2- دعاة إلى الله لا دعاة على أبواب جهنم = الجزء الرابع

دُعَاةٌ إلى اللهِ لا دُعَاةٌ عَلَى أَبوَابِ جَهَنَّم

المحتوى
مقدمة البحث …
السنن العامة في الدعوة إلى الدين …
الصفات التي يجب أن يتحَلَّى بها الداعي إلى الله عزّ وجلّ …
آثار يحققها الحب في مسلك الدعوة إلى الله …
دُعاةٌ فَتَّانُون ومُتَطَرِفُون حَمقَى …
كيف يجب أن تكون علاقة الدعاة مع ولي الأمر ؟…
كيف السبيل لإيجاد الصلة بين العالم وولي الأمر للقيام بالواجب ؟…
آداب النصيحة لوليّ الأمر …
الفرق بين الحركية الإسلامية والدعوة إلى الله …
ضَابِط الخُروج عَلَى الحَاكِم …
عُلَمَاءُ السُّلطَة …
ما هي خطورة من يُسمَّون بـ “علماء السلطة” على الإسلام ؟
مسؤولية الدعاة في الفتن …
موقف العلماء الربانيين في الفتن …
فوائد من فتنة ابن الأشعث …
موقف الحسن البصري من الفتنة …
من مواقف الشيخ المجاهد حسن حبنّكة رحمه الله …
الخــاتمـــة …

