1- خارطة طريق العمل الدعوي والإرشادي = الجزء الثالث

خارطة طريق العمل الدعوي والإرشادي من خلال المنظومة الفكرية العلمية
في خطاب السيد الرئيس بشار الأسد لصياغة وبناء الوطن والأمة
في ضوء الفهم الصحيح للإسلام الحقيقي
“دراسة تحليلية”
المحتوى
بين يدي البحث …
محاور المنظومة الفكرية …
عرض المحاور مع مقتطفات من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس …
الدراسة التحليلية لمحاور المنظومة الفكرية …
خاتمة البحث …
بين يدي البحث
انطلاقاً من قول الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين [فصلت: 33] وقوله أيضاً: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِين [يوسف: 108] وقوله أيضاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيماً ] الأحزاب:70 – 71 [.
وفي ظلِّ ما مرَّت به البلاد من مؤامرات حاقدة متلاحقة على مدى عقود من الزمن، كان الفصل الأخير منها يَستهدف كيانها وفكرها، حيث بَدت رغبةٌ حقيقيةٌ وجامحةٌ في هذه المرحلة التاريخيَّة والمصيريَّة من قِبَل الغرب والشَّرق لتدمير مقدَّرات البلاد وإذلال أبنائها، وجعلها رهينة للمخطَّطات الاستعمارية الجديدة والأهداف الصُّهيونيَّة والأمريكيَّة في هذا الجزء المهم من العالم.
ومن خلال الدور الإيجابي الكبير للسادة العلماء والدعاة والداعيات في الأزمة، والذي كان حصناً لأبناء الأمة عبر دروسهم وخطبهم وفكرهم النَيِّر.
وتقديراً لصمود المؤسسات الدينية من المعاهد والثانويات الشرعية ومعهد الشام العالي وكلية الشريعة في وجه المؤامرة وعدم الاكتراث بالتهديدات الآثمة.
ومن أهمية الاستمرار في مواجهة الفكر التَّكفيري الظلاميّ وأصحابه الذين تمَّ استئجارهم من قبل الغرب المتصهين لزرع الفتنة في صفوف الأمة، وبث الطائفية البغيضة من خلال ما يقومون به من أعمال التَّفجير والقتل الجماعيِّ وغيره.
ومن ضرورة فهم الإسلام الفهم الصحيح المبنيَّ على التدبُّر للقرآن الكريم والسنة الصحيحة الذي هو مفتاح الحلول الناجعة لكلّ ما تُعانيه الأمة العربية الإسلامية اليوم.
انطلاقاً من كل ما سبق:
ألقى السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد مُحاضرةً نوعيَّةً كانت بحقٍّ “منظومة موسوعيَّة
فكريَّة علميَّة” بِحُضور حشدٍ كبيرٍ من السَّادة العلماء والدعاة والدَّاعيات من أنحاء القطر العربي السوريّ.
تميَّزت هذه المنظومة الفكرية بالتشخيص الدقيق لآلام الأمة العربية الإسلامية، وما تُعانيه على الصعيد الداخلي من الخَلَل الكبير الحاصل بين أبنائها، والصعيد الخارجي المتمثّل بالمؤامرات الهدامة من الغرب الذي فَقَدَ الموضوعيَّةَ التي ينادي بها زوراً وبهتاناً، والتي تَصُبُّ في جِهةٍ واحدةٍ هي الحرب على الإسلام.
وأعطت هذه المنظومة الفِكرية الحلول الناجعة لصمود هذه الأمة، وإعادة بنائها بناءً سليماً مُعافىً في ضوء الفهم الصحيح لحقيقة الإسلام، فكانت خارطة طريق للعمل الدعوي والإرشادي.
محاور المنظومة الفكرية
ويمكن أن نتناول هذه المنظومة بالدراسة والتحليل من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: الفتنة الطائفية صنيعةُ الغرب، هدفُها تفتيتُ الأمة وإغراقُها في بحر من الدماء، وعلاج الطائفية البغيضة يكون بالفهم الصحيح للدّين.
المحور الثاني: حربُ المصطلحات وخَطرُها على الأمة، وأهميةُ تدقيق مصطلحاتنا في الحفاظ
على العقيدة والدِّين والوطن.
المحور الثالث: الإسلام السياسي وخطُرُه على الأمَّة، وسقوطُهُ أكبرُ خدمةٍ للإسلام الدعوي، “نحن مسلمون ولسنا إسلاميين”.
المحور الرابع: فقه الأزمة في مواجهة فقه الفتنة.
المحور الخامس: الدعوة إلى عدم تسطيح العقل البشري في فهم القرآن الكريم, والعودةُ للتمسُّك بالقرآن الكريم عقلاً وعلماً وفهماً وسلوكاً وأخلاقاً.
المحور السادس: أهمُّ أسباب الأزمة التي نعيشها اليوم غيابُ الأخلاق.
المحور السابع: التركيز على السُّلُوك من خلال سيرة الرسول  وأقواله وأفعاله.
المحور الثامن: الحفاظ على وحدة البلاد ومقدراتها واجبٌ دينيٌّ وطنيٌّ، والتخريبُ والتدميرُ قام به أعداء الدِّين والوطن.
المحور التاسع: الوحدة الوطنية أساسٌ في صمود المجتمع السوري في مواجهة أعدائه.
المحور العاشر: دَورُ المنبر وأهميَّتُهُ في توعية المجتمع.
المحور الحادي عشر: أهمية الحوار الموضوعي في الوصول إلى الحقائق.
المحور الثاني عشر: العروبةُ والإسلام ركيزتان أساسيتان لأمن المجتمع العربي والإسلامي ووحدتِه، والفصلُ بينهما مؤامرةٌ خسيسة.
المحور الثالث عشر: الأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع، وصلاحُها صلاحٌ للأمة، والوطنُ
والدولةُ الأبُ والأمُّ الرحيمان بأبنائهما.
المحور الرابع عشر: المدارس والمعاهد الشرعية حُصُون الدِّين والوطن.
المحور الخامس عشر: دورُ بلاد الشام في حماية الإسلام.
المحور السادس عشر: الدور الإيجابي الكبير للسادة العلماء والدعاة والداعيات في الأزمة، وصمودهم في مواجهة التحديات التي تعرضوا لها، وخصوصاً محاربة الفكر الظلامي التكفيري.
عرض المحاور مع مقتطفات من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس
ونعرض فيما يلي هذه المحاور مع مقتطفات من كلمات السيد الرئيس في منظومته الفكرية
قبل البدء بتحليلها وتأصيلها ودراستها:
المحور الأول: الفتنة الطائفية صنيعةُ الغرب، هدفُها تفتيتُ الأمة وإغراقُها في بحر من الدماء، وعلاج الطائفية البغيضة يكون بالفهم الصحيح للدِّين.
“الساحةُ التي اختارها الخصومُ والأعداء لنا في سورية هي ساحة الصراع الديني بداية، وكانت عناوين هذه الساحة من البداية عناوينُ طائفيَّة، ولا يُمكن أن نُحارب الطائفية إلا من خلال الدِّين الصحيح”.
“إنَّ هذه الأزمة رسَّخَتْ لنا موقع الاعتدال، وبالرَّغْم من الطَّرْح الطائفيِّ والتحريض من الخارج فإنَّ الاعتدال أصبح أقوى في المجتمع السوري”.
“لا يُمكن أن نُحارب الطائفية إلاّ من خلال الدِّين الصحيح، هذه الطائفية كان لها هدفان: الهدف الأول: تفتيتُ سورية وإضعافُها وجرُّها إلى بحر من الدماء، والهدف الثاني: هو تفتيت الإسلام”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الثاني: حربُ المصطلحات وخطرُها على الأمة، وأهميةُ تدقيق مصطلحاتنا في الحفاظ على العقيدة والدِّين والوطن:
“لا شكَّ بأننا في الأمة الإسلامية تَعرضنا إلى حرب خطيرة جداً ترتبط بموضوع المصطلحات، بكلِّ أسف جزءٌ من هذه المصطلحات لم نُنْتِجْها، والأسوأُ من ذلك أنَّ الجزء الآخر منها نحن أنتجناه، لكنَّ مضمون هذه المصطلحات حُوِّر من قبل الغرب، وأعيد إنتاجُهُ بشكل آخر وأرسل إلينا، لماذا المصطلحات؟ لأنهم يُريدون ضرب العقيدة، وضَربُ العقيدة يَبدأ بالمصطلحات”.
