2- محاولات زرع الفتنة الطائفية في سورية = الجزء الثالث

محاولات زرع الفتنة الطائفية في سورية

متى وكيف ولماذا ؟

لا بد من قول في البداية
ما الذي يَجري في الوطن العربي ؟ كَيف يَجري الانتقال السريع من التمحور تجاه قضايا الصراع الأساسية إلى صراعات جانبية طائفية ومذهبية وإثنية ، تأخذ سمة التناقضات الرئيسية ، وتتخذ شكل القنابل الموقوتة ، وقد بَدأت تتفجر في أكثر من ساحة عربية ، وهي قابلة للاشتعال كعدوى فيروسية في أقطار عربية جديدة .
إنها سايكس بيكو الثانية التي لم يَجر الإعلان عن عَقدها وتوقيعها ، لكن يَجري تَطبيقها بتسارع كبير في البلدان العربية ، وكأنها مُهيأة منذ وقت طويل لهذا الأمر .
هذه الصراعات الجديدة بَدأت تنخر الجسد العربي ، وتشي آفاقها بإمكانية هَيمنتها على كل الصراعات الرئيسية الأخرى والتحديات الكثيرة والكبيرة الخارجية والداخلية أيضاً .
مارد الطائفية والمذهبية البغيض يَعود من جديد
الإشكالات المفاهيمية:
لعل موضوع “الطائفية” واحد من الموضوعات التي شهدت نوعاً من الخلط المفاهيمي والتداخل في المعاني ، والاصطلاحات الذي لم يَزدها إلا غُموضاً ، وقد دَفع ذلك إلى تأزيمها بل تفجيرها .
وفي سبيل تَوضيح حقيقة هذا المفهوم لا بُدَّ مِن مُمارسة عَملية نَقدٍ وَتَفكيكٍ للبنية المفاهيمية التي يُمثل مفهوم “الطائفية” جُزءاً مِنها وأحد أركانها .
الطائفة والطائفية:
مفهوم “الطائفية” مَفهومٌ مُشتَقٌّ مِن جَذرٍ مُتحرك ؛ فهو مَأخوذ مِن “طاف يَطوف طَوافاً فهو طائف” ؛ فالبناء اللفظي يَحمل مَعنى تَحرك الجزء مِن الكل ، دُون أن يَنفصل عنه ، بل يَتحرك في إطاره وربما لِصَالِحه ، قال الله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُل فِرْقَةٍ منْهُمْ طَآئِفَةٌ ليَتَفَقهُواْ فِي الدينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلهُمْ يَحْذَرُون [التوبة: 122] ، وهو أيضاً مَفهوم يُشير إلى عدد قليل من البشر ؛ إذ لا يَتجاوز – لغة – الألف من الأفراد ، ومِن ثَمَّ فإن هذا المفهوم في جَوهره يَتضمن فِكرةَ الأقلية العددية الصغيرة المتحركة في إطار الكل المشدودة إليه ، بِغَضِّ النظر عن دينها أو عِرقها أو لغتها … إلخ ، فهو مَفهومٌ كَمِّيّ عَددي لا غير ؛ لذلك ظَلَّ اللفظ يُستخدَمُ لِيُشير إلى كيانات مُختلفة مُتعددة في خصائصها ، ولكنَّ القاسمَ المشترك بينها هو القلة العددية ، فَقَد أُطلق على جُملة من المقالات أو الآراء – نسبة إلى ما كانت الأكثرية تتبناه – “طوائف” ، مِثلَ طائفة المعتزلة ؛ ثم لَمَّا حَدثت مَقالاتٌ حَولها انقسمت هذه الطوائف في داخلها سميت طوائف أيضاً ، مِثل الإمامية والزيدية ونحوهما ، ثم انقسمت هَذه بِدَورها إلى مجموعات سُميت “طوائف” كذلك ، ولم يَبرز هذا المفهوم باعتباره إشكالية أو أزمة إلا في القرنين الأخيرين خاصة ، وذلك تَحت تَأثيرِ عَوامل داخلية وخارجية في ظرف تاريخي مُعين سُاعد على إحداث نَوعٍ مِنَ التطابق بين الأمراض الداخلية والمؤثرات الخارجية ، فالعربي تَعامل مع اليهودية والمسيحية والإسلام تعامله مع اختلافات اعتقادية لا تَعني المفاصلة والعداء ، أو تهديد وحدة الكيان والخروج عنه ، أو محاولة الانتماء لكيان آخر خارجه ، أو السعي للانفصال عنه فقط بحجة الاختلاف في العقيدة ، ومِن أقدم النصوص العربية الإسلامية في هذا المجال “وثيقة المدينة” ، تلك هي أبرز الانقسامات التي شَهدها التطور التاريخي العربي إلى ما قبل الحملة الفرنسية على مصر والشام .
وكما بين لنا التاريخ ، لم تَكن هذه الانقسامات عنصرَ تهديد لوحدة الكيان العربي ، أو مبرراً للتمايز والانفصال والتمزق بين أبنائه ، أو وسيلة للاختراق من قبل الآخر ؛ فالمسيحيون العرب لم يُعلِنُوا – على سبيل المثال – مُناصرةَ الصليبيِين في حَملاتهم على البلاد العربية ، ولم يَتحالفوا معهم حتى في لحظات انكسار المسلمين .
ثم مُزِجَ مَفهوم “الطائفة” ذات المكون العددي مع مَفاهيمَ أُخرى ذات مَضمونٍ فِكري أو فلسفي أو عرقي أو مذهبي أو ديني ، فتحول إلى ما يُشبه “المصدر الصناعي” في لُغتنا ، لِيُفيد معنى الفاعلية الخاصة بالأقلية العددية ، والمنفصلة عن فاعلية الأُمَّة ، وبذلك أصبح مَفهوم الطائفة يُستخدم بَديلاً لمفاهيم الملة والعرق والدين التي كانت سائدة قبل ذلك ، واختلطت هذه المفاهيم جميعاً في بِيئةٍ مُتأزمَةٍ فِكرياً وسياسياً وثقافياً ، فأنتجت مَفهومَ “الطائفية” كتعبير عن حالة أزمة تَعيشها مُجتمعات عَربية وإسلامية تكاد تَكون شَاملة لمجموع المحيط العربي والإسلامي كله ، مِثل لبنان والعراق واليمن وسوريا والسعودية ودول الخليج وإيران والباكستان وأفغانستان ، حيث تحول الجزء إلى كل ، والبعض إلى كيان مُستقل ، وأصبحت الطائفية مَذهباً وأيديولوجية وهوية حَلت محل الهويات الأخرى والانتماءات الأعلى ، بل وبدأت تتعالى عليها ، وقد تُبدي الاستعداد للتقاطع معها ، وأخذ موقعها.
الفرقة والمذهبية:
يُشير مَفهوم “الفِرقة” أيضاً إلى الدلالات العددية ، وإن كان يُؤدي إلى معاني التفرق والانفصال دون تجاوز الجذور ، كما أن مَعنى التَّفرقة فِيه أكثر من الطائفية ، وعلى الرغم من ذلك استُخدم مَفهوم الفرقة في الخبرة الحضارية العربية للدلالة على مَعان فِكرية واعتقادية ومَذهبية ، فالمسيحية تَنقسم إلى فِرَق ، وكذلك الإسلام ، ومِن ثَمَّ فإن هذا المفهوم لا يَحمل أية دلالات عرقية ، أو دلالات تُعطي معنى التناقض الكلي أو الخلاف الشامل بين الفِرق ، حتى عِند مَن يَشترط قَبل ذلك وَحدة جامعة تظهر بَعدها أنواع من التفرق ، إلا أنه في عُصور الانحطاط الحضاري تَحولت الفِرَقُ إلى مَذهبيات مُنفصلة مُتعارضة مُتعادية ، خُصوصاً بعد الصراع العثماني الصفوي الذي استمر قُرابة ثَلاثة قُرون ونصف ، فتحولت الفِرق إلى مَذهبيات أو أيديولوجيات مُتناقضة تَعمل على تَجذير خِلافاتها بِحيث لا يَكون هُناك مَجال للتلاقي أو الوصال أو التفاعل أو التحاور .