مقدمة البحث
الدعوة إلى الله تعالى عن طريق تعريف الناس بدلائل ربوبيّته وبهوياتهم عبيداً مملوكين لله وتبصيرهم بأحكام دينه شكل من أقدس أشكال التعاون الذي حضَّ عليه بيان الله تعالى في قوله: )وَتَعاوَنوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوَى وَلا تَعاوَنوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوانِ( [المائدة: 2].
فقد شاء الله تعالى أن يجعل عباده متفاوتين في القدُرات ؛ ففيهم العالِم وفيهم الجاهل ، وفيهم الملتزم بأوامر الله تعالى وفيهم الشارد عن صراطه ، وجعل ضريبة الهِداية التي أكرم بها طائفةً من عباده أن يعودوا بهذه الهداية إلى التائهين الشاردين ، ونبَّهَهم إلى هذا الواجب الذي أناطَه في أعناقهم وألزمَهم النهوضَ به في مواضع كثيرة من كتابه العزيز ، قال الله تعالى: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بِالْمَعْروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحونَ( [آل عمران: 104] ، وقال الله عز وجل: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّني مِنْ الْمُسْلِمينَ( [فصلت 33] ( ).
السنن العامة في الدعوة إلى الدين ( )
1) الوفاء: الوفاء للحق والقيام على أمره ومواجهة الناس أجمعين به من أولى الخصال التي يحيا بها الدعاة إلى الله تعالى ، وتعد صِبغةً لازمة لسلوكهم ، بل جزءاً خطيراً من كيانهم ، فهُم – على بُعد الشُّقَّة بينهم وبين الضائقين بهم ، وعلى وحشة القطيعة وطول الخلاف – يظلون ثابتين على دعواتهم ، يشرحون أصولها بدقة ، ويبيّنون حدودها بأمانة ، ولا يتلوّن الحق في رسالاتهم لرغبة أو رهبة .
إن الداعية يعيش في الحق الذي شرّفه الله تعالى به مثلما يعيش الناس في أنوار الضّحوة الكبرى ، فهو بأشعته وحدها يهتدي ، وعلى ضوئها يسير .
ومن ثَمَّ فمن المستحيل أن يخشى عُرفاً سائداً أو تقاليد مقررة ، إذا كان هذا أو ذاك ضد ما يعرف من الحق .
ومن المستحيل أن يتملّق الجماهير أو يطلب رضاها ، كيف وهو يَرى العامّة مرضى ، وفي يده هو دواؤهم ؟ ويَراهم قاصرين وعنده وحده العلم الذي يرفع مستواهم ؟
ومن المستحيل أن يَتهيّب في ذات الله بطشَ سلطان ، فهو يُوقن بأن الحياة والموت والرزق والأجل والخَفْض والرّفع والأمن والقلق ، ترجع حتماً إلى مالك الملك جلّ شأنه .
فالمفروض أن الداعية العارف بالله قد بلغ من منازل الإيمان مَنزلةً تجعل رجاءه في الله تعالى وحده يسبق كل رغبةٍ إلى مخلوق ، كما تجعل خشيته لله أسرع إلى فؤاده من أي رهبة تخامر نفسه أمام ذي سلطان .
ومن المستحيل أن يغرّه طمعٌ أو يجرَّه هوى ، أو تغريـه رغبة أو تُدنيه رهبة ، فإنَّ شأن الرسالة التي انتصب لأدائها فوق هذه الوساوس جميعاً .
وربما سألتَ: ما العُدّة في هذا النضال ؟
وما الوسائل التي تعتمد عليها الدعوة في بلوغ أهدافها ؟
الجواب: أن الدين لا يُتذرّع في الوصول إلى غاياته إلا بطرقها نفسها ، وتدرك طبيعة هذه الطرق من قول الله عز وجل لنبيه : )فاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذينَ لا يوقِنونَ( [العنكبوت: 60].
فالمثابرة على الدعوة والاستعانة على وعثاء الطريق بطول الصبر وحسن التأسّي وصدق الاعتماد على الله وتفاني الداعية نفسه في حقيقة رسالته هو طريق النجاح ( ).
2) الإخلاص: الإخلاص فريضة على كل عابد ، وهو في محرابه الخاص يتعامل مع ربه فحسب ، فإذا اتصل الأمر بالدعاة فهو فريضة آكد وعقدة أوثق ، واتساع نطاق العمل واشتباكه مع أحوال الناس ورضاهم وسخطهم وقوتهم وضعفهم يجعل الداعية أحرص على استدامة ذكر الله ومطالعة وجهه ، حتى لا يضلّ الغاية ولا يَحيد عن النهج في زحمة الحياة .
بَيدَ أننا نلحظ – آسفين – أن ميدان الدعوة إلى الله تعالى غَصَّ بأقوام يجعلون وجه ربهم آخِرَ ما يُراعى ويُرغَب ، كأنّ الأمر لا يعدو أن يكون حِرفةً تَدرُّ ربحاً قليلاً أو كثيراً .
فالدعاة إلى الله تعالى يَجب أن يَأخذوا طريقهم إلى الله نقياً نظيفاً ، فليأخذوا نصيبهم من الدنيا دون تزيّدٍ أو جشع ولا استشراف ، فإذا كان ذلك على حساب ذرة من رسالتهم فليجعلوه دَبْر آذانهم ومواطئَ أقدامهم ، وليجعلوا علائقهم بالناس على قاعدة الحب في الله والبغض في الله ، فلا يُؤثروا شارداً لقربه ، ولا يُـقصوا صالحاً لوحشة منه أو ضيق به . وعلى الدعاة أن يُنَقِّبوا في خبايا أنفسهم ، فلا يجعلوا للهوى سبيلاً عليهم .
هناك من يَنقد الآخرين للتشفي ، وهناك من يَحمدهم للصداقة ، وهناك من يُجسّم الصغائر لفلان ويقف خطيباً ضده ، ومن يُغضي الطّـرْف عن العظائم لفلان ويغلق فمه عنه . وتلك جميعاً أحوال يشينها الخبث ويشدّها سوء القصد ، ولا شيء فيها لله جلّ شأنه .
إن العمل الخالص الطيب – ولا يقبل الله إلا طيباً – هو الذي يقوم به صاحبه بدوافع اليقين المحض وابتغاء وجه الله تعالى ، دون اكتراث برضى أو سخط ، ودون تحرٍّ لإجابة رغبة أو كبح رغبة .
3) الدعوة إلى الله تقوم على النصيحة الطوعية لا على الأمر القسري( ): فيجب أن تقف عند حدود التعريف والتذكير والنصح ، فلا يجوز للداعي أن يتجاوز بها إلى درجة الإكراه والإلزام . وكم أكَّدَ البيان الإلهي هذه الحقيقة لرسول الله  ، وكررها بأساليب شتى ، من ذلك قولُ الله عزَّ وجلّ: )فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الأَكْبَرَ( [الغاشية: 21 – 24]، ومن ذلك قوله تعالى: )وَإِنْ ما نُريَنَّكَ بَعْضَ الَّذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنا الْحِسابُ( [الرعد: 40] ، ومن ذلك قولهُ تعالى: )وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتَّى يَكونوا مُؤْمِنينَ( [يونس: 99].
فالداعي إلى الله يستطيع أن يُرغم اللسان ، ولكنه لا يستطيع أن يدخل إلى قلب الـمَدعوّ فيُرغمه على الإيمان . ولو أنه خوَّفه بالسلاح فنطق بالشهادة ، فالله تعالى لا يقبل منه ذلك ، يقول النبي : (إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صوَرِكُمْ وَأَمْوالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلوبِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ) ( ) .
وهذا هو معنى قول الله تعالى )لا إِكْراهَ في الدِّين( [البقرة: 256] ، فــ (لا) هنا ليست ناهية ، بل هي نافية لجنس الإكراه ، أي حتى ولو أردتم إكراه الناس على الدين لا يتَأتّى لكم ذلك لأن قلوبهم بيد الله ، والجملة هنا خبريّةٌ وليست إنشائية .
إن التكليف الذي خاطب الله تعالى به عباده لا تتأتى الاستجابة والانصياع له إلا في تربة حرية التصرف إذ يملكها الإنسان ، أي إلا لدى شعوره بأنه متمكن من أن يفعل أو لا يفعل ما طُلِب منه .
ومهمة الداعي إلى الله هي أن يُبصِّر الناسَ بهوياتهم ، وبأنهم مُكلّفون من قِبل الله تعالى بأداء مهامّ محددة في نطاق اليقين والاعتقاد أولاً ، وفي نطاق التعامل والسلوك ثانياً ، ثم يتركهم أحراراً في اتخاذ القرار الذي يشاؤون من حيث الاستجابة وعدمها لهذا التكليف ، على أن يُـنَبَّهوا إلى الجزاء الذي وعد أو توعّد الله عز وجل به عباده المكلّفين .
ذلك أنهم لو حُمِلوا قَسراً على الالتزام بالتكليفات الاعتقادية أو السلوكية ، وسيقوا إليها دون اختيارٍ منهم ، لَسَقَطَ معنى الابتلاء في تكليف الله تعالى لهم ، ولما استحقوا على ما قد سيقوا إليه أي مثوبة أو أجر ، وهو مُنافٍ للنهج الذي أقام الله عز وجل التكليف عليه .
انظر إلى قول الله تعالى على لسان سيدنا نوح : )قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبّي وَآتاني رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُموها وَأَنْتُمْ لَها كارِهونَ( [هود: 28] .
وكأن البيان الإلهي يُعَلّم الدّعاة إلى الله تعالى – وفي مقدمتهم رسول الله  – هذه الحقيقة ويبصّرهم بالنهج الذي ينبغي أن يسلكوه في دعوتهم وإرشادهم الناس إلى الحق الذي يجب أن يتبعوه ، من خلال البيانات والآيات التالية: )وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغيثوا يُغاثوا بِماءٍ كالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً( [الكهف: 29] .
4) مخاطبة العقول: عن طريق الحجة والبرهان ، ودعوتها إلى اليقين بعقائد الإسلام ، ومخاطبة الوجدان عن طريق منهاج التزكية النفسية للوصول إلى الالتزام بسلوك الإسلام ، ولن ينجح الداعي في ذلك إلا بعد أن يبدأ فيزكي نفسه من أوضارها وأمراضها جهد استطاعته ( ).
الصفات التي يجب أن يتحَلَّى بها الداعي إلى الله عزّ وجلّ ( )
1 – أن يتحلى بدين الله عقيدةً وخلقاً وسلوكاً: يُغذِّي قلبه خلال ذلك بأسباب الرغبة في ثواب الله والرهبة من عقابه ، والمراقبة الدائمة له .
ومن أعجب النقائض في دين الله ودنيا الناس أن هناك نفراً ممن يتسمَّون بالدعاة يحسبون أن ما يقولونه لغيرهم من علم ، إنما هو أمر يخص المخاطَبين فحسب ، وقد يعني الناس أجمعين إلا إياهم ( ).
2 – العلم: فالشريعة الإسلامية لا تُجيز لإنسانٍ أن يَعِظَ الناسَ موعظةً عاطفيةً وجدانيةً فارغةً من العلم ، ولا يُشتَرَط أن يكون مُطَّلِعاً على كلّ علوم الإسلام ، بل يَكفيه أن يكون خبيراً في الأمر الذي يُريد أن يُحاور الناس فيه .
3 – على الداعي إلى الله أن لا يسمح لنفسه أن يَجعل من الدعوة إلى الله مُتَّكأً لغيبة أي إنسان ، ولا وسيلة لفتنة ، ولا مجالاً لفضح من سترهم الله سبحانه وتعالى في معاصيهم ، فما ينبغي للداعي إلى الله عزّ وجل أن يُعلن عن أسماء سترها الله سبحانه ، وما ينبغي أن يَجمع بين الدعوة إلى ربه – وهو أمرٌ يأمرنا الله عزّ وجل به – وبين الغيبة التي ينهانا الله سبحانه وتعالى عنها .
وقد كان سيّدنا رسول الله  أوّل الدعاة وسيّدهم ، فما كان يرفعُ ستراً ، وما كان يفضحُ أمراً ، وما كان يذكر العصاة بأسمائهم ، وإنّما كان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يقول: ما بال أقوامٍ يفعلون كذا ، ما بال أناسٍ يفعلون كيتَ وكيت ( ) .
4 – أن يكون محيطاً بالخطط التي يضعها الأعداء ضد الإسلام والمسلمين: فأحقُّ الناس بالفطنة رجالُ الدعوة الذين يتبعون الأنبياء ويقومون على رسالاتهم .
والأمة الإسلامية اليوم مبتلاة بأعداء من بني جلدتنا ، تربَّوا على موائد الاستعمار العالمي ، وحكموا على الأمور بمنطقه ، وهم يترقبون تصرفاً أحمقَ من بعض المؤمنين ليجتاحوا حقيقةَ الإيمان كلَّها ، والشعار الذي يرفعونه محاربة التطرّف ، والغاية التي يَنشدونها محوُ الإسلام ذاتِه .
فعلى الدعاة أن يرعَوا الحكمة في مجال الدعوة ، وألا يمكّنوا خصومَ الإسلام من النَّيل منه بسبب حماسٍ طائش ، وأن يكون خطابهم جامعاً لا مفرّقاً ، ولْيكن الهدف الأول بناء العقائد والأخلاق والعبادات . أما الخلافات الفقهية فلا صلةَ لها بميدان الدّعوة ، ولا بقاعدة الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر .
أما وجهات النظر المختلفة فتُعرَض بسماحة وهدوء ، إذ لا عداوةَ بين إمامٍ وإمام ، ولا معركةَ بين مذهب ومذهب ، والأَولى أن يعود بالجماهير إلى دوائر الأخلاق التي استهانوا بها ، وإلى جذور الإيمان التي نأَوا عنها ( ) .
5 – أن يوقظ الداعي في قلبه محبة الله ورسوله : وذلك بالإكثار من الذكر والدعاء ، والتضرع والبكاء ، والاستغفار في الأسحار ، وتلاوة القرآن ، وحراسة دائمة للقلب ألا تسيطر عليه الأهواء ، والالتجاءِ إلى الله تعالى في جوف الليل أن يأخذه من نفسه ويجعله لا يرى إلا الـمُكَوِّن ، عندئذٍ يأتيه التجلي الرباني ويزول غَبَش الكراهية مما بينه وبين الناس ، فيَنفذ كلامه إلى قلوبهم( ).
صحيح أن العلم بحقائق الإسلام هو مادة الدعوة إليه وأداة التعريف به من حيث الظاهر – وهذا الظاهر لا بدّ منه قطعاً – ولكنَّ تمتُّعَ المسلمِ بالجذوة الكافية من محبة الله ورسوله  هو الأداة التي لا بدّ منها من حيث باطن الأمر ، بل هو سرّ نجاح الداعي في دعوته .
وتتجلى حاجة كل من يلاحق الكافرين أو الملحدين – بالتعريف بالإسلام والردّ على الشبهات التي يتمسَّك بها محترفو الغزو الفكري – إلى أن يكون محصَّناً بحصن الحب من جانبين اثنين:
الجانب الأول: ما ينبغي أن نعلمه جميعاً من أن الكلمات البليغة والرصينة التي ينتقيها الداعي إلى الإسلام – وما تحمله من معانٍ علمية دقيقة كان قد وعاها وتبصّر بها – ليست هي التي تُدخِل قبس الهداية في نفس التائه أو الفاسق أو الملحد ، وإنما الذي يُدخل ذلك في نفسه ما تحمله تلك الكلمات من لوعة الحب وحرارة الوجدان . ذلك لأن الكلمات التي تقرع الآذان إن كانت لا تحمل أكثر من معانيها الفكرية أو العلمية ينتهي ويتبدّد جَرْسُها داخل الصّماخ ، وتستقر في تجاويف الدماغ ، أما النفس التي تقود الكيان فلا يصل إليها من تلك الكلمات ومعانيها شيء ، فالمشاعر هي التي تلمس المشاعر ومن ثم تخاطبها، والشّجى هو الذي يبعث الشجى ، وهذا هو معنى المثل القائل: “ليست النائحة كالثّكلى” .
روى سفيان بن عيينة – وكان من أكثر الملازمين للفضيل بن عياض – أنه دخل مع جَمع من العلماء على الرشيد استجابةً لدعوة وُجِّهَت إليهم ، قال: “ودخل الفضيل بعدنا جميعاً ، مُقنِّعاً رأسَه بردائه ، فلما اطمأنّ به المجلس قال لي: يا سفيان ، أيُّـهم أمير المؤمنين ؟ فقلت: هذا ، وأومأتُ إليه ، فنظر الفضيل إليه قائلاً: يا حَسَن الوَجْه ، أَنْتَ الذي أَمْـرُ هَذِهِ الأُمَّةِ والعِبادِ بيَدِكَ وفي عُنُقِك ؟! لَقَدْ تَقلَّدتَ أَمْـراً عَظيماً ! فاسْتَعْبَرَ الرَّشيدُ باكياً”( ).
إنها لوعة الحب ورحلة الحزن هي التي انطوت عليها الكلمات القليلة والبسيطة التي خاطب بها الفضيل الرشيد ، فبقيت الكلمات حبيسة داخل أذنه وسَرَت مشاعر اللوعة والحزن من الفضيل إلى حيث المشاعر الكامنة في نفس الرشيد ، فاستعبر وتأثر باكياً لتلك الكلمات .
أما الجانب الثاني من حاجة الداعي إلى الله والمعرِّف بدينه إلى التحصّن بحصن الحب ، فيتجلى في حماية الله له عن طريق هذا الحب من كيد الكائدين الذين يواجههم بالأدلة العلمية التي لا مفرّ من الإذعان لها ، فيفرّون من المواجهة التي لا قِبل لهم بها ولا قدرةَ لهم على دحضها إلى نصْب المكايد له والعمل على جذبه إلى عثرات النفس ، وزجِّه في مزالق الأهواء والـمُشتهَيات .
إن محترفي الغزو الفكري دأبهم أن يبعثوا بشبُهاتهم المصطنعة إلى الأذهان من بعيد ، دون أن يورّطوا أنفسهم في لقاءاتِ جدلٍ مع العلماء من المسلمين . ولكنّ دأبهم – إن أُلجِـئوا إلى المواجهة ولم يستطيعوا العبث بعقولهم – أن يعملوا على شراء نفوسهم ، فإن كان الدعاة الذين يواجهونهم محصّنين بوقاية الحب إلى جانب التمتّع بالعلم ، ذهبت جهودهم كلها سدى ، ولم يستطيعوا أن ينالوا من أنفسهم أي منال . أما إن كانوا من الصِّنف الذي يتاجر بالأقوال ويتباهى بالأفكار ، مع انطواءِ كلٍّ منهم على نفسٍ استعمرتها محبّةُ الدّنيا بكل ما تفور به من شهواتٍ وأهواء وأموال ، فما أيسر أن يتصيَّد محترفو الغزو الفكري كلّاً منهم ، واحداً إثر آخر ، يقودونه إلى حيث يشاؤون من زمام النفس بعد أن عزَّتْ وتأبَّت عليهم مَقادة العقل .
وما أكثرَ الذين سيقوا من أزمَّة نفوسهم إلى ما لا يملكون رجوعاً عنه ، وبقيت معارفهم الدينية وحُجَجهم الإسلامية حبيسة في زوايا عقولهم ، كما تبقى الأسلحة جاثمةً في أماكنها لتواجهَ الصّدأ ، ولِتستعصيَ على الأيدي التي نسيت استعمالها .
ولقد أنبأَنا البيان الإلهي في القرآن بهذه الحقيقة من خلال عرضٍ بلاغيٍّ مُوجَزٍ أخّاذ لقصة ذاك الذي اعتزّ بعلومه الكثيرة الواسعة ، ونسي أن يُحَصِّن نفسه بحصن الوجدان الإيماني المتمثّل في محبة الله تعالى ، إذ تهيمن على النفس فتطرد منها محبة الأغيار .
وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن اسمه “بلعام بن باعوراء” ، فلم تُفده علومه الكثيرة أمام نفسه المندلقة على الدنيا ومفاتنها ، فانحطّ إلى الدّون استجابةً لنفسه ، وعجز عن أن يَرتفع إلى الأعلى استجابة لعقله وعلومه .
أنصِت إلى هذا الذي يَقوله بيان الله تعالى عنه: )واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذي آتَيْناهُ آياتِنا فانسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنْ الْغاوينَ * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا فاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرونَ( [الأعراف: 175-176].
قال مالك بن دينار: بُعث بلعام بن باعوراء إلى مَلِكِ مَدْيَن ليدعوه إلى الإيمان ، فأعطاه الملك من المال ما أسكَرَه ، وأقطعَه من الأرض ما أبطرَه ، فنسي ما أرسله موسى إليه من أجله ، وترك دينه واتّبَع ما عليه مَلِكُ مَدين( ).
آثار يحققها الحب في مسلك الدعوة إلى الله
1 – أول هذه الآثار هو غِياب أي أهمية أو قيمة أو مركز عن فكر هذا الإنسان في حق نفسه ، فمحبة العبد لله عزّ وجلّ تجعله صغيراً في حق نفسه وتريه ضآلته بل سوءَه أمام ما يُلاحقه من حقوق حبّه لله تعالى ، والـمُحب ينظر في هذه الحالة إلى الآخرين فيرى أنهم جميعاً أفضل منه وأقلّ منه تقصيراً في جنْب الله عز وجل ، وربما كان في هؤلاء الذين يَعتقد في حقهم هذه المزية مَن هُم مُريدون أو تلامذةٌ له .
تأمّل في هذه الحالة ، حالةِ الحب التي كان الإمام الشيخ أحمد الرفاعي يتمتع بها ، وانظر كيف كانت تَحمله على الشعور بالحزن الشديد لتقصيره وعلى اليقين بأن كل الذين يَغْشَون مجالسه من أصحابه ومريديه خيرٌ منه ، تأمّل في كلماته هذه: “أيْ سادة ، أنا لسْتُ بشيخ ، لَسْتُ بمقدَّمٍ على هذا الجمع ، لسْتُ بواعظ ، لسْتُ بمعلّم ، حُشِرتُ مع فرعون وهامان إن خَطَر لي أني شيخ على أحدٍ من خلق الله ، إلا أن يتغمدّني الله برحمته فأكون كآحاد المسلمين” . ويقول قدّس الله روحه: “كل الفقراء ورجال هذه الطائفة خيرٌ مني ، أنا أُحيمدُ اللاش ، أنا لاش اللاش” .
وإن بوسعك – وقد تبين لك حال المرشدين الصادقين مع مريديهم وتلامذتهم من خلال هذا المرشد الرباني الكبير سيدي الشيخ أحمد الرفاعي – أقول: بوسعك أن تعلم مَدى بُعدِ كَثيرٍ مِن الناس الذين يُمارسون أعمال التوجيه والإرشاد اليوم عن المنهج التربوي والإسلامي السليم .
إنهم يسلكون مع مريديهم نقيض ما رأينا من مسلك وحال سيدي الشيخ أحمد الرفاعي مع أصحابه ومريديه ، بل إنه مسلك مناقض لحال سائر العلماء الربانيين وأولياء الله المقربين مع تلاميذهم ومريديهم ، وإنهم لَكَثرةٌ من الرجال والنساء في هذا العصر .
وإنَّه ليُخيّل إليك أن ما يُمارسه أحدهم من أعمال التوجيه والإرشاد إن هو إلا سَعي لغرس اليقين بالمكانة الباسقة التي يَتمتع بها عند الله تعالى في أفئدة المريدين بكل الوسائل ، لعلك تظن أن مِن أخطرها ما يَفعله أكثرهم من حمل المريدين على تقبيل الأيدي ، والقيام للشيخ عند القدوم ، وما يتبع ذلك من بعض المظاهر المشابهة ، غير أن ثمة ما هو أخطر من هذه المظاهر بكثير .
إن فيهم من يُوهم مُريديه بأن الله عز وجل قد أطلعه على سرائرهم وعلى أحوالهم التي يتقلّبون بها في بيوتهم أو في الأسواق والمحالّ ، ويغلب أن يكون هذا في صفوف جماعات النساء .
تدخل إحداهنَّ في الموعد المحدد للقاء مريداتها أو تلميذاتها كي يَتلقّين منها الموعظة أو الدرس الذي هنّ منه على ميعاد ، وتنظر الفتيات في وجه الشيخة المرشدة وإذا بالسّخط يتبدّى على قسائم وجهها ، وتُمضي الشيخة تجتَرُّ سخطها لبضع دقائق في صمت ، ثم إنها تُفاجِئُ الفتيات بما لم يَكن متوقعاً ، تَنظر إليهن قائلة: إن هنالك معصية أو معاصي تَلوح لها ، ظُلَلُها قاتمةٌ تهيمن على المكان ، وإن صدرها لمنقبضٌ لذلك ، ومن ثم فهي لا تستطيع البقاء معهن في هذا الجو ، وما هو إلا أن تُدير ظهرها إليهن ذاهبة !.
أما الفتيات فلا تَسَل عن الذُّعرِ الذي يَجتاحُ مَشاعرهن ، ولا سيّما أن المرشدة قد سبق أنْ غَرسَت في أفئدتهن الثقة التامة بها ، وبأنها إنما تتلقى مشاعرها إلهاماً من عند الله ، فتستغرق كل واحدة منهنّ في التفكير في المعصية التي اجترحتها ، وتستعين بالذاكرة والخيال لمعرفة هذا الذي تجهله من أمر نفسها في حين أن المرشدة قد كشفته وعلِمتْه ، وتتحول التخيلات التي تفرضها المسكينة على نفسها في كثير من الأحيان إلى قلق نفسي ، ثم إلى اضطراب فَمَرضٍ نَفسي خَطير !.
فماذا نقول عن هذا النهج الذي يمارسه بعضهم اليوم مع تلامذتهم أو مريديهم ؟.
إنه أولاً: انحرافٌ عن جادة العبودية الضارعة لله تعالى ، وهو انحرافٌ يُنْبِئُ عن فراغ القلب من محبة الله عز وجل ، وانشغاله بمحبة الأغيار ، ومنها الاعتداد بالذات وإيهام المريدين أو المريدات أن الشيخ يتبوّأُ منزلةَ القرب من الله تعالى ، ويتمتّع بالكشف الذي أكرمه الله عز وجل به .
وما أكثر ما تراه من اتساع الفرق وعِظَم البـَوْن بين ما قد وجدتَ من حال سيدي العالم الرباني الجليل الشيخ أحمد الرفاعي ، وبين ما تراه اليوم من تَسَلَّق بعض المربّين والمربّيات إلى مركز الولاية والقرب من الله ، ولا سيّما أمام المريدين والمريدات .
وإنه ثانياً: يـعقب هذه النتيجة اللاتربوية الخطيرة في نفوس التلميذات والمريدات ، وإنها لنتيجة مناقضة لِـما قد تتطلع إليه رغبة المرشد أو المرشدة من حمل المريدين والمريدات على المبالغة في مراقبة النفس ومحاسبتها ، إن الوسيلة غير شرعية ، والنتيجة التي تأتي على أعقابها نتيجةٌ نفسيةٌ خطيرةٌ لا علاقةَ لها بالهدف المرسوم قط .
ولكن دعْكَ من هذا الأثر النفسي السيّئ ونتائجه ، وانظر إلى المعنى الذي يوحي به هذا التصرّف ، إنه يوحي إلى المريد بأن المرشد بَصيرٌ بسريرته خبيرٌ بالخفيّ من أوضاعه ، إذ إنه يتمتع بصفاء روحي يُورثه الكشف ، ويرفع عنه الحُجُب ، ويعري أمامه الحقائق .
فمتى كان المرشدون الربانيون بدءاً من الرسل والأنبياء يُوحون إلى أتباعهم هذه الدعوى ، ويزجُّونهم في هذا القلق الـمُهلِك ؟
إن المرشد كلما ازداد معرفةً بالله تعالى وتقرّباً منه ازداد اتّهاماً لنفسه وشعوراً بتقصيره وخوفاً من عواقب هذا التقصير ، ومن ثم فإنه يُوقن بأن الفتح الذي يكرمه الله به إذ يجلس إلى مريديه إنما هو ببركتهم ، وبأن الضيق والانغلاق الذي ينتابه إنما مَرَدُّه إلى سوء حاله ، وهو لا يرى في عمله الإرشادي إلا وظيفةً أقامه الله عليها .
ومصدر الخطأ الذي يقع فيه بَعضهم ما يَظنّونه من أن مَهمّة الإرشاد – إذ يَنهض بها أحدهم – دليلٌ على أنه يَتبوّأ بذلك مَكانةً متميّزةً عن الآخرين عند الله تعالى . وإنه لَـظَنٌّ باطل ، بل إنه لخطأ قتّال !.
النهوض بمهام الدعوة ليس أكثر من وظيفةٍ يُسخّر الله تعالى للقيام بها مَن يشاء ، وربما كانت الحكمة من اختيار من يَشاء لها ابتلاءً ، وربما كانت تَربيةً وتهذيباً للمرشد الداعي ، أكثر من أن تكون نصيحةً للناس الذين يرشدهم !.
وكم من مُرشد ضَلَّ مِن خِلال فتنة الإرشاد ، واهتدى مُريدوه من خلال الحق الذي تَفَتَّحت عقولهم لإدراكه وتهيأت قلوبهم لمحبّته ، ولا أشكّ أن في المرشدين من سيدخلهم الله عز وجل في شفاعة بعض مريديهم .
2 – الأثر الثاني من آثار محبة الله عز وجل هو الأدب مع عباد الله جميعاً ، والشعور بقدرٍ مشتركٍ من الحب لهم ، مما يَجعل دَعوته تنبعث من شعور غامرٍ بالشفقة عليهم والرحمة بهم ، على اختلاف نِـحَلهم ومِـللهم ومشاربهم واتجاهاتهم ، كي لا يَقعوا غَداً في آلامٍ كَاوية من الندامة التي لا تُغنيهم شيئاً ، فإن رب العالمين جل جلاله ما دعا عباده إلى دينه هذا إلا رحمة بهم وحباً لإسعادهم ، فأولى بالداعي إلى الله – وهو جندي يدعو الناس بدعوته – ألا تدفعه إلى ذلك إلا الرحمة والشفقة والغيرة عليهم ، فهيهات أن يكون الإنسان ناصحاً إذا كان مُبغضاً لمن ينصح .
ولعلك تقول: أما الأدب مع المؤمنين بالله ورسوله فالسبب الحامل عليه بَيّنٌ ، ولكن ما المسوّغ لحب الضالين من الكافرين والملحدين ؟
والجواب هو:
أولاً: وجوب التفريق بين شخص العاصي والمعصية التي تلبّس بها ، أما المعصية فيجب الشعور بكراهَتها والتحذير منها والنهي عنها ، وأما الشخص الذي تلبّس بالمعصية فيجب الشعور بالشفقة عليه ، ولا تكون الشفقة إلا نتيجةً للحبّ ، فمن لم يكن في قلبك حب له لا يمكن أن تشعر بالشفقة عليه .
ولذلك أدلةٌ كثيرة منها قوله : (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِه)( ) ، فالأخوة الإنسانية السارية علاقتها بينك وبين من ثبت له هذا الوصف هي السبب لهذا الذي يدعوك رسول الله  للتحقّق به .
ولا يحملنّك الوهم على أن تقيد كلمة (أخيه) في الحديث المذكور بالإسلام ، فإن مثل هذا التقييد الفضولي الذي لا دليل عليه من كلام رسول الله  مَحضُ افتئات عليه  .
ثانياً: مثل هذا الحديث في الدلالة على ما ذكرتُه لك قوله  في الحديث الآخر: (الدّينُ النَّصيحَة)( ) ، وقد أوضح عليه الصلاة والسلام أن ممن ينبغي أن تتوجه إليهم بالنصيحة أئمة المسلمين وعامّتهم ، وربما كان في أئمة المسلمين فَسَقَةٌ وعُصاة وجانحون عن سبيل الحق ، والاحتمال ذاته واردٌ بالنسبة إلى عامة المسلمين ، غير أنهم جميعاً مشمولون بالعموم الوارد في قوله : (وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ وَعامَّتِهِم) ، وإذا كان توجيه النصيحة إليهم من الدين فإن مما لا خلاف فيه أن النصيحة أولى ثمرات الحب .
وأنت تعلم أن انتماء الإنسان – أياً كان – بنَسَب العبودية إلى الله عزّ وجلّ مَـناطُ تَكريمٍ له وحفاوةٍ به ، وهذا يستدعي أن يكون الصادق في محبته لله تعالى مُحباً لكل من يَنتسبون إلى الله بهذا الانتماء .
ألا ترى أن من أحبّ شخصاً ما حبّاً حقيقياً أخذ بمجامع قلبه يحب كلَّ من وما له انتماءٌ إليه أو علاقةٌ به ؟
كذلك محبة الإنسان لله عزّ وجلّ من أبرز آثارها ومستلزماتها محبة كلِّ مَن حدّثنا الله عزّ وجلّ عن انتسابهم إليه بالعبودية له ، وكلِّ من أنبَأَنا عن خلقه لهم بيده وأنه بثّ فيهم من روحه .
ثم إنك تعلم أن محبّتهم تستلزم الأدب معهم ، بأن تكون لطيفاً بهم ليّناً معهم ، مُقدّراً أنهم ربما أصبحوا في المآل خيراً منك .
وكل هذا مما دعا الله تعالى إليه رسوله محمّداً  في التعامل مع قومه سواءً المشركين وغيرهم ، ألم يقل له: )فَبِما رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَليظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ في الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلينَ( [آل عمران: 159].
وهذا لا يتعارض مع ما هو مُقرَّرٌ من ضرورة البُغض في الله ، لأنه لا يَعني أن تكون في نفس المسلم أيّ كراهية للشخص بالذَّات ، بل يتّجه البُغض إلى المعصية التي تلبَّس بها أو الكفر الذي أصرّ عليه ، وهذا في حقيقته ليس إلا معنىً من معاني الشفقة على شخص العاصي ، وهذا ما عَـناهُ سيدنا لوط على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام ، عندما قال لقومه فيما رواه ربُّه عنه: )إِنّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالين( [الشعراء: 168] ، فالداعي طبيب والـمَدعوّ مريض ، والطبيب لا يكون طبيباً ناجحاً إلا إذا اندفع إلى تطبيب مريضه بدافع من الشفقة والرحمة .
إن علينا أن نَعترف أن الذي تناله نفوسنا وأهواؤنا مما نسميه البغض في الله أكثر جِداً مما نُقدمه إلى الله تعالى باسم هذا البُغض ذاتِه ، ولْنعترف أن هذه هي الآفة الكبرى في حياة الداعين إلى الله عز وجل اليوم .
وللنظر إلى ما يقوله الإمام الغزالي رحمه الله في هذا الصدد: “… وكل ذلك بشفقةٍ ولطف من غير عنف وغضب ، بل ينظر إليه نظرَ الـمُترَحِّم عليه ، ويرى إقدامه على المعصية مصيبةً على نفسه ، إذِ المسلمون كنفسٍ واحدة .
وهنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها فإنها مُربكة ، وهي أن العالِم يَرى عند التعريف عِزَّ نَفسه بالعلم وذُلَّ غيره بالجهل ، فربما يُقصد بِالتعريف الإدلال وإظهار التَّمييز بشرف العِلم ، وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل ، فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه» .
ثالثاً: ما نعرفه من معاملة رسول الله  مع المشركين ، بل مع مَن كانوا يُعادُونَه منهم ، مِن ذلك مَوقفه  مِن مُشركي مكة يوم دخلها منتصراً فاتحاً ، ألم يَقل لهم مُفاجِئاً: (ما ترون أني صانع بكم؟) ، قالوا: “أخٌ كريم وابن أخٍ كريم” ، قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)  .
3 – الأثر الثالث من آثار محبة الإنسان لمولاه وخالقه جلّ جلاله ، أن الحب يَحمله على أن يُهدر حَظُّ نَفسه في سبيل مَا يَراه مِن وجوبِ دَعوة الآخَرين إلى الله تعالى وتعريفهم بدينه ، وألا يَستثمر شَيئاً من أعمال الدعوة إلى الله عز وجل لمغانمه ورغائبه الدنيوية .
إن حُبه لله تعالى يدفعه إلى الشعور بأنه خادمٌ لدين الله عزّ وجلّ ، قائمٌ بوظيفةٍ أقامه الله فيها هي التعريف بدينه ، وتحبيبُه إلى قلوب الناس ، وبذل كل ما يملك من طاقةٍ مَعنوية وقُدُرات وممتلكات مادية في حراسة دِينه وتعبيد السبل أمام الناس إلى معرفته والاهتداء به .
وصَفوة القول أن الدعوة إلى الله عِبادة بل عبودية ضارعة لله تعالى ، يَتجه بها الداعي إلى عقول الناس وقلوبهم ، لإقناع الأُولى بالحق ، وتطهير الثانية من الأدران والآفات ، وإنما يَنهَض المجتمع الإسلامي على عُقولٍ تُؤمِن بالحق وتذعن له ، وقلوبٍ اتجهت إلى الله تعالى بالخوف منه والحب له .
*        *        *