“عندما نَخسر المصطلح نخسر العقيدة، وعندما نخسر العقيدة نخسر الثقافة، ونخسرُ معها الأخلاق والاقتصاد والسياسة والمجتمع، ونخسر كلَّ شيء، وعندما نخسر العقيدة نخسر قضايانا، وهذا أحد أسباب تخلُّفِ الأمة الإسلامية”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الثالث: الإسلام السياسي وخطُرُه على الأمَّة، وسقوطُهُ أكبرُ خدمةٍ للإسلام الدعوي، “نحن مسلمون ولسنا إسلاميين”:
“الآفة الأخرى التي أصابتنا في العالم الإسلامي هي آفة الإسلام السياسي، عندما نقول:
إسلامٌ سياسيٌّ نكون قد ربطنا بين شيئين لا يُمكن أن يرتبطا، الإسلام شيءٌ إلهيٌّ، والسياسة شيءٌّ بشريٌّ، الإسلام أتى من أجل كلِّ البشر، أما السياسة فتخدم شخصاً أو فئة من الأشخاص، الإسلام أتى لأجلٍ طويلٍ، طولُهُ بطول بقاء البشرية على الأرض، والسياسةُ مُحددةٌ بزمن محدَّد، الإسلام أتى بالصفاء لأنه صافٍ لا يُمثِّل مصالح مُحددة، أما السياسة فتتبع الأهواء والنزوات والأخطاء البشرية”.
“إنَّ سُقوط مَا يُسمَّى الإسلام السياسي هو انتصارٌ للإسلام الحقيقيِّ وقيمه الصادقة”.
“سقوط الإسلام السياسي هو خدمةٌ للدِّين، واستعادةُ الإسلام لموقعه الطبيعي، وعودته لعمله الدعويِّ”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الرابع: فقه الأزمة في مواجهة فقه الفتنة:
“فقه الأزمة هو مواجهةٌ لفقه الفتنة، فنحن واجهنا في البداية فقه الفتنة، ولم يَكن لدينا أدوات فكرية، اعتمدنا على حسن النية، اعتمدنا على الفكر الموجود لدى كلِّ رجلٍ من رجال الدين أو لكل عالمٍ وكل داعيةٍ في سورية، لكن لم يكن لدينا فقهٌ بالمعنى الشامل لمواجهة هذه الفتنة، فكان اليوم فقه الأزمة هو مواجهة لفقه الفتنة، والشيءُ الجيد أنه ليس من إنتاج الدولة، هو إنتاج علماء الدين الموجودين في هذه القاعة، وهو إنجازٌ وطنيٌّ، وليس فقط على المستوى الشرعيِّ؛ لأنه سيحمي البلد”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الخامس: الدعوةُ إلى عدم تسطيح العقل البشري في فهم القرآن الكريم, والعودةُ للتمسُّك بالقرآن الكريم عقلاً وعلماً وفهماً وسلوكاً وأخلاقاً:
“إذا فهمنا كلَّ الدين وكلَّ الأحاديث, وقرأنا كلَّ كتب الفقه والتفسير والسيرة وغيرها، ولم نفهم القرآن بشكل صحيح وعميق فنحن لم نفهم شيئاً من الإسلام”.
“إنها مشكلةٌ عامةٌ تتمثَّل في تسطيح العقل في فهم القرآن الكريم, القرآن: نسميه القرآن الكريم، لماذا لم نسمِّه القرآن العظيم؟ هو كلام الله, وهو عظيمٌ بشكل بدهيّ, ولكننا نقول: كريم لأنه يُعطي بدون حدود, ويعطي لمن هو قادرٌ على العطاء”.
“نقطة القوة في القرآن هي العمق الكبير, وهذا العمق يحتاج إلى عقولٍ تستطيع أن تستخرج, فأولُ آيةٍ كانت اقرأ, اقرأ لنبيٍّ غير قارئ, إذاً يَقرأ بالعقل, فأولُ شيءٍ كان مطلوباً هو العقل”.
“نحن سطحنا القرآن بقراءتنا له, وبالتالي تسطَّحَ معه كلُّ الدِّين, وأنتجنا إمَّا التغرُّب أو التطرُّف”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور السادس: أهمُّ أسباب الأزمة التي نعيشها اليوم غيابُ الأخلاق:
“عندما نفصل الدِّين عن الأخلاق فمعناه أننا نمارس كلَّ الشعائر, ولا نمارسُ أي شيءٍ من أخلاقيات الدِّين, وإنَّ جوهر الدِّين هو الأخلاق”.
“ومن أهم أسباب الأزمة التي نعيشها اليوم غيابُ الأخلاق, وعدم الربط بينها وبين الممارسة الدينية, وهي من أهم المشاكل التي تنبغي إيجادُ الحلول لها”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور السابع: التركيز على السُّلُوك من خلال سيرة الرسول  وأقواله وأفعاله:
“موضوعُ ربطِ القرآن والحديث بسلوك الرسول  هذا الجانب نحن مقصّرون جداً بشأنه, لأنَّ المتطرِّفينَ والمنحرفينَ من أصحاب النوايا الجيدة أو السيئة تَمكّنوا من تحريف تفسير القرآن وهو أقدسُ شيء, فمن يتمكنُ من تحريف تفسير القرآن من السَّهل عليه أن يُحرّف أيَّ شيء آخر، كالحديث وأيِّ تفسيرٍ وأيِّ كلام آخر, لكنْ هناك شيءٌ قويٌّ جداً يَختصر مَضمون القرآن والحديث، هو سلوك الرسول ”.
“معظم الطلاب والشباب والصغار يحفظون الآيات والأحاديث ولا يفهمونها, ولكنَّ سلوك الرسول  سيفهمونه، وسيكون مدخلاً لفهم الآيات والأحاديث, ومن جانبٍ آخر عندما لا ندرس السلوك لا يكون لدينا قدوةٌ, فنحن نتحدث عن القرآن ونطبق كلّ ما في القرآن وما في الحديث، ولا نقلِّدُ بسلوكنا الرسول , هذا كلامٌ متناقض.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الثامن: الحفاظ على وحدة البلاد ومقدراتها واجبٌ دينيٌّ وطنيٌّ، والتخريبُ
والتَّدْميرُ قام به أعداء الدِّين والوطن:
“إنَّ الأزمة أظهرت بشكل واضح من هم الأعداءُ الحقيقيون للدِّين، ومن قام بالقتل، ومن قام بالتخريب ، ومن قام بقطع الرؤوس، ومن قام بحرق دور العبادة والمساجد والكنائس وغيرها”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور التاسع: الوحدة الوطنية أساسٌ في صمود المجتمع السوري في مواجهة أعدائه:
“إما أن نكون أعضاءً لجسدٍ واحدٍ أو لا نكون، إما أن تكون هذه هي الوطنية أو لا تكون”.
“يجب أن نتوحد ونحترم الرموز حتى لو اختلفنا معها”.