وقد يَحل بعض الكُتَّاب مَفهوم “الفرقة” مَحَلَّ “الطائفة” ، ويُضفي عليها المعاني ذاتها .
الأشكال التاريخية للانقسامات في الوطن العربي
إن النظرة الكلية لِتاريخ الانقسامات في الوطن العربي تُبين لنا أن هُناك مَرحلتين مُختلفتين في تاريخ الانقسامات في هذه الأمة:
أولاهما: مَرحلة الانقسامات طبقاً لمفاعلات داخلية: وهذه هي المرحلة الطبيعية التي تَكَوَّن خلالها الكيان العربي وتَطور ، ومِن ثَمَّ حَدثت انقساماته الداخلية طِبقاً لعوامل ذاتية نَابعة من داخله في مضمونها ، تِلقائية في تأثيرها والتفاعل معها ، وأهم هذه الانقسامات:
الانقسامات المذهبية: ويُعتبر هذا النوع من الانقسامات تَطوراً طَبيعياً في أي نَسقٍ مَعرفي ، حيث لا يُمكن أن يَجتَمِعَ الناسُ على فِكرة واحدةٍ بِصورة مُطلقة ، وحيث إن التعدد الفِكري بَين الناس طَبيعيٌّ في مَصدره ، ووظيفي في غَايَتِه ؛ لذلك كانت الانقسامات المذهبية للأمة الإسلامية بِصفةٍ عَامة وفي الكيان العربي بصفة خاصة مَسألة لا تَقضي على الوحدة ، ولا تؤدي إلى التمزق أو التشرذم في ذاتها ، وما لم تَكن هناك مُؤثرات خَارجية تُعَجِّل بالتمزق أو تُسرع به ، ولا يَكون لهذه الانقسامات تأثير سلبي .
الانقسامات المللية: طِبقاً لما سَبق تَأكيده في مَوضوع الانقسامات المذهبية ، فَإِنَّ الانقسامات إلى مِلَلٍ في إِطَار الإيمان بِثوابت دِينية وَاحدة كانت أمراً طبيعياً وتطوراً تلقائياً ، ولم تَكن سبباً للتمزق أو الانقسام والتشرذم .
ثانيهما: مرحلة الانقسامات طبقاً لمفاعلات خارجية: تُؤكد داَئماً أدبيات التكامل والاندماج المجتمعي والوطني على أن الانقسامات الاجتماعية الطبيعية – مثل الانقسامات القبلية والإقليمية واللغوية والثقافية والطبقية – لا تُشَكِّل تَهديداً للمجتمع طَالما ظَلَّت دُون تَفعيلٍ في وَعي الجماعة ، وطالما لم يَتطابق مِحوران للانقسام مَعاً ؛ فَالانقسام الإقليمي مَثلاً مَا لم يَمتزج مَعه نَوعٌ آخَر مِن الانقسامات – مِثل اللغة أو الدِّين أو الوَضع الاقتصادي – لا يُمثل تَهديداً لتكامل المجتمع واندماج مكونات الأمة ، فَوُجود مجموعة من دين مُعين في دَاخل مُجتمع مِن دينٍ آخر لا يُمثل تهديداً لِتكامل المجتمع في ذاته ، وإنما يَظهر التهديد عندما تُصبح هذه المجموعة ذَات لغة مُستقلة أيضاً ، أو تُصبح مُضطهدة سياسياً أو فَقِيرةً اقتصادياً أو مَعزولةً إقليمياً . ولذلك ظَلَّت الانقسامات الطبيعية في الوطن العربي دُون تَفعيل ودون تَأثير حتى النصف الثاني من حَيَاة الدولة العثمانية في طور انحدارها وتَدهورها سياسياً وحضارياً ، حَيث بَدأت الانقسامات تتطابق ، وبدأ يتم التعامل مع العرب كلهم كموضوع للحكم وطرف أدنى ، كما بَدأ التعامل مع بعض الطوائف العربية كأقليات مُورِسَ ضِدها نَوعٌ مِن الظلم ، أو تَمَّ تَغذيةُ شعورها بأنها مُخالفة ، أو أنها جُزء خَارج المجتمع ، أو أن لها وضعاً سياسياً خاصاً … إلخ .
كل تلك السياسات أدت إلى تَفجير الشعور الطائفي ، ثم جَاءت مَرحلة النفوذ الأجنبي ، وادعاء الدول الأوربية – الطامعة في ممتلكات الرجل المريض – أنها حَامية لأقلياتٍ مَسيحيةٍ في الشرق العَربي ، ثم كان الاستعمار والتقسيم ، وتغذية عَوامل وعناصر التفرق ، وتضخيمها ودفعها لتحتل مُقدمة الوعي الثقافي العربي ، وكانت ذُروة المشكلة في حلولها ، سواء الحلول القَومية التي بَذرت النزعة الذاتية لدى الكيان العربي ضد الدولة العثمانية ولم تَستطع أن تُوقِفَ نمو الشعور القومي بمعانيه الذاتية الخصوصية الضيقة عند حدود العرب ، بل نما هذا الشعور وتطور داخل مكونات الأمة العربية ، وبَدأَت تُثَار قضايا أخرى ، مثل الفرعونية والفينيقية والبربرية والمارونية والقبطية … إلخ ، وقد تمثلت عناصر تَفجير الانقسامات في هذه المرحلة في القضايا التالية:
مظاهر الوجود الطائفي في سوريا
لم يَكن للمرء حقيقة أن يَلحظ أن ثَمة مُشكلاً طائفياً حاداً في سوريا إلا في أعقاب دخول الجماعات الإرهابية المسلحة إلى القطر ، وتَرويع الآمنين ورفع شِعارِ المذهبية والطائفية ، وَتَكوين الجماعات القتالية والألوية المسلحة ، كما أن إنشاء المنابر الإعلامية والفضائيات ، وتأسيس الميليشيات وأعضاء “الجيش الحر” أيضاً إنما تَمَّ بالاحتكام إلى مَبدأ الطائفية الذي بَات مَصدرَ الهوية والانتماء ، والعُنصر المحدد للتباري على السلطة وبلوغ سُدَّة الحكم ، ولم يَقتصر الأمر عند حَدِّ اعتماد المحاصصة الطائفية كَنمط في تحديد آليات اللعبة السياسية الجديدة ، بل اتُّخِذت الطائفية كَمرتكز أساس ، وباستِحضَارِهِ أُفرغت العَديد من الوزارات والجامعات مِن كوادرها ، لِتُعَوَّضَ بِمُقربين من الطائفة ، واعتَمَدت سياساتٍ في التهجير والتطهير والتصفيات أوجدت خلفها ميليشيات لم تَعرف مِن الولاء إلا ولاء الطائفة والعشيرة أو الحزب المعبر عنهما شَكلاً ومَضموناً ، بل قُل إن السقف الطائفي والمشترك العقائدي هُوَ الذِي أضحى الخَيط النَّاظِم للعملية السياسية التي ارتضت لِنفسها الاشتغال مِن بَين ظَهراني الاحتلال ، وتحت حمايته وعلى هَديٍ من توجيهاته . وعلى هذا الأساس ، فإن عُنصر الهوية – المرتكز على العروبة والإسلام والانتماء للوطن الواحد – قَد تَحَوَّل لِيَتخذ لَه مِن الركيزة الطائفية المرجعيةَ والفلسفةَ … والهويةَ أيضاً .