دُعاةٌ فَتَّانُون ومُتَطَرِفُون حَمقَى( )
مع أن أعداء الإسلام في هذا العصر أقوياء ، ومع استمتاعهم بمقادير كبيرة من العلم والدهاء ، ومع أنهم أحرزوا ضدنا انتصارات كبيرة في أكثر من ميدان ، مع هذا كله فلستُ أخافُهم على ديننا قَدرَ ما أخافُ على هذا الدين من مُتحدِّثٍ جَاهل ، أو مُنافقٍ عَليمِ اللسان ، أو سِياسي يتخذ إلهَهُ هَواه .
ولأتناول الآن المحدّثين الجُهَّال ، فإن قُصورهم فتح علينا أبواب شرور كثيرة .
آفةُ المتحدثين في الإسلام أنهم يَستقبلون الْمَرويَّات التَّافِهَة وأذهانهم خَالية أو فَقيرة مِنَ الوَعي بتوجيهات القرآن الكريم وهو دستور الإسلام .
ولا يَجوز لِفَقيهٍ أَن يَتناولَ السُّنن الصِّحاح وهو جاهل بالقرآن نفسه ، فكيف بما هُوَ دُون الصحيح من تلك الـمَرويات ؟
والسُّنَّةُ أساسها ما تواتر ثم ما صَحّ ، أما المرويات الضعيفة – وما أكثرها – فَلها شَأنٌ آخر ، يعرفه الراسخون في العلم .
وقد وَقعُ في يَدي كتابٌ يُوزَّع في بعض العواصم الإسلامية ، ويتأثر به الكثيرون ، وجدت على غلافه ثلاثة أسماء لعلماء لهم مناصب مهمة ، وطالعتُ الكتاب فاستغربت ما حَوى من صور رديئة للإسلام وتعاليمه في قَضيةٍ اجتماعية كبيرة الشأن .
هل صَحيحٌ أن بَيت المسلم سِجن ، وأن الزوجة دَاخله مُتَّهمَة إلى الأبد ، وأنَّ أنواعَ الحِيطَةِ تُتَّخَذُ لِمَنعها من الإثم ؟!.
كذلك يقول الكِتاب ، فقد جاءت هذه العبارات به تحت عنوان: “نظام سَليم لحياة المرأة يَتجَلى في الحجاب”: قال علي رضي الله عنه: ألا تستحون ، ألا تغارون ؟ يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال تنظر إليهم وينظرون إليها !! وكان الصحابة رضي عنهم يَسُدُّون النوافذ وثُقُوبَ الجدران لئلا تَطَّلع منها النساء على الرجال أو الرجال على النساء !.
وقد رأى معاذ بن جبل رضي الله عنه زوجته تَطلع في كوة فضربها ، وأقرّه النبي  .
وكان علي رضي الله عنه يقول: “اكفُفْ أبصارهَن بالحجاب ، فإن شدة الحجاب عليهن خير من الارتياب ، فإن استطعت ألا يَعرفن غيرك فافعل ! فالحجاب حِصن حَصين للمرأة يَمنع عنها الشكوك والأوهام ، وَلُزومُها بيتَها خَيرٌ وأسلم عاقبة …”.
نقول: هذا الكلام كله هُراء ، ولا تَصح نِسبته لا إلى رسول الله  ولا إلى أصحابه ، والـمَرويات التي يَعتمد عليها هذا الكتاب ظَاهرةُ المخالَفة لما تواتر من خروج النساء إلى المسجد من الفجر إلى العشاء يَريْنَ الرجال ويَراهُن الرجال ، ولكن مع غَضّ البصر كما أمر الله ورسوله ، فإن الإسلام لم يأمر بعدم النظر وإنما أمر بغض البصر .
وقد تَصوَّرتُ المشرفين على هذا الكتاب في مَواقف تستحق الدراسة ، لقد روى البخاري( ) أن صحابية أحبّت أن تكون مع المجاهدين في البحر ، تَركب الأسطول وتقاتل في سبيل الله ، وطلبت من رسول الله  أن يَدعو الله بذلك ، فأجابها وطمأنها وبشَّرها .
ولو كان مُؤلّفُ الكتاب حاضراً لقال لها: ما لك يا امرأة وهذا العمل ؟ وما تكلُّفُكِ أمراً لا تحسنينه ؟ امكُثي في بيتكِ ولا تكوني من العُصاة .
إن هذا النوع من المتحدّثين عن الإسلام يصدّ عن سبيل الله ، وقد عرفتُ أنهم يقلدون مذهب ابن حنبل ، وأحمد بن حنبل بَريءٌ من هذا المسلك ، وهو لا يقول أن وجه المرأة عورة ، ذُكر ذلك في المغني لابن قدامة ، وكذلك رأى أئمة المذاهب المتبوعة أبو حنيفة ومالك .
إنه غريبٌ ألا يَعرف الحنابلة مَذهبَهم ، أليس الجهل عيباً ؟ قد يَقولون: نحن نَعرف المذهب ولكنّا نَرى الميل إلى وُجهة نظر أخرى !
نقول: لِيَكُن ، لكم ذلك على ألا تعيبوا من يُردِّد فِقهَ إمامكم ويأخذ به ، فليس ابن حنبل مُتّهماً في نُصحه للأمة وإخلاصه للدين ، فكيف إذا كان فقهُه في هذه القضية فِقه جمهرة العلماء !.
فقه السنّة لا يُلزِم ، وفقهُ المذاهب لا يُلزِم ، إذن ما الذي يُلزِم ؟ تَفكيرُ المتشائمين وهواةِ جمعِ التّوافه ؟.
وينقل الكتاب الذي بين أيدينا كلاماً عن حكم سماع الغناء والموسيقى , فيذكر هذه العبارات:
قال : (إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بَعَثني هُدًى ورَحْمَةً لِلْعالَمين وأَمَرَني بِمَحْقِ الْمَعازِفِ والْمَزاميرِ والأَوْثانِ والصُّلُبِ وأَمْرِ الجاهِليَةِ …)( ) . وقال  أيضاً: (أُمرتُ بِهَدْمِ الطَّبْلِ والْمِزْمار)( ).
وقال بعض العلماء: إن استماع الملاهي والتّلذّذَ بها معصيةٌ توجب الفسق ، وتُردُّ به الشهادة !. وأبلغُ من ذلك في الزّجر قول أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله: “إن السماع فسقٌ والتّلذّذَ به كفرٌ”.
نقول:
هذه المرويّات كلها مَرفوضة ، فالأحاديث لا نَصيب لها من الصِّحّة ، وتَفسيق المسلمين أو تَكفيرهم لسماع مِزمار أو نحوه كلامٌ فارغ .
وما رواه البخاري يُفيد إباحة السماع والتّلذّذَ في مناسبات مُعينة كالأعياد والأعراس …
وإرسال الأحكام الشرعية بهذه الطريقة يَضرّ الإسلام ولا يَنفعه ، وقبل ذلك هو جور على الحقيقة الدينية .
ما على هؤلاء الإخوة لو دَرَسُوا النصوص الواردة ، ومَيَّزوا صَحيحَها من سَقيمِها ، واستوعبوا وجهات النظر في فِقهها ؟
إن القول بأن شيئاً ما منكَر يحتاج إلى نصوص قاطعة ، فإذا انعدم القاطع ورُوِيَت آثار محتمِلة الدّلالة وتشعّبت وجهات النظر في الفهم فقد أصبح الأمر قَضية فقهية عادية ، وأصبح الميل مع وجهة نظرٍ مَا مَذهباً من مذاهب الإسلام .
والذي يزعم أن رأيَه هو الدين وأن رأيَ غيره خارجٌ عن الإسلام رَجلٌ أحمق لا يَنبغي أن يَشتغِلَ بالدعوة إلى الإسلام .
مع كُـرهي لأعداء الإسلام وخبرتي بأساليبهم في كيده ، أُعلن أن المتطرفين البُـلْهَ يُعطونهم فُرصَاً شَتَّى للنّيل مِنهُ وإلحاق الهزائم به في شتى الميادين( ).
•     لقيَني يَوماً أحد الشباب ، ونظر إِلَيَّ بِـمَقْتٍ ظَاهرٍ وقال لي: رأيتُ صُورتك على بعض كتبك . قلت: وأنا كذلك رأيتُها ، وضَعَها الناشر على غير مَشورةٍ مِنِّي ، ولو سألني الرأيَ ما وَافقتُه ، فلما رأيتها لم أكترثْ ولم أكتئبْ ، لا شيءَ هنالك . قال: أليس التصوير حراماً ؟ قُلت بِبُرود: لا ! قال: لقد مَزَّقتُ الكتاب ، وتواصَيْنا بالتنفير منه ومنك . قلت: قَـرَّتْ بكم عيونُ أعداء الإسلام ، ما يَطلبون غير هذا .
•     وقال آخر لي: مَا رأيك في ختم القرآن بجملة “صدق الله العظيم” .
قُلتُ: كان المؤمنون في الأمور المهمّة أو الشؤون التي تَبغَتُهم يقولون ذلك: )وَلَمّا رَأَى الْمُؤْمِنونَ الأَحْزابَ قالوا هَذا ما وَعَدَنا اللهُ وَرَسولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إيماناً وَتَسْليماً( [الأحزاب: 22] ، وفي موضعٍ آخر: )قُلْ صَدَقَ اللهُ… ([آل عمران: 95] ، وأرجو أن يكون القارئ شَاعراً بِرَوعة القرآن وجلال هُداه وقوة إعجازه ، فيقول الكلمة من قلبه . فقال: ليس هُناك أمرٌ بها . قلتُ: ولا نَهيٌ عنها . قال: إنك تستهين بالبِدع . قُلتُ: بل أزدري الاشتغال بالتّوافه ! إن الرجل الذي تَـطِنُّ حَوله ذُبَابة فيطلب النجدة لمواجهتها رَجلٌ أحمق ، ومِثلُ هذا يَفِرُّ إذا هَاجمَه غُراب !.
واستَـتْلَيْتُ أقول وأنا غاضب: في عَالَمٍ تآمَرَ كُبراؤُه على اغتيال ضُعفائه ، وجُهّالُه على وَأدِ علمائِـه ، وعجَزَتُه على اغتصاب أزِمَّــتِه وامتلاكِ قِيادته ؛ تُريدُ شُغلي بهذا الغُثاء الذي مَلأ أذهانكم ؟!.
إن ساسةَ العَالم أَحكموا خُطَّتَهُم لِخنق الإسلام ونسف ركائز الإيمان ، وقد توغَّلُوا في أرض الإسلام يَبغُون الإجهاز عليه ، وأنتم على شفا الهلاك تُريدون شُغل الأمة بخلافٍ فِقهيٍّ في فروع العبادة ، أو خِلافٍ لَفظيٍّ في فَهم كلمة ؟ ما أنتم ؟! إنكم ذُرِّيَّةُ الخوارج في هذا الزمان الهازل !.
أَين مَعَاقدُ الإيمان وفضائل الأخلاق وعزائم الأمور ؟ أين أولو الألباب ؟ إنني أنصح الدُّعاة والمربّين مُذَكِّرَاً بالحديث: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعاليَ الأَمورِ وَيَكْرَهُ سَفْسافَها)( ).
كيف يجب أن تكون علاقة الدعاة مع ولي الأمر( ) ؟
علماء الشريعة الموثوقون الربانيون من أمثال الإمام الرازي وحجة الإسلام الإمام الغزالي والإمام النووي ؛ يضبطون علاقة العلماء بوُلاة أمور المسلمين بالقواعد التالية:
•    طاعة وَلي الأمر في غير معصية ، وهذا الحكم ليس خاصاً بعالم الدين بل هو عام للناس جميعاً ، إذ عليهم جميعاً طاعة ولي الأمر ما لم يَأمرهم بمعصية ، فَعِندئذٍ لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق .
ولكن مما يَنبغي مَعرفته هو أن المعصية التي لا يُطاع فيها ولي الأمر هِي التي يَكون وِزْرُها على المأمور ، فإذا كان وزرها على الآمر فقط – أي على ولي الأمر – فعلى المأمور أن يُطيعه ، ومثال ذلك أن يَطلب ولي الأمر مَاله أو يَأخذ منه قطعةَ أرض دون وجه حق ، فتنفيذ هذا الأمر فيه معصيةٌ يَعود وبالها على الآمر ، أما المأمور فلا إثم عليه ، لذا يَجب عليه طاعة ولي الأمر فيه .
أما إذا كانت المعصية التي أمره بها مما يَعود وَبالُه على المأمور كَأَنْ يَأمره بشرب الخمر أو ارتكاب الفاحشة أو اقتناصِ مَالِ زَيدٍ مِن الناس ، فَعِندئذ لا طاعة له .
لما خرج الملك الظاهر لقتال التتار بالشام طلب فتاوى العلماء بأنه يَجوز أخذ مَالٍ من الرعية ليستنصر به على قتال العدو ، فكتب له فقهاء الشام بذلك ، وقَتَلَ خَلقَاً مِن العُلماء كثيراً بسبب إفتائهم له بعدم الجواز ، فقال: هل بَقي أحد ؟ فقالوا : نعم ، بقي الشيخ محيي الدين النواوي ، فطلبه فامتنع وقال: لا ، فقال : ما سبب امتناعك ؟ فقال: سمعت أن عندك ألف مملوك كلهم عنده حِياصةٌ مِن ذهب ، وعندك مئتا جارية لكل جارية حَقٌّ من الحُليّ ، فإذا أنفقتَ ذلك كُلَّه وبقيَتْ مماليكُك بالبنود الصوف بدلاً عن الحياصات الذهب وبقيت الجواري بثيابهن دون الحُلي، ولم يَبق في بيت المال شيء من نَقدٍ ومَتاعٍ وأرضٍ ، أَفتيتُكَ بأخذ المال من الرعية ، وإنما يُستعان على الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى ، واتّباع أثر نبيه  .
فغضب السلطان من كلامه وقال: اخرج من بلدي – يعني دمشق – ، فقال: السمع والطاعة ، وخرج إلى نوى ( ).
فالإمام النووي لم يُفتِ الملك الظاهر بأخذ مال الرعية دون وَجه حَقٍّ لأنَّ في ذلك معصيةٌ لله تعالى ، ولكنَّه لما أمره الملك بالخروج من دمشق قال: “السمع والطاعة” ، مما دَلَّ على وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية ، ولو كان ظالماً .
•    أن يَتجنّب طَرْقَ باب وليّ الأمر إذا لم يُدْعَ إليه .
•    يَجب على العالم أن يَستجيبَ لدعوة ولي الأمر إذا دعاه ، يَقول الله تعالى: )يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا أَطيعوا اللهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ وَأولي الأَمْرِ مِنْكُمْ( [النساء: 59] ، فالإمام أو الحاكم إذا استَدعى أَيَّاً مِن الناس إلى مَجلسه أو مُـلاقاته وَجبت الاستجابة ، وعليه أن يَلتَزمَ في استجابته بآداب الإسلام ونهجه .
•    أَن يَجعل العالمُ مِنَ اللِّقاءِ بوليِّ الأَمرِ وِعَاءً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولِنُصحِ وَليِّ الأمر فيما يَلمَحُهُ مِن تَقصيرٍ أو مُنكرٍ بالأسلوب الذي يَأمُرُ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى بِه ، فَنَصِيحَةُ الحاكم مِن أَجَلِّ القُرُبات إلى الله عز وجل ، على أن تَكون صَافيةً عن شوائب الطمع في مَغنم أو الفرار من مَغرم ، وأن تَكون في غاية الحِكمة واللِّين ، وَقَد ذَكر العُلماءُ هَذه الآداب ، ومن أبرزهم الإمام الغزالي في كتاب الإحياء: “… قد ذَكرنا دَرجات الأمر بالمعروف ، وأن أوله التعريف ، وثانيه الوعظ ، وثالثه التخشين في القول ، ورابِعُـه المنع بالقهر في الحمل على الحق بالضرب والعقوبة . والجائزُ – من جملة ذلك مع السلاطين – الرتبتان الأَوليان ، وهما التعريف والوعظ ، وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية مع السلطان ، فإن ذلك يُحرِّكُ الفِتنة ويُهَيِّجُ الشَّر … وكان ابن أبي شميلة يُوصَف بالعقل والأدب ، فدخل على عبد الملك بن مروان ، فقال له عبد الملك: تكلَّمْ ، قال: بم أتكلَّم ؟ وقد عَلمتُ أن كُلَّ كَلامٍ تَكلَّمَ به الـمُتكلمُ عليه وبالٌ إلا ما كان لله تعالى . فبكى عبد الملك ثم قال: يرحمك الله ، لم يَزل الناس يَتواعظون ويتواصَون ، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين: إن الناس في القيامة لا يَنجون مِن غُصَصِ مَرارتِـها ومُعاينةِ الرَّدى فيها إلا مَن أَرضى الله بسخط نفسِه . فبكى عبد الملك ثم قال: لا جَرَم لأجعلنَّ هذه الكلمات مِثَالاً نُصبَ عَيني ما عشت”( ) .
•    الدعاء لولي الأمر بالتوفيق لما يُرضي الله عزّ وجلّ ، وأن يَزيده الله إيماناً به وتعظيماً لـحُرماته ، وهذا ما كان عليه علماء المسلمين وسلفنا الصالح .
وإن عَجَبي لا يَنقَضِي من إخوةٍ يَظلُّون يُرسلون إِليَّ الاستنكار تَلو الاستنكار من الدعاء لِوَليِّ أمر المؤمنين ، بحجّةِ أنهم لا يُحـبّونَه أو مُتضايقون مِنه !
وأنا أقول لهؤلاء الإخوة: أرأيتم إلى سفينةٍ عليها مِئاتُ الأشخاص يقودهم رُبَّانُها في بحرٍ مائج ، والأمواج تتقاذفهم يميناً وشمالاً ، هل مِن عاقلٍ لا يَدعو لهذا الرُّبَّان أن يَحميه الله من الخطأ ، وإلا سنهلك كلُّنا ؟.
ولي أمر المؤمنين هو رُبَّانُ سَفينة المجتمع إن أحبَبْتَه أم لم تحبَّه ، هذا الإنسان وَلاَّه اللهُ أُمورنا شئنا أم أبَينا ، فما علاقة مَحبّته بالدعاء له !.
كان الإمام مالك رضي الله عنه شَديدَ الحرص على الدعاء لولي الأمر ، وكان هذا شَأن التابعين كلهم ، وكان الفضيل بن عياض لا يَألو جُهداً في الدعاء لهارون الرشيد ، وهو القائل: “لو أن لي دعوةً مستجابةً لصَيَّرتـُها للإمام” . قيل له: وكيف ذلك يا أبا عليّ ؟ قال: “متى صَـيَّرْتُها في نفسي لم تَجُزْني ، ومتى صَيَّرْتُها في الإمام فإصلاحُ الإمام إصلاحُ العباد والبلاد” .
كيف السبيل لإيجاد الصلة بين العالم وولي الأمر للقيام بالواجب ؟
علماء المسلمين مُكلَّفون بإقامة الإسلام كُلٌّ ضِمنَ دَائرته ، في الأسواق التي يَسيرون فيها ، في الأندية التي يَغشَونها ، فإن رَأَوا مُنكراً عليهم أن يَسعَوا جَاهدين لإزالته واجتثاثه ، وإن رَأَوا مَعروفاً مُهمَـلاً لدى الناس يَسعَون لإحيائه ، وإذا جلس مَجلس وَعْظٍ في مَسجدٍ أو خُطبةِ جُمعة فَعليه أن يَطرق الموضوع الذي يُناسبُ حَالَ هؤلاء الناس الذين يُخاطبهم ، فالشرع يَقول لنا: لكل مقامٍ مقال . وعِندما يَجد العالم نفسه واقفاً بين أناسٍ فيهم العامل والفلاح وصغار الكسَبة والتجار ، وفيهم أصحاب رؤوس الأموال ؛ إذاً ينبغي أن يُذِّكَرُهم بنقائصهم ، وبالأخطاء التي يقعون فيها ، ولا يَنبغي في ذلك المقام أن يُوجّه النصيحة لأولي الأمر .
وليس على العَالِـم أبداً أن يَتطلَّع لمعرفة ما يَحدث في قُصورِ الأُمراء وَمَدى تَطبيقهم لأوامرِ الله فيها ، ولكنه إذا عَلِمَ يَقيناً بِمُنكرٍ يُمارسه وَليُّ أَمرِ الْمُؤمنين أو غَيرُهُ من الْمَسؤولين ، فَعليه أن يَسعى جَاهداً لِـنُصحه ودعوته إلى الالتزام بأمر الله ، إِمَّا بِإرسال رِسَالَةٍ لَه إن عَلِمَ أنَّ ذَلك يُفيد ، فإذا لم يَجِد سَبيلاً لذلك وغلب على ظنّه أنه إِنْ طَرَق بَابَ الأمير يَستطيع إِزَالَةَ هَذَا الْمُنكَرِ فَعليه أن يَطلُبَ لِقَاءَهُ بِالوسائل الممكنة ، فإذا تَحققت له فُرصةٌ ووجد نفسه في مَجلسٍ أَمامَهُ فِيهِ بَعض المسؤولين أو بعض الممثلين للدولة أياً كانوا وأياً كانت مُستوياتهم إذاً يَجب عليه في هذه الحال أن يَتَوَجَّهَ بِالنصح إليهم ، فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويُذَكِّرُهُم بالانحراف إن كان هنالك انحراف ، وبالتوبة التي يَنبغي أن يعودوا بها إلى الله عز وجل .
فإن لم يَستطع الوصولَ إِليهم فلا يُكَلِّفُ الله نفساً إلا وسعها .
آداب النصيحة لوليّ الأمر
•    أن تكون النصيحة بأسلوب مُضَمَّخٍ بالحب والغيرة والشفقة ، وقد أخطأ البعض في فهم حديث رسول الله : (أَفْضَلُ الْجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ ، أَوْ أَميرٍ جائِر)( ) ، فتوهَّم أنَّ كلمةَ الحقِّ هذه يَنبغي أن تكونَ بِنَوعٍ من الشِّدَّةِ أو التَّوبِيخ ، ولكن الحقيقة هي عكسُ ذَلك تماماً . وليست كلمة (عند سلطان جائر) دَالَّـة على أنه ينبغي أن تكون هذه الكلمة بقسوة كما يَظنُّ البَعض ، أبداً ، فالباري جل جلاله قَال لسيدنا موسى وهارون عليهما السلام: )فَقولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى( [طه: 44] .
وقد ذَكرنا آنفاً قصة الإمام النووي مع الملك الظاهر ، وفيها أن الملك أمر الإمام بالخروج من دمشق لَمَّا أبى أن يُفتيه بأخذ مال الرعية ، فأطاعه الإمامُ وخرج إلى نوى ، ولما رَأَى النَّووي أن المواجهة لم تُجْدِ نفعاً عَمَدَ إلى الكتابةِ إلى الملك الظاهر بأسلوب فيه ترغيب وترهيب ، أسلوبِ الناصح الذي يَخشى عليه عاقبةَ أمره ، ويَخشى ضياع حقوق الناس ، جاء في هذه الرسالة: “وقد أوجب الله على المكلفين نصيحةَ السلطان – أعزّ الله أنصاره – ونصيحة عامة المسلمين ، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله  أنه قال: (الدِّينُ النَّصيحَةُ ، لِلَّهِ وَلِكِتابِهِ وَلِرَسولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ وَعامَّتِهِم)( ) ومن نصيحة السلطان – وفقه الله لطاعته ، وتولاه بكرامته – أن يُنهى عن الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام ، وقد أنعم الله علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان – أعزّ الله أنصاره – ، فقد أقامه الله لنصرة الدين ، والذَّبِّ عن المسلمين ، وأذلّ له الأعداء من جميع الطوائف ، وفتح عليه الفتوحات المشهورة في المدّة اليسيرة ، وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يُحب العمل بالشرع ويوصي نوّابه به ، فهو أولى مَن عمِلَ به ، ولو رأى السلطانُ ما يَلحقُ الناس من الشدائد لاشتدَّ حزنه عليهم ، ولكن لا تُنهى الأمور إليه على وجهها …”( ).
•    أن ينصحه إذا كان عنده ، فإذا خرج فعليه أن يَفطِمَ فَمَهُ عن الحديث عما دارَ في ذلك المجلس ، ولا يجوز له أن يتكلَّم بما قد وفقه الله عز وجل له أمام الناس ، فيجلس هنا وهنا وهناك ليُحدِّثهم عما قد فَعل ، وعن الجهاد الذي قد وُفِّقَ إليه أبداً ، وإن فعل ذلك فهو دليلٌ على أنه يُعاني من نوعٍ من النِّفاق والرياء ، بل يَجب أن يَسكت ويَدَّخرَ هذا الذي وفقه الله عز وجل إليه ليوم الحسرة ، يوم يقوم الناس لربِّ العالمين .
كما ورد عن رسول الله  النهي عن الإنكار على السلطان جَهْرَةً بحيث يُؤَدِّي إلى خَرْقِ هيبَتِه( ) ، فَعَنْ عياضِ بنِ غَنْمٍ الأَشْعَريَّ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسولَ الله  قالَ: ‏(مَنْ كانَتْ عِنْدَهُ نَصيحَةٌ لِذي سُلْطانٍ فَلا يُكَلِّمْهُ بِها عَلانيَةً , وَلْيَأْخُذْ بيَدِهِ فَلْيَخْلُ بِه , فَإِنْ قَبِلَها قَبِلَها , وَإِلا كانَ قَدْ أَدَّى الذي عَلَيْهِ والذي لَه) ( ) . وللتِّرمذيِّ وحسَّنه مِنْ حَديثِ أَبي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: قالَ رَسولُ اللهِ : (مَنْ أَهانَ سُلْطانَ اللهِ في الأَرْضِ أَهانَهُ الله) ( ).
وكثيرٌ من الدُّعاة يَغيب عنهم هذا الأدب الذي يذكره العلماء المسلمون فيما يتعلَّق بالعلاقة بين الدُّعاة والحكام ، فحديثُ (كَلِمَة حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِر) يفهمونه ويطبقونه: “كَلِمَة حَقٍّ على سُلْطانٍ جائِر” أو “في غيابِ سُلْطانٍ جائِر” ، والحقيقة أنه لا يجوز أن نَتَّخِذ من هذا الحديث سبباً لغيبة الحاكم ، كَأَنْ يصعد المنبر ويقول: “الحكّام هكذا شأنهم يظلمون , يرتكبون …” ، ولكنَّ الحكام لا يسمعون ما يحكي للناس ، والنبي  لم يقل: “كَلِمَة حَقٍّ في غيابِ سُلْطانٍ جائِر” أو “على سُلْطانٍ جائِر” وإنما قال: (عند) ، أي تجلس إليه وتنصحه ، ومن أراد أن يُظهر بطولته فلْيُظهرها أمام الله عز وجلّ لا أَمام المخلوقين .
كان الفُضيل بن عياض رحمه الله تعالى إذا جَمَعه مَجلسٌ مع الرشيد لم يَألُ جُهداً في نُصحه ووعْظِه ، مع الاستغناء الدائم عمّا في يده ، فإذا غاب عنه وضَمَّه مَجلسٌ من العلماء أو عامّة الناس ، لم يتجمّل بالحديث عن شيءٍ من مواقفه معه ، ولم يَأذَن لأحدٍ بأن يغتابه ، وهو القائل في مجلسٍ من هذا القبيل: “ما لَكم وللملوك أيها الناس ! … ما أعظمَ مِنَّتَهُم عليكم أنْ تَركوا لكم طريق الآخرة … فاركبوا طريقَ الآخرة إلى الله … ، تَعيبونهم بالدنيا ثم تزاحمونهم عليها ! … ما ينبغي للعالـِم أن يرضى بهذا لنفسه” .
وهذا هو شأن الإخلاص لوجه الله عزّ وجلّ في السلوك والدعوة ، وعلى هذا النهج لا بُدَّ أن يلتقيَ المخلصون لوجهه … لا يُصانعون الحُـكّامَ ابتغاء مصالحهم الدنيوية ، ولا يُصانعون الناسَ ابتغاء المحافظة على سمعتهم ، جُرَآءُ في دين الله ، نُصحاءُ للملوك والسلاطين !… وبهذا السرّ الرباني تَسري نصائِحُ هذه الـنُّخبةِ إِلى أفئدةِ الملوكِ والحُكَّامِ بالفائدة والتأثير ، ولكن تقصير العلماء هو الذي تَسبَّب بتقصير أئمة المسلمين ، فلو أنّ عالماً – كالإمام الغزالي أو محيي الدين النووي – كان مَوجوداً في هذا العصر يُخاطب أولياء أمور المسلمين ، لطأطؤوا له الرأس ودانوا له ، لأنهم سَيَرَون فيه مَظهرَ الخضوع لسلطان الربوبية والإخلاص لوجه الله( ) .
•    مخاطبة ولي الأمر بما يتَّفق مع منزلته التي يتبوَّؤها ، رُوي عن عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أَنَّها قالَتْ: (أَمَرَنا رَسولُ اللهِ  أَنْ نُنَزِّلَ النّاسَ مَنازِلَهُم)( ) . والنبي  عندما بدأ يُرسل الرسائل إلى ملوك العالم كان يَسأل عن لَقب كُلِّ واحدٍ منهم ، لكي تكون الرسالة مُتوَّجةً به ، فأرسل إلى هرقل الروم مخاطباً إياه بـ (عظيم الروم) ، مما دَلَّ على وجوب مخاطبة الأمراء بأَلقابهم .
الفرق بين الحركية الإسلامية والدعوة إلى الله( )
جوهر الدعوة إلى الله تعالى لَونٌ من أجلّ ألوان العبادة التي يَتقرّب بها الإنسان المؤمن إلى الله عز وجلّ ، بل هو ممارسة لأسمى معاني العبودية الضارعة له .
إذن فهو ليس وظيفةً حركيةً من جنس الوظائف الحركية التي يُمارسها أصحاب المذاهب أو رجال الأحزاب الأخرى ، إذ يتنافسون في سباق لاهِثٍ إلى فَرض أَنظمتهم ثم سلطانهم على المجتمع الذي يعيشون فيه ، بقطع النظر عن حال الأخلاق الشخصية وواقع التربية الفردية وخط السلوك .
الداعي إلى الله بحق يجيشُ وقودُ الدعوة بين جوانحه في ضرام الحقيقة الربانية القائلة: (لأَنْ يَهْديَ اللهُ بِكَ رَجُلاً واحِدًا ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَم)( ) ، فهو يتَّجه بأَمل الهداية إلى الأفئدة والعقول ، ويتعلق منهُ الطمع بعد ذلك برضا علام الغيوب ، وينتظر من حصاد دعوته تربيةً قويمة تشيعُ بينَ الأفراد ، واستقامة على الخُلُق السليم والسلوك الرشيد في علاقة ما بينهم على كل المستويات .
أما الْمُتحرِّك سعياً إلى نصرة جماعته أو حزبه ، فهو إنما يتجه بهم في حركة تكتيكية إلى مقاليد الحكم ، ومن ثمَّ فهو أبعد ما يكون عن الاهتمام بإصلاح القلوب وإقناع العقول وتهذيب النفوس ، وإنما همّه – بل كلُّ همّه – محصورٌ في أن يُقتنع الناس بضرورة إبلاغه إلى سدة الحكم والقيادة ، ليُريَهم كيف يُفَجِّر لهم من نظامه الذي ينادي به جَنَّةً تَزخَر بأَمواج السعادة للجميع .
وبوسعك أن تُلاحظ لتعلم أن أكثر الدُّعاة الإسلاميين قد أُصيبوا بعدوى هؤلاء الحزبيين من أصحاب المذاهب والأنظمة الدنيوية المختلفة ، ومن ثم فهم ينهجون نهجهم ويتكتكون على طريقتهم ، ويصورون من أنفسهم في أذهان الآخرين واحدةً من الجماعات أو الأحزاب التي تتزاحم سعياً وسبقاً إلى مقاليد الحكم !.
فانظر كيف تتقطع الجسور منذ أول يوم بين هؤلاء الدعاة الإسلاميين وبين أندادهم الداعين إلى أنظمة وأفكار أخرى .
إنهم يتحوَّلون إلى حزبٍ مُزاحمٍ مُنافسٍ في نَظر هؤلاء الآخرين ، ذلك لأنهم فَرضوا من أنفسهم جماعة تُزاحمهم وتُسابقهم إلى كراسي الحكم ليس إلا .
وهكذا يَجعل الإسلاميون من أنفسهم خُصوماً وأنداداً لتلك الأحزاب والفئات الأخرى من أول يوم ، فكيف وبأي دافعٍ تتهيأ منهم النفوس للإصغاء إلى دعوة هؤلاء الإسلاميين الذين ينافسونهم ويسابقونهم إلى عواطف الجماهير سعياً منهم عن طريق ذلك إلى الحكم ؟! هذا إن وجد هؤلاء الدعاة وقتاً لمحاورتهم ودعوتهم إلى الله تعالى ، وأغلب الوقت أن الوقت لديهم أضيق من أن يتَّسِع لذلك .
لا أعتقد أنَّ في المنطق ما يُوحي بأي استجابة لمثل هذه الدعوة من أُناسٍ اختاروا لأَنْفُسهم هذا المناخ ، بل لا أعتقد أن في المنطق ما يُوحي بأي استعدادٍ نَفسي لدى الآخرين للثِّقة بإِخلاص هذا الصنف من الدعاة .
ومحالٌ أن تجتمع محبة الله تعالى مع استثمار أعمال الدعوة إلى الله للمصالح الشخصية والمغانم المادية ، إنهما من دون ريب نقيضان إن وُجد أحدهما غاب الآخر .
فإذا رأيت من يتخذ من أنشطة أعماله الدّعوية دعامةً إلى مركز يسعى لِتَبَوُّئِه ، أو مصدراً من مصادر رزقه ، أو أداةً لِـمَغنمٍ سياسيّ يَحلم به ويجاهد في سبيله ، فاعلم أنَّ قَلبه مشغولٌ عن الله تعالى بأحلامه ورغائبه الدُّنيوية ، وإنْ هو رفع بين الناس شعار الغيرة على الإسلام ، وأهداف الدفاع عن شرائعه والعمل على رفع دعائمه وتحكيم موازينه .
وأغلب الظن أن جهود هؤلاء الناس لن تأتي بطائل ، وأن حركاتهم الناشطة وألسنتهم الـمُعرِّفة والدّاعية لن تُقرِّب الناس الذين يحاورونهم إلى الالتزام بالدِّين شروى نقير ، ذلك لأن الذي يُدخِل قبس الهداية في القلوب حَالُ الدّاعي لا لسانُه .
أجل فإن الذي أقبل إلي مسرعاً يُنَافِسُنِي الوصولَ إلى مَغنم لا يُمكن أن أثِقَ بِه في أي نصيحة يَزعُمُ أَنَّه َيتقدم بها إليّ ، وأغلب الظن أن نصيحتَه لن تُتَرجم في ذهني إلا إلى خديعة مقنّعة وتكتيك سياسي مُبرمج !.
ومن هنا يَشيعُ في أوساط الحزبيين الآخرين اتهام الإسلاميين الحركيين باستغلال الشعارات الإسلامية التي من شأنها أن تهيّج الجماهير للوصول إلى الحكم ، ولا سيّما وهم يرون أنفسهم فقراء إلى تلك الشعارات ذات التأثير السحري على عواطف الناس .
في الثمانينات من القرن الماضي دُعيتُ من قِبَل بعض المسؤولين الكبار إلى أن أنشئ حزباً إسلامياً ليكون من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ، فقلت: أما ضمانات النجاح فأنا أضمن ذلك ، وأنا أعلم أنَّني لو أعلنتُ أنني سأُنْشئ حزباً إسلامياً لن يَقلَّ عدد الداخلين فيه عن المليون خلال شهر واحد ، لكن ماذا أكون قد صنعت للإسلام ، أسَأتُ أم أَحسنت ؟
الجواب: أنني سوف أُسيءُ لأسباب عدّة منها:
أولاً: عندما يكون لي كرسي سادس أو خامس مثلاً في الجبهة الوطنية التقدمية ، فمعنى ذلك أن المجتمع السوري تقاسَـمَتْه هذه الأحزابُ الخمسة ، ونصيبُ الإسلام منه الخُمُس أو السُّدُس , ولكنَّ الإسلامَ ليس إصبعاً خامساً بين هذه الأصابع , الإسلام هو المِعصَم الذي يجمع , إذا أردتُّ أن أجلسَ على كرسي أصبحتُ قسيماً , فأكون قد أسأتُ للإسلام .
ثانياً: عندما أُنشئ هذا الحزب سأجد من حَولي أُناساً دَخلوا فيه يُحيطون بي يُحَذِّرونني ويَمدحونني … الخ ، سأجد بأن علاقتي بهذه الجماعة أصبحت هي البديل عن قول الله تعالى: )إِنَّما الْمُؤْمِنونَ إِخْوَةٌ( [الحجرات: 10] ، ولسوف أجد أن علاقتي مع هؤلاء الإخوة تعلو فوق علاقاتي مع بقية الناس ، فكيف ألقى الله تعالى ؟! ربما يكون أناسٌ بعيدون عن هذا الحزب أفضل بكثير من كل هؤلاء الأعضاء .
ثالثاً: هنالك سياسيون حرفيون مِهَنيّون يُريدون أن يَصلوا إلى أمانيهم مِن أقصر طريق ، عندما يَجدون أن هُنالك حزباً إسلامياً له مزية لا تتمتع بها بقية الأحزاب ، من ليبراليين ، شيوعيين , اشتراكيين … الخ ، وهي أنه يستحوذ على العاطفة الإسلامية للمجتمع ، فعندما أخاطب الناس بأنني مسلم وأريد أن أطبق الإسلام ، سأجد عشرات بل مئات الناس يفسحون لي المجال ويتَبَنَّونَ وُصولي إلى الحكم ، هؤلاء السياسيون المحترفون يسيل لعابُهم ، وسرعان ما يأتي الواحد منهم فيُطْلِق لحيةً ويُظهر التَّمَسُّك بالدين والغيرة على الإسلام ، ويسجد ويضغط عند سجوده ليُحدِثَ عَلامةَ سجودٍ على جبهته ، فأنا ما أدراني بحقيقته ؟ النتيجةُ أنني سأجد أن ظهري أصبح مَطيَّةً لهؤلاء الناس الذين رَكِبوا الإسلام عن طريقي ، فلما وصلوا إلى الحكم تنكَّروا لي .
هذا واقعٌ وليس خيالاً ، لا يوجد حزب إسلامي إلا وخمسون بالمائة منه أو أكثر من الحرفيين الذين دخلوا في هذا الحزب لأنَّهم وجدوا أن الطريق معبد إلى أمانيّهم السياسية المختلفة التي يريدون الوصول إليها .
رابعاً: عملُ الدعوة إلى الله عز وجل لا يُكَمِّله النشاط السياسي , بل يلغيه وينسخُه ، لأنني عندما أقوم بعمل سياسي لا أستطيع أن أُقنع رئيسَ الدولة أو المسؤول بأنني أنصحه لله ، عندما يجد أنني أُناكِبُه العمل وأسابقه في الهدف ويسيل لعابي على الكرسي الذي يجلس عليه , كيف يصدّقني ؟.
لكن عندما يعلم أنني زاهدٌ في كرسيِّه وإنما أطمع في عقله عندئذ يُمكن أن يَستجيب لي .
وقد أثبتت التجربة أن مُشاركةَ الأحزاب الدينية في الأنشطة السياسية لا تعود بالخير على الدعوة الإسلامية ، وإن بدا في أول الأمر أن لها فائدة ، إلا أن هذه الفائدة هي فائدة في الظاهر أما الواقع الملموس فهو يثبت عكس ذلك تماماً .
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: أنظر بِريبةٍ شديدة فيمن لا صياحَ لهم إلا طلبُ الحكم ، وأخاف أن يقع مُستقبل الإسلام بين أيديهم ، فيكتنفَ الظلام مستقبل الإسلام .
هناك أعمالٌ ثقيلةٌ خطيرةٌ يجب أن يُباشرها الإسلاميون فوراً لإصلاح أمتهم وتهيئتِها لغدٍ أشرف … أشعر بالجزع عندما أرى أخلاق الكذب والخيانة والغدر وخسّة الخصومة تشيع هنا وهناك ، أليست هذه أركانَ النفاق ؟ فكيف يبقى معها الإسلام ؟.
فبم نُفَسِّرُ تَقاعسَنا في محو هذه الخلائق الرديئة ؟ وكيف يَستقيم – مع وجودها – حماسنا للدعوة إلى الإسلام ؟
إن انتظارَ الحُكم ليس العملَ الصالحَ الذي ينضمُّ إلى الإيمان وتتمُّ به النجاة ، إن هذا الانتظار يُمكن فَهمه عندما يَكونُ في حاشية الشعور ، على أن يكونَ في بؤرة الشعور العملُ العاجل المتاح في أي مَجال لخدمة الإسلام في أي ميدان ، وما أكثر الميادين الظمأى إلى عاملين مخلصين ناشطين …
أصارح بأنني مُرتابٌ في أفئدةِ مُقاتلين من أجل الحكم ، بل مُرتابٌ في قُدُراتهم وخبراتهم ، وأخشى إذا وقعت مَقاليدُ الحكم في أيديهم أن يُصاب الإسلام بما لا طاقةَ له به !.
هل عَجَزةُ اليوم سيكونون المقتدرين غداً ؟ اللهم احرس الإسلام من هؤلاء الأصدقاء .
ونجاحُ الدُّعاة في نشر الإخلاص والمرحمة والتعاون والنظام والنظافة والنشاط والإيثار شيء لا يُقَدَّرُ بثمن ، وهذه الأخلاق هي المهاد الحقيقي لكي يَقوم مِن تِلقاءِ نفسه حُكمٌ صالح ، فلطالما قَرَّرنا أن الحكم صُورةٌ صادقةٌ للشعب نفسه( ) .