“إذا اختلفنا نُبقِي هذا الاختلاف فلا مانع، مَنْ يقبلُ الحوار نتحاورُ معه، ومَنْ لا يقبلُ الحوار لا نتحاور معه، ولكن لا يجوز أن يكون هناك فتنة”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور العاشر: دور المنبر وأهميَّتُهُ في توعية المجتمع:
“المنبر -أيها السادة والسيدات- هو منبرٌ عامّ، ليس مكاناً خاصاً، هو ليس مكاناً للشيخ، ولا يجوز له أن يَستخدم المنبر من أجل مزاجه وأفكاره الشخصية، ولو عن حسن نية … هذه المنابر ليست دينية فقط ولا شرعية، هي منابر وطنية، فلا بُدَّ من تنظيم قواعد للمنبر”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الحادي عشر: أهمية الحوار الموضوعي البنّاء في الوصول إلى  الحقائق:
“العقل هو الأساس، والعقل لا يمكن أن ينشأ من دون حوار، العقل هو الذي يقنع الناس … يجب أن نستخدم الحوار بهذه الطريقة المنفتحة، لأننا لا نستهدف المؤمن، بل نستهدف قليل الإيمان، نستهدف مضطرب الإيمان، نستهدف المتردِّد في إيمانه، نستهدف الْمُلْحِد، ونستهدف الْمُعادِي للدِّين، هؤلاء مَنْ علينا أن نستقطبهم”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الثاني عشر: العروبةُ والإسلامُ ركيزتان أساسيتان لأمن المجتمع العربي والإسلامي
ووحدتِه، والفصلُ بينهما مؤامرةٌ خسيسة:
“لا يمكن الفصل بين فكرة العروبة وفكرة الإسلام، وقد تُمكَّن أعداؤنا عبر عُقُودٍ من القيام بذلك، فأصبح هناك شارعان منفصلان، وعندما يَحصل انفصالٌ بين العروبة والإسلام فمعناه أنّ هناك عدَم استقرارٍ في المجتمع نفسياً واجتماعياً، وبالتالي عدم استقرار من الناحية الأمنية”.
“القاعدتان الأساسيتان في الساحة العربية هما العروبة والإسلام، وبالنسبة للغرب إذا ضرب هاتين القاعدتين تكون الأمور مفتوحة لها بالدخول والسيطرة على هذه المجتمعات”.
“كيف يُمكن الفصل بين العروبة والإسلام؟!! كيف يُمكن الفصل بين عروبة الرسول وإسلام الرسول ؟!! كم مَرةً تباهى رسول الله  بانتمائه؟ مراتٍ كثيرة”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الثالث عشر: الأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع، وصلاحُها صَلاحٌ للأمة، والوطنُ والدولةُ الأبُ والأمُّ الرحيمان بأبنائهما:
“هناك عِدَّة آياتٍ وعِدَّة أحاديثَ تُؤكِّد على مفهوم العائلة، والعلاقة بين الأبناء والآباء خاصة، وضرورة طاعتهما، والطاعةُ واجبةٌ في كل شيء ما عدا معصية الله عزَّ وجلَّ”.
“الأسرة هي الوحدة الأساسية، فإذا تخربت فكل التعاليم الأخرى المرتبطة بالإسلام لا يُمكن أن تُنطبق، لأنَّ الوحدة الأساسية بالمجتمع تخرَّبَتْ، وهذا يَعني أنَّ المجتمع تخرَّب، فعليك أن تبقي احترامك لوالديك وتحافظ على هذه العائلة”.
“الدولة بالنسبة لنا هي كالأب والأم، إذا انهارت الدولة يَنهارُ معها المجتمع بالمفاهيم الحديثة، يجب أن نفهم هذه الحقيقة”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الرابع عشر: المدارسُ والمعاهدُ الشرعية حُصُونُ الدِّين والوطن:
“كثيرٌ من المواطنين أصبحوا يُدركون أنَّ أحد أسباب التطرف الذي كان يُعتقد في بداية الأزمة أنّها بسبب الدِّين ورجال الدِّين والمدارس الشرعية والعمل الدينيِّ بشكل عام أصبحوا يُدركون أنَّ سَببَها غيابُ الدِّين، وليس العكس”.
“اليوم لدينا كليات شريعة، ولدينا معهد الشام للعلوم الشرعية، ولدينا المدارس الشرعية، يعني لدينا بُنَى، لا بُدَّ من مأسسة العمل بينها، فلدينا مرجعيّة تُحدِّد العمل الديني وإطار العمل الدين”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور الخامس عشر: دورُ بلاد الشام في حماية الإسلام:
“هذا الصراعُ هو صراع ٌ تاريخي، ولن نَسمح لهم لا سياسياً ولا دينياً بالسيطرة علينا، دينُ بلاد الشام هو الأساس، هو الذي يقوم بحماية الإسلام الحقيقيّ”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
المحور السادس عشر: الدور الإيجابي الكبير للسادة العلماء والدعاة والداعيات في الأزمة، وصمودهم في مواجهة التحديات التي تعرضوا لها، وخصوصاً الفكر الظلامي التكفيري:
“حمى الله سورية بهذا الشعب، وبأمثالكم من رجال الدين ومن العلماء، وبأمثالكنَّ من الداعيات، بصبركم، بمصداقيتكم، بأخلاقكم”.
“هذا الصمود للسادة العلماء كان أساسياً في صمود الشعب وصمود البلد بشكل عام، وهذا ليس مستغرباً، فالسمةُ العامةُ لأدائكم خلال الأزمة كان الوعي والشجاعة الوطنية والإيمان، وهذا هو الأداء الوطني”.
من المنظومة الفكرية للسيد الرئيس.
الـدراســة الـتحلـيـلـيـة لمحاور المنظومة الفكرية
المحور الأول: الفتنة الطائفية صنيعةُ الغرب، هدفُها تفتيتُ الأمة وإغراقُها في بحر من الدماء، وعلاج الطائفية البغيضة يكون بالفهم الصحيح للدِّين:
من أهم الأبواب التي اعتمد عليها أعداء الأمة وخصومها “الطائفيَّة”، وإن العلاج الوحيد النَّاجع لتفويت الفرصة عليهم وردِّهم خائبين هو التمسُّك بالوحدة الوطنية والتسامح الديني، وهذا من أهم عوامل القوة والصمود لأبناء وطننا، ومن أبرز مقومات الخروج من الأزمة، لا سيما وأن الساحة الدينية متنوعة الأطياف في سورية، وإن ما حاولوا اختراقه كاد أن يكون وسيلة لتفتيت الوطن ومحاربة الإسلام، لولا العمق الحضاري الكبير الثابت في نفوس أهل هذه المنطقة، والفهم الصحيح للدين الذي يُعدُّ السبيل الوحيد لمواجهة هذه المخططات. وقد بين الله عز وجل أهمية الوحدة بين أبناء الأمة وأهمية تلاحمهم وتراحمهم, فقال تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون [المؤمنون: 52]. وقد أكد هذا السيد الرئيس في عباراته فقال: “الساحة التي اختارها الخصوم والأعداء لنا في سورية هي ساحة الصراع الديني بداية، وكانت عناوين هذه الساحة منذ البداية عناوين طائفية، ولا يمكن أن نحارب الطائفية إلا من خلال الدين الصحيح”.
وإن من سبل تعزيز هذا الجانب تأكيد على رفض كل ما يؤدي إلى التعصب والفرقة والخلاف وعدم تقبل الآخر، والعمل على تحصين الأجيال القادمة من آثارها، من خلال تعزيز اللقاءات بين أتباع المذاهب الإسلاميَّة في القطر، والبحث فيما يؤلف ويجمع، والابتعاد عمَّا يباعد ويفرِّق من نقاش وحوار، لأن أصول هذه المذاهب الإسلامية واحدة.
الأئمة قدموا لنا مذاهب فكرية، ولم يقدموا لنا طوائف، قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  [هود: 118-119].
الطائفية والتطرف: تحدث السيد الرئيس في هذا المحور بإسهاب، وبيَّن كيف أن الغرب رَكز على ناحيتين: التطرف لضرب الإسلام، والطائفية لتفتيت وحدة الأمة العربية، وقال: “إن الطائفية حَلَّت مَحل الدين”، وأعطى أمثلة رائعة جداً، فإنك تَسمع فلان يُقال عنه بحسب طائفته: فلان سني، فلان شيعي، فلان علوي، فلان درزي، لماذا لا يقول: فلان وطني؟.
ومن عبارات السيد الرئيس في هذا: “لا يُمكن أن نُحارب الطائفية إلا مِن خلال الدين الصحيح، وهذه الطائفية كان لها هدفان: الأول: تفتيت سورية وإضعافها وجرّها إلى بحر من الدماء، وهذا الهدف ليس بالقديم، فقد سبق الأزمة بسنوات. والثاني: أقدم بكثير، وهو تفتيت الإسلام عبر سورية، وعبر ليبيا والعراق؛ لكن هذا السلاح فعّال في منطقة بلاد الشام أكثر من مناطق أخرى لأنها متنوعة”.
