه الحقوق بشيء من رابطة العلة والمعلول، أو الثمن والسلعة. بل تأملنا فلم نجد إلا دافعاً خفياً واحداً ينهضهم إلى القيام بالوظائف التي ألزمهم الله بها، ألا وهو دافع العبودية والمملوكية لإلههم المالك.
ما إن يبايع الواحد منهم رسول الله  مؤمناً بالله رباً وبمحمد رسولاً حتى يعود إلى نفسه فيُلْزِمُها بإتباع أوامر الله والانتهاء عن نواهيه، مجاهداً نفسه ضد أهوائها، مطهِّراً ذاته من بقايا الجاهلية، ثم يُقْبِل إلى من يعيل، ثم إلى سائر من حوله من عباد الله عزَّ وجلّ، يُعرِّفهم على الله، ويُبلِّغهم أوامره وأحكامه، مُخترقاً إلى ذلك المخاطر كلَّها، مضحياً بحقوق نفسه إِنْ أُهينَت، مُتجمِّلاً بمشاعر الحب لعباد الله والشفقة عليهم جميعاً، وقدوتهم في ذلك كله سيدهم وحبيبهم رسول الله .
ولم يكن من شأن أيٍّ منهم أن يعود في المساء إلى داره ليسأل نفسه: متى وكيف تكون الحاكمية في الأرض عن الله لنا؟. كما لم يكن من شأن أيٍّ منهم أن يتقلَّب ذات ليلة في أحلام هذا النعيم الذي وعدهم الله به: كيف يكون مذاقُه، أو إلى أي مدى يَمتدُّ ظلُّه؟ بل كانوا يقطعون الليل بعد أخذ حظِّهم من الراحة والرقاد، بنجوى الخائف من تقصيره الطامع في تجاوز الله وعفوه. وربما اتَّهم أحدُهم نفسَه لتقصيرٍ تخيَّل أَنَّه قد أَلَمَّ به، بلون من النفاق قد ابتُلى به، فيتقلَّب من ذلك في همٍّ يكاد يُذيبه، ثم لا يسكن روعه حتى يشكو أمره إلى رسول الله ، فيذكِّرُه بعظيم رحمة الله وكرمه، ويبشِّرُه بأن إحسان الله لعباده يأتي على قدر ضعفهم وعجزهم، إن هم عظَّموا حرمات الله، واستشعرت قلوبُهم مهابته.
تحت سلطان هذه الدوافع والمشاعر، أَدوا واجباتهم هذه، وصمدوا لكل ألوان الأذية في مكة… وتحت سلطان هذه الدوافع والمشاعر ذاتها، هاجروا في سبيل الله إلى المدينة، وقد نفضوا أيديهم عن كل زاد إلا زاد التقوى والعمل الصالح. وهم خلال ذلك كله يُعرِّفون الناس على الله ويبلِّغونَهم كلمات الله، ويُقدِّمون نفوسهم وحظوظها قرابين رخيصة على طريق تطبيق أوامر الله.
هل كان أي منهم يخلط بين قيامه بواجباته هذه، والتخطيط لكيفية القضاء على الامبراطورية الساسانية أو الرومانية؟.
هل كان فيهم من يُفكِّر بكيفية الانتقام من قريش التي أخرجتهم من ديارهم، أو يفكِّر بالغد القريب الذي يصبحون فيه الحكام المهيمنين عليهم والمتنفذين فيهم؟
معاذ الله … لم يكن هذا شأن أحدٍ منهم، بل كانوا قد وضعوا همهم كله في أن يوفَّقوا إلى أداء حقوق العبودية التي في أعناقهم لله عزَّ وجلَّ، أو يرحلوا إليه وهو راضٍ عنهم غفَّار لهم. فلمَّا صَدَقوا فيما ألزموا أنفسهم به من حق الله عز وجل، وفَّاهم الله حقهم الذي تكفَّل لهم به، فأعادهم إلى الأرض التي أُخرجوا منها، وأورثهم أرضاً ودياراً أخرى لم يعرفوها ولم يحلموا بها، وجعل منهم قادة العالم ووُرَّاث الحضارة، فكانوا بحق سدى ولحمة المجتمع الإسلامي.
هل كان سعيهم وجهادهم قبل ذلك تخطيطاً لبلوغ حكم، أو إمعاناً في قهر حاكم، أو مناورة لإنشاء حلف؟ لم يكن هذا شأنهم قط، بل لم يخطر لهم شيءٌ من هذا على بال.
بل مما لا شك فيه أنهم لو ولّوا وجوههم شطر شيءٍ من هذه المشاغل أو صرفوا أفكارهم إليها، لما حقَّق الله لهم شيئاً مما قد أكرمهم به، ولما جعل منهم أئمة الارض وورّاث الحكم وقادة العالم، بل لَوَكَلَهم عندئذٍ إلى أفكارهم الْمُخطِّطة وأحلامهم المهتاجة، ولما جاءت قدراتهم من ذلك كله بشيء.
فذلك ما نقرؤه واضحاً في كتاب الله: واجبات كُلِّفْنا بها وأناطها بأعناقنا، وحقوق تكفَّل بها لنا إن نحن أخلصنا القيام بتلك الواجبات.
وهذا ما فعله أصحاب رسول الله ، وفعله الله لهم: عاهدوا أن ينفذوا أوامره، وأن يمارسوا عبوديتهم له بإخلاص وصدق، وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه … وعندئذٍ وفَّى الله وعده لهم فورَّثهم الأرض والديار، وألقى أزمَّة الحكم في أيديهم، وبثَّ الهيبة منهم في قلوب الناس.
وقد علمنا أن الله عزَّ وجلَّ جعل من أصحاب رسول الله  النموذج الذي يُتبع في صحة التوجه والسلوك، فهم الذين يصدق عليهم قول الله عزَّ وجلَّ: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه [الأنعام: 90].
وإذا كان الأمر كذلك، فليس لنا عن الاقتداء بهم أي محيص، إلا إِنْ أردنا أن نسلك سُبُل الغواية بدل الرشاد، أو أن نغامر في اتباع ما لا يجدي أو غرس ما لا يثمر. ونسأل أن يسلّمنا ويقينا من الوقوع في هذا التيه.
ونحن اليوم نُعْلِن عن صدق إيماننا بالله واستسلامنا لألوهيته وحكمه، تماماً كما أعلن أصحاب رسول الله .
ويظهر اليوم في الساحة الإسلامية من يُسمَّوْن بالإسلاميين أو الجماعات الإسلامية، يضعون أنفسهم من عامة الناس موضع الصحابة  ممن بعدهم، فهم النموذج الذي ينبغي أن يُقْتدى به اليوم بعدهم، إذ هم طليعة رجال الدعوة إلى الله، والقائمون بأمر الله والمجاهدون في سبيله، والمنافحون عن حرماته.
والحق أن على عامة المسلمين في هذه الحال، أن يقتدوا بهم وينهجوا نهجهم، إذ هم الوارث للخصائص التي تميز بها الصحابة  عمن سواهم.
ولكن … أفيسلك هؤلاء “الإسلاميون” فعلاً مسلك رسول الله ، ومن ثم مسلك أصحابه ؟ أفيحصرون أنفسهم فعلاً في نطاق الواجبات التي كلَّفهم الله بها في حقِّ أنفسهم والناس الذين من حولهم، ويفوضون ما التزم لهم به الله إلى الله.
إننا ننظر فنجد -ويا للأسف- عكس ذلك تماماً.
لقد نامت في نفوسهم مشاعر الواجبات الذاتية، التي أذاب أصحاب رسول الله  أنفسهم في ضرام السعي إليها والنهوض بها، واستيقظت بدلاً من ذلك لديهم مشاعر التطلع إلى الوعود التي تكفل الله لهم بها.
أمرهم الله عزَّ وجلَّ أن يصطبغوا بذل العبودية لله عزَّ وجلَّ؛ شعوراً وتبتلاً وأخلاقاً وسلوكاً، فشردوا عن واجبهم هذا بأحلام السعي إلى إقامة الحكم الإسلامي!.
وأمرهم الله عزَّ وجلَّ أن يعرفوا الناس على الله، وأن يبلغوهم كلماته وأحكامه، وناشدهم ذلك رسول الله  قائلاً: (بلِّغوا عنِّي ولو آية) . فتشاغلوا عن واجبهم هذا بهموم الوصول إلى الحكم، ومناوأة من يصدُّهم عن ذلك.
والخلاصة أنهم قصَّروا كلَّ التَّقْصير فيما طلبه الله منهم، واجتهدوا كل الاجتهاد فيما ضمنه الله لهم! فصدق عليهم قول ابن عطاء الله السكندري: “اجتهادُك فيما ضُمِن لك، وتقصيرُك فيما طُلِب منك، دليل على انطماس البصيرة منك”.
هما كلمتان، خاطب الله بهما عباده المسلمين من خلال قرآنه: حققوا في أنفسكم أهلية الحكم في الأرض عبودية وإخلاصاً لله، وتزكية نفسية، ومن ثم أخلاقاً زكية مع عباد الله، أصعدْ بكم إلى سدَّة القيادة في الأرض، وأضع بين يديكم مقاليد الحكم من حيث لا تحتسبون.
وقد رأينا كيف وعى أصحابُ رسول الله  هاتين الكلمتين، فعكفوا على الواجب الذي ألزمهم به الله عبودية وإخلاصاً وتزكية وأخلاقاً، وما هو إلا أن ورَّثهم الله مقاليد الحكم، من حيث لا يحتسبون … أجل من حيث لا يحتسبون!… ثم خلَفَ من بعدهم خلف، تجمَّلوا من حيث الألفاظ والشعارات، بما يرقى بهم إلى مصافِّ صحابة رسول الله ، وتنكَّبوا من حيث العمل والسلوك عن هذا النهج الذي كان عليه أصحاب رسول الله ، ثم جعلوا كلَّ همهم بدلاً عن ذلك في طرق أبواب الحكم، بكل ما تطول إليه أيديهم من الوسائل التكتيكية والأسباب المتنوعة.