ضَابِط الخُروج عَلَى الحَاكِم
عنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رضي الله عنه قالَ: (دَعانا رَسولُ اللهِ  فَبايَعْناهُ ، فَكانَ فيما أَخَذَ عَلَيْنا: أَنْ بايَعَنا عَلَى السَّمْعِ والطّاعَةِ ، في مَنْشَطِنا وَمَكْرَهِنا ، وَعُسْرِنا وَيُسْرِنا ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنا ، وَأَنْ لا نُنازِعَ الأَمْرَ أَهْلَه) ، قالَ: (إِلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْرَاً بَواحَاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فيهِ بُرْهان)( ) .
قوله: (وَأَثَرَةٍ عَلَيْنا): والمراد أن طاعتهم لِمَن يتولَّى عليهم لا تتوقَّف على إيصالهم حقوقهم ، بل عليهم الطاعة ولو منعوهم حقَّهم .
قوله: (وَأَنْ لا نُنازِعَ الأَمْرَ أَهْلَه): أي الملك والإمارة ، زاد أحمد( ) في رواية: (وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّ لَك)( ) ، فلا تعمل بذلك الظنِّ ، بل اسمع وأطع ، إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة .
قوله: (إِلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْرَاً بَواحَاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فيهِ بُرْهان): أي نَصُّ آية أو خبرٌ صريحٌ لا يَحتمل التأويل ، ومقتضاه: أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فِعلهم يَحتمل التأويل .
قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية ، ومعنى الحديث: لا تُنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تَروا مِنهم مُنكراً مُحقَّقَاً تَعلمونَهُ مِن قواعد الإسلام ، فإذا رأيتُم ذلك فأنكروا عليهم ، وقولوا بالحقِّ حيثما كنتم ، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين ، وإن كانوا فسقة ظالمين .
قال النووي: وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُه ، وأجمع أهل السنة أنه لا يَنعزل السلطان بالفسق ، وأما الوجه المذكور – في كتب الفقه – لبعض أصحابنا: أنه يَنْعَزِل ، وحُكي عن المعتزلة أيضاً ، فَغَلطٌ مِن قائلِه مخالفٌ للإجماع .
قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتَّب على ذلك من الفتن ، وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين ، فتكون المفسدة في عَزله أكثر منها في بقائه .
قال القاضي عياض: أجمع العلماء أن الإمامة لا تنعقد لكافر ، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل . قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها . قال: وكذلك – عند جمهورهم – المبتدع . قال: وقال بعض البصريين: تنعقد له وتستدام له ؛ لأنه متأوِّل .
قال القاضي: فلو طرأ عليه كفرٌ وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية ، وسقطت طاعته ، ووجب على المسلمين القيام عليه ، وخلعه ونصب إمام عادل ما أمكنهم ذلك ، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظَنُّوا القدرة عليه ، فإن تحقَّقوا العجز لم يجب القيام ، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ، ويفرّ بدينه .
قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداء ، فلو طرأ على الخليفة فسق ، قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتَّب عليه فتنة وحرب .
وقال جماهير أهل السنة – من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين -: لا يَنعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ، ولا يُخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك ، بل يجب وعظه وتخويفه ؛ للأحاديث الواردة في ذلك . قال القاضي: وقد ادَّعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع ، وقد ردَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية ، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث ، وتأوَّل هذا القائل قوله: (ألا ننازع الأمر أهله) في أئمة العدل . وحُجَّة الجمهور: أن قيامهم على الحجاج ليس لمجرَّد الفسق ، بل لما غيَّر من الشرع ، وظاهَرَ من الكفر . قال القاضي: وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً ، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم . والله أعلم)( ) .
وهناك من يسأل مُسْتَشْكِلاً:
هل يوجد كفرٌ أكثر من قتل المسلمين ؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسوقٌ ، وَقِتالُهُ كُفْر)( ) .
وقال أيضاً: (لاَ تَرْجِعوا بَعْدي كُفَّارَاً ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض)( ) ، فنعتَ النبي  مَن قَتَلَ بالكفر …
والجواب هو: مناط الكفر الاعتقاد أو ما يدل على الاعتقاد كالسجود لصنم ، أما قتل النفس بدون حق فمعصية كبيرة من المعاصي ، إن كان القاتل مستحلاً لذلك كَفر ، وإن لم يكن مستحِلاً كان مرتكباً لكبيرة ، وإذا لم نعلم عقيدة القاتل أهو مستبيح أم لا لم يَجز تَكفيره بالإجماع . إن الذين قتلهم الحجاج صبراً أعداد كبيرة ، ولم يُكفِّره أحدٌ من السَّلف الذين كانوا في عصره ، وفي مقدمتهم الحسن البصري ، وإن الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً ثم أتَمَّهم المائة( ) – في الحديث الصحيح – لم يرتدّ بذلك حتى يحتاج إلى إسلام جديد ، وإِنَّما عصى الله بما أَقدم عليه ، ومِن ثَمَّ لم يَكن بَينه وبين مغفرة اللهِ لَه إلا التوبة النصوح .
أما الاستشهاد بحديث: (لاَ تَرْجِعوا بَعْدي كُفَّارَاً) ففي غير موضعه ، ولو كان المستشهد بصيراً باللغة العربية لأدرك ذلك ، إن الكفر في الحديث هو مصدر القتل ، وليس القتل هو مصدرُ الكفر وسببُه كما توهَّم ، لأن الكفر هو المتقدم على القتل في الحديث وليس العكس ( ).