وإن البديل عن التفكير بالطائفية هو ترسيخ موقع الحوار والاعتدال، وكما قال السيد الرئيس: “هذه الأزمة رَسَّخت موقع الاعتدال، وبالرغم من الطرح الطائفي الذي نَسمعه والتحريض من الخارج … لكن وبعد ثلاث سنوات، أَعتقد أن الاعتدال أَصبح أَقوى في المجتمع السوري، على المستوى الاجتماعي بشكل عام، وأتحدث تحديداً عن المؤمنين، وعلى مستوى شريحة العاملين في الحقل الديني، فكثير من الأشخاص الذين تَعصّبوا من دون وعي وكانوا يَعتقدون أن هذا التعصّب هو تمسّك بالدين، أو أنه محبة للدين وحرص عليه، اكتشفوا أن التعصّب هو الهاوية التي سنسقط فيها جميعاً على المستوى الوطني والأخلاقي والديني، فعادوا نِسبياً وتدريجياً وبدرجات مُتفاوتة إلى الجانب المعتدل، وهذا يَفتح باباً كبيراً لكم، كرجال دين معتدلين يُمثلون حقيقة الإسلام الشامي، لكي تتحركوا بين الشرائح المستهدفة من المواطنين بخطاب أكثر اعتدالاً وأكثر عقلانية، وأقرب إلى الدين الوسطي أو الإسلام الحقيقي، كما أسمّيه”.
وفي هذا المجال لا بُدَّ مِنَ البَحث عن الأسس العقائدية المشتركة بين المسلمين، قال تعالى: وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَة [هود: 118] وإن الاختلاف الخَلاّق هو من صميم فلسفة الفكر الإسلامي، وفي مثل هذا الاختلاف رحمة، إنه اختلاف مُبدع وليس صراعاً.
الله سبحانه وتعالى أراد منا أن نختلف، ولكن لم يُرد منا أن نتصارع ، ويتابع السيد الرئيس عباراته في هذا المجال قائلاً: “الخلاف حالة طبيعية، الشيء غير الطبيعي هو الصراع الموجود بين المسلمين، ولا نختلف على العقائد، لا نَختلف حول وحدانية الله، ولا حول نبوّة الرسول ، ولا حول الأحاديث، هناك خلافات حول مصداقية بعض الأحاديث وهذا طبيعي، هذا فقط يَعرفه الفقهاء، كما أن الخلاف الموجود بين الطوائف يَتحمل مسؤوليته الأئمة عبر التاريخ، طبعاً لا أقصد الأئمة الكبار؛ لأن الأئمة الكبار، قدموا لنا مذاهب وليس طوائف والفرق كبير، المذهبية شيء جيد عندما تَكون عبارة عن مَذهب فِكري، هُم قَدَّمُوا لنا فِكراً لكي نَغتني منه، لكي نَفهم الدين أكثر، لكي نُغني الدين، لِكي نُمارسه بشكل أفضل، ولكنهم لم يُقدموا لنا طوائف لكي تصطدم مع بعضها، ولو عرفوا ذلك لما قَدَّمُوا لنا مذهباً في ذلك الوقت، الخلاف طَبيعي ويجب أن نبقى نتحاور، والأهم من ذلك أن نبقى نحترم العقائد والطوائف المختلفة، لأنه طالما أن ربك لم يَشأ أن تكون الأمة واحدة، فيعني طالما أننا موجودون كبشر ولو وُجدنا لمليون عام سنبقى مختلفين لمليون عام”.
وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن توحيد الله لا يتم إلا بتوحيد الكلمة، وَاعتَصَمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعَاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] وقال تعالى مخاطباً نبيه الكريم : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء [الأنعام: 159]، فالدين الصحيح يَجمع ولا يُفرق، يوحد ولا يشتت، ومهمة الدعاة والداعيات العمل على تركيز الدعوة إلى توعية الأجيال وتنقيح المناهج والخطب والدروس من كل ما يُفرق بين المذاهب في حال خُروجه عن السعة الفكرية، فَالوحدة الوطنية ومَنع الانزلاقات إلى مَدَارك الطائفية هِي وَاجب شرعي على كل العلماء والخطباء والوعاظ، وأي طَرح يُؤدي إلى الطائفية هُو خُروج عن روح وصحيح الدين الإسلامي العظيم، وإن تنشئة الأجيال أمانة في أعناقنا، وحماية تراب ووحدة وطننا واجب مُقدس على كل المذاهب.
المحور الثاني: حربُ المصطلحات وخطرُها على الأمة، وأهميةُ تدقيق مصطلحاتنا في الحفاظ على العقيدة والدِّين والوطن:
يقول رسول الله : (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبرَاً بِشِبرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكتُمُوه)  ففي هذا تحذير من النبي  مِن خداع التزييف واتباع التقليد دون تعقل، واليوم تُعدُّ معركة المصطلحات إحدى أهم المعارك التي يَجب أن لا نَغفل عنها؛ فقد قَدَّم الإعلام الغربي والعربي الشريك في المؤامرة على الوطن سَيلاً من المصطلحات الوافدة لِتكون بديلاً فكرياً للمنظومة التي تقود المجتمع العربي والإسلامي، وتدير سلوكه، والأمثلة على ذلك كثيرة وتستحق التأمل، لقد فصل السيد الرئيس في الحديث عنها. ومما جاء في منظومة السيد الرئيس بهذا الشأن قوله: “لا شك بأننا في الأمة الإسلامية تَعرضنا إلى حرب خطيرة جداً ترتبط بموضوع المصطلحات، بكل أسف جزء من هذه المصطلحات لم ننتجها، والأسوأ من ذلك أن الجزء الآخر منها نحن أنتجناه، لكن مضمون هذه المصطلحات حُوِّر من قبل الغرب، وأعيد إنتاجه بشكل آخر وأرسل إلينا، لماذا المصطلحات؟ لأنهم يُريدون ضرب العقيدة، وضرب العقيدة يبدأ بالمصطلحات”.
وقال أيضاً: “عندما نَخسر المصطلح نخسر العقيدة، وعندما نَخسر العقيدة نخسر الثقافة، ونخسر معها الأخلاق والاقتصاد والسياسة والمجتمع، ونخسر كل شيء، وعندما نخسر العقيدة نخسر قضايانا، وهذا أحد أسباب تخلف الأمة الإسلامية، المصطلحات تتبدل بحسب مصالح الغرب، ونحن مع كل أسف -وخاصة في الإعلام العربي- نتبناها كما هي، جاؤوا بمصطلحات التعايش والتسامح، وفرحنا بأن التعايش والتسامح شيئان عظيمان، وهما مَزيَّتان من مزايا بلادنا سورية، كنت أجلس مع الوفود الأجنبية ويبدؤون بالمديح، ولكن قلت لهم: أننا نرفض هذا المصطلح، لا يُوجد لدينا لا تعايش ولا تسامح، التعايش والتسامح يَعني أننا أشياء متناثرة نعيش مع بعضنا البعض قسراً. الشظية إذا دخلت في الجسم في مكان غير خطير يَعزلها الجسم وتعيش مع الإنسان حتى موته، ولكن هذا لا يَعني أن الشظية أصبحت عضواً طبيعياً من أعضاء الجسم كالكبد والجسد. كيف نُفسر علاقة اليد اليمنى باليسرى، بالرجل، بالعقل، بالقلب، بالرأس، بالكتف، بالظهر … الخ؟ هل نَقول بأن هناك تَعايشاً؟ إما أن نكون أعضاء لجسد واحد أو لا نكون، إما أن تكون هذه هي الوطنية أو لا تكون”.
ومن الأمثلة التي ذكرها السيد الرئيس في هذا المجال: “مهاجمة الأعداء لفكرة الجيش العقائدي، فقال: “هم لا يريدون جيشاً عقائدياً، ولكن لولا وجود جيش عقائدي لما صمدنا ثلاث سنوات، هم يهاجمون العقيدة مهما تكن هذه العقيدة، لا أتحدث الآن فقط عن العقيدة الإسلامية، أية عقيدة تعني انتماء الإنسان إلى شيء معين، خاصة عندما تكون هذه الأرضية صلبة، فهذا يخيف الغرب”.