لَيس مِنَ المبالغة في شيء القول بأننا إزاء شَرخ في التركيبة الاجتماعية يَبرزُ مَشهدها العام كما لو أن الكل بَات مع الكل ضد الكل دُونَما فَارِزٍ جَوهري ، اللهم إلا فارز الطائفة أو العشيرة أو القبيلة أو المذهب الديني بصورة بدائية قاتمة أو مُتخذة لها تلوينات سياسية في إطار الحزب أو الجمعية أو الهيئة أو التكتل العقائدي ، وهكذا … لكنها بالأساس عُنصر تَنَاحر وتمنع يُتَقاتَل بموجبها أبناء الوطن على خلفية من الانتماء البدائي للطائفة أو للعشيرة أو للقبيلة أو لغيرها . إنها – الطائفية – غَدت العُزوة بامتياز ، بالاتكاء عليها تَتحدد مَوازين القوة ، وبالركون إليها يُؤَشَّرُ على قوة هذا الطرف أو ذاك .
الطائفية … لماذا الآن ؟
لعله يُمكن الجزم بأن أكبر وأخطر مَرض يُهددُ الإنسانية مُنذُ نَشأتها وحتى الساعة هُوَ دَاءُ الطائفية والتعصب ، والذِي عَرفته كل العصور وعَرفته كل الأمصار مُنذ زَمن بعيد ، حتى قبل ظهور الأديان التوحيدية ، لا سيما وأن الطائفية أنواع ، مِنها ما هو دِيني ، ومنها ما هو سياسي أو عرقي أو أيديولوجي ، وجميعها في نهاية الأمر تَصبُّ صَباً في دائرة الانتقاص مِن أضداد الطائفية ، أي من المواطنة والتعددية . ولكن لماذا يَكتسب الحديث عن الطائفية اليَوم بُعداً خَاصَّاً مُتميزاً ؟
السبب واضح وبسيط ، وأغلب الظَّنِّ مَرده إلى أن أحوال منطقة الشرق الأوسط الآنية ، وما تمر به من ثَورات وفَورات ، بَدأت سياسية تحررية ، ولاحقاً نَحَت مَنحى طائفياً مَذهبياً غير سديد ، ومعلوم للكافة أن صِراع الطائفية المرتكز على المطلقات والروحيات والأديان هو أشدها فَتكاً ، ولا يَغيب عن نَاظِرِ القارئ اليَوم أن العَالم العَربي تَحَوَّل في العامين الأخيرين مِن صراع الأحزاب والنظم السياسية إلى مُواجهةِ ومُجابهةِ التيارات الدينية ، وتكاد المنطقة تَشتعل مِن جَراء تلك المخاوف مِن أنواع الطائفية ، وهو بالفعل أخطرها ، وهو المبني على أحجار زاوية دِينية عَقائدية ، وهُنَا الطَّامَّةُ الكبرى … لماذا ؟ لأن الأديان تَنزيلٌ إِلهي لا يَقبلُ الصِّراع ، في حِين أن السياسة من أعمال البشر ، يُؤخَذُ مِنها ويُرَدُّ عَليها ، ولذلك فَالطائفية الدينية أو المذهبية تَسعى إلى القَضَاءِ على الآخر ، فَلا عَيش ولا تَعايش مع تلك الطَّائفية ، وهذا المثل البَالِغ السُّوء يَظهر جَلياً في بِلادٍ مثلَ باكستان والعراق ، حيث نَرى تَفجير المساجد السنية والشيعية بالتبادل ، في إشارةٍ إلى عَدم إمكانية قَبولِ فِكرة عَيشِ الآخر المخالف عَقائدياً ، مَع ما يَستتبع ذَلك من تَعميقٍ للكراهيات وتأصيل للعداوات ، وَالدَّولة التي تُعاني من المذهبية الطائفية هِي دَولةُ نَاقِصَة ، حَسبَ وَصف “كارل ماركس” للدولة التي تُحابي جماعة إثنية أو مذهبية على حساب بقية الجماعات ، ولعل ما يجري في سوريا الآن – وبَعض مما يَجري في العراق ، والكثير مما جَرى في لبنان طوال العقودَ الماضية – هُوَ صُورة واضحة كل الوضوح لمثل تلك الروح المذهبية التي تُسَيِّسُ الحياة العامة للأسف الشديد .
خطر الطائفية
تُعتبر الطائفية مِن أكبر المخاطر التي تُعاني منها مجتمعات عربية وإسلامية مُتعددة ، الأمر الذي بات يُهدد الوَحدة الاجتماعية والنَّسيجَ المجتمعي في هذه البلدان ، فَالدولة الحَديثة لا تَتحقق إلا بِالقضاء على الأمراض الاجتماعية التي تُهدد البُنية الثقافية فيها ، وأولها الطائفية والقبلية .
الطائفية تعني الإيمان بالحقيقة الاصطفائية المطلقة التي تَجعل الإنسان يَعيش في إطار ديني ضَيق جداً ، ويُبغض جَميع الأديان والمعتقدات والأفكار الأخرى ، ويُبغض جَميع البَشر والجماعات الذين لا يَتَّفِقُون مع المعتقدات والأفكار التي يُؤمِنُ بها ، ويَرى أنها – أي طَائفته – الطريق الوحيد للنجاة في الفردوس السرمدي ، وقد يتحول هذا البُغض بفعل التجييش العاطفي إلى ممارسة تطبيقية وفعل عنيف .
حيث إن الطائفية تَفرض على الإنسان أن يَعيش داخل سِيَاجٍ دُوغمائي مُغلق ، ويُحيط نفسه بمجموعة كبيرة من التابوات المحرمة التي لا يجوز انتهاكها أو الاقتراب منها ، أو حتى التساؤل حول صِحتها ، وبهذه النظرة إلى الذات والآخر المختلف وقعت الحروب الدموية التي كَلَّفت البشرية الملايين من الضحايا الأبرياء الذين لم يَسمعوا يَوماً عن الاختلافات اللاهوتية أو المساجلات الجدلية بين الأديان والمعتقدات المختلفة ، وإنما شاءت الأقدار أن يَخرجوا إلى الدنيا وهم يُؤمنون بهذا المعتقد أو ذاك .
يَرى عَالم النَّفس الأمريكي “وليم جيمس” بأن العَقل البَشري جُزئي ومُتحيز بِطبيعته ، ولذلك فإنه لا يَنظر إلى الأحداث التي تَقع إلا حَسب الحقيقة التي يُؤمن بها ، ويَرى بأنها تُمثل الصواب ، فهو عِندما يَرى نِزاعاً يَدور في مِنطقة مَا ، فإنه لا يَبحث عَن طَبيعة هَذا النزاع وخلفياته السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وإنما يَنحَازُ بِشكل مُباشَرٍ إلى الطَّرَفِ الذِي يَتمثَّلُ في طائفته ، وربما يتجاوز مُجرد الانحياز إلى المشاركة في الحدث وهو يحسب أنه ينتصر للحقيقة ، ولكنها حقيقته هو فقط ، وقد تكون الحقيقة – أو الجزء الأكبر منها – عند الطرف الآخر .
من يقف وراء الطائفية
إن الفتنة الطائفية والمذهبية ليست بجديدة على العالم العربي والإسلامي , وإنما هي ظاهرة شَهدها تاريخ المسلمين في وقت مبكر ، وما فتئت رياحها منذ ذلك الوقت تَهب بين فترة وأخرى بفعل عوامل مُتجددة تارة ومضافة تارة أخرى , وتغذيها التطورات الفِكرية والاجتماعية والسياسية بما يُوقِدُ جَذوتها أو يَزيد في لهبها . ولها في كل أَشواطِها خَطٌّ بَيَاني مُتحرك حَسب الظُّرُوف والملابسات ، وقد تحركت الفتنة الطائفية والمذهبية في التاريخ الحديث للعرب والمسلمين أكثر مِن مرة , وتفاوتت شِدة وضعفاً , ونجدها تتحرك في حاضرنا حَلقة من سلسلة مُتصلة .