عُلَمَاءُ السُّلطَة
هو مصطَلحٌ جديدٌ صار متداولاً حديثاً ، ويوجد في تراثنا الإسلامي تَعبيرٌ أشمل منه هو “علماء السّوء” ، يقول أحدهم:
يَـا عُلَمَـاءَ السّوءِ يا مِلـحَ البَلَـدْ        مَا يُصلحُ الـمِلْحُ إذا الـمِلحُ فَسَدْ
وَيُقصَد بهم العلماء الذين لم يلتزموا بـمُقتضى علومهم التي انتهلوها ، وشرَدوا عن الانضباط باختصاصهم العلمي ، فاتَّخذوا العلم تُكأةً للدنيا وأداة للكَسب والمغانم ونحوِ ذلك ، بقطع النظر عن الصلة بالسلطان أو الحاكم .
أما تعبير “علماء السلطة” فهو أضيق ، ويُقصَد به العلماء الذين أخضعوا علومهم لخدمة السلطان أو وليّ الأمر ، ممن وضعوا نُصبَ أعينهم مغانمَ ومبتَغَياتٍ سياسية ونحو ذلك ، وعزّ عليهم أن يجدوا سبيلاً للوصول إليها إلا سبيل العلم ، فاتخذوا من علومهم وسيلةً لدى السلطان بإفتائه بما ينشرح له صدره .
فإذا وَجَدَ أَحدُهم أَنَّ وَليَّ الأمر يرى إباحة أمرٍ ما ، يفتي فوراً بأنه مباح ، وإذا رآه يضيق صدره بأمر أفتى بحُرمَته ولو كان ذلك الأمر مباحاً في أصول الشريعة الإسلامية .
هذه الحالة التي يَتَّصفُ بِها فعلاً بعض العلماء هي ما يُعبَّر عنه اليوم بـ “علماء السلطة” .
والأمثلة على ذلك في واقعنا اليوم كثيرة – للأسف – منها:
•    بالأمس كانت تصريحات بعض هؤلاء العلماء مظهراً للحماسة ضد العدو المغتصب للأرض والحقوق ، الطاردِ للناس من بيوتهم وأوطانهم “إسرائيل” ، سمعناهم يتداعون لقتال العدو المغتصب ، ورأيناهم يُلِحُّون على الأمة الإسلامية بضرورة التلاقي صفاً واحداً على قتاله ، ونظرنا اليوم وإذا بهم يُعلنون حِلفاً خَفيَّاً أو مُعلَناً معه ، وأصغينا السمع وانتظرنا أن نسمع منهم ما يُذكرنا بموقفهم قبل سنوات ، ولكننا لم نسمع منهم إلا النقيض ، بل صاروا هم اليوم يجلسون مع الحاخامات ويتبادلون معهم الرأي .
•    كم وكم سمعنا منهم تذكيراً بأحاديث رسول الله  التي تأمر بعدم الخروج على الحاكم: قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمانِ رضي الله عنهما: قُلْتُ: يا رَسولَ الله ، إِنّا كُنَّا بِشَرٍّ ، فَجاءَ اللهُ بِخَيْرٍ ، فَنَحْنُ فيهِ ، فَهَلْ مِنْ وَراءِ هَذا الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قالَ: (نَعَمْ) ، قُلْتُ: هَلْ وَراءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ ؟ قالَ: (نَعَمْ) ، قُلْتُ: فَهَلْ وَراءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قالَ: (نَعَمْ) ، قُلْتُ: كَيْفَ ؟ قالَ: (يَكونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَهْتَدونَ بِهُداي ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتي ، وَسَيَقومُ فيهِمْ رِجالٌ قُلوبُهُمْ قُلوبُ الشَّياطينِ في جُثْمانِ إِنْسٍ) ، قالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يا رَسولَ الله ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قالَ: (تَسْمَعُ وَتُطيعُ لِلْأَميرِ ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ ، وَأُخِذَ مالُكَ ، فاسْمَعْ وَأَطِعْ)( ) .
ويُذَكِّرون بأنه لا يَجوز الخروج عليه ما دام لم يُعلن الكُفرَ البَواح ، ونظرنا إليهم وإذا هم اليوم يَحكمون على الحُـكَّام بالكفر ، ويحكمون عليهم بالشرود الكلي عن صراط الله سبحانه وتعالى ، ويُـحرِّضون الناس على الخروج عليهم ، ثم يجعلون هذا الـحُكم خاصَّاً ببلاد دون أخرى !! فهل يمكن أن نجد إسلاماً سياسيَّاً يـُمَزَّق فيه الإسلام أكثر من هذا ؟
•    بالأمس كانوا يُحذِّرون من بدعة التكفير ويعلنون خلافَهم مع التكفيريين ، اليوم هم أنفسُهم يكفِّرون الناس .
•    الرِّبَا كانوا إلى الأمس القريب يقولون إنه حرام أياً كانت النسبة ومهما كان , اليوم نجد أنهم يقولون: إذا كانت النسبة 4% فهو ليس حراماً ، ويبررون ذلك بأن هذه النسبة مقابل التضخم( ) .
ما هي خطورة من يُسمَّون بـ “علماء السلطة” على الإسلام ؟
تكمن الخطورة في سلوك هؤلاء في أنهم يُجنِّدون أنفسهم – من حيث يشعرون أو لا يشعرون – لتنفيذ خُطةٍ تَهدف إلى نَـزْعِ صفة السماوية عن الشريعة الإسلامية ، هذه الخطة مَوجودة ولكنها تطورت من حال إلى حال ، فالفشل لدى التجربة الأولى اقتضى الدخول في تجربة ثانية ، ثم الدخول في تجربة ثالثة ، وما يَهُمُّنَا هو الحديث عن التجربة الثالثة التي يتم تنفيذها اليوم ، وتتمثل باختصار في دَفعِ من يُمكن السيطرةُ عليهم من علماء الشريعة وفقهائها وتجنيدهم للفتوى وبيان الأحكام ، لكن على ألا تكون هذه الأحكام مرتبطةً بنصوص أو بمراجع أو أئمّة ، بحجّةِ أن الشريعة الإسلامية صالحةٌ لكلّ زمان ومكان ، وبحجَّة القاعدة القائلة “حيثما وجدت المصلحة فثَمَّ شرع الله” فوُجِدَ مَن تجاوَبَ مَعهم ، إما بغباء وجهل أو بسوء نية ، فأطلق لسانه بالفتاوى دون الانضباط بالضوابط التي ذكرناها ، فإذا بالفتاوى التي لا تَنتمي إلى جِذع الإسلام تتكاثر هنا وهناك .
أبطال هذه التجربة الثالثة يُريدون أن يُبرهنوا للعالم أن الإسلام ليس عبارةً عن أحكام مُنزلة من السماء وَحْيَاً على الرسل والأنبياء ، بل هو عبارة عن مجموعة أفكار لفقهاء ، هذه المجموعة تكاثرت ثم تكاثرت ، فأصبحت فِقهاً عَامَّاً اصطبغ بالصبغة الدينية ، وبهذا يتبخر الإسلام فلا داعي أن نَربط هذه الأحكام بعقيدة .
الخطر الآخر أن هذه الفتاوى التي أُعِدَّت أشبه ما تكون بالقنابل الموقوتة ، ولا سيما فتاوى التكفير ، وتحليل ما كان محرماً ، وتحريم ما كان حلالاً ، هذه الفتاوى تمزق المجتمع وتجعله أنكاثاً ، وتجعلُ المجتمع المتآخي بعضه يتربص ببعض ، هذا من أخطر ما يُمكن أن نَتصوره .
يقود هذه الحملة شخص اسمه “محمد أركون” ، وهو رئيس الدراسة الإسلامية في جامعة “السوربون” جزائري ملحد ، وكان يتقاضى فوق مُرتَّبه المتميز كرئيس لكرسي الإسلاميات في جامعة “السوربون” رِشوَةً كبيرة جِداً لعمله الذي كانت فرنسا تَرى أنه نجح فيه نجاحاً كبيراً في هذا الصدد ، وهو الذي كان يَطرح النظرية القائلة: “يجب أن نُعيد النظر في الإيمان بوجود الله عزَّ وجل” .
مسؤولية الدعاة في الفتن( )
الفتنة: هي كل حَالة يغيب فيها سلطان العدل ، ويُفلت فيها زمامه ، وينجرف فيها الناس إلى التهارج والقتل دون ضوابط ولا اختيار ، وكل الفتن ذات درجة واحدة في الخطورة وتسبب الهلاك .
وهي تتلخص في عدوان المسلمين بعضهم على بعض ، فكلُّ ما حدثنا عنه رسول الله  من الفتن وأنواعها يتلخَّص في هذا الأمر ، عدوان المسلمين بعضهم على بعض ، وأحاديث الفتنة كثيرة جداً ، وكلها يدور على هذا المعنى .
تأملوا مثلاً فيما يَرويه حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ رضي الله عنه ، عنْ رَسولِ اللهِ  أَنَّه قالَ: (والذي نَفْسي بيَدِهِ لاَ تَقومُ السّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلوا إِمامَكُمْ ، وَتَجْتَلِدوا بِأَسْيافِكُمْ ، وَيَرِثَ دُنْياكُمْ شِرارُكُم)( ) .
ها نحن نرى كيف أن نيران الفتن تنقدح اليوم في جنبات الأرض ، حتى إن هذه الفتن أصبحت الرصيد الأوحد للأخبار الإذاعية التي تتلقاها الآذان أو تتلقاها الأبصار ، التي ما تَفتؤ تتحدث عن الإنسانية المهيضة المكلومة في جنبات الأرض !.
حقيقة يَنبغي أولاً أن نَتبيَّنها ثم يَنبغي أن نَعلم أن هذه الفِتن لا تأتي مُصادفة ولا تَسوقها رياح العشوائية ، وإنما هِي نَتيجةُ خُطَطٍ يَرسمها العدو المشترك بين يدي استلاب الحقوق والقضاء على الأوطان واستلاب الثروات المتنوعة على اختلافها والقضاء على بقايا الحضارة الإنسانية المثلى التي تتملكها أمتنا .
إن هذا العدو المشترك ينفخ في نيران هذه الفتنة بعد أن نفخ فيها طويلاً في بغداد وفي فلسطين وفي أماكن أخرى .
وإذا تَبَيَّنَ لنا هذا المعنى فإن بوسعنا أن نُدرك أن الأمة تملك السلاح الذي تحصن به نفسها وتغلق باب الفتنة ، وتحيل بين هذا العدو المشترك والوصول إلى ما يَبتغيه من تَحويل علاقات الود بين الإخوة إلى بغضاء ، من تحويل علاقات التعاون إلى تدابر وشقاق .
ما الدواء ؟
الدواء هو فيما يرويه عَلِيٌّ رضي الله عنه قالَ: أَما إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ  يَقُولُ: (أَلا إِنَّها سَتَكونُ فِتْنَة) فَقُلْتُ: ما الْمَخْرَجُ مِنْها يَا رَسولَ اللهِ ؟ قالَ: (كِتابُ اللهِ ، فيهِ نَبأُ ما قَبْلَكُمْ ، وَخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، وَهوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ ابْتَغى الهُدى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله)( ) .
لقد أَلَّفَ الإسلامُ بَين قبيلتين طالما كانتا متحاربتين ، هما الأوس والخزرج ، تحوَّلتا إِلى مثالٍ لِلودِّ والتعاون والوحدة ، ولكن اليهود ضَاقوا ذَرْعاً بهذا ، فأقبل رجل اسمه شاس بن قيس يُحاول أن يُؤَلِّب الأوس على الخزرج والخزرج على الأوس في أُمور وطريقة من الخبث كانت ولا تزال هي رأسمال هذه الفئة إلى أن تقوم الساعة ، فَنَسي – لِدَقَائقَ – هؤلاء الإخوة الذي وحدهم الإسلام هذه النعمة ، واهتاجت – لدقائق معدودة – عوامل البغضاء فيما بينهم ، ولكن كتاب الله عز وجل سرعان ما ذَوَّبَ هذا الشعور فيهم ، وأعادهم إلى هذه النعمة ، فأقبلوا يتعانقون ، وأقبل الواحد منهم يَعتذر لأخيه ، ونزل قول الله عز وجل: )يا أَيُّها الَّذينَ آمَنواْ إِن تُطيعوا فَريقَاً مِّنَ الَّذينَ أوتواْ الْكِتابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانِكُمْ كافِرينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفيكُمْ رَسولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُديَ إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقيم( [آل عمران: 100-101] إلى أن قال: )واعْتَصِمواْ بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً وَلاَ تَفَرَّقواْ واذْكُرواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفا حُفْرَةٍ مِّنَ النّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْها( [آل عمران: 103].
ما أشبه الليلة بالبارحة ، ما الفرق بين ذلك الرعيل الأول ، وبيننا نحن المسلمين في هذا العصر ، الوسائل التي كانت تستعمل بالأمس للإيقاع ولإثارة براكين الفتنة هي ذاتها التي تستثار اليوم ، فلماذا استطاع أولئك أن يتساموا فوقها ؟ ولماذا عجزنا نحن عن ذلك ؟ سلوا أنفسكم هذا السؤال تعلمون الجواب ؟
إن الذي ينجي هذه الأمة من الفتن ومن ثم ينجيها من الدمار والهلاك إنما هو الرجوع إلى وصايا كتاب الله عز وجل ، يقول لنا كتاب الله عز وجل إن هنالك ثلاث دوائر ، كل دائرة تقي مَن فيها من الفتن أياً كانت :
–    الدائرة الأولى: دائرة الأمة الإسلامية ، فعلى المسلمين مهما اختلفت مذاهبهم وتعددت فرقهم أن يجتمعوا تحت مظلة الإسلام ، وأن يذيبوا فوارق ما بينهم ، فتبتعد عنهم الفتنة .
–    الدائرة التي تليها: “وهي أوسع من الأولى” دائرة الأديان المتعددة التي تلتقي عند جذع من الدين الواحد: فعلى الذين فرقتهم الأديان السماوية المتعددة – ولكنها تنتمي إلى جذع واحد – أن يجعلوا من هذا الجذع الجامع وقاية لهم ضد كل فرقة وفتنة ؛ لَئِن تعدد الدين في حياتهم وفي سلوكاتهم فليذكروا أن الجذع والمصدر واحد . فهذه هي الدائرة الثانية .
–    الدائرة الثالثة: هي الدائرة الإنسانية ، فإن كان في الأمة من لا ينتمي إلى إسلام ولا إلى دين ولا شيءٍ آخر ، وهو يَعيش بين ظهراني هذه الأمة ؛ فليعلم أنه ينتمي إلى دائرة واسعة جداً هي الإنسانية التي قدس الله سبحانه وتعالى حقوقها أيما تقديس ، ونبهنا بيان الله عز وجل إلى ضرورة رعايتها عندما عبَّر عنها بالأسرة الإنسانية: )يا أَيُّها النّاسُ اتَّقواْ رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثيراً وَنِساء واتَّقواْ اللهَ الَّذي تَساءلونَ بِهِ والأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقيباً( [النساء: 1] ، الأرحام أي الرحم الإنساني .
وقد بيَّنَ لنا رسول الله  سُبُلَ مُعالجة الفتن ، وما كان أصحابه رضوان الله عليهم بحاجة مباشِرة إلى ذلك ، ولكنها الرحمة النبوية إذ كان يَشعر بها المصطفى عليه الصلاة والسلام لتلك الأجيال الآتية من بعده ، فلم يَكن يَدَّخر لتلك الأجيال من وصاياه شيئاً ، ولم يكن يألُ جُهداً في أن ينبهها ويحذرها ويرفدها .
عنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ رضي الله عنه قالَ: كانَ النَّاسُ يَسْأَلونَ رَسولَ اللهِ  عَنِ الْخَيْر ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخافَةَ أَنْ يُدْرِكَني ، فَقُلْتُ: يا رَسولَ الله ، إِنَّا كُنَّا في جاهِليَّةٍ وَشَرّ ، فَجاءَنا اللهُ بِهَذا الْخَيْر ، فَهَلْ بَعْدَ هَذا الْخَيْرِ شَرّ ؟ قالَ: (نَعَم) ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْر ؟ قالَ: (نَعَمْ ، وَفيهِ دَخَن) ، قُلْتُ: وَما دَخَنُه ؟ قالَ: (قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتي ، وَيَهْدونَ بِغَيْرِ هَدْيي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِر) ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرّ ؟ قالَ: (نَعَمْ ، دُعاةٌ عَلَى أَبْوابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجابَهُمْ إِلَيْها قَذَفوهُ فيها) ، فَقُلْتُ: يا رَسولَ الله ، صِفْهُمْ لَنا ، قالَ: (نَعَمْ ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنا ، وَيَتَكَلَّمونَ بِأَلْسِنَتِنا) ، قُلْتُ: يا رَسولَ الله ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَني ذَلِك ؟ قالَ: (تَلْزَمُ جَماعَةَ الْمُسْلِمينَ وَإِمامَهُم) ، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَماعَةٌ وَلا إِمام ؟ قالَ: (فاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّها ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِك)( ) .
وقال عليه الصلاة والسلام: (يوشِكَ أَنْ يَكونَ خَيْرَ مالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِها شَعَفَ الجِبالِ وَمَواقِعَ القَطْرِ ، يَفِرُّ بِدينِهِ مِنَ الفِتَنِ)( ) أي يعتزل بها عن الناس .
وعنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : (سَتَكونُ فِتَنٌ ، القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ ، والقائِمُ فيها خَيْرٌ مِنَ الماشي، والماشي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعي ، وَمَنْ يُشْرِفْ لَها تَسْتَشْرِفْهُ ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعاذًا فَلْيَعُذْ بِه)  .
وفي رواية أكثر تفصيلاً يرويها مسلمٌ( ) عَنْ أَبي بَكْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسولَ اللهِ  قالَ: (إِنَّها سَتَكونُ فِتَنٌ ، أَلا ثُمَّ تَكونُ فِتْنَةٌ ، الْقاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ الْماشي فيها ، والْماشي فيها خَيْرٌ مِنَ السّاعي إِلَيْها . أَلا ، فَإِذا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ ، فَمَنْ كانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِه ، وَمَنْ كانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِه ، وَمَنْ كانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِه) قالَ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلا غَنَمٌ وَلا أَرْضٌ ؟ قالَ: (يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَر) – كِنايَةً عنْ أَنْ لا يَخوضَ غِمارَ تِلْكَ الفِتَنِ هاهنا أَو هاهنا – (ثُمَّ ليَنْجُ إِنِ اسْتَطاعَ النَّجاءَ ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟) قالَ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ ، أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ ، فَضَرَبَني رَجُلٌ بِسَيْفِهِ ، أَوْ يَجيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُني ؟ قالَ: (يَبوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ ، وَيَكونُ مِنْ أَصْحابِ النَّار) .
وصحَّ عنِ النَّبيِّ  أَنَّه قالَ: (إِذا رَأَيْتَ شُحًّا مُطاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجابَ كُلِّ ذي رَأْيٍ بِرَأْيِه ، فَعَلَيْكَ – يَعْني – بِنَفْسِكَ ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوامَّ…)( ).
هذه طائفة يسيرة من وصايا رسول الله  التي أسداها بسائقٍ من حُبِّه ورحمته لهذه الأمة ، يُعلِّمُنَا فيها السبيل والـمَخلص من الفتن المختلفة التي شاء الله عز وجل أن يُبتَلى الناسُ بها ، لاسيما إذا قربت الساعة .
ولماذا يوصي رسول الله  بذلك ؟ ولماذا يُسميها رسول الله  فتناً ؟ ولماذا لم تَكن هذه الوصية من حظِّ أصحابه ؟ ولماذا لم يأمر أصحابه أن يثلموا سيوفهم ويكسروا حدها ؟ لماذا ؟
لأن النبي عليه الصلاة والسلام يَتحدَّث عن نوع من المصائب والفتن ، هي التي يُسميها رسول الله  فتناً بالمعنى الدقيق ، إذا شاء الرجل أن يَتخلَّص منها بسبيلٍ زَجَّهُ السبيلُ إلى شرٍّ منه ، وإذا شاء أن يلقى سبيلاً أخرى ليتخلَّص من تلك الفتن زُجَّ به إلى شرٍّ منه ، يُريد أن يتخلَّص من الفتنة فلا يَرى سَبيلاً مُصَفَّى سَائغاً يُرضي الله ورسوله ، ولا يَرى طريقاً يَستطيع أن يَطمئنَّ أنه طريقُ آمِن سالكٌ يُرضي اللهَ عزّ وجل إن وضع ميزان الله فقط نصب عينيه ، فماذا يصنع وقد ادلهمّت السُّبُل وتعقَّدت الأسباب ، وتداخل بعضها ببعض ولا يمكن أن تتداخل ولا أن تتعقد إلا للأسباب التي وصفها رسول الله : (إِذا رَأَيْتَ شُحًّا مُطاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجابَ كُلِّ ذي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ…)( ) ، هنا تتشابك السُّبُل ، وهنا تتداخل الوسائل ، فلا يحاول الإنسان أن يفرَّ من بلاء إلا ويقع في شرٍّ منه ، مع أنه لم يفر من بلائه الأول ، فما السبيل ؟ السبيل ما قال رسول الله  .