أين هي ليالي التبتل بين يدي الله؟ وأين هي مجالس “تعالوا بنا نؤمن ساعة”؟ وأين هي معارج التزكية بالنفس إلى حيث الإيثار بدلاً من الأَثَرَةِ، والحب بدلاً من الحقد، والتضحية بالحظوظ بدلاً من التضحية بالخصوم؟ وأين هي حِلَق الذكر التي كانت تزدان بأصحاب رسول الله  فتورثهم الأفئدة الرقيقة والعيون الدامعة؟ أين هي مجالس التبليغ عن الله والتعريف بألوهية الله وعظيم سلطانه؟ أين هو البحث عن التائهين والشاردين والضالين -وما أكثرهم في كل فجٍّ وصوب-للحوار معهم والإجابة عن مشكلاتهم، وتذويب شبهاتهم والصبر في سبيل ذلك على أذاهم؟ أين هو السلاح الأول في حياة المسلم الرباني القائم على حدود الله وأوامره؟ وهل هو إلا صدق التوكل على الله والثقة بالله والرضا عن الله، ثم الاصطباغ -في التعامل مع الناس- بأخلاق رسول الله  الذي قال: (إِنَّكُمْ لا تَسَعُونَ النَّاس بِأَمْوَالِكُمْ, وَلَكِنْ ليَسَعهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْه وَحُسْنُ الْخُلُق) .
إنني أنظر .. وينظر الناس جميعاً معي، فلا نر إلا انصرافاً عن هذا كله.
آلاف التائهين والشاردين تتصيدهم كل يوم شباك الشهوات والأهواء، أو تتربص بهم جهود الدعاة إلى النار، وقد تسلَّحوا بما كان أولى بالإسلاميين أن يتسلَّحوا به، من حُسْن المعشر وخفض الجناح ولين الجانب، والصبر على مشاق الرحلة، ومخاوف الصدِّ والردِّ، ولسان حال هؤلاء التائهين والجاهلين يصرخ قائلاً: ألا من منقذٍ يُخلِّصنا من رقِّ أهوائنا التي تحكمت بنا، أو من هؤلاء الماكرين المبشرين الذين يحيطون بنا؟ أين هم ورَّاث شريعة الله ورجال الدعوة إلى الله، ينتشلوننا من عذاب نفوسنا ومن كيد المتربصين بنا؟
غير أن لسان حال الإسلاميين والجماعات الإسلامية يردُّ قائلاً: نحن في شغل شاغل عن هذا الذي تدعوننا إليه وتستنجدون بنا من أجله؛ إننا مشغولون عنكم باتخاذ أسباب الوصول إلى الحكم، ولسوف ننعطف إليكم من فوق كراسي الحكم، لنقودكم إلى الحق عندئذٍ كرهاً، بدلاً من أن نحاوركم وندعوكم إليه عن طواعية ورضا!
أجل هذا ما يقوله اليوم لسان حال هؤلاء الإسلاميين، بل هذا ما يقوله كثير منهم بألسنتهم عندما يأتي من يُذكِّرهم بتنكُّبِهم عن الطريق، وهذا ما قاله لي كثير منهم في كثير من المناسبات.
ولكن ألا ترى يا قارئي الكريم، أن هذا الاعتذار الذي يأتي بلسان الحال أو بلسان المقال، إنما هو في الحقيقة تطاول إلى تصحيح النهج الذي قضى وأَمر به الله؟ إن المضمون الذي يختفي وراء هذا الاعتذار، ليس إلا قراراً تصحيحياً لما أمر الله به عباده ولما تعهد لهم به، ثم للسلوك التطبيقي الذي لبى من خلاله الصحابة  أمر الله، وللعهد الذي أنجزه الله لهم لقاء ذلك، وإن هذا القرار التصحيحي لينطق قائلاً: خير من سلوك هذا الطريق الطويل إلى نشر دين الله في الأرض، وبسط سلطانه على النفوس والبلاد، عن طريق دعوة الناس ومحاورتهم فرداً فرداً، أن نقفز إلى كراسي الحكم فنتبوأها، فنفرض سلطان الإسلام على الناس من هناك شرعة ومنهاجاً. والحكم الذي سيحققه الله لنا، باتباع هذا المنهج الطويل، من حيث لا نحتسب، بوسعنا أن نناله الآن، بسلوك الأسباب والوسائل التي يسلكها غيرنا، من حيث ندري ونحتسب!.
هذه هي مأساة العمل الإسلامي الذي تحول إلى جهد خائب وسعي ضائع، وأخفى عن كثير من الأذهان الحقيقة العلوية المشرقة للإسلام، ثم أبرز له صورة زائفة أخرى ما هو منها في شيء تبعث على الاستيحاش والنفور منه، بل ربما بعثت على الارتياب في مصدره وحقيقته.
غير أنا لا بدَّ أن نستثني قلَّة من المسلمين الإسلاميين يسلكون سيرة رسول الله  وأصحابه في سكينة وهدوء، يُبلِّغون عن الله كما كانوا يُبلَّغون، ويَلْقون بالدعوة إليه فلول التائهين والشارين والفاسقين في حوار ليِّن مشفق كما كانوا يفعلون، وقد تركوا النتائج التي تكفَّل لهم بها الله لمشيئته وحكمته.
فإن ضجيج هذه الجماعات الإسلامية التي تنكَّبت عن تعاليم القرآن، ثم ابتعدت عن النموذج التطبيقي لهذه التعاليم في حياة الصحابة الكرام ، لم يُبقِ فرصة في الآذان التي تسمع أو للأبصار التي ترى، للتنبه إلى وجود خطوط أو خطوات أخرى سليمة عن أي اعوجاج، تنهج منهج كتاب الله وتتعقب خطوات رسول الله  ثم صحابته البررة الكرام  … ذلك لأن قلة أصحاب هذا الخط، وابتعادهم عن الأضواء إلى الظل، وعن الضجيج إلى الهدوء، من شأنه أن يدع الساحة البارزة الكبرى لا تفور إلا بهذا النهج الثوروي الأرعن، ومن ثم فهو وحده الذي يقع تحت أشعة الأضواء الإعلامية التي يستغلها ويتاجر بها الأعداء العالميون لهذا الدين، وإنهم ليقطفون اليوم من ثمار ما يجري على هذه الساحة ما لم يكونوا يرجونه ولم يخطر منهم على بال.
أجل، هذه هي مأساة العمل الإسلامي، في أبرز ما يتجلى على الساحة الإسلامية، ولكن ما هو مصدر الأخطاء التي أورثت هذه المأساة، والتي يقطف اليوم منها، الأعداء العالميون لهذا الدين، أشهى النتائج والثمار؟ إن مصدر الأخطاء كلها، يتمثل في العدوى التي سرت إلى الجماعات الإسلامية من واقع المذاهب والأنظمة الوضعية، والاتجاهات السياسية والثورية التي يسلكها قادة هذه المذاهب ودعاتها، لفرض مذاهبهم وأنظمتهم على المجتمع.
ومن المعلوم أن هناك قاسماً مشتركاً بين الإسلام والمذاهب الوضعية، ولكن بينهما فارقاً أساسياً كبيراً في الوقت ذاته.
أما القاسم المشترك، فيتمثَّل في أنَّ كلاً منهما يُقدِّم مشروع نظام، يفترض أنه الأفضل والأكثر استجابة لحاجات الإنسان ومصالحه.
وأما الفارق الأساسي الكبير، فيتمثل في أن النظام الإسلامي يأتي ثَمرة دَيْنُونَة الإنسان لله، وإيمانه الطوعي بوجوده ووحدانيته، وثقته بعدله ورحمته، ومن ثم فهو لا يطمئن إلى حكم غير حكمه ولا يثق بنظام يصلح لمعاشه ومعاده غير نظامه، أما الأنظمة والمذاهب الوضعية فهي ثمرة رؤى وأفكار بشرية، تبناها أصحابها بدافع مزيج من الاجتهادات التي اقتنعوا بها، والأغراض التي استهوتهم، والعصبيات التي أسرتهم؛ ومن هنا لم يكن لها من سبيل إلى الأفئدة والعقول، تقديساً لها وإيماناً بها؛ إذ الناس مهما اختلفوا في الأعراق وتمايزوا في الثقافات والمدارك، تجمعهم مشاعر الندّية المتكافئة، وتُفرِّق بعضَهم عن بعض مصالحُهم المتخالفة، وأهواؤهم وأمزجتهم المتعارضة. فهيهات أن تسري آراء ثلة من الناس إلى عقول الآخرين من أمثالهم، من خلال قناة التقديس والإذعان؛ وهي مجرد آراء أُخْرِجت للناس.
ولما كان أصحاب كل مذهب حريصين على أن يكون مذهبهم هو السائد بين الناس، وهو المعمول به في المجتمعات، كان لا بدَّ لهم من سلوك السبيل الوحيد الذي لا ثاني له ولا غِنى عنه، ألا وهو سبيل الفرض والإلزام. وللناس بعد ذلك أن يعتقدوا أو لا يعتقدوا بجدوى نظامهم وفائدته … وليس من سبيل إلى الفرض والإلزام إلا الوصول إلى الحكم، ثم استعمال السلطة التنفيذية من هناك.
ويتلخَّص هذا الفرق في أن بلوغ الحكم في سلَّم العمل الإسلامي، نتيجة وثمرة للقناعات الإسلامية الحقيقية، إذ تنتشر في عقول الناس وأفئدتهم، على حين أن بلوغ الحكم في سلَّم الأنشطة التي يمارسها قادة المذاهب والنظم الوضعية، هو المفتاح الذي لا بدَّ منه لبسط أنظمتهم ومذاهبهم التي يَدْعون إليها.
نعود إلى المصدر الأول للأخطاء التي وقع فيها جلُّ الجماعات الإسلامية اليوم، وقد قلنا إنه سريان عدوى هذه الأنظمة الوضعية إليها.