إننا حِين نَتَفَحَّصُ هذه الظاهرة ونَدرس أسبابها والعوامل المحركة لها أمام مَجموعة من العوامل نَجد أن هُناك عَاملاً خارجياً ، حَيث تتحرك قُوى مُعادية للأمة تهدف إلى تَمزيق نَسيجها الاجتماعي , وإثارة النَّعَرات في داخل هَذه الأمة ، فَتَخلق فِتنة مَذهبية وطائفية ، مِن خِلال كَلمةٍ هُنا وكَلمةٍ هناك ، وعمل هنا وعمل هناك , وفِعل هنا يَتبعه رَدُّ فِعل هناك ، فَتُهيج المشاعر وتُشعل النفوس وتُضرم نيران الشحناء ، والهدف وراء ذلك هو إضعاف هذه الأمة وإعاقة وحدتها ، والمنع من تماسكها ، وإشغالها بِصراعٍ دَاخلي يُشتِّتُ جُهدها ويَحرفُ مَسارها عَن مُواجهةِ أَعدائها .
ويَجِبُ أَلا نَستهين بِهذا العَامل بِحُجَّةِ عَدم الاعتقاد بِنظرية المؤامرة , فالمؤامرة مَوجودة ، وهي وإن لم تُفَسر لنا الأحداث كَعَامِلٍ وَحيد ، لَكنها إِحدى العَوَامِلِ التي تَتحرك في سَاحَتِنَا وَتُحَرِّكُ أَحداثها .
إن قوى الهيمنة تَتحدث عن خريطة جديدة للمنطقة تَقوم على التقسيم والتفتيت ، وتَعتَمِدُ الأسس الطائفية والعِرقية في ذلك ، فلا يُمكننا إغفال دورها في إِثارة مِثلَ هذه الفتن .
كما أن الصهيونية التي تَمر بمنعطفات حَرِجَة – سواء مِن حيث مَوقف الرأي العام العالمي مِن العنف والعنت والتعسف الإسرائيلي – وكل ذلك يُحتم علينا أن لا نُغفل الدور الصهيوني في إثارة الفتنة الطائفية الرامي لتخفيف الضغط عنه تارة , وصَرفِ الأنظار تارة أخرى , وإِشغَال الآخرين ثالثة ، وافتعال صِراعات يُمكن استغلالها وتوظيفها لصالح إسرائيل في صراعها مع الأمة .
ومن جانب آخر – وهو لا يقل أهمية عن الجانب السابق – قوى التطرف التي ليس لها من سعة الأفق ولا من سعة الصدر ما تستوعب معه الآخر , وهي تعمل من مُنطلق احتكار الحقيقة كما تراها هي ، وتؤمن بأن ما تَراه صواباً فهو لا يحتمل الخطأ ، وما تراه حقاً فهو لا يحتمل الباطل , وأنَّ ما يَراه غيرها فهو خطأ لا يحتمل الصواب ، وباطل لا يحتمل الحق ، فَتُحَرِّكُ مِن مَوقع الانغلاق صراعاً يُثير فتنة , وطالما لَعب هذا العامِل دَوراً في إذكاء الفتن .
إن للعقليات المريضة المعبأة بالتطرف والتعصب والانحراف ، والنفوس المريضة الملتهبة بالحقد ، دَوراً لا يُستهان به في إثارة الفتن , كما أن ثقافات مَوجودة في كثير من المدارس والمذاهب تَصنع عَقلية تُغَذِّي الفِتنة أو تُؤدي إِليها , وتَضرِبُ أُسُسَ التَّعَايُشِ الذِي يَجِبُ أَن يَكون بَينَ النَّاس ، فَتُشعل الصراعات هنا وهناك بين حين وآخر .
كذلك عَدَمُ شُيوع ثقافة صحيحة في التعاطي مع التعددية المذهبية والطائفية , فبدلاً من التعامل مع هذا التنوع كعامل من عوامل الغنى الفكري والسعة العملية ، يَتم التعامل مَعه كعامل من عوامل الانقسام والخصومة , وبدلاً من حَصر النزاعات في إطار الحوار العِلمي البَنَّاء ، يَتم سَحبها إلى الشَّارع وتحريكه وإثارته ، مُضافاً إلى عَدم الموضوعية في النَّظَرِ إلى الخلافات وإدارتها ، والنتيجةُ وجودُ صِراعات سياسية تَأخذ طَابعاً طَائفياً , أو تُوظف العامل المذهبي والطائفي لِتحقيق أغراض سياسية ، فهي عَامل مُهم مِن عَوامل الفتنة الطائفية والمذهبية .
لكن ما يَنقصنا هُو الثقافة الصحيحة للتعاطي مع مثل هكذا أمور .
أمريكا والطائفية
تتحدث السياسات وَالأفكار الأمريكية المطروحة على السَّاحَة العَربية – مِن خِلال الإعلام وعبر أبواق الولايات المتحدة – عَن المساواة وحُقوق المواطنة والعلمانية ، وفَصَل الدين عن الدولة ، وما شابه ذلك ، ولكن الممارسة الأمريكية الفعلية في واقع الأوضاع السياسية في الوطن العربي تُكذب هذا الزَّعم ، وتُشير إلى أن أمريكا تَنطلق في هذه الممارسات مِن مَوقفٍ يُكَرِّس الطائفية والمذهبية والعنصرية في أَشد صُورها تَخَلُّفَاً .
وقد تَرَنَّحَت هذه السياسة المتناقضة التي تُمثل أحد أبرز جوانب ما أصبح يعرف بازدواجية المعايير في المواقف الأمريكية إلى حَدِّ أَنها وَصلت في العراق إلى تقسيم المسلمين إلى طائفتين أو ديانتين مُتصارعتين هما السنّة والشيعة ، وذلك عِندما لم تَجد أَقليات مَسيحية ذات وَزن عَددي يَسمح بإجراء لُعبة الطائفية مَعها ، كما لم تَجد أي دَيَانَات أُخرى بنفس الغَرض .
ويَدل هَذا على أن الاعتماد على القِسمة الطائفية كأساس لِتحقيق أهداف السياسة الأمريكية قد أصبح أمراً أصيلاً عِند سَاسَةِ الولايات المتحدة وصانعي قَرارها .
الحرب الطائفية تعني جملة من الأخطاء القاتلة
•    أنها تَعني قَتلَ الناس على أسمائهم وهوياتهم الشخصية ، بِغض النظر عن مَواقفهم وأفعالهم ، ومِن دون تمييز البريء عمن سواه ، وهذا عين الظلم .
•    أنها تَعني سَفك الدم الحرام والتسبب في سفك الدم الحرام المقابل ؛ فمن سَبَّ آباء الناس جَلب السَّبَّ لأبيه ، ومن قتل آباء الناس وأبناءهم قَتل الناسُ آباءه وأبناءه ؛ إذ لكل فعلٍ رَدة فعل ، وهكذا يتسع الخرق وتُزهَقُ الأرواح ، ويَقَعُ الإسراف في القتل إلى أن يَشمل الجميع ، ويُقتَلُ الإنسان ولا يَعرفُ لِمَاذَا قُتِلَ وَفِيمَا قُتِل ، وهذا مَا لا نُريده ولا نُقِرُّه ولا نَرضاه لجميع المسلمين فَضلاً عن البلد الحبيب سورية ، قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً [الإسراء: 33] ، قال أهل العلم في قوله: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْل أي لا يُسرف وَلي المقتول في القتل ، فَيَقتَصَّ مِن غير القاتل .
جرائم الجماعات المسلحة المتطرفة
لقد عَمدت الجماعات المسلحة إلى أساليب الاغتيال والتهديد والتهجير والإرهاب التي طَالت أئمة المساجد والعلماء والأطباء والأساتذة والطيارين ، وكل قُوى الشعب السوري الرافضة للغزو ، وقد تم تهديد وتهجير مئات العوائل مِن مَساكنهم في مُحافظات عِدة في البلاد ، وذلك لتنفيذ حَربٍ طَائفية قَذِرةٍ ضِد أهل السُّنَّةِ والشيعة مِن المدنيين وغيرهم على السواء .
