1- التعامل مع غير المسلمين في الشريعة الإسلامية = الجزء الرابع

التعامل مع غير المسلمين في الشريعة الإسلامية

المحتوى
مقدمة البحث …
تمهيد حول مفهوم الحَـربيّ والذِّمِّـيّ والـمُستأمِن …
أحكام أهل الذِّمَّـة في الإسلام …
نماذج من الحقوق التي يَحفظها عَقدُ الذِّمَّةِ لأهل الكتاب …
إذاً … ما حقيقة الجزية التي تُؤخذ من الذِّمِّيِّين ؟…
مشكلات واجتهادات تخضع لحاجة التصحيح والبيان …
أثر الفتوحات الإسلامية في رعاية حقوق أهل الكتاب …
الدولة الإسلامية وموقع غير المسلمين فيها …
ليس في الإسلام أقلية أو أكثرية …
الأقنية التي تَصنع لنفسها الإرهاب …
ضوابط التعامل مع غير المسلمين …
الخاتمة …

مقدمة البحث
شرائع الإسلام – كلها على تنوعها – إنما تدور على محور واحد ، ألا وهو إقامة العدالة التامة – وأكاد أقول – المطلقة ، تدور على إقامة العدالة التي تتسامى فوق فوارق الدين ، وتتسامى فوق فوارق العرق ، وتتسامى فوق فوارق الإقليم واللون واللغة ، شرائع الإسلام كلها إنما تدور على هذا المحور ، ألم تقرؤوا أو تسمعوا قول الله سبحانه وتعالى: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8] ، ألم تقرؤوا قوله عز وجل: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام: 152] ، وقوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه [الشورى: 13] ، وقد كرر البيان الإلهي هذا المعنى في أكثر من موطن ، وفي أكثر من مناسبة .
ومن هنا فإن الإسلام لم يضق – في يومٍ من الأيام – ذرعاً بأهل الكتاب ، بل إن الدول الإسلامية المتوالية التي كانت ترعى الشريعة الإسلامية وتطبقها – كما أمر الله عز وجل وكما أنزل – كانت تحتضن أهل الكتاب وترعاهم وتبرهم ، وتذود عنهم وتتقاسم معهم الحقوق الإنسانية بالعدل وعلى السواء . وتأملوا في الفتوحات الإسلامية التي امتدت إلى بلاد الشام هذه ، وإلى مصر لم يُلْجَأ نصراني أو يهودي إلى أن يُبدل دينه هنا أو هناك ، وبقي النصارى في بلاد الشام إلى أن جاء الفتح الإسلامي الذي طهرها من الاستعمار الروماني ، وكان الأقباط في مصر سعداء بالفتح الإسلامي الذي طهر مصر من الامبراطورية الرومانية .
وهذا – الذي أقوله لكم – إنما تحقق تحت سلطان القاعدة القائلة: “ألا لا يُفْتَنَنَّ نصراني عن نصرانيته ، ولا يُفْتَنَنَّ يهودي عن يهوديته” ، هذا المبدأ كان هو الشرعة الْمُطبَّقة خلال القرون المنصرمة كلها ، فلا يجوز في شرع الله أن يهتاج المسلمون على الكتابيين ولا الكتابيون على المسلمين لمجرد أن هؤلاء مُسلمون وأن هؤلاء كتابيون ، هكذا قرَّر كتاب الله ، وهكذا قرَّرت سنَّة رسول الله ، وهكذا قرَّر واقع الأمة الإسلامية فيما مضى ، حتى إن أهل الكتاب جاهدوا مع المسلمين ضد الغزوات الصليبية التي داهمت الشام ، كما سنرى في طيات البحث .
تمهيد حول مفهوم الحَـربيّ والذِّمِّـيّ والـمُستأمِن
•    مفهوم الـحِـرابة:
الحِرابة أو الـمُحارَبة: هي ظهور القصد العدواني بــأدلّة واضحة ثابتة على تبييت نيّة العدوان ، أو التخطيط له أو الــــمُباغتة العدوانية – وهو المعنى المتداول حتى بين الدول بعضها مع بعض – ، ويحقُّ للمسلمين التصدي بل البدء بالهجوم على مَن بَيَّتُوا في أنفسهم هذا القصد ، شريطة أن تستبين دلائلُه ، وذلك حسب ما يراه خليفة المسلمين أو رئيس الدولة في كل عصر .
وهذا ما كان رسول الله  يفعله في كثير من الأحيان ، يُسابق بذلك كيدَ المشركين ومَن معهم كي يُفَوِّت عليهم الفرصة ، إذ إن السرعة الخاطفة هي عصب النصر في الحرب ، وإنما يمتلك النصر فيها من امتلك فيها زِمام المبادرة ، ومِن هنا انقسم الجهاد القِتالي في حياة سيدنا رسول الله  إلى قسمين:
– حربٍ دفاعية ، كغزوة الخندق .
– حربٍ هجومية ، كغزوة مؤتة .
وتُعتَبر عامة ممتلكات الحَربيين بالنسبة للمسلمين أموالاً غير محترَمة ، فلهم أن يستولوا عليها ويأخذوا ما امتدَّت إليه أيديهم منها ، وما وقع تحت يدهم من ذلك اعتُبِر ملكاً لهم ، وهو حكم مُتَّفَقٌ عليه عند كافة الفقهاء .
•    مفهوم أهل الذمة:
يطلق على رعايا الدولة الإسلامية من الكتابيين “اليهود والنصارى” اسم: “أهل الذمة” .