أجلْ، فقد نظر قادة هذه الجماعات إلى قادة الأحزاب والمذاهب الوضعية، ورأوا كيف يتَّجِهون إلى كراسي الحكم عن طريق الدخول في المعتركات السياسية، أو اقتحام الطُّرق الثورية، وما هي إلا بضع محاولات على هذه الساحة أو تلك، وإذا هم متربِّعون فوق عروش الحكم، وإذا بأنظمتهم وأفكارهم تنبسط في المجتمع دون أي مُشاغِبٍ أو مُعارِض! فما هو إِلا أن استهوتهم -أي استهوت الإسلاميين- هذه السرعة الخاطفة في نجاح تلك المنظَّمات أو الأحزاب في فرض سلطانهم، ومن ثم فرض أفكارهم وأنظمتهم على الناس. وأخذت العدوى تفعل فعلها في أفكارهم، بل في نفوسهم:
لماذا لا نسلك مسالك هؤلاء الناس؟… إنهم يحملون إلى الناس أفكاراً وأنظمة بشرية تافهة، ونحن نحمل إليهم الإسلام، ألسنا أَوْلى منهم بالتَّوجُّه إلى كراسي الحكم، والتحكم بمقاليده، سواء أُتيح لنا ذلك بالاشتراك في المعتركات السياسية أم باقتحام الطرق الثورية؟!.. ولئن كان قدر الناس في هذا العصر أن تُفْرض المذاهب عليهم بالقوة، فلنكن السَّبَّاقين إلى ذلك، وليكن المذهب المفروض عليهم هو الإسلام!.
وفي غمار هذه المحاكمة أو المراوضة الفكرية التي فرضتها العدوى، نسيَ قادةُ العمل الإسلامي أن الإسلام الذي يدعون إليه وينهضون بخدمته إنما هو دين واعتقاد قبل كلِّ شيءٍ، والدين إنما يسري إلى العقول عن طريق القناعة واليقين، وإنما سبيله الدعوة والحوار والإقناع، أما ما فيه من شرعة ونظام، فنتائج طبيعية لدينونة العقل، والقلب لألوهية الله وسلطانه، ولو أن إحدى دول البغي والكفر في الأرض أعجبت من الإسلام بشرعته ونظامه، فاتخذت من شرائعه وأحكامه بديلاً عن نظامها الذي كان سائداً، لما أدخلها ذلك في حظيرة الإسلام من حيث إنه دين يستجيب به الإنسان لأمر الله ويمارس من خلاله العبودية لله، وليس بين شريعة الإسلام والنظام الذي كان سائداً من قبله في هذه الحال أي فرق.
ولكن قادة الجماعات الإسلامية نسوا في غمار هذه المراوضة الفكرية تحت سلطان تلك العدوى، هذه الحقيقة التي هي من البداهة بمكان، واستهوتهم مغامرات رؤساء المنظمات والأحزاب، فأعرضوا عن مهام الدعوة إلى عقائد الإسلام عن طريق التربية والحوار، ثم تفرغوا هم الآخرون للدخول في المعتركات السياسية، أو اتجهوا إلى رسم الخطط الانقلابية والثورية.
وهكذا تحوَّل هؤلاء الذين عرَّفوا الناس على أنفسهم دعاةً إلى الله وخداماً لدين الله، إلى طلابِ حُكْم ينتجعونه في ساحة العمل السياسي، أو يطرقون أبوابه من خلال المغامرات الثورية.
وبوسعك أن تتبين عندئذٍ سلسلة الأخطاء والانحرافات الفرعية التي لا بدَّ من الوقوع فيها نتيجة هذا الخطأ الكبير القتال.
ولست أدري هل أنا بحاجة إلى عدِّ هذه الأخطاء التي لا أحسب أن فينا من لا يتبينها، أو لا يعلم ضرورة الوقوع فيها، بعد الاستسلام لهذه العدوى الخطيرة التي تحدثنا عنها.
ومع ذلك فلنـزد هذه الحقيقة الواضحة وضوحاً بعدِّ بعض من الأخطاء:
أولاً: “أفرض أنني أنا المتورط في هذه العدوى المهلكة والعياذ بالله” إنني عندما أقرر الدخول في المعترك السياسي ابتغاء الوصول إلى الحكم، لا بدَّ من أن يكون وجودي الغالب في المناخ الملائم لهذا المعترك، ولا بدَّ أن يتجه جلُّ نشاطي الفكري والسلوكي إلى رسم الخطط والأساليب المتكفلة بالوصول إلى هذا الهدف، والشأن في ذلك أن يبدد صفائي الروحي، وأن يورثني مع الأيام قسوة القلب واضطراباً في النفس، وأن يمدَّ غاشية من الضباب على مشاعر عبوديتي لله، ومشاعر ثقتي به وتعظيمي له ومراقبتي إياه.
ولا بدَّ أن يؤثر هذا الحال في تبديد معظم ما أتمتع به من عدَّة على طريق الدعوة إلى الله وخدمة دينه. يعلم هذا كل من كان معافى، ثم زجَّ نفسه في هذا المناخ وابتُلي بهذه الحال.
ثانياً: إن دخولي في هذا المعترك، يضعني وجهاً لوجه أمام محاور سياسية متعددة، ويفرض عليَّ الانجذاب إلى فلك واحد منها، ومن ثم التحرك لحسابها … إن من المستحيل أن أزجَّ نفسي في ساحة العمل السياسي، قائداً لجماعة تتبع سيري وتنقاد لإشارتي، دون أن أتحالف مع هذا الفريق أو ذاك، ذلك لأن النشاط السياسي الذي يطرق أبواب الحكم، لا يمكن أن يتحرك في فراغ … إذ هو محاط بتيارات متخالفة، بل متصارعة شتى. ولن يكون لاستقلال صاحب هذا النشاط عنها إلا معنى واحد، هو اتخاذ موقف المعاداة لها، ومن ثم فلسوف تلتقي هذه التيارات كلها، على اختلافها، على التربص به والكيد له. والنتيجة التي لا مناص منها، هي أن تضيع وتستهلك قواه وسط تألُّب تلك التيارات وفي ضرام عدوانها.
ذلك هو شأن الدخول في المعتركات السياسية، لا بدَّ فيه من أحد مصيرين:
– إمَّا الانحياز والتحالف مع أحد محاورها.
– وإِمَّا الاستقلال عنها جميعاً وهو ما يعني تأَلُّب الأطراف والمحاور كلها على صاحب هذا الاستقلال بالعدوان والقهر.
ثالثاً: في غمار هذا التوجيه، وتحت تأثير هذه التيارات المتصارعة، وما يكتنفها من ضجيج وتوقعات ومفاجآت، لا بدَّ من أن أتجرد عن عملي مُبلِّغاً عن الله ومُعرِّفاً بدينه داعياً إلى صراطه، وأن أتحول إلى مخاصم في شؤون السياسة، مجاهد في سبيل بلوغ الحكم، مفكرٍ في الوسائل التي يجب أن أتخذها للتغلب على الخصوم.
ولا تنسَ أنني أضرب المثل في كل ذلك بنفسي، مفترضاً أنني أمير جماعة إسلامية أو واحد من أفرادها، فلا جرم أن هذه هي الحال التي سيكون عليها أتباعي أو سائر زملائي وإخواني.
إذن، فقد تقاعدت الطائفة التي تسامت ذات يوم إلى مستوى الوصية الربانية القائلة: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم [التوبة: 122]. عن شرف التفقُّه في الدين والتوجُّه به إلى عامة الناس معلمين ومبشرين ومنذرين. واستعاضت عن ذلك بهذا الذي أقحمت نفسها فيه.
هذا، والناس الذين من حولي -كلهم أو جلهم- جاهلون بالدين ينتظرون من يبصرونهم به ويحببونه إليهم، تائهون مُتنكِّبون عن صراط الله عزَّ وجلَّ، ينتظرون من يأخذون بأيديهم، قد أحاطت بهم شياطين من الإنس والجن، باسم التبشير أو التنوير أو التثقيف، يشوهون لهم حقائق الإسلام، ويعكرون من صفوه، ويبعثون في نفوسهم -بكلِّ ما يملكون- دواعي الاشمئزاز منه.
الدعوة التخريبية قائمة على كلِّ قدمٍ وساق، والإسلاميون الدعاة إلى الله في شُغل شاغل عن مقاومة التخريب بالبناء، وعن النهوض بما أقاموا أنفسهم فيه من مهام الدعوة إلى الله وتبليغ كلمات الله وأحكامه.
فكيف يكون عمل هؤلاء الناس -وهذه هي الحال- جهاداً في سبيل الله؟
بل كيف لا نكون مؤاخذين عند الله يوم القيامة على هذا التشاغل والإعراض؟
وكيف لا نتحمل أوزار هؤلاء الشاردين والتائهين الذين شُغلنا عن نصحهم وإرشادهم ودعوتهم إلى الله، بانصرافنا إلى ساحة المعتركات السياسية، وتطلعنا إلى بلوغ كراسي القيادة والحُكْم، ومناصبة الحكام في سبيل ذلك فنون العداء؟
ولكن ما هي الحجة التي يعود بها هؤلاء الإخوة الذين يأبون إلاَّ الإعراض عن مبدأ: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة [النحل: 125] والإقبال بدلاً عنه إلى شعار: “أَمْسِكْ بناصية الحكم ولا تبالِ من أي طريق وصلت”؟
حجَّتُهم هي القول بأن أقصر طريق إلى تطبيق مبادئ الإسلام وأحكامه، هو فرضها على الناس بالقوة، والطريق الوحيد إلى فرضها بالقوة هو بلوغ الحكم.
وأقول في الجواب: أَرَأَيْت إلى ما قد ذكرناه آنفاً من العدوى التي سرت إلى كثير من الحركات والجماعات الإسلامية، من واقع حال الأحزاب والمذاهب الفكرية والسياسية الأخرى؟ إن ما قلناه آنذاك يتضمن نصف البيان لخطأ هذا التَّصوُّر وبُعْدِه الكبير عن الإسلام واستعصائه على الواقع والتنفيذ.