كما أنَّ تَغييب الصوتِ العاقل والمعتدل ، ولغةِ التفاهم والحوار العلمي والوطني ، واستبدالها بلغةِ الرصاص وقطع الرؤوس ، هو أحد عوامل تفاقم الوضع الطائفي في سوريا ، وظهور الإمَّعات ونفعيي الأحزاب ، والمرضى نفسياً ، والحاقدين والغرباء ، وبَعض المرجعيات المشبوهة ، وسيطرتها تماماً على العديد من مُقدرات البلاد ، وتهميش وإقصاء وقتل المثقفين والوطنيين والمعتدلين وبعض المراجع العاقلة والحريصين على مَصلحة البلد ؛ ففرغت الساحة وضعف الصوت الوسطي الهادئ ، وعَلَت أصوات الغَوغَاءِ والهَمج الرِّعَاع ، وسادت لغة العنف والتهديد ، وشراء الضمائر والأقلام بالأموال والمناصب والرِّشى ، فباض هذا التوجه وعشعش وفرخ في بلادنا ، وتحول بمرور الوقت إلى ما يُشبه “عصابات المافيا” التي تُخرس كل صَوت يَقف في وَجهها إن بالترغيب أو الترهيب .
هذه هي سوريا … الحضارة والمدنية
لا تُوجد دَولة في العالم – تَحتضن مَذاهب وأدياناً مُختلفة ، وتعيش وحدة اجتماعية وتجانساً مَذهبياً – مِثل سوريا ، وهذه الوحدة والتجانس ليست وليدة اللحظة أو الأمس ، وإنما جزء لا يتجزأ من الشخصية السورية منذ مِئات السنين ، ولم يَحدث في التاريخ السوري – لا قديماً ولا حديثاً – أن وقعت حادثة قَتلٍ وَاحدة بِسبب اختلاف مَذهبي أو تعصبٍ لطائفة ، بفضل هذه الثقافة الاجتماعية التي يَفخَرُ بِها كُل مُواطن ومُقيم في هذا البلد .
وذلك لأن سورية تَقع في مَوقعٍ مُهم بين الشرق والغرب ، وبهذا فإن سورية شَهدت عَدداً مِن أقدمِ وأهم الحضارات على وجه المعمورة ،كَما دَلَّت على ذلك الاكتشافات الأثرية التي يَعود بَعضها إلى ما يَزيد عن ثمانية آلاف عام قبل الميلاد ، ولا تَكادُ مِنطقة من مَناطق سورية تَخلو من المواقع الأثرية التي تَعود إلى فترات زمنية مُختلفة ، حَيث يَبلغ عدد الحضارات التي تَعاقبت على الأرض السورية أربعين حضارة .‏

وحسب الموسوعات العالمية يَعتبر علماء الآثار سورية مَركزاً لإحدى أقدم الحضارات على وجه الأرض ، فهنا كانت بِداية الاستيطان البشري ، وتَخطيط أولى المدن ، واكتشاف الزراعة ، وتدجين الحيوانات ، وانتشار المعرفة ، وابتكار الأبجدية .‏ وهنا اكتُشِفَ المنجل الأول والمحراث الأول ، وهنا قامت المدن الأولى والممالك المتحضرة والمتفوقة عملياً واقتصادياً على كثير من دول العالم القديمة في التاريخ .‏
وتضم سورية مُدُنَاً كَثيرة تَعود لحضاراتٍ وحِقَبٍ تاريخيةٍ مختلفة ، مثل مَمَالِك إيبلا ماري ، وأوغاريت ، وراميتا ، والبارة ، ودورا أوربوس ، وسرجيلا ، وكرك بيزة ، وجرارة ، وقاطورة ، وعين دارة ، وشمس وباصوفان ، والنبي هورى ، وأرواد ، وقطنا ، وشهبا ، وبصرى ، وقنوات ، وصلخد ، وأفاميا ، وغيرها العشرات من المدن .‏
وقامت فوق الأرض السورية حضارات عديدة عَبر حِقَبِ التاريخ القديم ، تركت تلك الحضارات بصمات لم يَمحها الزمن على ثراها ، وهي تجعل مِن سورية بَوابة للتاريخ . ومن الحضارات الشهيرة في التاريخ: السومرية والأكادية والكلدانية والكنعانية والآرامية والحثية والرومانية والنبطية والبيزنطية والعربية . ويُؤكد الباحثون أن سورية اليوم بما تمتلكه من تُراث وآثار خلاصة لتاريخ العالم .‏
وكانت مُدن سورية ذات أمجاد تاريخية في العصور الرومانية والبيزنطية ، واستمر العصر البيزنطي في سورية من عَهد الامبراطور “قسطنطين الكبير” في القرن الرابع الميلادي ، وحتى الفتح العربي الإسلامي لسورية في عهد الإمبراطور “هرقل” عام 636 م ، وانتصار العرب في معركة اليرموك .‏
وفي العصر الأموي أصبحت سُورية أهم حَاضرة ثَقافية وأدبية وعِلمية وصِنَاعية وعمرانية ، ومَركزاً ومَنارة عَالمية ، ويَشهد عَليها فَنُّ العمارة الذي انتقل من سورية إلى جميع البلاد الإسلامية شَرقاً وغرباً ، مِن دمشق وحلب والرصافة وصولاً إلى قُرطبة والزهراء في الأندلس .
ثم جاء العصر العباسي ، وبعده الدول المتتابعة ، ومنها: الفاطمية والزنكية والأيوبية والمملوكية .‏
ثم جاء العثمانيون في عام 1516 م ، وإثر انهيار الدولة العثمانية قامت مملكة سورية عربية ، لكنها لم تَستمر طويلاً ، حيث احتلت القوات الفرنسية سورية في عام 1920 م ، وقد كان لِكل حقبة من هَذه الحِقب انجازاتها العمرانية والحضارية التي لا تَزال تَشهد على الفنون المعمارية الخاصة بكل حقبة .‏
ثم مَرت سورية بفترة انقلابات بين عامي 1949  و 1954 م ، وشهدت نَوعاً من الاستقرار حتى عام 1958 م ، عِندما قامت الوحدة مع مصر بطلب من الشعب السوري ، ثم مرت بفترة دُعيت بالانفصال عن مصر بدأت في عام 1961 م ، ثم شهدت سورية اضطرابات عديدة في فترة الانفصال حتى قيام ثورة آذار عام 1963 م .
وبَدأ تاريخٌ جَديد لِسورية في 16 من تشرين الثاني 1970 م بقيام الحركة التصحيحية ، وفيه شهدت سورية استقراراً واضحاً ونهضةً حَضارية عمرانية واقتصادية ومدنية حديثة ، تواصلت فيها انجازات الحاضر مع أمجاد الماضي .‏
وختاماً نقول:
الفكر السوري – كان وما زال – يَتمتع بانفتاح كَبير تِجاه كل فِكر إنساني ومستقبل لِذهنيات الشعوب كافة ، وهذا ما نجده واضحاً الآن مِن خلال رُدود أفعال السائحين القادمين إلى سورية ، والذين يُفاجَؤُون بِوجود ما يُعبر عن حضارتهم وتراثهم وثقافاتهم التي تبنتها سورية لِتُصبح جُزءاً من تاريخ عالمي ولكن بطابع سوري .‏
إن سورية كانت وما زَالت عَبر تَاريخها الطويل هِي الوطن الثاني لِكل زائر ولكل قاصد ، واجداً فيها رائحة كان قد ألفها في وطنه ، مِن مَوروث ثقافي ، أو بُعدٍ حَضاري ، أو رَمز دِيني ، أو نَمطٍ مِعماري ، يُعبر بِشكل أو بِآخر عن نَسيجٍ مُتشابِك ومُترابط يَربِطُ بِشكلٍ مَتينٍ مَا بَين سورية وكل العالم المحيط بِغِنَى تَنَوُّعِهِ وَسِمَاتِه الحضارية .