تعريف عقد الذمة: عقد يجعل الذِّمِّيَّ من أهلِ دار الإسلام ، فهو بالتعبير الحديث مُواطن يملك من حق “المواطنة” ما يَملكه المسلمون دُون أي تفاوت في الدرجات .
والكتابيون ومَن في حُكمهم لهم حالتان اثنتان:
الحالة الأولى: أن يُوجدوا داخل بنيان الدولة الإسلامية ، ومُقتضى عقد الذمة عندئذٍ أن يتفاعلوا مع نظام الدولة وقوانينها ، وأن يُخلِصوا في رعايةِ مَصالحها العامة ، والدفاع عن حقوقها واستقلالها كلما طاف بها خطر أو تهديد , ولهم مقابل ذلك وُجودُهم الاجتماعي والديني الخاص بهم على قدم المساواة .
الحالة الثانية: أن يَكون وجودهم وتلاقيهم في بلدة أو مُقاطعة خَاصة بهم ، بحيث لا يُوجد في تلك البلدة أو البقعة إلا كتابيون أو مَن هم في حكمهم .
إن عقد الذمة مع هؤلاء لا يَعني أكثر من تعاقد يتم بالتراضي على ضمان اجتماعي يَسري فيما بينهم وبين الدولة الإسلامية ، يتم من خلاله التأكيد بأن لا يتحالف هؤلاء الكتابيون مع أي فئة أو دولة مُعادية للمسلمين لضرب المسلمين أو التربص بهم .
كما يتم التزام الدولة الإسلامية بالمقابل بعدم إيذائهم في عقائدهم أو أيٍ من التزاماتهم الدينية أو أي من ممتلكاتهم وحقوقهم الإنسانية ، لا انفراداً ولا عن طريق التحالف مع أي فئة معادية لهم ، بل يتم التزام الدولة الإسلامية بالدفاع عنهم كما يدافعون عن المسلمين من رعاياهم ضد أي خطر قد يتهددهم .
•    مفهوم الـمُستأمِـن :
هو مَن قَدِم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداءِ رسالةٍ أو تجارة أو طلبِ صُلحٍ أو مُهادنةٍ أو حـَمْلِ جزية ، أو نحوِ ذلك من الأسباب ، فطَلب من الإمامِ أو نائبِه أماناً .
وقد أمر الله بحُسْن استقباله والمحافظةِ عليه ثم إبلاغِه مأمَنَه عندما يُريد ذلك ، وقد شَرَع الله عزّ وجلّ أمانَ مِثلِ هؤلاء ليَعلَموا دينَ الله ، وتنتَشِر دعوةُ الله في عباده ، وهذا معنى قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُون [التوبة: 6] ، ومن هذا كان رسول الله  يُعطي الأمان لمن جاءه مُسترشِداً أو في رسالة ، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش ، منهم: عروة بن مسعود ومِكْرَز بن حفص وسهيل بن عمرو ، وغيرهم واحداً بعد واحد ، يَتردَّدون في القَضية بينه وبين المشركين ، فرأوا من إعظام المسلمين رسولَ الله  ما بَهَرَهُم وما لم يُشاهدوه عند مَلكٍ ولا قيصر ، فرجعوا إلى قومهم فأخبروهم بذلك ، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هدايةِ أكثرِهم .
أحكام أهل الذِّمَّـة في الإسلام
إن الفكر الاستعماري – كان ولا يزال – يرى – فيما يُخَيَّل إليه – أن الحساسية الدينية – التي يُفترض أن تكون مَاثلة دائماً بين المسلمين وغيرهم – هي أهم نقطة ضعف لدى المسلمين يجب استغلالها وتغذيتها بالسبل الممكنة .
والإسلام يُقرر ضرورة التعامل مع أرباب الأديان الأخرى – ولاسيما النصرانية واليهودية – في تفاهم وتعاون ووئام ، وهذا هو الذي يقضي به النظام الإسلامي بالفعل ، ويُطلق على رعايا الدولة الإسلامية من الكتابيين “اليهود والنصارى” اسم: “أهل الذمة” .
ولا شك أن خير سبيل لتحصين الدولة الإسلامية ضِد نُقطة الضعف هذه ، هو العمل على تطهير العلاقة السارية بين المسلمين والكتابيين حيثما كانوا ، من أي حساسية قد تثير فيما بينهم اضطراباً طائفياً يَبعث على تَربُّص أي من الطرفين بالآخر ، وهذا السبيل ليس أكثر ولا أقل مِن نِظَام عَقدِ الذِّمَةِ الذي شرعه الله عز وجل .
وهؤلاء أيضاً لهم حالتان:
الحالة الأولى: أن يَكون بينهم وبين الدولة الإسلامية تَعايشٌ سِلميٌّ قائم على الأمن والطمأنينة بين الطرفين ، ففي هذه الحالة يَكون عَقد الذمّة بالتراضي ، أي لهم الخيار في ألا يَدخلوا مع المسلمين عَقد الذمة ، على ألا يكونوا سَنداً لأيٍّ عَدوٍّ يَكيد للدولة الإسلامية .