أما بيان النصف الثاني فنوجزه فيما يلي:
إن سدى ولحمة المجتمع الإسلامي المنشود، إنما يتمثلان في أفراده، وما حُكَّامه إلا فئة من هؤلاء الأفراد، ومن ثم فإن وجود المجتمع الإسلامي لا يعني أكثر من صلاح أفراده واستقامتهم على صراط الله عن بصيرةٍ ووعي.
فإن لم يصلح هؤلاء الأفراد، بل ظلوا -كما هي الحال الآن- بين شارد ومرتاب وضالٍّ وفاسقٍ ومُلْحدٍ، إلا من رحم ربك، فهيهات أن يتحقَّق أو يتألَّف المجتمع الإسلامي، من إطار يجمعهم، أو من مجرد اجتماعهم تحت مظلة حكومة مسلمة تنادي بالإسلام وتقتنع بتطبيق شرائعه وأحكامه.
أرأيت إلى فئات شتى من اللصوص، إنَّ تحولهم إلى جيش نظامي من اللصوص تحت قيادة راشدة، لا يمكن أن يجعل منهم ملائكة مطهَّرين أو بشراً مُنزَّهين. بل إن حقيقة السوء التي كانت متناثرة في أفرادهم، تتحول تحت سلطان هذا التجمع والتلاقي إلى تيار متلاطم من السوء!.
أوليس هذا الذي أقوله من الوضوح بمكان؟ بل أَفَيوجد في الناس من يرتاب فيه دون مكابرة أو عناد؟ وهل الحكم وسلطانه إلا حزام ضبط وتجميع؟ ومتى كان الضبط والتجميع يغنيان عن تزكية النفس وتطهيرها من الزغل والآفات؟ وإن في ذاكرتي لصوراً كثيرة لرجال إسلاميين قفزوا إلى كراسي الحكم وأمسكوا بنواصيه، متجاوزين واجب التربية والدعوة والإقناع بالحجج العلمية والثقافية، فلم يتأتَّ منهم أن يُصْلِحوا أيَّ فسادٍ أو يُقَوِّموا أي اعوجاج، ولم يفيدوا الإسلام بتربعهم على كراسي المسؤولية والحكم إلا ما أوهمته أجهزة الإعلام المعادية، وأدخلته في قناعة كثير من الناس؛ من أن الإسلام برهن على عجزه عن القيام بأي إصلاح!. فها هم أولاء رجاله يحكمون، وها هو ذا الفساد الذي كانوا يتأَفَّفون منه باقٍ كما هو!.
إنه لأيسر في سبيل الإصلاح وتقويم الاعوجاج وبسط فاعلية الإسلام، أن تطمع بعقل الحاكم وفؤاده، فتقول له -كما تقول لغيره- بمنطق القرآن: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [النازعات: 18-19] أجل أيسر من أن تطمع بكرسيه، فتقول له بمنطق النفس المتوثبة إلى المغانم: هل لك إلى أن تتحوَّل عن هذا الكرسي لآخذ محلك فيه؟
ما الذي يضرُّ الإسلام ويسوؤه ألا تكون أنت الحاكم في الأمة، إذا كانت التزكية النفسية والهداية العقلية قد حلَّ كلٌّ منهما محلَّه من كيان الحاكم وأفئدة الناس؟
وما الذي يفيد الإسلام وينفعه إذا كنت أنت الحاكم، وكان الفساد مستشرياً في النفوس، والضلالة مهيمنة على العقول؟
وإذا كان الجواب واضحاً، فما لك لا تتجه إلى الناس كلهم -شعوباً وقادة- بالتضحية والإرشاد والسعي إلى تزكية النفوس وتصعيدها إلى مستوى الحب لله والانتعاش بدين الله؟ علماً بأنك تنفذ بهذا أمر إلهك الذي أنهضك إلى هذه الوظيفة وشرفك بها، وتنال بذلك أجراً لا ينال مثله إلا كبار الربانيين، وسيضع الله في كلامك سرَّ الهداية والقبول، فيتحقق لدى الحاكم الإسلام العملي الذي تريد، وينقاد الناس إلى الحكم الإسلامي الذي تنشده وتنادي به!.
إن كان الْمُبتغى هو قيام المجتمع الإسلامي فعلاً، فهذا هو وحده السبيل، وهو الضمانة التي لا بديل عنها.
أما إن كان الْمُبتغى منافسة الآخرين على الحكم، ومخاصمتهم في سبيله، فما لهؤلاء الناس لا يُعلِنون إذن عن قصدهم هذا؟ وإنه لقَصْدٌ طبيعي لن يُجرِّمهم من أجله أحد. كل ما في الأمر أننا نستذكر في هذا قول رسول الله : (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).
قال لي أحدهم -وكان الحديث عن الجزائر، وكنت أُذكِّر بالنهج الإسلامي الصحيح في السعي إلى خدمة الإسلام، وأُحَذِّر من الاستمرار في هذا الخطأ القتّال، والمتمثِّل في الإعراض عن الإسلام شُغلاً بمخاصمة الحكام ومنافستهم على كراسي الحكم- قال لي: إنك تتحدَّثُ دائماً عن خطأ هؤلاء الإسلاميين، ولا تتحدَّث عن الجريمة التي ارتكبها الحكَّام الجزائريون، إذ اغتصبوا منهم حقَّهم الذي وصلوا إليه بالطرق القانونية والديمقراطية المعتمدة!.
قلت له: لو علمتُ أن الذين اغتُصب منهم هذا الحق، هم طُلاب حكم ومحترفو عمل سياسي، إذن لاختلف الموضوع. وإذن لكان بوسعي أن أعلن عن استعدادي لدفاع قانوني عنهم، كما يدافع أيُّ محامٍ عن طرفٍ وقَعَت عليه الظُّلامة في تجارةٍ بمالٍ، أو في مغنمٍ سياسي، أو في حقٍّ مُكتسب بممارسة حكم، بقطع النَّظر عن أثر ذلك على الإسلام سلباً أو إيجاباً. وعليهم في هذه الحال ألا يجعلوا من الإسلام متكأً لدعم حقِّهم، أو سلاحاً للطعن في خصومهم، وليسعهم أن يتحرَّكوا كغيرهم في الدِّفاع عن حقِّهم الذي لا يُنكر، داخل ساحة الأنظمة الديمقراطية والحقوق الدستورية، ولسوف يَجدون من ذلك خير لسان مدافع عنهم وأفضل قوة تناضل عن حقوقهم. ولكن بوصف كونهم ساسة ابتغوا لأنفسهم سبيلاً إلى القيادة والحكم، شأنهم في ذلك شأن عامة السياسيين الْمُحترفين من ذوي الهواية في المناصب السياسية لا أكثر.
ثم قلت: إلا أن هؤلاء الإخوة إنما يؤكدون للعالم كله أنهم قد جندوا أنفسهم وسائر إمكاناتهم لخدمة الإسلام وإقامة حكمه، ويجزمون بأن سعيهم إلى الحكم إنما يأتي على طريق خدمتهم للإسلام ورفع شأنه وإقامة دولته.
إذن لا بدَّ أن يختلف، هنا حديثنا لهم، لا بدَّ أن نقول لهم، انطلاقاً من هذه الهوية التي يعرفون العالم على أنفسهم من خلالها: إن عليكم في هذه الحال أن تضحوا بحقِّكم الذي كان ينبغي أن تنالوه من الوصول إلى القيادة والحكم، في سبيل الإسلام الذي تقولون إنكم حماته وجنوده، لا أن تضحوا بالإسلام وتجعلوا منه وقوداً في ضرام هذه الفتنة، في سبيل أن تنالوا حقوقكم التي اغتصبت فعلاً منكم!.
وعندما ننظر فنجد -على الرغم من هذا التركيز المنطقي الواضح- أن دوافع الثأر النفسي والانتقام للذات، هي التي تُحرِّك هؤلاء الإخوة فيما يُقْدِمون عليه من اقتحامات ومغامرات، أياً كانت ومهما قيل في وصفها، ونرى بأم أعيننا كيف أن الإسلام هو الذي يُنالُ منه ويُنْتَقَصُ من شأْنِه، وتَتراجَعُ قواه وفاعليتُه في ذلك الضِّرام؛ عندئذ لا تغدو المشكلة الحقيقية أن فرصة في وصول جماعة من المسلمين إلى الحكم قد أهدرت أو اغتصبت، وإنما المشكلة المصيرية القاتلة أن الإسلام هو الذي يذهب ضحية الطرفين ويتمزَّق تحت السنابك!.
ومن ثمَّ، فلا معنى لتوجِّهنا إلى مغتصبي الحقِّ كي يُنْصِفوا خصومهم الذين يدَّعون أنَّهم جنود لخدمة الإسلام، وتقديم أنفسهم قرابين رخيصة له، وإنما الواجب الذي يهيب بنا وبكل مسلم، هو التَّوجُّه إلى حلِّ هذه المشكلة الخطيرة القاتلة، وذلك بأن نناشد جنود الإسلام وحماته، أن يشفقوا على الإسلام الذي ينسحق ويذوب وسط ما يُشْعِلونه من ضِرام.
غير أن المصيبة الكبرى التي لا تنزل هي الأخرى إلا برأس الإسلام، أن الدوافع المهتاجة في نفوس هؤلاء الإخوة إلى الثأر والانتقام، تقصيهم عن تفهُّم هذا الكلام والالتفات إليه. وتستثيرهم في رعونةٍ غاضِبَةٍ للإنكار علينا ولاتِّهامنا بالتحيُّز إلى الغاصبين الذين استلَبوا حقوقهم في بلوغ الحكم وامتلاك أَزِّمَته.
إذن لم تَعُد الرغبة في الحكم وسيلة لخدمة الإسلام، وإنما غدا الإسلام وسيلة لبلوغ الحكم، ومن ثم فلا حرج أنْ يُمزَّق الإسلام كلَّ مُمزَّقٍ في هذا الضرام أملاً في قهر الخصوم الذين يصدون عن بلوغ هذه الأمنية الذهبية؛ وبالمقابل، فلا يجوز أَبداً إنهاء هذه الفتنة وإخماد هذا الضِّرام، مهما رأينا بأُمِّ أَعيننا أنَّ الإسلام هو الوقود الأول الذي يلتهب عليه هذا الضِّرام.