المحور الثالث: الإسلام السياسي وخطُرُه على الأمَّة، وسقوطُهُ أكبرُ خدمةٍ للإسلام الدعوي، “نحن مسلمون ولسنا إسلاميين”:
لعل ذلك أفضل ما يمكن أن يوصف به ما يسمى “الإسلام السياسي” أنه آفة فكريَّة، وربط غير منطقي بين الإسلام بقيمه الثابتة والسياسة بمصالحها المتغيرة، وذلك من أجل استغلال الإسلام في تحقيق الأهداف الرخيصة، وينبغي على العلماء كشف هذه الخدعة، وعدم السماح للمنافقين من العلماء بالتخفي تحت عباءتها، واستغلال عاطفة الناس الدينية للوصول إلى أهداف ومصالح حزبية وشخصية، يقول الله تعالى: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد [البقرة:204-206] يُحدثنا الله في هذه الآيات عن المفسدين الذين يتسترون بالأقوال الحسنة والأهداف المزعومة، ولكن أفعالهم على أرض الواقع لا تُثمر إلا شراً.
فمن أكبر الآفات التي تُواجهنا في هذه المرحلة آفة ما يُسمى بالإسلام السياسي، وقد بيَّن السيد الرئيس هذا الموضوع في عباراته التي جاء فيها: “الآفة الأخرى التي أصابتنا في العالم الإسلامي هي آفة الإسلام السياسي، عندما نقول: إسلام سياسي، نكون قد ربطنا ما بين شيئين لا يمكن أن يرتبطا بمستوى واحد، هناك سياسة إسلامية ربما في مجالات الحياة المختلفة، ولكن الإسلام السياسي شيء مختلف، الإسلام شيء إلهي والسياسة شيء بشري، الإسلام أتى من أجل كل البشر وليس فقط من أجل المسلمين، من أجل كل البشرية وليس من أجل فئات محددة، أما السياسة فتخدم شخصاً أو فئة من الأشخاص، الإسلام أتى لأجل طويل، طوله بطول بقاء البشرية على الأرض، والسياسة محددة بزمن محدد، ما هو صحيح اليوم قد يكون خاطئاً غداً، الإسلام أتى من أجل الصفاء لأنه صافٍ لا يمثل مصالح محددة، أما السياسة فتتبع الأهواء والنزوات والأخطاء البشرية، فكيف أربط السياسة مع الإسلام بهذا الشكل؟ هذا بحد ذاته فيه تقزيم للدين، إذا كان هدفهم -كما قالوا- من الإسلام السياسي والأحزاب السياسية هو الدين وتعزيز الدين فهذا ما تقومون به، أنتم تقومون بالدعوة للدين، وعندما تنجحون في الدعوة للدين وتكرسوا أخلاق الدين في هذا المجتمع فأنا كسياسي سأكون أخلاقياً في سياستي، وأنا كمسؤول سأكون أخلاقياً في حمل الأمانة، أمانة المسؤولية الوطنية، والتاجر سيكون أخلاقياً في تجارته ولا يغش، والعسكري سيكون أخلاقياً في قتاله، وهكذا عندما نكرس الدين بشكل شامل فهو سيتشرب إلى القطاعات الأخرى، ولا يُمكن أن يَكون بشكل أو بآخر جُزءاً من السياسة”.
ولقد تحدث السيد الرئيس عن الإسلام السياسي، وفرق بين كلمة إسلامي ومسلم، فنحن مسلمون ولسنا إسلاميين، ومستند ذلك القرآن الكريم؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْل [الحج: 78]، فالله تعالى يُسمِّينا مسلمين والغرب يُسمينا إسلاميين، وطبعاً لا تجتمع كلمة إسلام وسياسي؛ لأن السياسة من صنع البشر والإسلام صنع رب البشر.
إن سقوط ما يسمى بالإسلام السياسي هو انتصار للإسلام الحقيقي وقيمه الصادقة، قال تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين [الأنفال:30].
ويشرح السيد الرئيس رُؤيته لهذا المشهد فيقول: “الإسلام السياسي اليوم وهو يَسقط كما نرى في مصر وفي سورية …، حقيقةً أستطيع أن أقول بكل ثقة بأن سقوط الإسلام السياسي هو خدمة للدين، هو آفة وعقبة ومشكلة، هو جرثومة دخلت في عقول المسلمين، وخروجه وسقوطه يعني استعادة الإسلام لموقعه الطبيعي، وعودته لعمله الدعوي”.
إذن، هناك فرق بين الإسلام السياسي والسياسة الإعلامية، فقال سيادته: “الإسلام جاء لكل زمان ولكل مكان ولكل البشر، أما السياسة فهي صالحة لفترة محددة ولزمن ولمصلحة عامة ولأشخاص” وقال كذلك: “الإسلام السياسي هو منهج سياسي يَستغل العواطف الدينية للناس من أجل أجندات سياسية مَحددة لأشخاص أو لدول، أما شكل الحكم فهو شيء آخر”.
وهنا تجدر الإشارة إلى عبارات السيد الرئيس في خدمة الإسلام السياسي للطائفية بشكل مباشر، ومن عباراته في هذا الشأن: “بدأنا نُعَيِّر الأشخاص بطائفتهم، لا نَقول بأن سين من الناس هو وطني، ولا نَقول بأنه أخلاقي، ولا نقول بأنه مثقف، نقول أن فلاناً من الطائفة الفلانية، فأصبحت الطائفية هي المعيار، وحلت محل الدين، وحلت محل الوطنية، هذا جزء من المفاهيم، أي أننا إذا لم نقم باسترداد الإسلام إلى موقعه الطبيعي لغوياً وثقافياً وعقائدياً، ومن خِلال المصطلحات سَنكون خلال فترة ليس أمام الإسلام العربي الذي أُنزل على الرسول  قبل أربعة عشرة قرناً، بل سَنكون أمام إسلام إما عثماني أو قطري أو إسلام أمريكي، وكله واحد؛ فإذاً هنا يَأتي دورنا في استرداد هذا الإسلام من خلال رؤية هذه التحديات”.
المحور الرابع: فقه الأزمة في مواجهة فقه الفتنة:
استمراراً لما دأبَت عليه عقول التَّكفير والتَّضليل والبغي، وما انتهجته ذُيولُ الفكر الظَّلامي المنحرف المتأثِّر بما يُحاك ضدَّ الإسلام الحقِّ الْمُستنير كما أنزله الله عز وجل على نبيِّه محمد ، تأتي جولات العدوان الكلامي الخالي من روح الإسلام وفكره وأحكامه، والبعيد عن اجتهاد المجتهدين الثِّقات العُدول، لتبُثَّ سمَّاً في جسد الأمَّة الذي يعاني من جراح كثيرة. هذه الجولات تتمثَّل بتحالفٍ آثمٍ وتعاهدٍ على الوقوف في وجه كل ما مِن شأنه أن يَلُمَّ الشَّمل ويُلَملِم جراح أبناء الوطن؛ إنَّها فتاوى من مفتين وعلماء فتنة، ومتاجرة بالدِّماء من قبل بعض اتحادات العلماء في العالم العربي.
لقد أخذ علماء سورية على عاتقهم إيصال الصُّورة الحقيقيَّة للإسلام، وبيان وجه الحقِّ، وفضح الباطل ومزاعم أهله، وتأكيد ما يَجمع الأمَّة على كُلِّيَّات المبادئ والحقائق الإسلاميَّة الُمجمع عليها، والتَّذكير الدَّائم بضوابط العقيدة الإسلامية التي تَحمي صاحبها من الوقوع في الكفر أو اتهاماته، وتَسمو به فوق التَّعرُّض لأسلحة التَّكفير الجائرة.