ومن عجب أن بعض الناس إذا ذُكِّروا بهذه الأحاديث الصحيحة التي بلغ مجموعها مبلغ التواتر المعنوي ، فهي ليست أحاديث آحاد ، لم يَرض أن يَسمعها بل ربما اشمَأَزَّ مِن ذِكْرِها ووصف الذاكرين لها والدَّاعين إليها بالسلبية ، وهي كلام رسول الله  ، تُرى أكانت هذه الوصايا سلبية لو أنها كانت موجهة إلى فردٍ مُعيَّنٍ ، أو كانت موجهةً إلى عشرة من بين المئات ، أي إلى قلةٍ ، ولكن رسول الله  يرسلها وصية إلى كل فرد فردٍ من المسلمين جميعاً ، فتصوَّروا لو أنَّ كلَّ فردٍ فردٍ من المسلمين التزمَ خاصَّةَ نفسِه ، وكان حَارساً أميناً على سيفه ، وكان قواماً لحدود الله عز وجل على زوجه وأولاده ومن يلوذون به ، وكان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر حيثما ارتحل وحيثما حلَّ ، لو أن المسلمين جميعاً كانوا هكذا إذاً لذابت الفتنة في خير نارٍ لا يمكن أن تذيبها نارٌ أخرى ، لو أن المسلمين جميعاً كانوا بهذا الشكل لاضمحلّت العُقَد ولاستَبانت السُّبُل .
وقلت لكم مرة: إن هذا أحدثَ طريقةٍ تربويةٍ يتحدَّث عنها المربّون بالنسبة للمعلمين في مدارسهم ، يقول أحدهم: إذا دخل المعلم قاعة الدرس فوجد أن الطلاب جميعاً في صياح وفي ضجيج لا يُمكن أن تستبين فيها كلمات مُتكلِّم ، هذا يصيح من هنا وذاك يصيح من هنا ، حتى إن العُرفاء عندما يُريدون يَصيحون فيهم يَزيدون إلى الضجيج ضجيجاً ، ما هو أحسن سبيلٍ سريعٍ من أجل إعادة هذه القاعة إلى الهدوء والطمأنينة ؟ أن يُنبههم المعلم إلى النقطة التالية ، يدعو كل واحد منهم إلى أن يُسكت نفسه وأن لا يكون أحد مسؤولاً عن الآخر ، لأن الضَّجّةَ ما قامت إلا لأنَّ كُلَّ فَردٍ يتحمَّل المسؤولية عن الآخرين ، فضجت القاعة كلها بصياح الموجهين ، ولكن إذا طُبِّقَ هذا المبدأ التربوي الذي دعانا إليه معلمنا وحبيبنا رسول الله  وأسكت كلُّ واحدٍ نفسه في اللحظة الواحدة ترى أن القاعة عادت إلى هدوئها وأمنها .
رسول الله  مرة أخرى قال: (أَلاَ إِنَّها سَتَكونُ فِتْنَة) ، فَقالَ سيدنا علي رضي الله عنه: ما الْمَخْرَجُ مِنْها يا رَسولَ اللهِ ؟ قالَ: (كِتابُ الله)( ) . وقال : (إِنّي قَدْ خَلَّفْتُ فيكُمْ ما لَنْ تَضِلّوا بَعْدَهُما ما أَخَذْتُمْ بِهِما – أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِما – كِتابُ اللهِ وَسُنَّتي , وَلَنْ يَفْتَرِقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْض)( ) .
فالْـزموا كتاب الله سبحانه وتعالى ، والْـزموا سنة رسول الله  يخرجنا الله عز وجل من مأزق هذه الفتن ، هذا مع الرضا والتسليم بأن قضاء الله عز وجل جارٍ لا ريب فيه ، ومع ضرورة أن نقول في كل صباح إذا أصبحنا وفي كل مساء إذا أمسينا: “رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد  نبياً ورسولاً” .
موقف العلماء الربانيين في الفتن
فتنــة ابن الأشعث
أول هذه المواقف التي سنذكرها هو موقف الحسن البصري في فتنة ابن الأشعث ، وهي من الفتن التي هزَّت الأمة الإسلامية ، وكادت تطيح بالخلافة زمن بني أمية ؛ فتنة عبد الرحمن بن الأشعث ، وكان ابتداؤها سنة إحدى وثمانين .
قال الحافظ ابن كثير: وكان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يُبغضه ، وكان هو يفهم ذلك ، ويُضمر للحجاج السوء وزوال الملك عنه ، ثم إن الحجاج بن يوسف نائب الخليفة عبد الملك بن مروان على العراق جهَّز جيشاً من البصرة والكوفة وغيرهما لقتال رتبيل الكافر ملك الترك ، الذي آذى أهل الإسلام وقتل فئات منهم ، وأمّر الحجاج على ذلك الجيش ابن الأشعث ، مع أنه كان يُبغضه – كما تقدَّم – حتى إنه كان يقول: ما رأيته قط حتى هممت بقتله . ودخل ابن الأشعث يوماً على الحجاج وعنده عامر الشعبي ، فقال الحجاج: انظر إلى مشيته !! والله لقد هممت أن أضرب عنقه . فأخبر الشعبيُّ ابنَ الأشعث بما قال الحجاج ، فقال ابن الأشعث: وأنا والله لأجهدنّ أن أُزيله عن سلطانه إن طال بي البقاء .
فسار ذلك الجيش بإمرة ابن الأشعث ، حتى وطئ أرض رتبـيل ، ففتح مدناً كثيرة ، وغَنِمَ أموالاً كثيرة ، وسبى خلقاً من الكفار ، ورتبيل ملك الكفار يَهرب منهم من مدينة لأخرى .
ثم إن ابن الأشعث رأى لأصحابه أن يُوقفوا القتال ، حتى يَتَقَوَّوا إلى العام المقبل ، ولتستقرَّ الأمور في البلاد التي فتحوها .
فكتب إليه الحجاج يأمره بالاستمرار في القتال ، ويذمُّه ويُعيِّره بالنكول عن الحرب ، فغضب ابن الأشعث ، ثم سَعى في تأليب الناس على الحجاج . وقام والد ابن الأشعث – وكان شاعراً خطيباً – فقال: إن مثل الحجاج في هذا الأمر ومثلنا كما قال القائل: “احمل عبدك على الفرس ، فإن هلك هلك ، وإن نجا فلك” إنكم إن ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطان الحجاج ، وإن هلكتم كنتم الأعداء البغضاء .
ثم قال: اخلعوا عدو الله الحجاج ، ولم يذكر خلع الخليفة ، اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا لأميركم عبد الرحمن بن الأشعث ، فإني أُشهدكم أني أول خالع للحجاج . فقال الناس من كلِّ جانبٍ: خلعنا عدو الله الحجاج – وكانوا يبغضونه – ، ووثبوا إلى ابن الأشعث فبايعوه ، ولم يذكروا خلع الخليفة .
وبعد بيعة الفتنة تلك تبدَّلت الأمور ، ووقع ما لم يكن في الحسبان ، فقد انصرف ابن الأشعث عن قتال الترك الكفرة ، وسار بجيشه المفتون مُقبلاً إلى الحجاج ليقاتله ويأخذ منه العراق ، فلما تَوسَّطوا في الطريق قالوا: إنَّ خَلْعَنَا للحجاجِ خَلْعٌ لابن مروان ، فخلعوا أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، وجَدَّدوا البيعة لابن الأشعث ، فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله  وخلع أئمة الضلالة وجهاد الملحدين .
فلما بلغ الحجاج ما صنعوا مِن خَلْعِه وخَلْعِ أمير المؤمنين ، كَتَب إلى الخليفة بذلك يُعلِمه ، ويستعجله في بعثه الجنود إليه ، فانزعج الخليفة واهتم وسعى الناصحون المصلحون في درء الفتنة .
فكتب المهلب بن أبي صفرة إلى ابن الأشعث يُحَذِّره ، وينهاه عن الخروج على إمامه وقال: “إنك يا ابن الأشعث قد وَضعت رِجلك في ركابٍ طويل ، أَبْــقِ على أمة محمد  ، الله الله !!! انظر لنفسك فلا تُهلكها ، ودماء المسلمين فلا تسفكها ، والجماعة فلا تُفرقها ، والبيعة فلا تنكثها ، فإن قلتَ أخاف الناس على نفسي ، فالله أَحقُّ أَنْ تَخافه من الناس ، فلا تُعرِّضها لله في سفك دمٍ أو استحلال محرم ، والسلام عليك” .
ثم أخذ الخليفة عبد الملك في تجهيز الجنود في نصرة الحجاج في قتاله الخارجين على الجماعة ، وجعل المفتونون يَلتفُّون على ابن الأشعث من كل جانب ، حتى قيل إنه سَار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومائة وعشرون ألف راجل !.
حتى دخلوا البصرة ، فخطب ابن الأشعث وبايعهم ، وبايعوه على خَلع الخليفة ونائبه الحجاج بن يوسف ، وقال لهم ابن الأشعث: “ليس الحجاج بشيءٍ ، ولكن اذهبوا بنا إلى عبد الملك الخليفة لنقاتله ، ووافقه على خلعهما جميع من بالبصرة من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب” .
قال الحافظ ابن كثير: وتفاقم الأمرُ وكَثُرَ مُتابع ابن الأشعث على ذلك ، واشتد الحال وتفرقت الكلمة جداً ، وعَظُم الخطب واتسع الخرق ا.هـ .
ثم التقى جيش الخليفة وجيش ابن الأشعث ، فقال القراء الذين خلعوا البيعة: أيها الناس قاتلوا عن دينكم ودنياكم .
وقال عامر الشعبي – وكان من الأئمة ولكن ابن الأشعث فتَنَهُ – قال: قاتلوهم على جورهم ، واستـغلالهم الضعفاء ، وإماتتهم الصلاة .
ثم بدأَ القتال ، ما بين كرّ وفرّ ، يَقتتل الناس كُلَّ يَوم قتالاً شديداً ، حتى أُصيب من رؤوس الناس خلقٌ كثير ، واستمر هذا الحال مُدَّة طويلة ، ثم كتب الخليفة إلى ابن الأشعث ومن معه يقول: “إن كان يُرضيكم مِني عَزلُ الحجاجِ خَلعْتُه ، وأبقيتُ عليكم أُعطياتِكم ، وليـخيَّر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميراً ما عاش وعشت .
فلما بلغ ذلك ابن الأشعث خَطَبَ الناس وندبهم إلى قبول ما عَرَضَهُ عليهم أمير المؤمنين مِن عَزل الحجاج وإبقاء الأعطيات ، فثار الناس من كل جانب ، وقالوا: والله لا نقبل ذلك ، نحن أكثر عدداً وعدة .
ثم جَدَّدوا خلع الخليفة عبد الملك واتفقوا على ذلك كلهم ، واستمر القتال بين الفئتين مائة يوم وثلاثة أيام على ما قاله ابن الأثير ، وصبر جيش الخليفة بقيادة الحجاج – بالحرب – فأمر بالحملة على كتيبة القراء الذين خلعوا الخليفة ، لأن الناس كانوا تبعاً لهم ، وهم الذين يُحرضونهم على القتال ، والناس يَقتدون بهم ، فحمل جيش الحجاج عليهم ، فقتل منهم خَلقاً كثيراً ، وبعدها انهزم ابن الأشعث ومن معه ، فلحقهم جيش الحجاج يَقتلون ويأسرون ، وهرب ابن الأشعث ومعه جمع قليل من الناس ، فأرسل الحجاجُ خَلفه جَيشاً كثيفاً ليقتلوه ويأسروه ، فَفَرَّ ابن الأشعث حتى دخل هو ومن معه إلى بلاد رُتبيل الكافر – ملك الترك – ، فأكرمه وأنزله عنده وأمنه وعظمه كيداً للمسلمين .
هرب ابن الأشعث بعد أن أثار فتنة أَهلكت الحرث والنسل ، فقُتِلَ مِن أتباعه مَن قُتِل ، وأُسِر كثيرٌ منهم ، فَقَتلهم الحجاج بن يوسف ، وهرب مَن بَقي مِنهم ، ومِنهم عامر الشعبي الإمام الثقة ، فأمر الحجاج أن يُؤتى بالشعبي ، فَجِيء به حتى دخل على الحجاج . قال الشعبي: فسَلَّمت عليه بالإمرة ، ثم قلت: أيها الأمير ، إن الناس قَد أَمروني أن أعتذر إليك بِغَير ما يَعلم الله أنه الحق ، ووالله لا أقول في هذا المقامِ إِلا الحق ، قد والله تَمرَّدنا عليك وحَرَّضنا ، وَجَهدنا كل الجهد ، فما كُنَّا بالأتقياء البررة ، ولا بالأشقياء الفجرة ، لقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا ، وما جرت إليك أيدينا ، وإن عفوت عنا فبحلمك ، وبعد فالحجَّةُ لك علينا .
فقال الحجاج لما رأى اعترافه وإقراره: أنت يا شعبي أحب إلي ممن يَدخل علينا يَقطر سَيفه من دمائنا ، ثم يَقول ما فعلت ولا شهدت ، قد أمنت عندنا يا شعبي . ثم قال: يا شَعبي كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبي ؟ – وكان الحجاج يُكرمه قبل دخوله في الفتنة – فقال الشعبي مُخبراً عن حاله بَعد مُفارقته للجماعة: أصلح الله الأمـير ؛ قد اكتحـلتُ بعدك السهر ، واستوعَرتُ السهول ، واستجلستُ الخوف ، واستحليتُ الهمَّ ، وفَقدتُ صالحَ الإخوان ، ولم أَجد من الأمير خلَفاً ! فقال الحجاج: انصرف يا شعبي ، فانصرفَ آمناً .
ثم شرع الحجاج في تتبع أصحاب ابن الأشعث، فقتلهم مثنى وفرادى ، حَتى قِيل إنه قتل مِنهم بَين يَديه مائة ألف وثلاثين ألفاً !!! مِنهم محمد بن سعد بن أبي وقاص ، وجماعات من السادات ، حتى كان آخرهم سعيد بن جبير رحمه الله تعالى .
وكان ممن تَبِعَ ابن الأشعث طَائفة من الأعيان منهم: مسلم بن يسار ، وأبو الجوزاء ، وأبو المنهال الرياحي ، ومالك بن دينار ، والحسن البصري رحمه الله . وذلك أنه قيل لابن الأشعث: إنْ سرَّك أن يُقتلوا حولك كما قُتلوا حول جمل عائشة ، فأخْرِجِ الحسنَ ، فأرسلَ إليه ، فأكرهَه .
وعن ابن عون قال: «استبطأ الناسُ أيام ابن الأشعث ؛ فقالوا له: أَخْرِجْ هذا الشيخ – يعني الحسن – قال ابنُ عون: فنظرتُ إليه بين الجسرين ، وعليه عمامةٌ سوداء . قال: فغفلوا عنه ، فألقى نفسه في بعض تلك الأنهار ، حتى نجا منهم ، وكاد يَومئذٍ أن يهلك» .
وكان ممن خرج أيضاً: سعيد بن جبير ، وابن أبي لَيلى الفقيه ، وطلحة بن مصرف ، وعطاء بن السائب ، وغيرهم .
قال أيوب: فما منهم من أحد صُرِع مع ابن الأشعث إلا رَغب عن مَصْرَعِه ، ولا نجا أحد منهم إلا حَمِدَ اللهَ أن سَلَّمه !.
ثم إن الحجاج كَتب إلى رُتْبيل مَلك التُّرك الذي لَجأ إليه ابن الأشعث ، أرسل إليه يقول: «والله الذي لا إله إلا هو ، لَئِن لم تَبعث إِلي بابن الأشعث لأبعثن إليك بألف ألف مُقاتل ولأخربنّها» .
فلما تحقَّق الوعيد من الحجاج استشار في ذلك بَعض الأمراء فأشاروا عليه بتسليم ابن الأشعث قبل أن يُخرب الحجاج دِيَارَه ، ويأخذ عامة أمصاره ، فعند ذلك غَدَرَ رُتْبيلُ بابنِ الأَشْعَث فَقَبضَ عليه وعلى ثلاثين من أتباعه ، فَقَيَّدَهُم بالأصفاد وَبَعثهم مع رُسل الحجاج إليه . فلما كانُوا ببعض الطريق بِمَكَانٍ يُقال له “الرخج” صَعِدَ ابن الأشعث وهو مُقيد بالحديد إلى سطح قصر ، ومعه رَجلٌ مُوكَّلٌ بِه لِئَلا يَفِرَّ ، فَأَلقى ابن الأشعث بنفسه من ذلك القصر ، وسقط معه المُوكَّلُ به فَمَاتَا جَميعاً ، فَعَمَدَ الرسول إلى رأس ابن الأشعث فاحتزَّه، وقتل من معه من أصحابه ، وبعث بِرُؤوسهم إلى الحجاج ، فَأَمَرَ فَطِيْفَ برأس ابن الأشعث في العراق ، ثم بعثه إلى أمير المؤمنين عبد الملك فطيْفَ به في الشام ، ثم بَعث به إلى أخيه عبد العزيز بِمِصر فَطِيْفَ بِرأسه هناك ، ثم دُفن .
قال الحافظ ابن كثير: والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بَايعوه بالإمارة ، كَيف يَعمدون إلى خليفة قد بُويع له بالإمارة على المسلمين مِن سِنين ، فَيعزلونه وهو من صليبة قريش ، ويبايعون لرجل هندي بيعة لم يَتفق عليها أهل الحل والعقد ؟!.
ولهذا لـمّا كانت هذه زَلَّةٌ وَفَلتَةٌ نَشأ بِسَببها شَرٌّ كثير ، هلك فيه خلق كثير ، فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعون. ا.هـ.
ذكر ابن الأثير في تاريخه: أَن رَجلاً من الأنصار جاء إلى عمر بن عبد العزيز فَقال: أنا ابن فلان بن فلان ، قُتل جدي يوم بدر ، وقُتل جدي فلان يَوم أحد ، وجعل يَذكر مَنَاقِبَ سَلفه ، فنظر عمر إلى جَلِيسه فقال: هذه المناقب والله ، لا يوم الجماجم ويوم راهط ، من الخروج وحمل السلاح على المسلمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين .
إن فتنة ابن الأشعث كانت فتنة عظيمة فَرقت الكلمة ، وقُتل فيها أكثر من مئة ألف مسلم ، وفي هذه الحادثة فوائد منها:
أولها: أن للفتن في أولِ نُشوئها لَذة وحلاوة تَستهوي كثيراً من الناس ، إلا مَن عصمه الله ونَجَّاه ، وقد خَرج كَثير من القراء مع ابن الأشعث ، فَضلاً عن عامة الناس ، كان كلامهم في أول الفِتن قَوياً ومهيجاً ، تَكلم مُتكلِّموهم وأبدع خطباؤهم في التحريض على قتال جند الخليفة .
قال أبو البختري: أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم ، فوالله لئن ظهروا عليكم لَيُفْسِدُنَّ عليكم دينَكم ، وليَلُنَّ على دنياكم .
قال عامر الشعبي: أيها الناس قاتلوهم ، ولا يأخذْكم حرج من قتالهم ، واللهِ ما أعلم على بسيط الأرض أعملَ بظلمٍ ولا أعملَ بجورٍ منهم ، وقال سعيد بن جبير نحو ذلك .
ووالله لو كانوا يَعلمون ما سَتَـؤُول الأمور إليه لَمَا قالوا ما قالوا ، ولكنها الفِتَنُ تَعمى فيها الأبصار .
ثانياً: إذا وقعت الفتن فإن ضحاياها الأبرار والفجار ، قال الله تعالى: )واتَّقوا فِتْنَةً لا تُصيبَنَّ الَّذينَ ظَلَموا مِنْكُمْ خاصَّةً واعْلَموا أَنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعِقابِ( [الأنفال: 25] .
ذكر ابن الأثير في تاريخه: أن الحجّاج لما غلب جيش ابن الأشعث أخذ يُبايع الناس وكان ظالماً ، وكان لا يُبايع أحداً إلا قال له: اشهد على نفسك أنك كفرت ، يعني بنقضك البيعة وحملك السلاح ، فإن قال: نعم بايعه ، وإلا قتله . فأتاه رجل من خثعم كان معتزلاً للناس كلهم ، فسأله الحجاج عن حاله فأخبره باعتزاله ، قال الحجاج، بل أنت مُتّربصٌ بِنَا ، أتشهد أنك كافر ؟ قال الرجل: بئس الرجل أنا ، أَعبُدُ اللهَ ثمانين سنة ، ثم أشهد على نفسي بالكفر . قال الحجاج: أقتلُك إذاً ؟ قال الرجل: وإن قَتَلتَني . فقتله الحجاج ، ولم يَبق أحدٌ مِن أهل الشام والعراق إلا رحمه ، وحزن لقتله .
ثالثاً: إذا وَلَّت الفتنة مُدبرة ، عند ذلك يَندم مَن دَخل فيها ، لِمَا يَراه مِنَ الفَسَادِ والشَّرِّ الذي نَتَجَ عَنها ، واستمع إلى أهلها وقد جيء بهم حتى أوقفوا بين يدي الحجاج بن يوسف . ها هو فيروز بن الحصين أُسِرَ فأُتيَ به إلى الحجاج ، فقال له: أبا عثمان !! مَا أخرجك مع هؤلاء ، فوالله ما لحمك من لحومهم ولا دمك من دمائهم ؟ فقال: أيها الأمير فِتنَةٌ عَمَّتْ ، فأمر به الحجاج فَضُربت عُنقه .
ثم دعا الحجاج بعمر بن موسى فجيء به مُوثقاً ، فَعَنَّفَه الحجاج فاعتذر ، وقال: أصلح الله الأمير ! كانت فِتنة شَملت البرّ والفاجر ، فدخلنا فيها ، فقد أمكنك الله مِنا ، فَإِن عَفَوتَ فَبِفَضلِك ، وإن عاقبت ظلمت مُذنبين . فقال الحجاج: أما إنها شملت البر والفاجر ، فقد كذبت ، ولكنها شملت الفاجر وعوفـيَ منها الأبرار ، وأما إقرارك فعسى أن يَنفعك ، فرجى له الناس السلامة ، لكن الحجاج أمر به فَضُرِبَت عُنقُه .
ثم دعا الحجاج بالـهلضام بن نعيم فقال: ما أخرجك مع ابن الأشعث ؟ وما الذي أَمَّلْت ؟ فقال الرجل: أَمَّلْتُ أن يَملك ابن الأشعث فَيُوَلِّيَـني العراق كما ولاك عبد الملك ، فقتله الحجاج .
ثم دعا بأعشى همدان – وقد تبع ابن الأشعث ، وعمل الشعرَ في التحريض على قتال الخليفة ، فلما دخل على الحجاج أنشد يعتذر:
أَبى اللهُ إلا أن يُتَمِّمَ نُورَه
وَيُطفِئ نَارَ الفَاسِقِينَ فتَخمدا