أما إذا رَغب هؤلاء الكتابيون بإبرام عَقد الذِّمة مع دولة المسلمين – وغالباً ما يكون هذا خَوفاً من عدوٍّ يتربَّص بهم – فإن عقد الذمة مع هؤلاء لا يَعني أكثر من تَعاقدٍ يَتم بالتراضي على ضمان اجتماعي يَسري فيما بينهم وبين الدولة الإسلامية ، يَتم مِن خِلاله التأكيد بأن لا يَتحالف هؤلاء الكتابيون مع أي فِئة أو دَولة مُعادية للمسلمين لضرب المسلمين أو التربص بهم ، كما يتم التزام الدولة الإسلامية بالمقابل بعدم إيذائهم في عَقائدهم ، أو أي من التزاماتهم الدينية ، أو أي من ممتلكاتهم وحقوقهم الإنسانية ، لا انفراداً ولا عن طريق التحالف مع أي فئة معادية لهم ، بل يتم التزام الدولة الإسلامية بالدفاع عنهم كما يُدافعون عن المسلمين من رعاياهم ضد أي خطر قد يتهددهم .
الحالة الثانية: أن يكونوا في حالة حِرابة مع المسلمين ، فَعِندئِذٍ على المسلمين أن يصدّوا عُدوانهم، فإذا انتهت الحرب بينهم وبين المسلمين فلا بدّ من إبرام عقد ذِمَّةٍ معهم ليستوثق المسلمون من انتهاء حالة الحِرابة هذه ، أي أن عَقد الذِّمَّةِ في هذه الحالة إجباريّ .
إذن فعقد الذمة في كل حالاته السابقة هو عَقدٌ لمصلحة الطرفَين ، وليس لمصلحة طرفٍ على حساب الآخر ، وهو الحبل الـمُنقِذُ الذي يَجعل الجميع يَنعُمُون بأرضهم ووطنهم تحت مِظَلة دِينٍ يَعدل ولا يتحيَّز ، يَرعى الحقوق بمقدار ما يُحَمِّل الواجبات ، ويُوَفِّر للمسلمين والكتابيين الحماية ضد أي عدو يُريد أن يخترقهم .
يقول المستشرق البريطاني برنارد لويس: “إن الغرب الذي بسط سلطانه الاستعماريّ خلال أحقاب طويلة على الكثير من بلاد العرب والمسلمين ، اتّخذ سبيله إلى ذلك في إثارة النَّعَرات الطائفية من أجل تفكيك المجتمع العربي ، ولو أنني سُئِلْتُ عن أفضل طَريقة للسيطرة على المجتمع العربي والإسلامي لَـمَا وجدتُ أفضل من الطريقة التي سَلَكَها الغرب إلى ذلك ، هذه الإثارةُ عادت بالخُسران على كُلٍّ من المسلمين ومُواطنيهم أو جيراهم الآخرين” .
نماذج من الحقوق التي يَحفظها عَقدُ الذِّمَّةِ لأهل الكتاب:
1 – عمارة الكنائس: مِنَ الْمُتفق عليه أن كَنَائسهم ومعابدهم القائمة تبقى على حالها ، بل يَجب حِمَايتها من أي يَدٍ مُعتدية ، ومن المتفق عليه – عند جمهور الفقهاء – أنَّ مَا تَهَدَّم مِنها يُعاد بناؤه وترميمه ، ولا أدلَّ على ذلك مما أقرّه الفقهاء من أن حَربيّين لو اعتدوا على منطقة من مناطق أهل الذمة فهدموا بعض كنائسهم ، فإن على ولي أمر المسلمين أن يَصُدَّ هَؤلاء الحَربيين ويقاتلهم ، فإذا انتصر المسلمون وحُرِّرت المنطقة وجب على ولي أمر المسلمين أن يُعيد كُلَّ ما تهدم من معابدهم وكنائسهم ، ويشيدها لهم من جديد .
2 – حرية البيع والشراء وإعلان شعائرهم الدينية: فَلا يُمنعون من بيع الخمر والخنزير والصليب وضرب الناقوس في قرية أو مَوضع ليس من أمصار المسلمين ، ولو كان فيه عدد كثير من أهل الإسلام .
إذاً … ما حقيقة الجزية التي تُؤخذ من الذِّمِّيِّين ؟
الجواب: الأصل في الجزية قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون [التوبة: 29] .
تعريف الجزية: هي المال الذي يُؤخذ من الكتابي فيُجزئ عن ضرورة تحمّل مَسؤوليةِ رِعايته وحمايته ، واعتباره عُضواً في المجتمع الإسلامي ، بحيث يَنَال سائر الحقوق التي يَقتضيها مبدأ التكافل الاجتماعي . وليس ثمة ما يَمنع من تسمية مدلول كلمة “الجزية” بأي اسم آخر ، كالإتاوة والضريبة والرسوم أو حتى الصدقة ، فيما ذهب إليه جمهور الفقهاء .
مقدار الجزية: إن القَدْرَ الذي يُؤخَذُ جِزيةً من أكثر أهل الذِّمَّةِ غِنىً لا يَبلغ خُمُسَ مَا يُؤخذ مِن المسلمين على وجه الزكاة , بل هُوَ أَقَلَّ من ذلك بكثير .
معنى الصَّغَار: في قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون [التوبة: 29] .
إن ما نقرؤه في هذه الآية من الإلجاء إلى الجزية ونظامها بما يسميه البيان الإلهي “صَغاراً” جَزاءٌ رتبه الله على الحِرابة – أي عِندما يَبْتَدئُ كِتابيون عُدواناً على دولة إسلامية – ومعاذ الله أن يكون مُرَتَّـباً على كُفر أو انتسابٍ إلى كتاب ، خاصة أن سِيَاق الآية يَدلُّ على هذا المعنى ، فقوله تعالى: (قاتلوا) من المقاتلة على وزن مفاعلة ، ولم تأت الصيغة (اقتلوا) كما قد يتبادر إلى الذهن .