وإنهم يَعدُّون ما يَصدر من فتاوى مُضلِّلة آثمة أمراً لا يَمتُّ إلى مبادئ ديننا الحنيف بصلة، وهو مخالف للمنهج القرآني والنبوي الشريف، كما أنه لا يتوافق مع المنهج العلميّ والمنطقيّ في الحكم على الأشياء، ولا يَخدم إلا أعداء الأمَّة الذين يَتربَّصون بنا الدَّوائر، يَفعلون هذا تَحت شعارات ومُسمَّيات شَتَّى وذرائع وحيل جَهِلهَا أولئك أو تعاموا عنها.
كما أن هذه الفتاوى جزء لا يتجزَّأ من الحرب المعلنة على ديننا الإسلامي الحنيف، وهي صَادرة عن خَلفيَّات حِزبيَّة مرتبطة بمخطَّطات واضحة المعالم والأبعاد والأهداف, والتي بَاتَت لا تَخفى على أحد.
وإنَّ مِن واجب العلماء والدعاة بَيَانُ الْمَوقِفِ السَّديدِ مِن مواقف وإفتاءاتٍ تُؤدي إلى الفتن واستباحة الدماء، انطلاقاً من الإحساس بالمسؤوليَّة الشَّرعيَّة والأخلاقيَّة والوطنيَّة الملقاة على عاتقهم، ومن الحرص على وحدة الأمَّة وتماسكها.
ومن هنا جاءت سلسلة فقه الأزمة التي أُطلق عليها اسم “السلسلة التَّنويريَّة – الإسلام بين المصطلحات والمفاهيم” والتي كانت مِن نَتَاج لجنة علميَّة فقهيَّة فكريَّة مُعتمدة، تَهدف إلى الارتقاء بالمستوى الفكري والدِّيني لأبناء الوطن، بما في ذلك المحافظة على الفكر الوسطي لفهم الإسلام، وبما يُعزِّز الوحدة الوطنيَّة الرَّائدة في سوريَّة، وأتت مَباحِثُها في الخطاب الدِّيني انطلاقاً مِن مَقاصد الشَّريعة الإسلاميَّة المتمثِّلة بقواعد كثيرة من أهمِّها قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح، والقواعد الخاصَّة بمراعاة الأولويَّات وفقه الواقع، وتأسيساً لمنهم الفهم الصحيح لمسائل وقضايا ديننا الحنيف والمشكلات المعاصرة لأمتنا.
إن مواجهة التطرف والإرهاب والقضاء عليهما تكون بإدانة الانحرافات الفكرية من جهة وبتفنيد حججها ونقضها، وبيان آثارها السلبية من جهة أخرى، يقول السيد الرئيس: “لا يكفي أن نُدين التطرف والإرهاب، لا يكفي أن ننبذ، لا يكفي حتى أن نُفَنِّدَ المنطق الذي يستخدمونه، لا بد من تجديد الفكر الديني، فهناك شرائح مؤمنة ولكنها تُريد الحوار وتُريد الفكر المتجدد الذي يتناسب مع تطورات المجتمع”.
ولقد تحدث سيادته عن فقه الأزمة، وهو ما يقابل فقه الفتنة والتكفير، والآية الكريمة تقول: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل [البقرة: 191]، ولقد واجهنا في البدء فقه الفتنة مواجهة عفوية، ثم صدر فقه الأزمة من خلال رجال العلم والعلماء والخطب والخطباء، ليَكون حَصناً للفكر الإسلامي في بلدنا وفي العالم الإسلامي أيضاً.
ومن عبارات السيد الرئيس في هذا المجال: “فقه الأزمة هو مواجهة لفقه الفتنة، فنحن واجهنا في البداية فقه الفتنة ولم يكن لدينا أدوات فكرية، اعتمدنا على حسن النية، اعتمدنا على الفكر الموجود لدى كل رجل من رجال الدين، أو لكل عالم ولكل داعية في سورية، ولكن لم يكن لدينا فقه بالمعنى الشامل لمواجهة هذه الفتنة، فكان اليوم فقه الأزمة هو مواجهة لفقه الفتنة، ولا بد من تطويره وإكماله، ولا بد من الاستمرار في تطويره مع تطور المجتمع لمواجهة هؤلاء، وأصبح هذا الفقه الآن هو الإطار الذي يحدد لنا، والشيء الجيد أنه ليس إنتاج الدولة، هو إنتاج علماء الدين الموجودين معنا في هذه القاعة، وهو إنجاز وطني، وليس فقط على المستوى الشرعي؛ لأنه سيحمي البلد، فالسير بهذا الموضوع مهم جداً، نكمله في المستقبل بالمرجعية، بمعنى المؤسسة الدينية”.
وفي هذا الموضوع لا بد من القول: إن فتنة التكفير التي تجتاح العالم الإسلامي بِرُمَّته مِن شَرقه إلى غربه تنامَتْ وتفاعلت، حاصدة أرواح آلاف الأبرياء في تجاوز صريح لكل القيم الإنسانية، وانتهاك فاضح لكل الحرمات، وتشويه غير مسبوق لصفاء الصورة الإسلامية والمحمدية، وإن سيوف الفكر التكفيري تأتي مُشرعة في وجه ما أكدته شريعة الإسلام الوسطية السمحة، المنبثقة من قول الله تعالى:  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: 143] وقوله أيضاً: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك [آل عمران: 159]، هذه السيوف في تاريخها القديم والحديث جارت أولاً على رقاب المسلمين في شتى بلدان العالم العربي والإسلامي، من الجزائر إلى مصر إلى العراق واليمن، ومن ثمَّ إلى الشام، وغيرها، عِلماً بوجود محاولات جادة مُتعدِّدة لإدراك طبيعة ظاهرة التكفير هذه بين أبعادها السياسية وآفاق التنظير الديني حولها، تلك الظاهرة التي تقوم على إقصاء المخالف جملة وتفصيلاً، وإخراجه من الدين، الأمر الذي يُخالف وسطية الإسلام واعتدال أحكامه فهماً وتطبيقاً، هذا فضلاً عَمَّا يُبَثُّ من أفكار تتعلق بأهل الشرائع السماوية الأخرى، وخصوصاً المسيحية، من خلال عدد من الملحقيَّات الثقافية في سفارات دول بات مَنهجها وتوجُّهها معروفاً، وهذه الأفكار تُؤسِّس لفكر هدَّام في عقول أبناء الأمة من خلال اعتبار المسيحيين وغيرهم مِنْ أهل الكتاب مِنَ المشركين، عِلماً أن الله عز وجل في القرآن الكريم خَاطبهم بأنهم أهل كتاب، ولم يُخاطبهم بأنهم أهل شرك.
هذا النشر للفكر الهدَّام يَأتي من إيمان مُعتنقيه بعالمية الفكر الوهابي السلفي, لذا فقد بدؤوا  بإرسال البعثات التكفيرية والإرهابية إلى كل بقاع العالم، فأصبحت بذلك تلك الدول مَصدراً لتفريخ الإرهابيين والتكفيريين، إضافة إلى أنها أكبر مَصدر عالمي لتمويل تَنظيم القاعدة والجماعات الإسلامية المتطرفة الأخرى، ومنذ سنوات طويلة وتلك الدول تُحارب كل مظاهر الاعتدال الديني حيثُ وُجِدَ وترعرع ونما، ولقد كانت تلك الدول -من خلال محافلها الدولية والعامة والخاصة، ومن خلال مناهجها التعليمية- تُعَلِّم أبناءها لُغة التكفير وكراهية الآخر, وَتُلَقِّنُهُم ثَقافة العُنف والتطرف, وأن كل من يَختلف مع التفسير الوهابي المقيت؛ إما كافر وإما منحرف، ويجب عليه أن يتوب وإلاّ قُتل، وهذا ذاته هو ما قاله الخوارج بشأن سيدنا علي بن أبي طالب  وغيره من الصحابة الكرام منذ مئات السنين، وكما يقال: التاريخ يُعيد نفسه، إنَّه الفكر الخوارجي المنحرف الذي كَفَّر الأُمَّة وَكَفَّر عَشرات الآلاف من الصحابة مِن قبل.