مخطط تفتيت سوريا قلب الإسلام والعروبة
بالتوازي والتزامن مع إقامة الكيان الصهيوني على أرض فَلسطين سنة ‏1948 م ، بدأ المخطط الاستعماري لِتفتيت أقطار الشرق الإسلامي تفتيتاً جديداً ، بَعد تفتيتِ اتفاقية سَايكس بيكو سنة 1916 م ، وذلك بإنشاء اثنين وثلاثين كِياناً سِياسياً جديداً , على أُسس دِينية ومَذهبية وعِرفية وَلُغوية , لتحويل الشرق الإسلامي إلى فُسيفساء وَرَقِيَّة مَشغولة بتناقضاتها وصراعاتها الداخلية ، أما الهدف من ذَلك كُله فَهو تحقيق الأمن والتفوق لإسرائيل ! فَمَعَ إِقامة إسرائيل نَشَرَ المستشرق الصهيوني “برنارد لوس” في المجلة التي تَصدر عَن البنتاجون وزارة الدفاع الأمريكية – دراسته الشهيرة التي تَقترح العمل على إعادة تَفتيت الشرق الإسلامي ، من باكستان إلى المغرب ، بإضافة اثنين وثلاثين كياناً سياسياً مستقلاً , عَلى أُسس دِينية ومَذهبية وعِرفية ولُغوية , لِتحقيق الأمن الاستراتيجي لإسرائيل .
وفي النِّصف الأول من خَمسينيات القرن العشرين , بَدأت إِسرائيل بإمساك خُيوطِ التَّنفيذِ لهذا المخطط ، وذلك بِبَثِّ الفِتنة الطائفية بين الموارنة والمسلمين في لبنان ، وكتب “بن جوريون” 1886 – 1973 م رئيس الدولة الصهيونية بتاريخ 27 فبراير سنة  1954 م رِسالة إلى رئيس وزرائه “شاريت” 1894 – 1965 م يَقول فِيها: “يَجب عَلينا أن نُجَنِّدَ كُلَّ مَن يَتكلم العربية بَيننا , وأن نُوَفِّرَ الأموال اللازمة لإنجاح هَذه السياسة , ولا بَأس لو اضطررنا أحياناً إلى إنفاق الكثير دُون الوصول إلي نتائج سَريعة ، ذلك أن تَحريك الموضوع المسيحي يَهُزُّ الاستقرار في المجتمعات العربية ، وعندما تنتشر الفوضى والاضطرابات يَتصرف الضعفاء المفتقرون إلى الشجاعة بِشكل فَردي ، وتضطرب البلاد وتَدخل في نفق مظلم” .
وفي فَصلٍ آخر من فصول هذا التخطيط لتدمير الاستقرار في المجتمعات العربية , وَضَرب وَحدتها الوطنية بالفتنة الطائفية , نَشرت مجلة “الاتجاهات” النَّاطقة بلسان المنظمة الصهيونية العالمية في 14 فبراير سنة 1982 م ، أَي بعد معاهدة “كامب ديفيد” , وَبِالرغم مِنها نَشرت دِرَاسة رَكَّزَت فِيها الحديث على تَفتيت مِصر وَتَحويلها مِن دَولة مَركزية إلى دَولتين قِبطية ومُسلمة على الأقل ، مُعتبرة تَفتيتَ مصر وسورية بالفتنة الطائفية المفتاحَ التاريخي لتفتيت سائر أقطار الوطن العربي ، وفي هذا المخطط الصهيوني الذي نُشِرَ تَحت عُنوان “استراتيجية إسرائيل” في الثمانينيات جاء بالنص:
“إن سورية المفككة والمنقسمة إلى عَناصر سُلطوية طَائفية كثيرة , وليس على غِرار مَا هُوَ الحال اليوم , لا تُشكل أي تهديد لإسرائيل , وإنما ضَمانة للأمن والسلام لوقت طويل” .
لَقد مَاتت الأسطورة القائِلة “إن مصر هي زعيمة العالم العربي” , فقد فَقدت في مُوَاجهتها لإسرائيل  50 % من قوتها , وهي جَسد مَركزي قد صَار جُثة , ولا سِيما بِتَزَايُدِ المواجهة بين المسلمين والأقباط , فَإِنشَاءُ دَولة قِبطية في صَعيد مِصر , وإنشاءُ دُويلاتٍ أُخرى إِقليمية ضَعيفة ، هُوَ مِفتاح التطور التَّاريخي , فَإِذَا مَا تَصَدَّعَت مِصر فَإِنَّ بِلاداً عَربية أُخرى سَتُوَاجِه لُبَّ المصير نفسه .
وَبَقيت سورية
وبعد عَشرِ سَنوات مِن نَشرِ هذه الاستراتيجية الصهيونية , عُقدت بإسرائيل – في  2 مايو 1992 م – نَدوة دَعَا إليها مركز “بارا يلان” للأبحاث الاستراتيجية ، التابع لجامعة “بارا يلان” الإسرائيلية ، وشاركت فيها وزارة الخارجية الإسرائيلية ، بِواسطة مَركز الأبحاث السياسية , وأسهم فِيها بَاحثون مِن مركز “ديان” التابع لجامعة تل أبيب ، وذلك تحت عنوان: “الموقف الإسرائيلي مِن الجماعات الإثنية والطائفية في مَنطقة الشرق الأوسط , وطموحاتها وتطلعاتها الاستقلالية في ضوء ما حَققه أكراد العراق بَعد الخطر الأمريكي على شَمال العراق وجنوبه ، عَقب حرب عاصفة الصحراء” . ولقد نَاقشت هذه الندوة – التي حَضرها ممثلون للأقليات في العالم العربي – أحد عشر بَحثاً , كان مِن عناوينها:
1-    تأييد إسرائيل للنزعات الانفصالية والجماعات العِرقية والإثنية والاعتبارات الكامنة وَراءه .
2-    دعم إسرائيل للحركة الكردية .
3-    الثورة الشيعية في جنوب العراق أثناء حرب الخليج .
4-    سوريا: هل سَتَبقَى مُوحدة في ظل انتعاش الاتجاهات الانفصالية في المنطقة ؟.
5-    إسرائيل ونضال جنوب السودان من أجل الاستقلال والحرية .
6-    الشيعة في أقطار الخليج .
7-    إسرائيل ونضال البربر في شمال إفريقيا .
8-    أما مصر فكان عُنوان البحث الخاص بها هو “الاستقطاب بين المسلمين والأقباط في مصر” .
ولقد خَلُصَت هذه الندوة الصهيونية إلى تأكيد الموقف الثابت للحكومات الصُّهيونية المتعاقبة ، وهو: إقامة كيانات مستقلة .
هكذا تَمَّ التَّخطيط لِتفتيت أقطار الشرق الإسلامي دون استثناء , بِواسطة الفتن الطائفية التي تُحَوِّلُ هذا الشرق إلى فُسيفساء وَرَقِيَّةٍ لِيتحقق الأمن والتفوق لإسرائيل ! وَلَقَد تَمَّ التَّركيزُ – في هذا المخطط – على سورية ، بِالإعلان عن أنه إِذا تَفتتت سورية بَعد الانتهاء مِن تَفتيت مِصر تَفتت الباقون ! فهل تَعي قوانا الوطنية مَرامي هذا المخطط المعلن ؟ وهل نَنجح في رُؤية العلاقة بين الأصابع الكثيرة التي تَلعب في هذه الفتنة , وبين استراتيجية هذا المخطط ؟ وهل نَتَّخِذُ الموقف الحازم والحاسم من الأصابع التي تَعبَثُ بِمُستقبلنا وبِوُجودنا في بلاد الشام الشريف .
معالجات الاحتقان الطائفي في سوريا
كيف يُمكن تَدَارك الخطر ؟
بِحَسب رُؤيتنا يَتوجب على العقلاء في سوريا أن يُبادروا قبل أن يُفاجئوا ، وأن يُسرعوا في العلاج قبل أن يُداهمهم المرض العضال ، وما يمكن طرحه في هذا الشأن يَتلخص في النقاط الآتية:
1-    أن تُحشد طاقات المجتمع في الاتجاه الصحيح ، وهو مَا يُمكن تَسميته بمحاولة إيجاد المشروع الوطني ، الذي تَتناغم فيه كافة المجهودات والهمم ، ويَكون هو السبيل لِنمو المجتمع ورفاهيته ، ولا يَكون فقط حَصراً في فئة دون غيرها .