ومن المؤسف أن الغرب الذي أعلن في السنوات الأخيرة، حربه ضد الإسلام، قد درس هذا الواقع المؤلم، وأمسك بهذه المشكلة القاتلة ورقةً رابحة يحاول أن يلعب بها في كل صِقْع. وها هو ذا ينفخ في نيران هذا الضِّرام ما وسع ذلك؛ وإنه ليشعر بنشوة ما مثلها نشوة، أنْ رأى المناخ الإسلامي أمامه صالحاً ومهيأً لضرب الإسلام بمن يسمون أنفسهم جنوداً للإسلام!.
نشرت مجلة (foreign affairs) الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية ولسان حالها، في شهر تشرين الثاني من عام (1992م) مقالاً عن خطر الإسلام على العالم الغربي، والسبل التي يجب أن تتخذ لشل فاعليته والقضاء على خطره، والسبيل -فيما صرح به كاتب المقال- هو تقطيع جسور الثِّقة بين الدول العربية خاصة والإسلامية عامة، للقضاء على بقايا ما قد يشيع بينها من روح التعاون والتضامن، ثم استثارة أسباب الاضطرابات والقلاقل داخل كل منها على حدة، والاستفادة مما هو جارٍ الآن من خروج كثير من الجماعات الإسلامية على حكامها، وتألُّب حُكَّامِهم عليهم. وبذلك تتمزق فاعلية الإسلام في ما بينهم عن طريق التآكل الذاتي، وتبتعد فرص الاستقرار التي هي الأساس الذي لا بُدَّ منه للنمو الاقتصادي ولاستغلال ما قد تملكه من قدرات وثروات!.
ومصيبة المصائب في نظري أن أجد -بعد هذا الحق الذي لا يتيه عاقل عن تبينه ورؤيته- من يضيق ذرعاً بهذا الذي أقول، ويتمنى أن أشغل نفسي وقرائي بأي موضوع آخر نتسلى به!.
ولكن قل لي: كيف يتأَتَّى أن يكون الإنسان مسلماً صادقاً مع الله في إسلامه، ثم يرى هذا الخطأ القتّال الذي انجرف فيه بعض الإخوة باسم الإسلام، ثم يرى بعينه أثره السريع في شلِّ فاعلية الإسلام، وهدْرِ كلِّ مُكتسبات ما سميناه يوماً ما بالصحوة الإسلامية، ثم يرى ويسمع خطط الأيدي الخفية التي تتَّجِه مسرعة لاستغلال هذا الخطأ واستثماره، ثم يُعْرِض عن ذلك كلِّه، ساكتاً غير مبالٍ بشيءٍ من وارد الأمر أو صادره أو نتائجه المخفية المقبلة؟
بل قل لي: كيف يتأَتَّى منك -وأنت مسلمٌ صادقٌ مع الله- أن تجد أصحاب الخطط الخفية يستغلُّون هذا الخطأ ويستثمرونه لحسابهم، ثم لا ينهضك إسلامك لسعيٍ ما إلى إصلاح هذا الخطأ؟
أنا لا أُنْكِر أنَّ لكثيرٍ من الحكَّام دوراً في استثارة الإسلاميين وتهييجهم بقصد أو بدون قصد، إلى كثير من التصرُّفات التي يقومون بها اليوم، بل ربما كان بعضهم أو كثير منهم يُؤدُّون في ذلك دوراً قد عُهِد به إليهم وطُلِب منهم. ولكن أفَيكون ذلك عُذراً لتحرُّر هؤلاء الشباب عن الانضباط بالمنهج الإسلامي وقيوده وأَحكامه، وللارتماء بدلاً عن ذلك وسط تيارات ردود الفعل الجارفة؟
بعض الإخوة الدُّعاة أو المفكِّرين، يعطونهم هذا العذر! ولكن هذا العذر لو جاز إعطاؤه لعامة الناس أو المسلمين، فلا يجوز أن يُعطى لمن يسمُّون أنفسهم مجاهدين في سبيل الله عزَّ وجلَّ. وهل الجهاد إلا بذلُ الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله؟ وأي بَذْلٍ للجهد يبقى عند من لا يصبر على الاستثارة التي يُبْتَغى منها إِبعادُه عن الانضباط بكوابح الإسلام وأحكامه، ثم زَجُّه في ردود فعلٍ من شأْنها أن تأْتي بنقيض ما قد جنَّد نفسَه في سبيله؟
هما أحد أمرين:
– إمَّا أَنْ يُعذر هؤلاء، إذن يجب إِبعاد سِمَة الدعوة والجهاد في سبيل الله عنهم.
– وإمَّا أَنْ نُصدِّق أنَّهم فعلاً دُعاةٌ إلى الله ومجاهدون في سبيله، إذن فلا يجوز أن يُعذَروا في الانجرار إلى هذا الخطأ القتّال.
وصفوة القول أنه يجب فك الاشتباك بين الإسلاميين وحكَّام بلادهم، حيثما وُجِد نوعٌ من هذا الاشتباك. والسبيل الطبيعي إلى ذلك أن يتعاون الطرفان لتحقيق هذه الغاية التي ستأتي بخير كبير للجميع.
ولكن إن لم يشأ الحكَّام أن يمارسوا إلى ذلك أيَّ دورٍ تعاوني جاد، فإن السبيل إلى ذلك يصبح من مهمة وواجب الإسلاميين وحدهم، ومهما كانت حظوظ النفس البشرية تتأَبَّى ذلك وتثور عليه، فإنَّ شأْنَ المجاهد الصابر والمصابر في سبيل الله هو التَّرفُّع فوق حظوظ النفس وقهر أهوائها ولواعجها، في سبيل حماية المدَّ الإسلامي مما قد يراد به، ومن ثم في سبيل بلوغ رضا الله عزَّ وجلَّ.
فإن سأل منهم سائل: ولكن فما البديل من مجابهة الحكام لإزاحتهم واتخاذ أماكنهم؟
قلنا في الجواب: وهل كانت هذه المجابهة يوماً ما خطوة جهادية في سبيل الله، حتى تبحثوا لها عن بديل؟ لقد أوضحنا بما لا يدع مجالاً للريب أنها مجرد استجابة لحظ نفسي، واستجابة ساذجة لكيد خفي، فالتحول عنها تصحيح لخطأ، والابتعاد عن الخطأ لا يحتاج إلى الاشتغال ببديل.
ولكن نقول لهؤلاء الإخوة: دعوا هذه المجابهة الخاطئة التي أَقْصَتْكُم عن مهمتكم الجهادية فعلاً، لتعودوا إلى شرف النهوض بها، بعد أن طال بكم البعد عنها.
دعوا استثارة الحكام التي طالما شغلتكم عن شرف الدعوة إلى الله، وإدخالِ حُبِّ الإسلام إلى قلوب عباد الله، وانعطفوا سِراعاً عائدين إلى هذه المحاريب التي لا أجلّ ولا أرضى منها لله عزَّ وجلّ، وليكُن شعار هذه العودة نداءً صادراً من القلب: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه: 84].
فإِنْ أبى هؤلاء الإخوة إِلا مُضيَّاً في هذا الاشتباك، وانصياعاً لنداء الثأْر، واستجابةً لحظوظ النفس، مهما بقيت ساحات الدعوة إلى الله والتعريف بدينه فارغة مهجورة، فليعلموا أنَّهم -عدا عن كونهم خالفوا أمر الله وهديه- لن يصلوا إلاَّ إلى نتيجة واحدة، هي أن يجعلوا من هذه البلاد مَغْرِباً للإسلام بعد أن كانت مَشْرقاً له.
ولكن ذلك لا يعني أن تختفي شمس الإسلام من هذه البقعة في مغرب لا شروق لها من بعده، بل ستختفي من جراء هذه الأخطاء هنا، لتشرق هناك، في أماكن من الغرب نائية، بفعل جهاد خفيٍّ هادئ من الدعوة الْمُتحرِّقة إلى دين الله هناك، ينهض بها نساءٌ ورجالٌ كانوا بالأمس القريب ضائعين عن هوياتهم، شاردين عن ربوبية مولاهم وخالقهم، غارقين في يَمٍّ آسِنٍ من الشهوات والأهواء الْمُشْقيَة.
ها هم أولاء، وقد انتشرت أشعة دعوتهم إلى الله والتعريف بدينه، في الفجاج التي يقيمون فيها أو التي يرحلون إليها، يعيدون فيما ينهضون به من هذا الواجب الجهادي سيرة أصحاب رسول الله  مَظْهراً ومضموناً. إنَّهم لا يلتفتون إلى واقع حكم غير إسلامي يُظِلُّهم، ولا يعبؤون بنظام إِلحاديٍ غريبٍ عن معتقداتهم وأمانيهم والتزاماتهم، وإنما ينصرفون بكل ما يملكون من جهد إلى استنبات البديل الذي سيحلُّ محلَّ هذا الحكم، وسيُحوّل اتِّجاه هذا النظام، إن آجلاً أو عاجلاً.
إنهم ينصرفون إلى هداية العقول وتزكية النفوس، بدءاً بالأقارب والأرحام، إلى الجيران والأصدقاء، بصبرٍ منقطع النظير وحلمٍ لا نهاية له.
أجل، تلك هي المهمة التي ينهض بها اليوم كل فتىً أو فتاة هُدِيت، في ربوع الغرب، إلى دين الله عزَّ وجلَّ. والعجيب أنهم لا يحتاجون إلى من يُبصِّرهم بمَنْهَج الدعوة، أو إلى من يُحذِّرهم من هذا التزييف الذي يُمارسه كثيرٌ من المسلمين باسمه، وهي المشكلة التي نُصْدِرُ في بيانها المؤلفات، ونُلْقي فيها المحاضرات، ويمتد حولها الجدل المتطاول. بل تراهم اتَّجهوا بحكم الفطرة الإيمانية التي شدَّتهم إلى الله وحرَّرتهم من أنفسهم وحظوظها، إلى المنهج السديد في الدعوة إلى الله والذي ورثه الصحابة عن رسول الله ، إنهم لا يُرْهِقون أفكارهم ساعةً واحدةً في نَسْجِ صورة الحكومة الإسلامية والمجتمع الإسلامي والتخطيط لهما، وإنما يُرْهِقون أنفسهم ويبذلون كلَّ جُهودهم في أداء المهام والواجبات التي كلَّفهم الله بها، وفي مقدمتها إبلاغ كلمات الله إلى العقول بعد الآذان، والتعريف بالإسلام ومبادئه وأحكامه، وهم يعلمون -دون الحاجة إلى أي جدل أو نقاش- أن القيام بهذه الواجبات هو ثمن ما سيكرمهم الله به من الحكم والمجتمع الإسلامي.