وبذلك يَبدو وكأن مسألة التكفير ركيزة أساسية لأتباع هذا الفكر، ومصدر لوجوده وحيويته وتميُّزه، وكان من شأن هذا التكفير أن يكون مُترافقاً مع القتل والعنف، وليس ببعيد ما بَلغه الحال في حروب الوهابيين ضد مناطق المسلمين -خُصوصاً في بلاد الحجاز حيث سَيطَروا عليها وأقاموا دَولتهم- إلى حد استباحة تلك المناطق، ونهب ثرواتها وقتل سكانها وسبي نسائها وقتل رجالها دون تمييز, وتخريب دورها ومبانيها وإشعال النار في مكتباتها، ثم يَعودون إلى مقارِّهم وكأنهم عادوا من فتح إسلامي مُبين وتأدية واجب ديني عظيم.
وإن عناصر الشبه والقرب بين أفكار التكفير القديمة وأفكار التكفير المعاصرة قائمة ومتكررة وثابتة، وإن تباينت في الإخراج والعبارة، والسبب في ذلك أن التكفير واحد في النوع وإن اختلف في التفاصيل، فالعناصر التأسيسية للتكفير هي سِياسية تَرتبط بمجمل المصالح الاجتماعية التي تَجد في فكرة التكفير واسطة من وسائطها إلى التحقق، ومَعرفية تتعلق ببديهيات مُتوهمة تَدفع أصحابها إلى اعتناق التكفير باعتباره صواباً.
المحور الخامس: الدعوةُ إلى عدم تسطيح العقل البشري في فهم القرآن الكريم, والعودةُ للتمسُّك بالقرآن الكريم عقلاً وعلماً وفهماً وسلوكاً وأخلاقاً:
القرآن الكريم هو منطلق النهضة الحضارية لأمتنا، وعندما ضعف استخدامنا للعقل -أو غاب- في فهم القرآن وتدبره، والتعمق في مَقاصده، حَدثت الانتكاسة الحضارية للأمة، ومن أهم خصائص القرآن الكريم عُمق معانيه، وهذا يَستدعي وجوب التأمل والتفكر في تلك الآيات وإعمال الفكر والعقل فيها، انطلاقاً من قول الله تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ]محمد: 24[ وقوله أيضاً: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون [الحشر: 21[ وقوله أيضاً: وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون ]النحل: 12[.
وفي القرآن الكريم عشرات الآيات التي تَدعو إلى التفكر والتعقل، وإنّ غياب هذا المعنى هو من أهم أسباب تخلف الأمة، وتأكيداً على هذا المعنى القرآني الأصيل أكد السيد الرئيس على ضرورة إعمال العقل والتفكير السليم، والمنطق الصحيح في فهم نصوص القرآن لإعادة النهوض بالمجتمع والأمة، فقال: “فإذا فهمنا كل الدين وكل الأحاديث وقرأنا كل كتب الفقه والتفسير والسيرة وغيرها، ولم نَفهم القرآن بشكل صحيح وعميق، فنحن لم نَفهم شيئاً من الإسلام، وهنا مشكلة الأمة الإسلامية بشكل عام، وأنا أتحدث عن لقاءات مُتعددة مع الكثير من المسلمين العرب المهتمين بالشأن الديني، أو رجال الدين العرب وغير العرب، الآسيويين وغيرهم. إنها مشكلة عامة تتمثل في تسطيح العقل في فهم القرآن الكريم، القرآن كتاب نسميه القرآن الكريم، لماذا لم نسمّه القرآن العظيم؟ هو كلام الله، هو عظيم بشكل بديهي، ولكن نقول كريم لأنه يُعطي بدون حدود، ويُعطي لمن هو قادر على العطاء، هو كتاب صغير وليس كبيراً، وشامل، ولكن هذه ليست نقطة القوة، نقطة القوة في القرآن هي العمق الكبير، ومن هنا جاء كرم القرآن، وهذا العمق يحتاج إلى عقول تستطيع أن تستخرج. أول آية كانت إقرأ، إقرأ لنبي غير قارئ، يقرأ بالعقل، فأول شيء كان المطلوب هو العقل، العقل هو تحليل وفلسفة، ولا أقصد أن نَصل إلى عمق القرآن من خلال قراءة نظريات هيغل والآخرين، أقصد أن الفلسفة هي القدرة على التفكيك والتركيب والتحليل، نحن سطّحنا القرآن بقراءتنا له، وبالتالي تسطّح معه كل الدين، وأنتجنا إما التغرب أو التطرف. فإذاً عندما نقول كمحصلة لكرم القرآن بأن هذا القرآن هو لكل العصور، ماذا يعني لكل العصور؟ يعني أنه بكل جيل من الأجيال، وبمرحلة من المراحل تتطور البشرية وتتطور معها فلسفة الحياة. القرآن هو منهج الحياة، وهذا المنهج يرتبط حتماً بفلسفة الحياة، فكلاهما من خلق الله، وعندما تتطور فلسفة الحياة تصبح الأجيال التي تأتي لاحقاً أكثر قدرة على الغوص في أعماق هذا الكتاب، واستنباط المزيد من الأحكام، وهذا الشيء لا يَحصل على الساحة الإسلامية بشكل عام”.
وأضاف السيد الرئيس في هذا المجال قائلاً: “تمكّن البعض من وضع القرآن مع التحليل والفلسفة مع العلم في مواجهة، هنا خسرنا الكثير من الشرائح التي تؤمن بداخلها ولكن لم تجد من يدلها على الطريق للتعمق في الدين، أنا واحد من هذه الأجيال، من هؤلاء الأشخاص الذي كان لديه دائماً الرغبة والفضول لكي يَعرف، ولكن مِن دُون حِوارٍ عَقلاني ومنطق لا يُمكن أن أتعمق … نحن بحاجة لكي نُغير هذه المنهجية في التعامل مع القرآن، لكي نَصل إلى الاستنباط الذي يُناسب هذا العصر. أما إذا بَقي استنتاج الأحكام مَبنياً عَلى الماضي مِن دُون إضافات تتعلق بالعصور الحاضرة، نكون بذلك في تناقض مع ما نَقوله أن القرآن لكل العصور، ونتركه للعصر الذي استنتج منه شيئاً آخر مرة “.
المحور السادس: أهمُّ أسباب الأزمة التي نعيشها اليوم غيابُ الأخلاق:
إنَّ مما لا شك فيه أنَّ كلَّ ما في رسول الله محمد  عظيم، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى امتدحه بأخلاقه فقال سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم ]القلم: 4[ وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على أهمية الأخلاق في الدِّين الإسلامي، ولذلك كانت الأخلاق باعثاً من بواعث النبوة والرسالة، نستلهم ذلك من قول الحبيب المصطفى : (إنما بعثت لأتمِّم صالحَ الأخلاق)  أي: الأخلاق الصالحة، وفي رواية: (مكارم الأخلاق) .
ولا يخفى على المؤمن الحقيقي أنَّ الخُلُقَ الحسن يقطف ثماره في الآخرة أيضاً، ليس دخول الجنة فحسب، بل القرب من النبي  في منازل الجنة، نفقه ذلك من قوله : (إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً -أي المتواضعون- الذين يألفون ويُؤلفون) .
ومن هنا كان المقياس في الحكم على المؤمن في الدنيا رفعةً وتفضيلاً خُلقه الحسن، يتجلى ذلك في قوله : (إنَّ خياركم أحاسنكم أخلاقاً) .
كلُّ هذه النصوص -وغيرها كثير- تُؤكِّد على مكانة الأخلاق ومنزلتها في هذا الدِّين العظيم، وإنَّ غياب الأخلاق في الأمة دليلُ انحطاطها ومؤشرٌ على سقوط حضارتها، ولو كانت هذه الأمة مُؤمنةً بكتاب ربها تَقرؤه آناء الليل وأطراف النهار، ذلك لأنها لم تفقه المطلوب الأسمى من القرآن الكريم، وأخطأت الطريق وأضاعت البوصلة الحقيقية لتوجيهات وتعاليم الشرائع السماوية.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت                                       فإنْ هُمُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا
وبالتالي فإنَّ الأزمات التي تمرُّ بالأمة سَببُها عَدمُ الفهم الدقيق لجوهر الدِّين أولاً وهو الأخلاق، أو عدم التطبيق العملي لهذا الأساس الذي تقوم عليه الحضارات.