فقَتلاهمُ قتلى ضلالٍ وفتنة
وجيشهمُ أمسى ذليلاً ممردا

فما لبثَ الحجّاج أنْ سلَّ سيفَه
علينا فولى جيشــنا وتبدّدا

جنود أميرِ المؤمنين وخيلُه
وسلطانُه أمسى عزيزاً مؤيَّداً

ليهنأ أميرُ المؤمنين ظهورَه

على أمةٍ كانوا سُعاةٍ وحُسَّدا

نزلوا يشتكون البغيَ من أُمرائهم
وكانوا همُ أبغى البُغاةِ وأعنَدا

فقال الحجاج: والله يا عدو الله لا نحمدك ، وقد قُلتَ في الفتنة ما قلت ، وحَرَّضتَ الناس علينا ، فضُربت عُنقه وأُلحق بأصحابه .
رابعاً: إذا وقعت الفتنة سَعى أهلها في استدراج بَعض الخَوَاصِّ إليهم ليحتجّوا بهم عند العامة ، وقد قيل لابن الأشعث: إذا أردت أن يُقاتل الناس حولك كما قاتلوا حول هودج عائشة فأَخْرِج الحسن البصري معك ، فأَخْرَجَه . وخرج مع ابن الأشعث بعض الأئمة ، كسعيد بن جبير ، ومالك بن دينار ، وغيرهما ، ففُتِنَ الناسُ والمعصوم من عصمه الله .
ولهذا كان النبي  يَستعيذ بالله من الفِتَنِ ، ويأمر بذلك في كل صلاة ، لأن بَعضها يَجعل الحليم حيراناً ، ذلك أن أهل الفتنة يُزَيِّنُون فِعلهم بكثرة مُوَافِقِيهِم ، فابن الأشعث قاتل معه أكثر من مئة وخمسين ألفاً ، وتَبعه جماعة من السَّادات ، لكن فِعلهم لم يكن مَرضياً ، إذ هو خلاف النصوص الآمرة بالجماعة والصبر ، الناهية عن الخروج والفرقة والمنازعة .
قال أيوب: ما مِنهُم مِن أحد صُرع مع ابن الأشعث إلا رَغِبَ عَن مَصرعه ، ولا نَجَا مَن نَجا مِنهم إلا حَمِدَ الله وسلمه .
قال الإمام ابن بَطة العكبري في التحذير والاغترار بالكثرة: والناس في زماننا أسراب كالطير يتبع بعضهم بعضاً ! لو ظهر فيهم من يَدعي النبوة – مع عِلمهم بأن رسول الله  خاتم الأنبياء – أو مَن يَدعي الربوبية ، لوجد على ذلك أتباعاً وأشياعاً .
خامساً: أن عَاقبة الفِتَنِ وَخِيمَة ، ومآل أهلها الخسران ، فَها هو ابنُ الأشعث خَرج على جيش إِسلامي مُجاهداً في سبيل الله ، ثم صار رأساً في الفتنة ، فترك قِتَالَ الكُفَّارِ وَهَجَمَ على أهل الإسلام  !!وقُـتِل بسببه جمعٌ كثير ، واضطربت الأمور وكَثُر الشر ، ثم آلت بِهِ الحَال أن يَلجأ إلى مَلِكِ الكُفَّارِ الذي كان يُقاتله بالأمس ، ففرح به الكافر وأكرمه إغاظة للمسلمين .
وهكذا الفتن تَقُود صَاحِبها إلى ما لا يريد ، وليت ابن الأشعث وقف عند هذا لكان هيناً ، وما هو وربي بِهَين ، لقد غَدَرَ بِهِ الْمَلِك الكافر ، وأرسله مُوثَّقاً إلى الحجاج ، فأُسْقِط في يده ، فلما كان ببعض الطريق صعد قصراً فألقى نفسه فمات ، فمن كان يَظن أنَّ نِهايته تكون كذلك .
سادساً: لقد ألبس ابن الأشعث فِتنته هذه لِبَاسَ الشَّرع ، وأَوهَمَهُم أنها إنكار للمنكر ونصرة للدين ، لكن الباطن خلاف ذلك ، قد ذَكَرَ ابن الأثير أن الحَجَّاج كان يُبغض ابن الأشعث ، ويقول: ما رأيته قط إلا وَأَرَدتُ قَتله ، وهو يعلم ذلك ، وكان يُهَدِّدُ ويقول: وأنا والله لأجهدن أن أُزيل الحجاج عن سلطانه إن طال بي البقاء . وَنَصَّ ابنُ كثيرٍ على أن سبب تلك الفِتنة كُرهُ ابنِ الأشعث للحجاج ، ثُمَّ جَمعَ حَوله مَن يُبغضون الحجاج ، فانظروا كيف استغل كُره الناس لِيَثأر مِنه ويُنَكِّد عليه !!.
ولهذا فَمَن دعا إلى مُفارقة الجماعة وإثارة الفتنة فهو صَاحب هَوىً ، مَريض قلب ، مُخالف للسُّنّة ، وإن ظهر فِعله ذلك في صورة إنكار للمنكر .
سابعاً: إذا وقعت الفتنة، فَإِنَّ أَوَّلَ مَن يَصطلي بِنَارِهَا مَن أَوقدها ، فتنقلب الأمور عليهم ، ويتسلَّط الجُهّال من أتباعهم حتى يكون الأمر والنهي عليهم .
وقد كتب الخليفة إلى ابن الأشعث في عَزل الحجاج وتوليته مكانه ، وبقاء أعطيات الناس ، فمال إلى ذلك ابن الأشعث ، فخطب الناس وقال: اقبلوا ما عرض عليكم ، وأنتم أعزّاء أقوياء ، فوثب الجُهال مِن كل مكان يقولون: لا والله لا نَقبل ، نَحن أكثر منهم عدداً وعدَّة ، وأعادوا خَلع الخليفة ثانية ، وبايعوا ابن الأشعث ، فانصاع لأمرهم ووافقهم حتى آل أمره إلى ما آل إليه .
ثامناً: من فارق الجماعة ودخل في الفتنة فهو في غربة ووحشة ، ومآله أن يتخلى عنه أحبابه وأعوانه ، ها هو الشعبي يَصف حاله بعد أن خَلع البَيعة ودخل مع ابن الأشعث: فقدتُ صالحَ الإخوان ، ولم أجد من الأمير خَلَفَاً .
من أجل ذلك كان الأئمة يَحرصون على الاجتماع زمن الفتن ، يَقول حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله – يعني الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله – يقولون له: إن الأمر تفاقم وفشا – يعنون إظهار القول بخلق القرآن – ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه ، فناظهرهم الإمام أحمد في ذلك وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم ، ولا تَخلعوا يداً من طاعة ، لا تشقوا عصا المسلمين ، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم ، وانظروا في عاقبة أمركم ، واصبروا حتى يَستريح بَرٌّ ويُستراح من فاجر ، وقال لهم: ليس هذا – يعني نزع أيديهم من طاعتهم – صواباً ، هذا خلاف الآثار. ا.هـ.
الإمام أحمد يقول هذا ، وقد آذاه السلطان وجلده وسجنه ، ثم منعه من لُقيا الناس ، لكن أهل السنة أهلُ عدل واجتماع ومتابعةٍ للنصوص يَرجون ما عند الله تعالى .
وآخرها: أن هذه الفتنة تدل على أهمية التمسك بالآداب الشرعية زمن الفتن: وهي:
•     الحذر من الفتن ، وعدم الاستشراف لها واعتزال أهلها .
•     الحلم والرفق ، فلا تَعجل في قبول الأخبار والأفكار والآراء ، والحكم على الناس تخطئةً وتصويباً ، فما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نزع من شيء إلا شانه .
•     لزوم جماعة المسلمين وإمامهم ، والحذر من التفرق ، لقول حُذيفَةَ رضي الله عنه لَمّا ذَكَرَ لهُ النَّبيُّ  الفِتَن ، قالَ: فَما تَأْمُرَني إِنْ أَدْرَكَني ذَلِك ؟ فَقال: (تَلْزَمُ جَماعَةَ الْمُسْلِمينَ وَإِمامَهُم)( ) .
•     الالتفاف حول علماء السنة أهل التوحيد ، والحذر من التفرق عنهم ومنازعتهم ، والصدور عن آرائهم والاستجابة لنصحهم ،  ووالله ، وتالله ، وبالله ، إن أول باب يَلج الرجل منه إلى الفتنة الطعن بالعلماء ، والاستبداد بالرأي دونهم ، ومن رأيتموه يَقدح في علمائنا فاعلموا أنه مفتون .
•     أن الفتن إذا وقعت فما كل ما يُعلم يقال ، وليت بعض الناس يتركون الأمور العظام للعلماء الكبار حفاظاً على اجتماع الكلمة ، لأنَّ مَردَّ الناس في آخر أمرهم للعلماء ، فمن كان عنده رأي فليعرضه عليهم ، قال الله تعالى: )وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعوا بِهِ وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرَّسولِ وَإِلَى أولي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَسْتَنْبِطونَهُ مِنْهُمْ( [النساء: 83]( ) .
نضيف( ) إلى ما ذكر أعلاه ما ورد عن ندم الناس لأنهم لم يَستمعوا إلى نُصح الحسن البصري الذي أمرهم بترك قتال الحجاج:
لقد ثبت مرويّاً بإسناد صَحيح من طريق الإمام أحمد بن حنبل ، ومحمد بن إسماعيل البخاري: ندم كثير من الناس على عدم الأخذ بِنُصح الحسن البصريِّ زمن فتنة ابن الأشعث ، وَتَرْكِ قتالِ الحجّاج الحاكم الظالم ، قالوا: “يا ليتنا كُنَّا أَطَعْناهُ ، يا لَيتَنا كُنّا أَطَعْناه” .
رَوي البخاري في “التاريخ الكبير”( ) قال: وقال لنا موسى بن إسماعيل ، وفي “التاريخ الأوسط”( ) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل ، عن جعفر قال: حدثنا مالك بن دينار ، قال: لقيت معبداً الجهني بمكة بعد فتنة ابن الأشعث وهو جريح ، وقد قاتل في المواطن كلها ، فقال: لقيت الفقهاء والناس ، لم أرَ مثل الحسن ، يا ليتنا أطعناه ! كأنه نادم على قتال الحجاج .
موقف الحسن البصري من الفتنة
كان الحسن البصري مُعارضاً للخروج على الحجَّاج مع ابن الأشعث ، ولكنَّهم ما زالوا به حتى أكرهوه على الخروج معهم ، ثم نَجَّاه الله عز وجل بفضله ورحمته ، وكاد أن يَهلك ، وهذه جملة من أخباره تُنبئ بذلك:
«عن سُليمان بن علي الربعيِّ قال: لما كانت الفتنة – فتنة ابن الأشعث – إذ قاتل الحجاجَ بن يوسف ، انطلق عقبةُ بن عبد الغافر وأبو الجوزاء وعبدُ الله بن غالب في نظرائهم ، فدخلوا على الحسن ، فقالوا: يا أبا سعيد ، ما تقول في قتال هذا الطاغية ، الذي سفك الدم الحرام ، وأخذ المال الحرام ، وترك الصلاة ، وفعل وفعل ؟ – قال: وذكروا من فِعل الحجاج – قال: فقال الحسن: أرى أن لا تُقاتلوه ؛ فإنَّها إن تَكُ عُقوبةً مِن الله فما أنتم بِرَادِّي عقوبة الله بأسيافكم ، وإن يَكن بلاءً ، فاصبروا حتى يحكمَ الله وهو خيرُ الحاكمين . قال: فخرجوا من عنده وهم يقولون: نُطيع هذا العلج ! قال: وهم قَومٌ عرب . قال: وخرجوا مع ابن الأشعث ، قال: فقُتِلوا جميعاً» .
وعن الحسن قال: «لو أنَّ النَّاس إذا ابتُلوا من قِبَل سُلطانهم صَبروا ما لبثوا أن يُفرج عنهم ، ولكنهم يَجزَعُون إلى السيف فيوكلون إليه ، فوالله ما جاؤوا بيوم خيراً قط» .
مكانة الحسن البصري:
عن خالد بن رياح الهذليِّ أنَّ أنس بن مالك  سُئِلَ عن مسألة ، قال: «عليكم بمولانا الحسن فَسَلوه ، فقالوا: يا أبا حمزة نسألك وتقول سَلوا مولانا الحسن ! فقال: إنَّا سَمِعْنا وسمع ، فحَفِظ ونَسيْـنا»( ) .
وعن علي بن زيد قال: «أدركتُ عروة بن الزبير ويحيى بن جَعدة والقاسم فَلم أر فِيهم مِثل الحسن ، ولو أنَّ الحسن أدرك أصحاب النبي  وهو رَجل لاحتاجوا إلى رأيه»( ) .
وذكره المزي في تهذيبه ، والذهبي في سيره( ) بلفظ: «… ولو أدرك أصحابَ رسول الله  ، وله مثل أسنانهم ما تقدَّموه» .
وعن ابن عون قال: «كان مسلم بن يسار أرفعَ عند أهل البصرة من الحسن ، حتى خَفَّ مع ابن الأشعث ، فلم يَزل في عُلوٍّ منها بعد ، وسقط الآخر» .
من أقوال الحسن البصري:
قال الحسن: «اعلمْ – عافاك الله – أنَّ جَورَ الملوك نِقمةٌ من نِقُمِ الله تعالى ، ونِقَمُ الله لا تُلاقى بالسيوف ، وإنَّما تُتَّقى وتُستدفَع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب ، إنَّ نِقمَ الله متى لقيت بالسيف كانت أقطع ، ولقد حدّثني مالك بن دينار أنَّ الحجاج كان يقول: “اعلموا أنَّكم كُلَّما أَحْدَثْتُم ذنبَاً أَحدَث الله في سلطانكم عقوبة” ، ولقد حُدِّثْتُ أَنَّ قَائلاً قال للحجّاج: “إنَّك تفعل بأمة رسول الله  كَيت وكَيت” فقال: “أجل ، إنَّما أنا نقمةٌ على أهل العراق ، لَـمَّا أَحدثوا في دينهم ما أَحْدثوا ، وتركوا من شرائع نبيهم  ما تركوا”» .
*        *        *