ودعني أختم هذا البحث بهذه الصورة النموذجية السامية للقيام بواجب الدعوة الإسلامية وخدمة دين الله، بل للسبيل الحقيقي الذي لا بديل عنه إلى إقامة المجتمع الإسلامي، ولسوء الحظ أو لحسن الحظ، فإن بطل هذه الصورة النموذجية التي نبحث في بلادنا الإسلامية عنها، فتاة بريطانية تعيش في لندن.
دخلت هذه الفتاة الإسلام، وما إِنْ أُشْرِب قلبُها حبَّه، حتى بدأت تبذل كل ما تملك من جهد لإقناع أَخَويْها الشابين وأُختِها الصغرى باعتناق الحقِّ الذي عانقته، وصبرت وصابرت في سبيل ذلك، حتى كتب الله لهم الهداية واعتنقوا الإسلام والتزموا بأحكامه عن درايةٍ وحبٍّ.
واتَّجهتِ الفتاة الداعية عندئذٍ إلى أُمِّها تُعرِّفها بالإسلام وتدعوها إليه، وصبرت وعانت في سبيل ذلك ما عانت، ومرَّت سنوات دون أَنْ يأْتِيَ جهدها هذا بطائل، ثم إِنَّ الأم مرضت مرضاً عضالاً، أُدْخِلت على أثره المشفى، وجلست الفتاة الداعية تسهر إلى جانب أمها لا لكي تقوم بواجب تمريضها فحسب، بل لتواصل سعيها وجهادها لهداية أمها إلى الإسلام، وقُبَيْل أن تصل الأم إلى الرَّمق الأخير أعلنت عن انشراحها للإسلام واستعدادها لاعتناقه، فما كان من الفتاة إلا أَنِ اتَّصلت بالمركز الإسلامي في لندن، تبحث عمن يأْتِي من المسلمين فيه فيشهد على إسلامها، لتُعامَل بعد وفاتها معامَلَة المسلمين في أمور التجهيز ونحوه. وأجابها موظف السنترال الباكستاني بأنه لا يوجد أَحدٌ من المسلمين تلك الساعة في المركز. ولكن الفتاة ناشدته أن يأتي هو إذن، للضرورة القصوى.
ولما وصل الموظف الباكستاني إلى المشفى، كانت الأم قد انتهت من وضعها السيئ إلى سبات عميق، وكانت ابنتها تجلس إلى جانبها، وقد أَدْنَت فمَها من أُذنها وهي تُردِّد دون انقطاع: “أشهد أن لا إله إلا الله” ولم يكن من الرجل -عندما رأى هذا المشهد- سوى أن جلس هو الآخر في الجانب الثاني على سمع الأم التي تعاني من غيبوبة تامة: “أشهد أن لا إله إلا الله”، وكانت الفتاة في كرب خانق من أن تموت أمها دون أن تتشهد شهادة الإسلام.
وفجأةً، فتحت الأم عينيها، ومدَّت الأصبع السبابة من يدِها اليُمنى قائلة بصوت مرتفع -وهي لا تعرف شيئاً من العربية-: “أشهد أن لا إله إلا الله”، ثم تابعت تقول بالإنكليزية: “مرحباً بملائكة الله” وما هو إلا أن أسلمت الروح!.
هذه اليقظة التي عاودت الأم قبل موتها بلحظات، لم تكن إكراماً من الله لها، بمقدار ما كانت إكراماً منه لابنتها، التي ما فتئت تدعوها إلى الإسلام وتعرفها به في صحوتها وعافيتها، ثم ظلَّت -دون انقطاع- تلقنها الشهادة وتهتف بكلمة الإسلام على أذنها في أثناء غيبوبتها.
لقد كانت تناشد الله بلسان حالها، ألاَّ يدع أمها ترحل من هذه الحياة إلا وقد اعتنقت دينه وذاقت مثلها لذة معرفته، فكان أن لبى الله السميع البصير منها هذه المناشدة، وأيقظ أمها وهي في سياق الموت، وأَنْطَقَها بما طيَّب خاطِرَ ابنتَها، وبما بشَّرها أنَّ دعوتها إلى الله لم ولن تذهب سُدىً، وإذا كان يعزُّ عليها -وهي الرحيمة بأُمِّها- أَلا يُكرمها اللهُ بمثل ما أكرمها به من سعادة معرفته والإيمان به، فإنَّ الله أرحمُ بها منها وأشدُّ إِكراماً لها منها.
وزبدة القول في كل ما ذكرناه، وفي المشهد الأخاذ الذي سقناه، أنَّ الناس كُلَّما ازدادوا تراحماً، ازداد الله بهم رحمة، ولن يتراحم الناس بشيءٍ أجلَّ وأسمى من الدعوة إلى الله والتعريف بدين الله مع الصبر الجميل على ذلك.
هل يمكن إقامة المجتمع الإسلامي على منهج ثوري
ازدادت الصلة -في الآونة الأخيرة- بين كلمتي “الثورة” و “الإسلام”. وظهر -لأول مرَّة- ربما شعار “الثورة الإسلامية” تعبيراً عن آمال إسلامية يتم السير نحوها، أو تعريفاً بواقع فرض نفسه بشكل ما.
والسؤال الذي لا بدّ أن يتطارحه المسلمون فيما بينهم، أو المسلم الحصيف مع نفسه هو:
هل يتفق مفهوم كلمة “الثورة” مع جوهر الدعوة الإسلامية، أو مع حقيقة ما يسمى اليوم بالمجتمع الإسلامي؟
ومعلوم أن “الثورة” في عرف السياسة الحديثة، تعني أي تغيير جذري شامل ، يحدث في مسار الأنظمة السياسية أو الاجتماعية، قفزاً فوق سنَّة التطور والتدرج، سواء تم ذلك بطريقة سلمية هادئة أو بعامل عنف وسفك دماء.
غير أن الواقع الذي رصده التاريخ، بدءاً من الثورة الإنجليزية التي ظهرت عام (1215م) إلى الثورة الفرنسية عام (1789م) فالثورات الأخرى التي ظهرت هنا وهناك إلى يومنا هذا، حصر معنى الثورة في السعي إلى التغيير الجذري بعامل العنف وإراقة الدماء. ولا شك أن هذه الأداة تفاوتت شدَّة واتِّساعاً ما بين ثورة وأخرى. غير أنها ظلت سبيلاً أساسياً وقاسماً مشتركاً بينها جميعاً.
وهكذا، فعلى الرغم من أن التصور النظري لا يمنع من أن تقوم ثورة يسلك بها أصحابها طريق السلم والأناة، إلا أن الواقع لم يساعد هذا التصور يوماً ما على فرض نفسه في مجال التطبيق.
ولا ريب أن لهذا الواقع أسبابه التي لا يصعب التنبه لها. غير أن الحديث عنها خارج عما نحن بصدده الآن. لذا لا بدّ أن نتساءل: هل يتفق جوهر الإسلام بحدّ ذاته مع أي منهج ثوري “يقوم على الشدة والعنف” لإقامة المجتمع الإسلامي وتثبيته؟
بوسعي أن أبادر فأقول: إن ما يسمى بالمجتمع الإسلامي لا يمكن أن يستقر اعتماداً على سبيل العنف وسفك الدماء، وما سبق أن قام يوماً ما هذا المجتمع على مثل هذا الأساس.
ذلك لأن إشاعة أحكام الإسلام وآدابه في المجتمع، إنما يأتي ثمرة لرسوخ جذوره الاعتقادية في الأفئدة والعقول. وذلك هو مجمل الفارق الكبير بين النظم الإسلامية، وسائر الأنظمة الاجتماعية أو السياسية الأخرى. ذلك لأن هذه الأنظمة الأخرى لا تنمو اعتقاداً عن طريق المناهج التربوية المجردة، وإنما تفرض نفسها بالوسائل المادية المختلفة حسب اختلاف أصحابها، وربما كان العنف واحدة منها. وإنما أداة ذلك على الأغلب، سلوك سبيل العنف. أما عندما تكون هذه الأنظمة متساوقة مع رغبات الجميع، متآلفة مع مصالحهم، فلا داعي عندئذ للجوء إلى هذا السبيل.
أما نظام الإسلام، فهو إنما ينهض على دعامة خفية تكمن في أغوار النفس الإنسانية، ألا وهي استشعار معنى العبودية لله عز وجل، واليقين بوجوده ورقابته للإنسان، وبأنَّ مردَّه إليه، وأنه سيجزيه الجزاء الأوفى، على كل ما صدر منه أو اقترفه من خير وشر. لذلك كانت سائر الأعمال السلوكية التي تصدر من الإنسان مهدرة لا قيمة لها في ميزان المثوبة الإلهية يوم القيامة، إن لم تنهض على هذه الدعامة الإيمانية، ولم تصطبغ بها. ونصوص القرآن صريحة وقاطعة في ذلك: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23]. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب [النور: 39].
وبمقتضى هذه الحقيقة التي تُبرز الفارق الكبير بين طبيعة النظام الإسلامي وسائر الأنظمة الأخرى، كان واجب المسلمين في السعي إلى إقامة المجتمع الإسلامي متمثلاً بادئ ذي بدء في العمل بالسبل الممكنة كلها على تنبيه العقول إلى حقائق العقيدة الإسلامية ودلائلها العلمية الثابتة، وعلى إزالة الشبهات التي قد تعوق دون الجزم بها، ثم في العمل بالسبل الممكنة أيضاً على إخضاع هوى الأفئدة والنفوس لما استيقنته العقول وصدقت به.