ومن أبرز ما يَدل على هذا بوضوح أن هؤلاء الكتابيين إذا أغمدوا أسلحة عُدوانهم ، وأبرزوا صَفحة التعاون الإنساني المخلص ؛ انمحى الردع عنهم بكل مظاهره وذيوله ، وحلَّ محل ذلك قانون المعاملة بالمثل ، وهيمن مبدأ: “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” ، وقامت شِرْعة الاحترام المتبادل ، فحرياتهم مَصونة ، ومعابدهم وأنشطتهم الدينية مَكلوءة بالحماية ضِد أي مُعتد أو متربص ، والوطن حَقٌّ مُشترك بين الجميع ، وثمار التكافل الاجتماعي لا يُعَكِّرُ صَفوَ العَدالة في توزيعها فَارِقُ عِرْقٍ أو دِين , فلا صَغَارَ عِندئذٍ ولا هَوان .
فأهل الكتاب مُواطنون كالمسلمين تماماً داخل الدولة الإسلامية ، وكما يَجب على الدولة رعاية المسلمين وحماية حقوقهم والدفاع عنهم ضد سائر الأخطار ، يجب عليها رعاية أهل الكتاب بالشكل وبالقدر ذاته . ولما كانت الدولة الإسلامية تتقاضى من المسلمين الزكاة لتعيدها إلى الفقراء والمحتاجين منهم ، فاقتضت المساواة أن تتقاضى من أغنياء الكتابيين مِثلَ ذَلك لِتُعِيدَهُ إلى فقرائهم ، ولكن لما كانت الزكاة من أركان الإسلام الواجبة على المسلمين دون غيرهم ، سُمّي القدر الذي يُؤخذ من الكتابيين باسم الجزية ، على أن لا تُوجد ضَرورة تَقتضي التمسك بهذا الاسم ، بل يُمكن أن يُسمى ضريبة ، بل حتى زكاة أيضاً ، إن هُم وافقوا على ذلك ، كما فَعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع نصارى نجران .
مشكلات واجتهادات تخضع لحاجة التصحيح والبيان
1 – تَزَيُّدات مُبتَدَعة في طريقة استحصال الجزية ، كإجبار الكتابيين على تأدية الجزية وهم مُطَأطِئوا الرأس: وقد أنكر محققو الفقهاء – على اختلاف مذاهبهم – هذه التزيدات المبتَدَعة والْمُقحمة في أحكام الشرع ومبادئه ، ومنهم الإمام النووي ، فقد قال في كتابه “روضة الطالبين” بعد أن عرض لبيان كثير من هذه الـمُقحمات الباطلة: “هذه الهيئة المذكورة أولاً لا نَعلم لها على هذا الوجه أصلاً مُعتَمَداً ، وإنما ذَكَرَها طَائفةٌ من أصحابنا الخراسانيين ، وقال جمهور الأصحاب: “تؤخذ الجزية برفق كأخذ الدّيون” ، فالصوابُ الجزمُ بأن هذه الهيئة باطلةٌ مَردودةٌ على مَن اخترعَها , ولم يُنقَل أن النبي  ولا أحدٌ من الخلفاء الراشدين فَعَلَ شَيئاً منها مع أخذهم الجزية” .
2 – ما ذكَره بعض الفقهاء من أن أهل الكتاب الذين يعيشون بين المسلمين يَنبغي أن يَكون لهم شارة: وهذا الأمر لم يَكن مَوجوداً في عصر رسول الله  ، وإنما طَرَأَت حَالةٌ سِياسِيَّةٌ  في عصرِ بَعض خلفاء المسلمين ، وذلك بأن يَتَسَرَّبَ بَعض الحربيين إلى داخل أماكن أهل الذمّة ، ثم يَكيدوا من وراء سِترهم لإيقاع الفتنة بين المسلمين وبين أهل الكتاب ، فَعُولجت هذه المشكلة معالجة سياسية باتخاذ شَارةٍ لأهل الكتاب ، وقد زالت هذه الشارة بزوال المشكلة ، فهذا الأمر داخلٌ في أحكام الإمامة ، والغاية منه حماية أهل الكتاب لا الإساءة إليهم .
3 – ما ذكَره بعض الفقهاء مِن أن على المسلمين أن يُلجِئوا أهل الكتاب إلى أضيق الطرق عند المشي: وهذا الأمر يَرُدُّ عليه الأحاديث الكثيرة التي أَوصَت بحسن معاملة أهل الكتاب ، ومنها ما رواه أبو ذر رضي الله عنه ، عن رسول الله  في قوله: (إِنَّكُم ستَفْتَحونَ أَرْضَاً يُذْكَرُ فيها القِيرَاطُ ، فاسْتَوْصُوا بأَهْلِها خَيْرَاً ، فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمَاً)  ، وهم أقباط مصر .
كما أوصى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: “أُوْصِي الخليفةَ مِنْ بَعْدي بأَهْلِ الذِّمَّةِ خَيْراً , أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ , وَأَنْ يُقاتِلَ مَنْ وَرائَهُم , وَأَنْ لا يُكَلَّفُوا – أي مِن المال – فَوقَ طاقَتِهِم”  .
وروى أبو عبيد في كتاب “الأموال”  ، عن وُسق الرومي قال: “كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكان يقول لي: أَسْلِم فإنك إن أسلمت استَعَنَّا بك على أمانة المسلمين ، فإنه لا ينبغي أن أستعين على أمانتهم بمن ليس منهم . قال: فَأَبَــيْتُ ، فقال: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين ، قال: فلما حضرته الوفاة أعتقني وقال: اذهب حيث شئت” .