من مواقف الشيخ المجاهد حسن حبنّكة رحمه الله
الموقف الأول( ):
في أحد الأيام سمعنا أنَّ مجموعات من الشباب المسلم يَطوفون على مساجد المدينة ، ويدعون الناس إلى الاجتماع ضُحى غَدٍ في مسجد بني أميّة الكبير ، للخروج بمظاهرة احتجاج ضدّ تصرّفات السّلطة الحاكمة ، بقيادة علماء الدين الإسلاميّ في دمشق . واستُدرج إلى هذا التَّجمّع عِدّة آلاف من الناس ، وفي مقدّمتهم جماعة “كتائب محمد” .
وفي صباح اليوم التالي – يوم موعد الاجتماع – وعقب انفضاض الدرس الصباحي الذي كان يَعقده الوالد الإمام يَوميّاً بعد صلاة الفجر حتّى الضّحوة ، جاء الشيخ محمد القاسمي كما أخبرني هو ، وأبلغ أبي – عليه رحمة الله – بخبر الاجتماع في مسجد بني أميّة ، واستشاره بشأنه فقال رحمه الله: «ليس هذا هو الطريق» ، وضرب له مثلاً عاميّاً معروفاً: «الحجر بمطرحه قنطار» أي: فإذا فارق مكانه خفَّ وزنه ، وسهل التصرف به .
وحوالي الساعة التاسعة صباحاً حضر إلى دار والدي – رحمه الله – قادة التجمع الإسلامي يومئذ ، كالشيخ أحمد الدقر والدكتور محمد أمين المصري ، بعزم الذهاب إلى الجامع الأموي ، لقيادة المظاهرة الاحتجاجية السلميّة ، بعد أن زَيَّن لهم بعض المتحمِّسين ضرورة الحضور .
وتوالت الاتصالات الهاتفية من الجامع الأموي بالوالد الإمام تَستَحِثُّه للحضور هو ومن عنده من العلماء ، وكان المستحث رَجلاً مُتعمّماً محسوباً من طلاب العلم ، وهو في الحقيقة من مُخابرات الدولة .
ورفض الوالد الإمام – عليه رحمة الله ورضوانه – المشاركة في هذا الأمر رفضاً باتاً ، فأخذ الدكتور محمد أمين المصري ومعظم القادة الحاضرين يُرَجِّحُون المشاركة ، لكنّ أبي – رحمه الله – أبدى في هذا الموقف عَزمَ الحَازم المستبدّ ، وقال لهم: هل أنتم الذين دَبَّرتُم هذا الأمر ، وأعددتم له عُدَّته ؟!. هل أنتم الذين بَعثتم طلابكم ومُريديكم للدعوة إليه ؟!. قالوا: لا . فقال لهم: وما يُدريكم أنه فَخّ صُنع لكم ، حتى تُقتَلُوا ، أو تَأخُذكُمُ الدولة بِجُرمِ القيام بثورة مُسلَحة ! أنتم بين خيارين: إِمَّا أن أحبسكم عندي هنا في البيت ، وإما أن تَنصرفوا إلى بيوتكم ، ولا أَسمح لأحد منكم بالمشاركة في هذا الأمر ، إنّ المسلمين بحاجة إليكم ، فلا تُمَكِّنُوا أعداءكم منكم .
وانصرف القادة الفضلاء إلى بيوتهم ، وتَحقَّقت فراسة الوالد الإمام – عليه وعليهم جميعاً رحمه الله ورضوانه – فقد كان الأمر كما قدَّر .
لقد تبيَّن فيما بعد أن السُّلطة نفسها هي التي أَوْحَت بهذا الاجتماع ودَبَّرته ، واشتركت بعض أجهزتها السرّية بالدعوة إليه .
الموقف الثاني( ):
بينما الشيخ الإمام يخطب أراد بعض الْمُندَسين إِطْلاق كلمات إِثارةٍ ضد الدولة ، مِن شأنها التحريض على الهياج والتظاهر الجماعي ، فأخرسه الوالد الإمام وقال: «الفتنة نائمةٌ لَعن الله مَن أَيقظَها» وحسم الأمر ، ومضى في خطابه رصيناً هادئاً شجاعاً ضابط للموقف ، مُحللاً تَحليلاً منطقياً ، يُطالب الجماهير بألا يُحرِّكوا ساكناً ، ويُطالب الدولة بأن تُعلن مَوقفها في صُحُفها ، وَشَجب المقالة الفاجرة التي نَشرت في إحدى مجلاتها .
وأراد البعض تحريك المصلين للتظاهر ضد الدولة ، فوقف الوالد في مِحرابه مُغضباً يُطالب الجماهير بالهدوء وقمع الفتنة ، وقام الشيخ حسين خطاب – رحمه الله – يخطب بالناس بعدم إثارة الفتنة ، واشتد صَائحاً لإِخراس المشاغبين المثيرين .
وبعد الخطبة جاؤوا للقبض على الوالد الإمام ، وكانت الجماهير تُحيط به ، والمسلحون من شباب حي الميدان يَلتهبون حماسةً للدفاع ، لكن أبي لم يَسمح أن يُطلق رَصاصة واحدة ، ونظر إلى الأمر بِحكمته وعقله ، فقد عَلِمَ أَن مُسلَّحي حي الميدان لا قُدرة لهم على مقاومة أسلحة الجيش ، ورأى أن الدفاع دِفاعٌ خاسرٌ ، وأنَّ الضحايا سَيسقطون دون أي رِبحٍ يُرجى للقضية ، وأن حَيَّ الميدان سَيَتَعرض لتدمير واسع ، وأن النَّكبة سَتَحِلُّ بسكانِّه من جراء القيام بدفاع أرعن أو ثورةٍ رعناء ، ففدى الأمر بنفسه ، وحمى الرجال والنساء وساكني حي الميدان المجاهد البطل ، واستسلم للاعتقال ، وسَلَّم أمره إلى الله عز وجل بعد أن تَمَنَّعَ أَول الأمر .
الخــاتمـــة
وبعد فنحن اليوم أمام واقع مُؤلم للأمة الإسلامية هذه صورته( ):
•    الجماعات العاملة في الحقل الإسلامي غَارقةٌ في الخلافات الفرعية والمجادلات المذهبية ، ناسيةً أن التجمع ضِدَّها كلّها قد تم لِـمَحوِ الإسلام عقيدةً وشريعة ، والإجهاز على تاريخه القديم والحديث ، وأنه لا يَجوز أن يَرتفع صَوتٌ يَشغل عن هذه المعركة المصيرية .
•    إن عاطفة التَّديُّن أُصيبت في صَميمها ، وَحَلَّ مَحلَّها جَدلٌ بَاردٌ في بعض القضايا ، والدِّينُ عندما يَتحول إلى جَدلٍ وتهارشٍ على المظاهر الفارغة فسوف ينتهي حتماً ، لأن الدينَ هو القلبُ العامر ، وليس الفمَ الهادر .
•    هُناك شُيوخٌ على عُقولهم أغلاق وفي قلوبهم قسوة ، يَتَعصَّبون للقليل الذي يعرفون ، ويتنكّرون للقليل الذي يَجهلون .
وقد خرج هؤلاء من أرضهم ، وانساحوا في العالم الإسلامي ، فكانوا بَلاءً يُوشك أن يَقضي على الصَّحوة الإسلامية الناجحة ، وكانوا بِفقههم المحدود وَراء تكوين فِرَقِ التَّكفير والهجرة ، وجماعات الجهاد والإنقاذ ، فإذا الصَّفُّ الوَاحدُ يَنشَقُّ أنصافاً وأعشاراً .
هذا يُقاتل من أجل النقاب والجلباب القصير .
وهذا يُقاتل من أجل أن تَكون وظيفةُ المرأة مَحصورةً في الولادة .
وهذا يُقاتل لمحو المذاهب الفقهية .
وهذا يُعلن حَرباً على الأشاعرة .
وهذا وهذا … فماذا كانت العاقبة ؟
انهدام البناء وشماتة الأعداء .
•    نَظراً إلى أَنَّ الكَثرة الغَالبة من هؤلاء المسلمين الذين أَصبحوا يُسَمَّون إسلاميين ، لا يَملكون من زاد العلم والثقافة ما يُساوي القَدْر الذي يَتمتعون به من حرارة العاطفة والوجدان ، ونظراً إلى عدم وجود مَرجعيةٍ واحدة أمامهم يَثقون بها جميعاً ، فَقد كان لا بُدَّ لِأُولئك المسلمين الغَيارى بعواطفهم الـمُتَفَلِّتة عن ضوابط العلم أن يَختلفوا فيما بينهم ، وَمِن ثَمَّ فَقد كان لا بُدَّ أن تتحوّل الجماعة الإسلامية الواحدة إلى جماعات شتّى ، نداؤها واحد ، وأفهامُها وقناعاتها مُتعدِّدةٌ متضاربة ، ثم كان لا بُدَّ للعاطفة التي لا تَتقيّد بالعلم أن تُمَــدَّ على أعين أصحابها غَاشيةً مِن النظرة السوداوية إلى حكّام المسلمين ، بل إلى الكثير من عَامّة المسلمين أنفسهم ، فَتَقُود أصحابها إلى التكفير أو التفسيق , وَتُجَرِّئَهم على الغُلوّ والتطرّف وإثارة الفتن باسم الجهاد( ) .
•    إننا في وقت نُواجه فيه عدواً لا يَتربص لا بِسُنِّيٍّ ولا بِشِيعِيّ ، وإنما يتربص بهذا الجذع الواحد الذي هو الإسلام ،كم وكم حَاول العدو الإسرائيلي أثناء حرب لبنان الأخيرة – عام 2006م – أن يَجعل مَشاعر العالم الإسلامي الْمُتوهِّجَة تَبرد وَيَبرد لَظَاهَا مِن خلال إطلاق شَائعات بِأَنَّ هذا النصر مَا هُوَ إلا مؤامرة شيعية ، هَذا حَصل وكانت هُنالك أوراق يَتِمُّ إِسقاطها في أحياء في لبنان تتضمن هذا الكلام( ) .
يقول برنارد لويس في كتابه: “الشرق الأوسط والغرب” (The Middle East And the West):
«إن التغريب في المنطقة العربية أدى إلى تفكيكها وتجزيئها ، وإن هذا التفكيك السياسي واكبه تفكيك اجتماعي وثقافي ، والواقع أن إلحاق المنطقة بالغرب لم يَكن مُمكناً إلا مِن طريق تفكيكها وتجزيئها ، عن طريق إثارة الفتن الطائفية ، وافتعال أسباب الخصومات والعنف» .
ثم قال: «ولا شك أن مَن يَسعى إلى هذا يُحزنه مَشهد السلام بين الطوائف ، ويُسعده اندلاع التقاتل بينها ، ولعل مَن يَستبعد دور الغرب في إشعال فَتيل هذا التقاتل ، واحدٌ من اثنين ، خادع أو مخدوع»( ) .
•    أصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي – عام 1991م – تقريراً يَتحدث في نصفه الأول عن خطورة هجوم الإسلام على المجتمعات الغربية بشَطرَيها الأوروبي والأمريكي ، وخطرِه على الحضارة الغربية والأمريكية والأوروبية ، ويدلِّل على ذلك .
ويذكر في الشَّطر الثّاني العلاجاتِ والوسائلَ التي تَقي المجتمع الغربي من هذا “الأخطبوط” ، ويتكون هذا العلاج من عدّة بنود:
1 – إثارة التَّناقضات في العقيدة الإسلاميّة .
2 – تأليب المسلمين بعضِهم على بعضٍ فَيُحاربَ بعضُهم بعضاً .
3 – تحويل العَمالة الإسلامية في الخليج إلى عَمالَةٍ آسيوية غيرِ مسلمة( ).
الإسلام دين عقائد وأخلاق وتقاليد ذكية صارمة ، وقد تَآمَرَتْ ظُروفٌ كثيرةٌ على تَوهِين العقائد ، وتخريب الأخلاق والتقاليد ، حتى أمسَتْ الأمة الإسلامية مُلتقىً لمفاسدَ مُهلكة ، وتأخّرت في ميادين لا حصر لها ، ويَقتضي هذا اتّجاه الجهود لإصلاح الأمة أولاً قبل الاشتباك مع النظم الحاكمة ، وإثارة فِتنةٍ ضَرُّها أكبر من نفعها .
إن الأمة الإسلامية تُواجه أياماً كالحةً وأعداءً مَكرةً مَهرة ، فهل نَلقاهم برجالنا الواعين ، أم نضع زمامنا في أيدي الرّعاع وأعشار المتعلمين ليقودونا إلى الهاوية ؟
*            *            *

One Comment

منال حمش

دعاة إلى الله!!!!ما أجمله من وصف ! أصدقكم القول قرأت جزءاً يسيراً مما كتب,وسعدت كثيراً بأن هناك من يغرف أن بعض الدعاة لدينا يوهمون مريديهم بأنهم يعرفون سبلاً لنجاتهم من كرب لم تنجهم منه تلاوة القرآن ولا الدعاء. لولا تفضّل شيخهم بأن يخيف أشباحاً تزور مريديهم في المنام. أو أن قبراً يحدث شيخاً ويهتزّ لمروره! بالمقابل هناك من الداعيات من كانت من أحرص الناس على من يحضر دروسها عندما كانت تدعوهم لبيوت الله وتحذرهم من خطر اللجوء لبيوت تقام فيها الدروس وتلقى المواعظ.لو طرح ما أتى في هذا الكتاب في خطبة جمعة على لسان شيخ واع صادق واعظ لحقن دماء المسلمين . يتهافت الناس على دعوة الغرب للاسلام وهم قد نسوا إخوتهم من أبناء وطنهم تائهين في عدم معرفة الاسلام. فكيف يصدق الناس في إحدى قرى المنطقة الشرقية مثلاً أن يوم القيامه الأسبوع القادم ! هذا كلام حقيقي طبعاً مرعليه سنوات.

Reply

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>