وما من ريب في أن طريقاً يتجه به سالكه إلى الأفئدة والعقول، لا يصلح إلا أن يكون طريق مَرْحمة وسِلْم، وحكمة وأناة. وما من شك في أن أخطر العقبات التي قد تبرز على متنه إنما يتمثل في الضغينة والعنف.
وما تَرِدُ كلمة “الجهاد” مرَّة في القرآن، إلا ويكون هذا السعي الحثيث إلى الأفئدة والعقول، أول ما يقصد من معاني الكلمة ومدلولاتها. وهو المعنى الذي تترجمه هذه الآية القرآنية العظيمة: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن [النحل: 125]. فإن أعوزك مظهر تطبيقي تتجسّد فيه هذه الحقيقة، فدونك فتأمل في سيرة المصطفى ، واستعرض مراحل دعوته كلها، فلن تجد من خلالها إلا ممارسة مستمرة لهذه الحقيقة، وسعياً دائباً على هذا الدرب.
لقد أمضى النبي  ثلاثة عشر عاماً من عمر دعوته إلى الله وجهاده في سبيله، وهو يخاطب العقول بالإرشاد والتذكير، ويتَّجه إلى القلوب يستثير فيها العواطف الإنسانية والفطرة الإسلامية، دون أن يحرف عن ذلك الطريق ما أمعنت فيه قريش من العناد والبغضاء ومقابلته بشتى مظاهر الكيد والعدوان.
وربما توهَّم الباحث أنَّه الضعف الذي كان يعانيه النبي  والصحابة آنذاك، منعه من أن يقابل الشر بمثله، وحمله على الصَّبْر إلى حين. ولا ريب أن هذا وَهمٌ وباطل من القول، فلو كان الذي يمسكه على تلك الحال من التجمل والرحمة وسعة الصدر، عجزه عن المقاومة وعن ردِّ الكيد بمثله، إذن لفرضت طبيعة الثورة نفسها على حاله ومظهره، ولتجلَّى ذلك -على أقل تقدير- في حقدٍ ينفثه أو توعد يشفي غليله به، ولدعا عليهم ذات مرة بالسحق والمحق، ولا سيما وأن دعاء الرسل والأنبياء أمضى من أسلحة الثائرين. ولكنَّا قد علمنا أنه  ما كان يستقبل عداواتهم إلا بمزيد من الشفقة والرحمة، وأبى أن يُحرِّك لسانه بالدعاء عليهم، حتى في أحلك الساعات وأقسى الظروف التي مرَّت به.
فلما هاجر إلى المدينة واستقرَّ به المقام فيها، ونظر المشركون فرأوا أن قد غدا للنبي  أرض يركن إليها، وأن قد أحاطت به شيعة تستنّ بهديه وتدعو بدعوته، وأنها بسبيل أن تنتشر في الناس وتستقر في العقول، هاج بهم هائج الضغينة والحقد، وهبّت فيهم من ذلك ثورة لاهبة تسعى لحماية الباطل الذي توارثوه من الآباء والأجداد، وتُلِحُّ على خنق حقائق الدين الذي بعث به محمد .
وهكذا فإن الأمر كان على عكس ما يتوهمه المتوهمون، فالدعوة الإسلامية التي اختط الرسول  سبيلها الآمن الحكيم، هي التي واجهت من المشركين ثورة البطش والعنف والعدوان، وليس المشركون هم الذين فوجئوا من النبي  وأتباعه بتلك الثورة التي تنسب اليوم إلى الإسلام، فتسمى “الثورة الإسلامية”.
وما واجه المسلمون أعداءهم يوماً -وهم بقيادة المصطفى - على طول تلك المواجهة وعرضها، بشيءٍ من تشنجات الثائرين وأحقادهم الهائجة، وإنما كانوا يتصدّون لثورتهم بالإخماد، ويواجهون قوَّتهم بالتوهين، ويلاحقون جموعهم بالتفريق، وقاية لحقائق الدين الإسلامي أنْ تغتال في أشخاص المسلمين، فينكفئ الناس مرَّة أخرى على ظلام الجاهلية، ويعودون إلى ماضيهم التائه المشؤوم.
لقد قيل للنبي : إن أهل نجد بحاجة إلى من يدعوهم إلى الإسلام ويعرفهم به، فأرسل إليهم سبعة من عيون أصحابه، يخوضون إليهم غمار أحقاد ضارية، دون أن يجهزهم  إلا بمنطق الحق مضخَّماً بلوعة الشفقة والحب، فتخطَّفَتْهم جميعاً يدُ الغد، ودارت عليهم رحا القتل، ولم يَعُد منهم أحد.
ثم قيل مرَّة أخرى له  عن شدَّة احتياج أهل نجد إلى من يعرفهم بالإسلام، فأرسل إليهم بدلاً من أولئك السبعة سبعين من أَخلص أصحابه، ولم يُجهِّزهم إلا بمثل ما جهز به إخوانهم من قبل، فما كادوا يبعدون في أرض نجد، حتى أحيط بهم، وقُتِلوا عن آخرِهم، اللَّهم إلا واحداً فقط، وهو “عمرو بن أمية الضمري” وكأن الأقدار استَبْقَتْهُ ليعود بالنبأ الأليم إلى رسول الله .
فأي الفريقين ثائرٌ هائِجٌ مغتاظٌ، وأيهما الذي يسعى إلى إنقاذ دعوة الحق مضمَّخة بضياء المنطق، نابعة بلوعة الحب والإخلاص؟.
ولما صدّ المشركون رسول الله  عن البيت، وقد اتجه إليه مع جمع كبير من أصحابه معتمرين مسالمين، آثر السلامة وعاد إلى المدينة أدراجه، ووقَّع مع المشركين على كتاب صُلْحٍ بين الفريقين، كانت بنوده كلها خدشاً لكرامة المسلمين وإجحافاً بحقِّهم، لو أنَّهم كانوا يسيرون في معاملة الكافرين مسيرة الثائرين.
ولَمَّا أَمكَنَه الله من العودة ظافراً إلى مكة، وأظفره الله بأهلها، وسار إليها ممتطياً أعلى ذرى القوة والنصر، كان يراقب قلبه أن لا يتسلل إليه شيء من روح السخيمة وهوى الانتقام، وكان يحاذر أن يتسلل إلى رأسه شيء من نشوة القهر والانتصار، وكان يراقب أصحابه أيضاً ويحذرهم من أن يفتحوا أفئدتهم لشيء من تلك المشاعر.
ولما بلغه أن سعد بن عبادة قال -وهو على مشارف مكة- كلمة أجرتْها نشوةُ الظفر على لسانه: “اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستَحلُّ الحرمة” غضب عليه الصلاة والسلام وردَّ قائلاً: (اليوم يوم المرحمة) . وأبى عليه الصلاة والسلام، وهو يدخل مكة من أعلى قمم النصر، إلا أن يكون خاشع القلب مطأطئ الرأس، يرتدي كسوة الذل والعبودية لمولاه، وقدم على مشركي مكة قدوم الغائب على أهله، وبدّد مخاوفهم من البطش والانتقام بقوله: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
فتلك هي صورة مراحل الدعوة الإسلامية، في حياته  كلها، هل تجدها مسوقة إلا برحمة القلب وشفقة النفس، وهل تجدها متجهة إلا إلى العقول بالإقناع، وإلى الأفئدة بإيقاظ معاني الإنسانية.
غير أن المشكلة التي قد ترد على كلامنا هذا، في تصور بعض الناس هي مسألة الجهاد.
أليس الجهاد أقدس شرائع الإسلام، وهل كان النبي  يدعو أصحابه إلى عبادة أعظم من عبادة الجهاد؟ حتى لقد قرر بأنه الركن الباقي إلى يوم القيامة، وأن (من مات ولم يغزو، مات على شعبة من النفاق) ؟ وهل يكون لمعنى الثورة مظهر أجل من هذا وأبرز؟
والجواب: أن الجهاد الذي شرَعَه اللهُ واستقرَّ باباً من أخطر أبواب الفقه الإسلامي وأهمها، ليس أكثر مما تشرعه أي دولة مسالمة ديمقراطية اليوم، بصدد حماية سِلْمَها ورعاية أَمْنِها. وهو شيءٌ ضروري لا بدَّ منه بإجماع سائر فلاسفة القانون وعلماء الاجتماع، ما دام أن البغي على وجه الأرض لم ينقطع بعد، وأن مطامع الظلم والعدوان لا تزال بارزة المخالب والأنياب.
هل تجد دولة على وجه الأرض لا تهتم بإنشاء جيش قوي لها، ولا تنصرف إلى حماية ثغورها وتحصين حدودها؟ إن الجهاد الذي شَرَعَه الله وألزم به عباده المسلمين، ليس أكثر من ذلك مهما رأيت له من مظاهر وأَشكال.
يقول ابن رشد في مقدماته على مدونة الإمام مالك: “فإذا هوجر العدو، وحميت أطراف المسلمين، وسدّت ثغورهم، سقط فرض الجهاد عن سائر المسلمين”.
ويقول الشربيني في مغني المحتاج: “ويحصل فرض الكفاية بأن يَشْحَن الإمام الثغور بمكافئين للكفار، مع إحكام الحصون والخنادق وتقليد الأمراء”.
وحسبك أن تعلم أن مشروعية الجهاد ليست من قبيل شرعة المقاصد والغايات، وإنما هي وسيلة لا بد منها، في ظروف معينة تفرض نفسها، إلى غايات إنسانية سامية لا غنى عنها.
يقول العز بن عبد السلام: “إن الجهاد لا يُتقرب به إلى الله من جهة كونه إفساداً، وإنما يتقرب به من جهة كونه وسيلة إلى درء المفاسد وجلب المصالح”. وهذا يعني -كما قال جمهور الفقهاء- أن الأصل هو السلْم وحقن الدماء، ولا تشرع الحرب إلا عندما تكون هي الوسيلة الوحيدة إلى حماية السلم، ودرء الفتن وحفظ الأرواح. وعندئذ لا مناص من تطبيق القاعدة القائلة: “يُتحمَّلُ الضَّررُ الأَخَفُّ دَرْءاً للضَّررِ الأَعْظَم”.