فكل ما سبق يَدل على وُجوب حُسن مُعَاملة الذِّميين ، بل نَبدَؤُهم بالتحية ونُحَيِّيهم بالتحية التي يَعرفونها فيما بينهم ، ويُسَنُّ أَن نُعَزِّيهِم في مُصابهم ونُهَنِّئُهم في أفراحهم .
4 – مسألة تَوَلِّيهِم الوظائف: يَدخل هذا الأمر في أحكام الإمامة ، فإذا كانت الوظيفة لا علاقة لها بجوهر الدين ، وكان الذِّمِّيُّ مُؤهَّلاً لها فلا يُوجد ما يَمنع من استعماله فيها ، كما أورد الإمام الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية” .
أثر الفتوحات الإسلامية في رعاية حقوق أهل الكتاب
لـمّـا هاجر رسول الله  إلى المدينة كان أولُ عمل قام به كتابة وثيقةٍ تنظم علاقة المسلمين فيما بينهم ، وعلاقتهم مع قبائل اليهود التي كانت تعيش في المدينة آنذاك ، وهم “بنو قينقاع وبنو النّضير وبنو قريظة” ، فاكتملت بذلك للمسلمين أركانُ الدولة الثلاثة ؛ وهي:
1 – الأرض التي أورثهم الله إياها .
2 – الجماعة المسلمة التي تعيش فوق هذه الأرض .
3 – الدستور الذي كانت تمثّله تلك الوثيقة .
وقد نصت الوثيقة على أن اليهود أُمَّةٌ مع المسلمين – أي أنهم مواطنون في الدولة الإسلامية – ، وأنَّ على اليهود نفقتُهم ، وعلى المسلمين نفقتُهم ، وأن بينهم النصرَ على مَن حارب أهل هذه الوثيقة  .
وهذا يَدُلُّ على مَدى العَدالة التي غُمِسَت بِهَا معاملةُ النبي  لليهود ، ولقد كان بالإمكان أن تُؤتي هذه المسألة العادلة ثمارَها فيما بين المسلمين واليهود ، لو لم تتغلَّب على اليهود طبيعتُهم من حبٍّ للمكر والغدر والخديعة ، فما هي إلا فترةٌ وجيزةٌ حتى ضاقوا ذرعاً بما تضمَّنته بُنودُ هذه الوثيقة التي التزموا بها ، فخرجوا على الرسول  والمسلمين بألوانٍ من الغدر ، فكان المسلمون بذلك في حِلٍّ مما التزموا به تجاههم .
ثم لما استقرّ الأمر لرسول الله  في الجزيرة العربية أخذ يُرسل بالرسائل إلى مُختَلف ملوك ورؤساء العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام ، ونَبذِ ما هم عليه من الأديان الباطلة ، ذلك لأن رسالته  عالمية إلى الناس كافة ، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين [الأنبياء: 107] .
فأرسل إلى هِرَقل ملك الروم – الذين كانوا آنذاك يستعمرون بلاد الشام ومصر – ، كما أرسل إلى كسرى في بلاد فارس ، وغيرهم من الملوك .
وشعر هؤلاء الملوك بخطر الدولة الإسلامية ، وبدؤوا يُخططون للوقوف في وجه هذا المدّ ، وللعدوان على الدولة الإسلامية ، فوجّه رسول الله  جيوشَ المسلمين لردّ خطر هذا العدوان .
كانت الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام وبعد ذلك لمصر والعراق تحريراً لسكّانها الأصليين من الاستعمار ، ولم تكن غزواً موجهاً ضدّ هؤلاء السكّان ، فهذه في الأصل بلادٌ عَربية وسكانها من العرب .
مصر كانت مُستعمرة لبيزنطة ، وكانت ترزح تحت نير الاستعمار البيزنطي ، وكانت الامبراطورية الرومانية قد اصطنعت الدخول في مذهب من المذاهب المسيحية لتستطيع أن تُمَكِّن لنفسها جذوراً أرسخ في تلك الأرض ، ولكي تبسط مَزيداً من السلطان على الناس هناك ، فراحت تُلزِم بقيَّةَ المذاهب بالانخراط فيه بدافعٍ من القناعة الدينية بحسب الظاهر ، والواقع أنه من أجل فوائد سياسية ، فما إن فعلت ذلك حتى نشرت الظلم والقتل والترويع في أقطار مصر ، وكم وكم قُهِرَ المسيحيون وأوذوا وقُتِّلُوا من خلال هذه السياسة ، حتى أنه في مَجزرة واحدة قَتلت بيزنطة – فيما يرويه “فيكتور سحاب” – ما لا يَقل عن مائتي ألف من اليعاقبة ، وهم الذين يُسمون اليوم بالسريان الأرثوذكس ، هكذا كانت مصر ، ولم تتحرر ولم يتحرر أقباطها من هذا الاستعمار الخانق الظالم إلا عندما تحقق الفتح الإسلامي .