وهنا يَأتي دور المرجعيات الدينية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، وبَعض القوى الاجتماعية والعشائرية الفاعلة في المجتمع ، في مُحاولة منها لإيقاف هذه المهزلة المروعة ، والانتكاسة الحضارية والإنسانية ، مِن خِلال مُعالجات في بُنية الخطاب الديني والمذهبي ، والتأكيد على حقوق المواطنة ، وأهمية التعايش السلمي ، لبناء سوريا الحديثة ، والقضاء التام على الفتن الداخلية التي تَعصف بِأمن المنطقة وتُهدد استقرارها .
2-    أن تَتوحد جُهود العَامِلين في الساحة المعرفية والثقافية ، وأن يَتَّفقوا على كلمة سواء ، وأن يَبنُوا كِياناً مُوحداً مُنظماً ومُتماسكاً ، كي يَشعر الآخر بِهَيبتهم فلا يُفكر المرتزقة وقُطَّاعُ الطرق – شذاذ الآفاق – بِالتَّمَادِي والعدوان مَرة أخرى .
3-    أن تُعقد لِقاءات عَلنية بين أكبر الزعامات الدينية في سوريا ، مِمَّن يُمثل جميع الطوائف الدينية الإسلامية والمسيحية ، والخروج ببيان واضح اللَّهجَة بإدانة هذه السياسات والممارسات الإجرامية ، وللتأكيد على الأخوة الوطنية والدينية بين المسلمين بمختلف مذاهبهم ونحلهم .
4-    مُراعاة الخصوصية المذهبية والعقائدية التي تَصطبغ بها فِئَةٌ مُعينة أو فِئَات من الشعب ، طَالما أنها لا تُخالف ثوابت المجتمع ، مع مُحاولة دَمجِها – بصورة أو بأخرى – في الإِطار الكلي للمجتمع ، وسَحبها إلى المشاريع الوطنية الكبرى التي لا تَدحَض هَويتها .
الطائفية والتطرف الديني ظاهرة خطيرة
التطرف الديني ظاهرة خطيرة ، فَالمسلمون أَنفسهم لم يَقفوا وَراء نموها ، بل كَانَ مَن أوجدها وسعى في إنمائها الغربيون ، ممن يَحملون التطرف الديني ، فَقد عَملوا مُنذ مُدَّةٍ لَيست بالقصيرة على مُصادرة مَا يَمتلكه المسلمون مِن مُعطيات ، ومُصادرة حُرياتهم في إِسقاط هذه المعطيات على واقعهم ، وَوَصَلَ الأمرُ بالغرب إلى حَدِّ التدخل العسكري في البلدان الإسلامية تحت ذَرائع غير مُقنعة ، وبعد مَسيرةٍ طويلة من التدخل الثقافي والاجتماعي عبر حُكومات تَوَاطَأت مَعهم أو مُنظمات أو غير ذلك .
هذا الفعل السَّيِّئُ وَلَّدَ فِعلاً سَيئاً آخر في الاتجاه المعاكس ، بمعنى أن التطرف الديني الغربي هو مَن أوجد في بلادنا التطرف الديني الشرقي ، والقاعدة الفيزيائية تَقول: لكل فِعلٍ رَدُّ فِعل ، يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه . ونحن نَعتقد: لَو أن الغرب تَرَكَنَا وَشأننا نَختارُ لِحياتنا مَا نُحب لم يَنشأ في بِلادنا أي تطرف ديني.
نتوجه بالنصح أولاً إلى مَن يُمارس التطرف الديني في بلادنا ، أَن لا يَنزلق إلى أسلوب رَدِّ الفِعل ، وأن يَتعامَل مُنطلقاً مِن ثَوابتنا الدينية ؛ لأن رَدَّ الفِعل غَالباً مَا يَكون خَارجاً عن هذه الثوابت ، وتتحكم فيه النوازع البشرية.
ويَجب أن لا نَنسى أَنَّ رِسالتنا الإسلامية خَالدة ، ويجب أن نَعمل على بقائها خالدة ، والتصرف بِرَدِّ الفِعل يضر بهذا الخلود ، فَلَو تَذكرنا فَتح مكة حِين دَخل الرسول  مُنتصراً ، وَوقف أمام أعدائه وهم أَذلاء ، كان بِمقدوره أَن يُصدِرَ أَمراً بِالإشارة لِيَقتُلَ كُلَّ أَعدائه ، ويَجعل مِن بَاحات مكة مَذابح للرجال ، لَكنه  لم يَتصرف بِرَدِّ الفِعل وهو النبي المعلم  ، بَل عفا عن أعدائه وكأنهم لم يُؤذوه ، ووهبهم الحرية وكانوا يَتمنون الحياة ولو أرقاء.
وبهذه الخطوة النَّبَوية بَدأت لَحَظَاتُ الخُلود بِالرسالة الإسلامية ، ولو أنه عليه الصلاة والسلام أعمل فِيهم السَّيفَ لَم يَكن الإسلام لِيَبسُطَ ذِرَاعَيهُ على طرفي العالم ، وهكذا يَنبغي أن نَكون ، فالتطرف الديني يُلحِقُ بِنَا خَسائر أضعاف ما يَلحق بأعدائنا .
تحريم القتل بِغير حق في الشريعة الإسلامية
زاد القتل في الأمة وانتشرت وَسائل القتل ، وجاء الأعداء مِن الخارج والداخل لِقتل المسلمين تحت ذرائع شتى ، مَا أنزل الله بها من سلطان .
أولاً: التحذير من الفتنة:
1-     تحريم القتل الغير: قال الله تعالى:  وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام: 151]  ، وقال الله عز وجل: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: 68] .
2-     تحريم قتل النفس: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: 29] .
3-     تحريم الاعتداء حين الأخذ بالحق: قال الله عز وجل: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [الإسراء: 33].
4-     تعظيم نفس المؤمن: قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء: 92].
5-     أنَّ القاتل كأنه قتَل الناس جميعاً: قال الله عز وجل: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32] .
6-     وضع ضوابط للقتل: روى البخاري عن ابن مسعود  قال: قال رسول الله : (لا يحل دم امرئ مسلم ، يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والمفارق لدينه التارك للجماعة)  .
7-     ضرورة الإصلاح بين المتقاتلين: قال الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9] .
8-     قتال مَن يَسعى لقتل المؤمنين: قال الله عز وجل: فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه [الحجرات: 9] ، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري : (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود)  . وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم عن علي بن أبي طالب  قال يوم النهروان: (أُمرتُ بِقتال المارقين)  ، المارقون هم الخوارج . وعن أبي سعيد الخدري  قال: قال رسول الله : (تمرق مارقة عند فِرقة من المسلمين يَقتلها أولى الطائفتين بالحق)  .
9-     التحذير من السعي في فتنة القتال: روى أبو بكرة  قال: قال رسول الله : (إنها ستكون فتن ، ألا ثم تكون فتنة ، القاعد فيها خير من الماشي)  . روى أحمد وابن ماجه قوله : (إذا كانت الفتنة بين المسلمين فاتخذ سيفاً من خشب)  . وروى ابن ماجه من حديث محمد بن مسلمة  قال: قال رسول الله : (إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف ، فإذا كان كذلك فأت بسيفك أَحداً فاضربه حتى ينقطع ، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئة أو مَنيَّة قاضية)  .