وهذا ما أكد عليه السيد الرئيس بقوله: “من أهم أسباب الأزمة التي نعيشها اليوم غيابُ الأخلاق، عدم الربط بينها وبين الممارسة الدينية، وهي من أهمّ المشاكل التي ينبغي إيجاد الحلول لها”.
وانطلاقاً من ذلك يتحتم على الدعاة والداعيات تَمثُّلُ أخلاق النبي ، في سلوكهم وأقوالهم وأفعالهم ضمن أسرتهم وفي المجتمع، وذلك لأنَّ الناس يَنظرون إليهم على أنَّهم وُرَّاثُ النبوة والقدوة الحسنة التي يتأسون بها في حياتهم اليومية، وليس هناك أشنع من أن يُخالف قول العالم أو الداعية سلوكه وفعله؛ لأنَّه بذلك يُشوِّه نظرة الناس عامّتهم وخاصَّتهم إلى أهل العلم والدعاة إلى الله عز وجل، فإذا كانت الأخلاق الفاضلة لازمةً للناس في كلِّ مِفصلٍ من مفاصل حياتهم، فإنَّها بأهل العلم والدعوة إلى الله ألزم.
ومن هنا نُؤكد على وجوب الاهتمام من العلماء والدعاة بشمائل الحبيب المصطفى  وأخلاقه وسلوكه، إِقراءً في دروسهم ومجالسهم، ودعوةً للناس إلى العناية بها، حيث تُمثّل القدوة الحسنة: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهِ وَاليَومَ الآخِر ]الأحزاب: 21[، ومن أهم الكتب التي عنيت بشمائل رسول الله  كتاب “الشمائل المحمدية” للترمذي، و”الشفا في حقوق المصطفى” للقاضي عياض، وشرحُهُ للملا علي القاري، و”المواهب اللدنية” للقسطلاني، ومن الكتب الحديثة كتاب “محمد رسول الله ” للشيخ عبد الله سراج الدين، و”الحبيب المصطفى ” لعمار بازرباشي.
المحور السابع: التركيز على السُّلُوك من خلال سيرة الرسول  وأقواله وأفعاله:
إن اتباع نهج النبي  وسلوكه، والاقتداء بأفعاله وتمثُّل أخلاقه أفضل وسيلة لفهم القرآن الكريم وتفسيره بعيداً عن أي تحريف، وإن تطبيق ذلك من الدعاة هو من أفضل الوسائل لهداية الناس والتأثير فيهم تأثيراً إيجابياً، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] ويقول أيضاً: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم ]التوبة: 128[، وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ  فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقًا) .
رسالات الأنبياء كلها جاءت مؤكدة أهمية الأخلاق في حياة الناس وفي سلامة المجتمع، مبيّنة أنها من أسس العبودية لله تعالى، بل إن العبادات لا تكتمل إلا مع الأخلاق، قال الله تعالى: وَأَقِمْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ]العنكبوت: 45[.
ووصف الله تعالى المؤمنين بحسن أخلاقهم، فقال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا ]الفرقان: 63[.
ومن هنا كان دور العلماء والدعاة في نشر الأخلاق بأفعالهم قبل أقوالهم، ليكونوا قدوة كما كان النبي  قدوة، وهذا ما أكد عليه السيد الرئيس بقوله: “ومن أهم أسباب الأزمة التي نعيشها اليوم غياب الأخلاق، وعدم الربط بينها وبين الممارسة الدينية، وهي من أهم المشاكل التي ينبغي إيجاد الحلول لها”.
وفي السنة النبوية نَجد أحاديث كثيرة تُنبه على أهمية الأخلاق الكريمة والسلوك السَّديد؛ ومنها قول النبي : (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقًا) وقَالَ أيضاً: (الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَبْدٌ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَه) .
ومما قاله السيد الرئيس في هذه الجزئية: “موضوع ربط القرآن والحديث بسلوك الرسول ، هذا الجانب نحن مقصرون جداً بشأنه؛ لأن المتطرفين والمنحرفين من أصحاب النوايا الجيدة أو السيئة تمكّنوا من تحريف تفسير القرآن وهو أقدس شيء، فمن يتمكن من تحريف تفسير القرآن من السهل عليه أن يُحرّف أي شيء آخر، كالحديث وأي تفسير وأي كلام آخر، لكن هناك شيئاً قوياً جداً يختصر مضمون القرآن والحديث هو سلوك الرسول ، طبعاً هذا السلوك لا يُعبر عن سلوك نبي، بمعنى أنه لم يَكن شخصاً عادياً أو ربما كان لديه الكثير من الهفوات، وعندما أصبح نبياً أصبح إنساناً متميزاً، هو اختير للنبوة لأنه مُتميز، فالأهم بالنسبة لنا أن نَدرس سلوك هذا الإنسان لأنه إنسان قبل كل شيء، قبل أن يكون نبياً، وليس فقط بعد أن أصبح نبياً، عندما ندرس هذا السلوك نستطيع أن نحرف التفسيرات، ولكن لا نستطيع أن نحرّف تفسير سلوك النبي  ومواقفه على المستوى الشخصي … علاقته بزوجته، علاقته بالناس، دوره كشخصية، كقائد سياسي …”.
وإذا كان الدعاة هم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى وتبليغ رسالته إلى الناس، فما أجدرهم باقتباس شمائلهم والاقتداء بهداهم، كي تظل هذه الوظيفة قائمة بين الناس على وجوهها الصحيحة السَّليمة، فيوجد من ينبههم إذا غفلوا، ويقوّم منهجهم وفكرهم إذا غالوا أو تطرفوا أو تشددوا، ويذكّرهم إذا نسوا، وبالمقابل: فهو يُعينهم إذا تذكروا، ويأمرهم بالمعروف إذا استقاموا، وهو ينهاهم عن المنكر إذا انحرفوا؛ كل هذا لأنَّ قِوامَ عزةِ المسلمين وعلوهم على سائر الأمم والشعوب هو في قيام الدعاة بواجبهم على النحو الأمثل، وما استحقت الأمة الإسلامية صفة: خير أمة أخرجت للناس إلا بأدائها هذه الرسالة، فقد قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه [آل عمران: 110].
ومما لا شك فيه أن الدعوة الإسلامية في هذا العصر -وفي كل عصر- تحتاج إلى رجال مؤهلين علميَّاً وخلقيَّاً لحملها وتبليغها على وجهها الصحيح، تحتاج إلى دعاة يَفهمون الإسلام فهماً سليماً، ويَسْعَونَ في إيصاله إلى أبناء هذه الأمة بعيداً عن التَّشويه والتَّحريف والتَّزييف والفهم الخاطئ، وبما يتفق مع طبيعة العصر الذي نعيش، المضطرب بألوان من الفتن الجسام.
وهنا لا بد من القول: إن أساس نجاح الدعاة يكون بالالتزام بهدي النبي  والإخلاص في حمل الأمانة وتبليغها, ولا بدّ للداعية من الحصول على قدر كافٍ وواسع من الثقافة التي تُعينه على أداء مهمته الدعوية, وأداء رسالته على أكمل وجه, ويُوصل دعوته إلى الناس, ويَتمكن من إقناعهم ويصل إلى عقولهم وقلوبهم، فالدعوة بَذْلَّ وعطاء, ومَن لا يَملك العِلم والثقافة فماذا يُعطي؟ وكيف يتأتى له ذلك؟.
والداعية مكلف بفهم واقع أمته وظروف عصره فهماً لا غموض فيه ولا تحريف ولا تشويه، وهذا الفهم يَتشكل في ضوء فهم السيرة النبوية الشريفة والهدي المحمدي الشامل، وهذا لا يكون إلاّ بعلم، والعلم ضروري للداعية في تنظيم شؤون الدعوة، وإن الدعوة اليوم تواجه جاهلية متخفيةٍ في ثياب علمية ماكرة تحارب الإسلام والمسلمين حرباً مدروسة منظَّمة.

لمتابعة القراءة يرجى تحميل الملف المرفق

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>