لما تحقق الفتح الإسلامي وطُهِّرَت مِصر من الاستعمار البيزنطي تنفس الأقباط الصعداء ، وعثروا على حريتهم ، وعثر كل واحد منهم على كرامته ، هل كان فيهم من قد أُكره على الإسلام ؟ أبداً ، هل كان فيهم من قد أُكره على أن يُغير دينه ؟ أبداً ، نعم لقد أظلتهم الدولة الإسلامية ، واستظلوا بظل الشريعة الإسلامية ، ولكن الشريعة الإسلامية كانت حِصنَاً رائعاً لكرامتهم ، كان الدرع الذي لا بديل عنه لحريتهم الفكرية والدينية ، ولعلكم تعلمون أن شاباً من أقباط مصر خاصمه ولدٌ لعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه في فرس له ، فأوسعه ابن عمروٍ ضَرباً بِسَوط في يده ، قائلاً له: خُذها وأنا ابن الأكرمين ! فما كان من الشاب القِبطي إلا أن اتجه إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في المدينة المنورة ، وشكا إليه ما فَعل به ابن عمرو بن العاص في مِصر ، فأرسل عمر رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص أن يَأتيه مع ابنه محمد إلى المدينة ، وأكرم وفادة الشاب المصري واستبقاه عنده إلى أن وصل عمرو بن العاص وابنه إلى المدينة . يقول أنس بن مالك راوي هذا الخبر: فوالله أنا عند عُمر ، وإذ نحن بعمرو قد أقبل ومعه ابنه ، فقال عمر: أين المصري ؟ قال: ها أنا ذا ، قال: دُونك الدُّرة فاضرب بها ابن الأكرمين ، فضربه حتى أثخنه ، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين ، ثم قال للمصري: أجلها على صلعة عمرو ، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه ، ثم أقبل إلى عمرو بن العاص يقول له: أبا عمرو ، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟
فتحت الشام أيضاً فتحاً إسلامياً ، ولكن كيف كانت الشام وبلادها من قبل ؟ كانت هي الأخرى تَرزح تحت نير بيزنطة ، تحت نير الإمبراطورية الرومانية ، ومن المعلوم أن الشام بمدنها المتنوعة كانت إبان البعثة المحمدية خاضعة للحكم الروماني ، وفي مقدمتها القدس ، وقد سلكت بيزنطة إلى ذلك اتخاذها المسيحية ديناً رَسمياً لها في الظاهر ، غير أنها اختارت منه المذهب الذي وافق هواها ، بعد أن عَدلت فيه وغيرت كثيراً مِنه ما طاب لها ذلك .
وكان المفروض أن تقف هذه الإمبراطورية من المذاهب المسيحية الأخرى مَوقف الإسلام مِن المسيحية على أقل تقدير ، فتتعايش معها وتدافع عنها وتحميها من عوامل الاضطهاد .
ولكنها أصرت على إخفاء كل المذاهب المسيحية الأخرى التي تُخالف مَذهبها الرسمي ، وعدّت الخروج عليه خروجاً على وحدتها السياسية ، ومن ثم أخذت تسعى سعيها ابتغاء إنهاء وجود العقائد المسيحية المغايرة لعقيدتها الرسمية ، مرَّة عن طريق المجامع التي كان يَعقدها الإمبراطور ويحضرها بنفسه ، ومرة بالتصفية الجسدية وملاحقة الرهبان ، وقد شهدت القدس من ذلك سلسلة من الفظائع التي لم ينسها التاريخ .
ولقد مُني أهل الشام بعذاب واصب من الاستعمار البيزنطي ، وكان دأبت بيزنطة أن تستثير اليهود على النصارى ، وأن تؤلب النصارى على اليهود ، وأن تسعى سعيها اللاهث ليظل القتال مستشرياً والعداوة والبغضاء مستمرين بينهما في سبيل أن ترسخ بيزنطة قدماً راسخة فوق تلك الأرض . كانت بيزنطة تستثير اليهود لتقذير المكان الذي يعتقد المسيحيون أن سيدنا عيسى قد ولد فيه لكي يتأَلَّب المسيحيون على اليهود ، ثم ما يلبث الرومان أن يؤلِّبوا النصارى على تدنيس الصخَّرة المشرَّفة التي يُقدِّسها اليهود ؛ لاستثارة مزيد من البغضاء بين هؤلاء وأولئك ، فكيف كانت النتيجة عندما شاء الله عز وجل أن تتحرر الشام من نير الاستعمار الروماني ؟
اجتمع المسلمون ورجال الدين في بيت المقدس لِيُوَقِّعُوا على صكِّ الصلح والمعاهدة ، ولكن رجال الدين المسيحي أبوا إلا أن يُوَقِّعوها بحضرة أمير المؤمنين عمر ، وأُخْبِر عمرُ رضي الله عنه بالأمر فجاء ، وبدأ عمر بن الخطاب أمير المؤمنين عندما وصل إلى القدس مُتَّجهاً إلى الصخرة المشرفة ، فوجد عليها الأتربة والأقذار الكثيرة ، فخلع رداءه وراح يُنَظِّفُ الصخرة المقدسة برداءِه ، وعندئذٍ هَبَّ كُلُّ مَن كان حول عمر فهرعوا ليسابقوه في هذا العمل القدسي ، ثم إنه اتجه إلى المكان الذي قال النصارى إن سيدنا عيسى ولد فيه – مكان كنيسة القيامة – ، وما إن وصل إلى ذلك المكان حتى رأى القمامة والأقذار والأوساخ مُتراكمة في ذلك المكان أيضاً ، فخلع مَرَّة أخرى رداءه وراح يُنظف ذلك المكان بردائه ، ولكن الناس الذين مِن حوله ما لبثوا أن سابقوه إلى ذلك .