10-  حكاية عواقب القتل:  قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93] . وقال الله عز وجل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِين [المائدة: 29] . وروى أحمد عن عقبة بن عامر : (إن الله أبى عليّ فيمن قتل مؤمناً ثلاثاً)  . وفي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود  قال: قال رسول الله : (أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)  . وفي الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود  قال: قال رسول الله : (سِباب المسلم فسوق وقتاله كفر)  . وروى أبو الدرداء  قال: قال رسول الله : (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا مَن مات مُشركاً أو قتل مؤمناً متعمِّداً)  . وعن عبد الله بن عمرو  ، أن رسول الله  قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)  . وعن ابن عباس : (لو أن أهل السماء والأرض اجتمعوا على قتل امرئ مسلم لعذبهم الله بلا عدد ولا حساب)  . وعن ابن عباس : (لا ترجِعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)  . وعن ابن عمر  قال: قال رسول الله : (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يُصِب دَماً حراماً)  . روى الترمذي عن ابن عباس  ، عن النبي : (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ، ناصيته ورأسه بيده ، وأوداجه تشخب دماً ، فيقول: يا رب سَلْ هذا فيم قتلني ، حتى يدنيه من العرش)  .
ثانياً: مبررات وأسباب القتل:
1-    عدم الخوف من الله: قال الله تعالى: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِين [المائدة: 28] .
2-    الحقد والحسد: قال الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة: 27] .
3-    الاختلاف في العقيدة: قال الله تعالى: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين [آل عمران: 183] . وقال الله عز وجل: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَاد [غافر: 26] . وقال الله تعالى: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ [غافر: 28] . وقال الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيق [البروج: 10] . وقال الله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة: 217] .
4-    الزيادة في الفتنة: قال الله عز وجل: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ [غافر: 25] . وقال الله تعالى: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون [الأعراف: 127] . وقال الله عز وجل: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَاد [غافر: 26] . وقال الله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين [الأنعام: 140] .
5-    تأويل قتال الخوارج للمسلمين: كقتل أسامة لذلك الرجل الذي شهد الشهادة عندما هَمّ أسامة بقتله – وخالد في موقعة أخرى حيث قَتل مالك بن نويرة مُتأولاً إجاباته بأنها ردة عن الإسلام .
6-    الحرص على المال: روى مسلم عن أُبي بن كعب  قال: سمعت رسول الله  يقول: (يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب ، فإذا سمع به الناس ساروا إليه ، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يَأخذون منه ليذهبن به كله ، قال: فيقتتلون عليه ، فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون)  ، وفي رواية: (يقول كل رجل منهم: لَعلِّي أكون أنا الذي أنجو)  . وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : (يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب ، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً)  .
7-    الغضب الشديد: وعنده لا يُدرك الإنسان ما حوله ، ويَغيب عنه العقل فيحدث القتل .
8-    تنفيذ أوامر الأعداء: وهذا ما يحدث في سوريا حيث الارتهان للخارج ، وتطبيق الخطط المتآمرة على سوريا .
9-    حب الانتصار والظهور على الآخرين: وهذا مَا نجده مِن تحارب وتصارع الجماعات المسلحة في معظم البلدان العربية والإسلامية التي حَدث فيها ما يُسمى بالربيع العربي على الزعامة والرياسة .
نصيحة في الله
– لا تُعن أحداً على القتل ، روى الترمذي في حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما ، عن رسول الله  قال: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار)  .
– أعِدَّ جَواباً لمن تُريد قتله: (يا رب سل هذا فيم قتلني)  .
– لا تحمل السلاح في وجه الحاكم ، فتكن خارجاً وآثماً عند الله .
– لا تُمازح أحداً بالسلاح ، ففي الحديث عن أبي هريرة  ، عن رسول الله  قال: (لا يُشِر أحدكم إلى أخيه بالسلاح ، فإنه لا يدري لعلّ الشيطان ينزع في يده , فيقع في حفرة من النار)  ، وفي رواية: (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع وإن أخاه لأبيه وأمه)  .
– لا تَشهد الزور خاصة فيما يُؤدي إلى القتل .
– لا تتكلّم فيمن قَتَلَ أو قُتِلَ إلا بالحق .
– لا تُعرِّض نفسك لما يُوجب القتل .
– لازم الجماعة فإنها مَحل تأييد الله .
وختاماً لا بد من القول
إنهم دعاة فتنة ، فالمشهد السوري ، ومناداة بعض الخارجين عن الذوق الوطني والأخلاقي ، والذين يطبقون غايات دول الخليج المعروفة ، بالجهاد وإرسال الإرهابيين ، وتأليبهم للرأي العام ، بعد ضخ العصبية الدينية والمذهبية في خطبهم العصماء ، ومن على منابر المساجد ، بينما هُم في الواقع يَستمتعون بأجواء الصيف في شوارع اسطنبول ولندن والشانزليزيه في باريس أو في جنيف ومراكزها الإسلامية التي تَدفع لأولئك الدعاة بالدولارات ، فهذا لا يُمكن وَصفه إلا بالحمق ، وعدم الالتفات إلى الأمن الوطني للشام الشريف .
إن إعطاء ما يَحدث في سوريا بُعداً طائفياً – سنياً ، شيعياً – يُمثل خطراً على الوطن وتَعدُّده المذهبي الذي يَجب أن نُحافظ على سَلامته مَهما اختُلف في وَجهات النظر أو حَتى عَقائِده وبُعده الإثني .
إن الإسلام يُقرر أن الانتماء إلى الأمة الإسلامية لا يُلغي انتماءهم إلى الأرض والوطن ، كما أن الإسلام يَقوم على الجمع بين الوحدة والتعدُّد على المستويين التكليفي والتكويني ، استناداً إلى مفهوم الوسطية .
وطبقاً لهذا أقر بالتعددية على المستوى التكويني بإقراره التعدد كسنة إلهية ، وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة [المائدة: 48] ، كما أقر بالتعددية على المستوى التكليفي بإقراره تَعدُّد الشرائع ، ولذلك فإن فَرض طائفة ما سُنَنَها على طائفة أخرى ، أو الاستهزاء بها ، وتأليب الرأي العام عليها ، ونقد مُقدساتها ، لا يُعَدُّ نمطاً صحيحاً في المواطنة .
إن المواطن الراشد مُطالَبٌ – ضِمن ميثاق الوطنية – بإقصاء التبعية للموروثات والمرجعية الإثنية ، إذا لامست انتماءه للأرض ، وأن تَكون لَديه القُدرة على تقييم الأفكار الموروثة ، واتباع الصالح بِوعي كامل ، حتى لا تُصبح تِلك الموروثات والمرجعيات عَقبة حَقيقية في سبيل تحقيق المواطنة .
إن انتعاش عوامل المساواة والشورى والمحافظة على الأجيال والعمل على التسامح سَيُوجِد مُجتمعاً يُؤَمِّن حق الإيمان بالمواطنة .
إننا بحاجة الآن إلى إعلام واعٍ يُسهم في تَغيير الموقف والاتجاه نحو المفهوم الحقيقي للمواطنة ، بَعيداً عن مس المقدسات لأي فرد ينتمي للأرض ، وإيجاد مَعاني التسامح على منابرنا الثقافية والدينية والمدرسية من خلال الوزارات المعنية في تلك المجالات .
نحتاج أيضاً إلى مؤسسة للحوار الوطني ، تقوم بدورها الحقيقي بعيداً عن الشعارات والمؤتمرات التي لم تقدم شيئاً على أرض الواقع ، ولم تنفذ ورشة فاعلة في كيفية التعامل مع التنوع الثقافي والديني والمذهبي والعرقي ، لتُحدث تغيراً حقيقياً في عقليات عامة هذا الوطن باختلاف مذاهبهم ، وتوعيتهم بحصر الخلافات السياسية ضمن إطارها السياسي والنأي عن إعطائها بُعداً مذهبياً طائفياً .
وفي الوقت ذاته نحن بحاجة إلى جامعات ومعاهد وكليات متزنة ، تضخ لنا جيلاً جديداً من الدعاة الحقيقيين ، الذين يؤمنون بأن التنوع المذهبي والديني هو سنة الله في أمته الإنسانية ، ومَطلبٌ مهم للثراء المعرفي ، وتأصل الفضاء الحقيقي للحضارة الإسلامية ، وتعاملها مع التعدد والتنوع القائم على قبول المختلف ، باعتباره من سنن الفطرة الإنسانية وصيغة للتعايش والتواصل الحضاري الإنساني .
والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>