وبمقتضى ذلك يُقرِّر مُعظم الفقهاء أن الباعث على القتال الذي يدخل في تعريف الجهاد، إنما هو دَرْءُ الحِرابة، وحماية السبيل إلى تعريف الناس بالإسلام بحيث يتمكَّن المسلمون من النهوض به على أَتَمِّ وجهٍ وفي كلِّ مكان، وليس مُجرَّد صفةِ الكفر الذي يتلبَّس بها غير المسلمين.
ومن أبرز الأدلة على ذلك، أن النبي ، ما زال ينهى في غزواته عن قتل الأُجراءِ والعبيد، والنساء والشيوخ، والرُّهبان الذين انقطعوا في كهوفهم أو معابدهم. وقد سار الخلفاء الراشدون  من بعده على هذا النَّهج. فلولا كان الباعث على القتال كفراً، لاستوى في موجب القتل هؤلاء وغيرهم.
غير أن هذا لا يعني أن الجهاد في الشريعة الإسلامية ينقسم -كما تراءى لبعض المستشرقين وأتباعهم- إلى حرب هجومية وحرب دفاعية. فهذا التقسيم لا وجود له في باب الجهاد، ولا تتفق طبيعة الجهاد وأهدافه التي شرع من أجلها مع هذا التقسيم.
وإنما محور القضية أن الإسلام بمعناه الاعتقادي والسلوكي، هو المنهج الذي فطر الله عليه عباده، واختاره لهم وألزمهم به في الدنيا، ولا رادَّ لما أَلْزم الله به عباده، لذا فقد كان عليهم جميعاً أن يتقيَّدوا به في حقِّ ألسنتهم، ثم أن يُبَصِّروا الناس به وبدلائله العلمية الثابتة، على أتم وجه وأقوم سبيل. ولا شك أن على الناس جميعاً أن يتركوا هذه المهمة تسير في طريق آمن وبسلام، ما دامت مقيَّدة بحدود التعريف العلمي، وإزالة ما قد يكتنف الإسلام من الشُّبه والْمُشكلات.
إذن فالجهاد ليس مظهراً لثورية الإسلام، كما قد يتوهَّم بعض الناس، وإنما هو الحِزام الذي تتَّخذه أية أمة من الأمم، في أي زمان ومكان، لحماية سِلْمِها، والتمكُّن من أداء دورها الإنساني البنَّاء على صعيد الأسرة الإنسانية جمعاء.
وبعد، فإنَّما أَردْت أن أخلص من هذا كله إلى تأكيد النقاط التالية، وإني لعلى يقين بأنها تَهُمُّ كل مُتحرِّق على عودةٍ راشدة إلى الإسلام، مُهتَمٍّ بأمر الدعوة الإسلامية، والعمل لمصلحته بشكل ما:
أولاً: يتميز هذا العصر بكثرة الحركات الإسلامية التي تتخذ من النهج الثوري سبيلاً لها، وهي مدفوعة بعوامل وأسباب شتى، ولكنها جميعاً تتلاقى على صعيد مشترك يتمثل في الهياج النفسي والأحقاد المستعرة، والسعي إلى التشفي والانتقام. وقد تجد بين أصحاب هذه الحركات من يكون معذوراً في وقوعه تحت سلطان هذه العوامل، كأولئك الذين استلبت منهم أوطانهم أو وقعوا تحت آصار الظلم والاستعباد، فإن من الطبيعي أن يستبدَّ بهم الحنق وتهيج بين جوانحهم عوامل الثورة على الظالمين والناهبين؛ ولكن فليحاذر أولئك الذين لا غرض لهم إلا العمل من أجل الإسلام والدعوة إليه، من أن يلتبس عليهم هذا بذاك، أو أن يُصابوا بعدوى تلك الحركات. وليعلموا أن من المستحيل أن ينهض وجود حقيقي للإسلام على دعامة من هذا القبيل إن كل نظام من الأنظمة الاجتماعية الوضعية قد يُفرض لصقاً بواسطة الضغط الثوري، ولكن الإسلام لا يستقرُّ وجوده إلا بغرس أصوله في تربة الأفئدة والنفوس، ثم استنباته بالرعاية والتوجيه، ولا يتم هذا إلا بمُعاناةٍ فرديَّةٍ طويلةٍ صابرةِ.
ثانياً: إنما يتكون المجتمع الإسلامي بإيجاد أفراده الصالحين أولاً، ولا تتمثل مهمة المسلمين في أكثر من النهوض الحقيقي بهذا الواجب؛ فإنْ هم أنجزوا ذلك في صبر وإخلاص وأناة، تكفلَّ الله لهم ببقية الأمر، فتوَّجَ لهم جهودهم هذه بنظام إسلامي متماسكٍ وسلطة إسلامية راشدة. لذا فليحذر المسلمون الذين يهتمون بشأن الدعوة الإسلامية من آفة هي أخطر آفات الحركات الإسلامية التي تظهر هنا وهناك، وهي أنهم ما يكادون يرون أن الإقبال على الإسلام يتزايد، وأن يقظة إسلامية واعية بدأت تنتشر في صفوف الشباب، وأن الأنظار أخذت تحسب للقوة الإسلامية حساباً، حتى تعاجلهم النشوة ويستبدّ بهم الزهو، فيتركون القاعدة التوجيهية التي ما كلفهم الله بغيرها، ويطمحون إلى حيث القمة، ليبدلوا النظم ويقيموا “الدولة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله”. ولا بدّ أن تتنبه عندئذ عوامل التربص والحذر لدى الأطراف الأخرى، وأن تصطرع القوى وتتأزم الأمور. وأخيراً ينكفئ الطامحون على أعقابهم، وقد خسروا قواعدهم الأولى، ولم يفوزوا بأحلامهم الأخرى، وتلك هي مصيبة الحركات الإسلامية في أكثر بقاع الأرض.
ثالثاً: على المسلم الذي ينهض بأعباء الدعوة الإسلامية، أن يكون شديد الرقابة على نفسه، فلا ينتصر لها من حيث يتوهم أنه ينتصر لدين الله، فإن بين هذين الطرفين حاجزاً دقيقاً جداً لا يكاد يبين، ولكنه مع ذلك حاجز ذو أهمية بالغة، إن ضاعت معالمه على السالك، وقع من جراء ذلك في مغبة ضياع خطير، وذهبت جهوده كلها أدراج الرياح.
لست أدري -وأنا أقرر هذه الحقيقة- هل كنت رقيباً على نفسي إلى الدرجة القصوى، متيقظاً للحاجز الدقيق الذي يمنعني من الانجراف نحو الانتصار للذات!. أرجو أن أكون قد وفقت لذلك، وأعوذ بالله من فتنة النفس والهوى.
الخاتمة
وفيها نصيحة أزجيها لإخواني الدعاة
يقول الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين [فصلت: 33]. ندعو إلى الله لا من مستوى فوقيٍّ أبداً، لا نباهى بعلمٍ تفضلنا أو زدنا به على من ندعوهم إلى الله عز وجل، بل ندعو إلى الله، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وكلنا يقين بأن هذا الذي ندعوه ربما أصبح غداً خيراً مني ومن كثيرٍ من الدعاة إلى الله عز وجل. أنا أدعو إلى الله نعم، ولكنني أخشى من مكر الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون [الأعراف: 99].
أقامني الله آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لكن ما أدري إلام تنتهي نفسي به إليه، وأي المنـزلقات أجدها أمامي، هل أستطيع أن أنجو منها أم لا؟ أدعو إلى الله وأنا أحذر على نفسي من التيه بعد الرشد، أدعو إلى الله التائهين، وأنا أتصور أن هذا التائه ربما كان غداً خيراً مني، وما أكثر ما رأينا أناساً عاشوا صدر شبابهم تائهين عن الرُّشد، ثم أصبحوا في مقدمة الربانيين من عباد الله، وهل نسيتم من كان “بشرٌ الحافي”؟ وهل نسيتم من كان “الفضيل بن عياض”؟ وما أكثر الناس الذين يعيدون سيرة بلعام بن باعوراء، دعا وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر معتزاً معتداً بثقافة إسلامية ورثها في يوم من الأيام، ثم إن الكبر زجه في حالة من التيه والبعد عن الله، ونظر وإذا هو يطأطئ الرأس لولاية أعداء الله عز وجل له. تلك هي سنة الله، نسير في غمار هذه الحقيقة حراساً لأرضنا المباركة، حراساً لديننا، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر بالصراحة وبالحكمة اللتين أمرنا بهما الله عز وجل، لا نوقف ألسنتنا عن هذه الوظيفة أمام أكبر القادة والحكام -وهذا ما نفعله، وهذا ما يجب على كلِّ مسلمٍ أن يفعله- إن سُئِلْنَا عن الجهاد فهذا هو جهادنا. وإن سُئِلْنَا عن حراسة الأرض والعرض والدين فهذه هي حراستنا. وإن سُئِلْنَا عن الشرف الذي نتمتع به فإنما هو شرف حراسة هذه الأرض المباركة من أن تدنسها قدم إنسان أعلن عن عداوته لله وعداوته لعباد الله عز وجل.
لا، لن ندع العدو المشترك يدخل فيما بيننا ليكون هو الحكَمُ علينا، لا، لن نفعل ذلك. على هذا نعيش، وبهذا المبدأ نموت، وعلى هذا المنهج نلقى الله سبحانه وتعالى، وموعدنا وموعد الذين آثروا التيه وآثروا الذل وآثروا الإعراض عن وصايا الله عز وجل، ومدوا اليد -يد الهوان والذل- إلى أعدائهم وأعداء مولاهم وخالقهم، موعدنا معهم يوم يقوم الناس لرب العالمين. عندئذٍ، سوف ترى إذا انجلى الغبار هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نعلمها.
والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>