تأمَّلوا في العمل الذي كانت تمارسه بيزنطة من إثارة البغضاء والحرب الطائفية بين أهل الكتاب ، وما فعله الإسلام – ولا أقول عمر – مِن نَقيض ذلك ، أولئك كانوا ينفخون في نيران الحرب اللاهبة بين الإخوة أهل الكتاب ، والإسلام – مُتَمثلاً في شخص عمر – جمع الكلَّ على خط الوئام ، على صراط الحب ، على صعيد الألفة ، نظف بردائه كِلا الموضعين المعروفين ، والتاريخ ينطق بتفصيل هذا الكلام الذي أذكر لكم مُجمله .
إن عمر لم يكن يفعل ما فعله في بيت المقدس برداءه إلا بسائقٍ من رِقَّتِه ورحمته وبُعد نَظَره ، وبسائقٍ من تربيته الإسلامية ، لأنه يعلم أن دينَ الله يأمره بذلك .
وكان النصارى يعيشون أحراراً ، ولم يُكْرَه أيُّ واحدٍ منهم على أن يُغَيِّرَ دِينه ، كانت الشريعة الإسلامية تنفذ القاعدة القائلة: “ألا لا يُفْتَــنَنَّ نَصرانٌّي عن نصرانيَّتِه ، ولا يَهوديٌّ عن يهوديَّته” .
وقد أوصى سيدنا عمر بن الخطاب كما مر عندما قال: “أوصي الخليفة مِن بعدي بأهل الذمة خيراً ، أن يُوفي لهم بعهدهم ، وأن يُقاتِلَ من وراءهم ، وأن لا يُكلَّفوا – أي من المال – فوق طاقتهم” .
وقد أرسل عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة كتاباً جاء فيه: “… وانظر مَنْ قِبَلَك مِنْ أَهْلِ الذمَّة قد كبرت سنُّه وضعُفَت قوَّته وولَّت عنه المكاسب ، فأَجْرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يُصْلِحُه … ، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مَرَّ بشيخٍ من أهل الذمَّة يَسأل على أبواب الناس ، فقال: “ما أنصفناك ، إن كنا قد أخذنا منك الجزية في شَبِيبَتِك ثم ضَيَّعْناكَ في كِبــَرك” ، قال: ثم أَجرى عَليه من بيت مال المسلمين ما يُصْلِحُه” .
وانتشر الإسلامُ – في داخل أوروبا وفي جبال الصين – بالأخلاق الإنسانية العجيبة الرضيَّة في أشخاص المسلمين الذين وصلوا إلى تلك البقاع دعاةً إلى الله عز وجل ، موسى بن نصير ، وطارق بن زياد ، وعقبة بن نافع ، وعبد الرحمن الداخل ، كلُّ واحدٍ منهم خُلُقٌ إنسانيٌّ رائع ، تواضعٌ جمٌّ ، رحمةٌ باهرةٌ عجيبة ، محبةٌ للإنسانية ، أياً كانت أوطانها وأياً كان رجالها .
دخل البربر في دين الله عز وجل من خلال تَعَشُّقِهم لهذه الأخلاق الرضية التي وجدوها في هؤلاء الناس ، وكيف كانوا قبل ذلك ؟
كانت القُوطُ هي التي تحكم معظم بقاع إسبانيا ، وكان عملُهم مَظهراً لأسوأِ الأعمالِ الإجرامية الشنيعة ، كانت الشعوب تحت سُلطانهم مَنبوذة مَقهورة مُسْتَلَبَة الحقوق ، ولاسيَّما اليهود لم تكن لهم حقوقٌ في الدِّين ولا حقوقٌ في المعيشة والاقتصاد ، وكانوا يُجبرون على أن يَدخلوا النصرانية ، وفي يوم واحد أُجبر تسعون ألفاً منهم على التَّنصُّر .
دخل الإسلامُ وتحققت الدولة الإسلامية في الأندلس ، فتنفس اليهود الصعداء وانتعشوا أيما انتعاش ، ونالوا حُقوقهم الإنسانية كلها ، وَلَيْتَ أن اليهود يَذكرون هذا الفضل الذي طَوَّقَ الإسلامُ به أعناقَهم ، فأبدلوا بالوفاء كيداً ولؤماً .
وهذا ما أقرَّه المنصفون من الكُتّاب الغربيين ، ومنهم “زيغريد هونكه” التي تقول في كتابها “شمسُ الله تسطع على الغرب”: “لم يعرف العالَم فاتحاً أرحم من المسلمين” .
كما يقول الدكتور “أدمون رباط”: “للمرة الأولى في التاريخ انطلَقَت دولةٌ هي دينيةٌ في مبدئها ودينيةٌ في سبب وجودها ودينيةٌ في هدفها ، ألا وهو نشر الإسلام عن طريق الجهاد بأشكاله المختلفة ، من عسكرية ومُــثُلية وتبشيرية ، إلى الإقرار بأن مِن حقِّ الشعوب الخاضعة لنظامها أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وتراث حياتها ، وذلك في زمن كان يَقضي المبدأ السائد فيه بإكراهِ الرعايا على اعتناق دين ملوكهم” .
ولما أطَلَّت سلسلة الغزواتُ الصليبيُّة المتتابعة مُتَّجِهةً إلى بلاد الشام ، أرسل قادةُ تلك الغزوات سراً كتباً إلى قادة المسيحيين في بلاد الشام يَسألونهم : ما القرار الذي اتخذتموه ، وها نحن قادمون إليكم ، أهو الوقوف إلى جانب بني قومكم المسلمين ، أم الوقوف إلى جانب بني دينكم الوافدين ؟ كان جواب الكل: قرارنا الذي اتخذناه هو الوقوف إلى جانب بني قومنا المسلمين ، وشهد التاريخ كيف أن المسلمين والنصارى وقفوا في خندق واحد يُواجهون الغزوات الصليبية المتسلسلة ، وظلّ عدد النصارى في بلاد الشام يُساوي عددَ المسلمين بل يزيد ، حتى جاء الغزو الصليبي ، عندئذٍ – وبسائقٍ من ردَّة الفعل ضدَّه – زاد عددُ المسلمين ودخل مَن دخل مِن النّصارى في الإسلام .
والسؤال الأهم ، كيف كان يَعيش النصارى في بلاد الشام بعد الفتح الإسلامي ؟ كانوا يَعيشون أحراراً ، وكانوا يَعتزون بحريتهم أيما اعتزاز ، وكانوا يتمتعون بكرامة لم يَكونوا لِيَعثروا عليها إبان الاستعمار البيزنطي بشكل من الأشكال أبداً ، لم يُكره أي واحد منهم على أن يُغير دينه ، كانت الشريعة الإسلامية تُنَفذ القاعدة القائلة: “ألا لا يُفتنن نصراني عن نصرانيته ، ولا يهودي عن يهوديته” نعم .
الدولة الإسلامية وموقع غير المسلمين فيها
تتألف الدولة في عُرف القانون الدولي المعاصر من ثلاثة عناصر: “الأرض أو الإقليم ، والشعب أو الأمة ، والنظام السلطوي الذي يُرسخ كينونة الأمة وعلاقتها بالأرض” .
وقد تحققت هذه العناصر الثلاثة للمسلمين لدى هجرتهم مع رسول الله  إلى المدينة المنورة ، فكان ذلك إيذاناً بولادة أول دولة إسلامية .
فما هو مَوقع غير المسلمين من هذه الدولة ؟ وما مَدى تقبلها لوجودهم فيها ، وما هي الضوابط والحدود المرسومة لذلك ؟
وليكن واضحاً أننا نَعني بغير المسلمين في هذا المقام أهل الكتاب ، الذين يمثلون النصارى واليهود ، ومن ألحقهم رسول الله  بهم .
إن ما ذكرته الآن – من الانسجام الذي قرره الإسلام بين التكليف وحرية الاعتقاد – يوضح أن الدولة الإسلامية ليست حكراً للمسلمين وحدهم ، ذلك لأن النظام السلطوي الذي هو العنصر الثالث من العناصر التي تتألف منها الدولة ، مُنبثق من أحكام الإسلام ومبادئه ، وقد علمنا أن من أبرز أحكامه ومبادئه أن يترك الناس – في نظام معاشهم الدنيوي – أحراراً في أن ينقادوا أو لا ينقادوا للتكاليف الإلهية ، على أن يَعلموا خبر العقاب الذي يَتربص بالعاصين والثواب الذي ادخره الله للطائعين .
إذن فالنظام الإسلامي الذي تأخذ به الدولة الإسلامية لا يَضيق ذرعاً بوجود غير المسلمين فيها ما داموا خاضعين لهذا النظام منسجمين معه ، ومن المعلوم أن النظام الإسلامي للدولة له مَفهوم ديني يتعامل معه المسلمون ويؤخذون به ، وله مفهوم قانوني تنظيمي مجرد يشمل المسلمين وغيرهم ، أي يتجاوب كل فريق معه حسب حاله ، إما مِن مَنطلق ديني إيماني بالإسلام وعقائده ، أو من مَنطلق قانوني اجتماعي يُؤمن بالنظام وشرعته .
والمظهر التطبيقي الذي يُجسد هذه الحقيقة على صعيد الواقع هو ما نُشاهده في واقع أول دولة إسلامية ولدت ، ثم سارت في كنف النبوة ، وبرئاسة سيدنا محمد  .
وسواء علينا أتَلَمَّسْنا هذا المظهر التطبيقي في الوثيقة التي اكتتبها رسول الله  مع ولادة تلك الدولة – والتي لا نجد تعبيراً لها في ظل الأنظمة الدولية الحديثة أدق من كلمة “دستور” – ، أو تلمسناه في مرآتها المتمثلة في واقع المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة آنذاك ، فإننا واجدون أنفسنا على كل حال أمام دولة إسلامية يُهيمن عليها النظام الإسلامي ، تتألف من مسلمين وقبائل يهودية ، مُتعايشين متآلفين في ظل النظام السلطوي المنبثق عن الشريعة الإسلامية .
إن أردنا أن ننظر إلى الوثيقة التي أشرنا إليها ، رأيناها تقول في أبرز بند من بنودها: “يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يوتغ إلا نفسه” ، وهي نص قاطع صريح بأن دار الإسلام – التي هي المدينة المنورة – شركة عادلة بين أمة المسلمين وأمة اليهود ، وبأنه لا يَحرم مِن هذه الشركة العادلة إلا من بدأ بظلم ، وانظروا إلى أداة العموم “من” التي تَنطبق على المسلمين وغير المسلمين على حدٍ سواء ، فالظالم في هذه الدولة – أياً كان – معرض للعقاب ، ولا شك أنه هو المتسبب بذلك في حق نفسه .
ولقد اشتهى بعض المتأولين أن يتمحّلوا فيفسروا هذا البند بأن سكان المدينة كلهم من مسلمين ويهود يُشكلون أمة واحدة ، ظناً منهم بأن ذلك ادعى لتقرير المساواة وتحقيقها .
غير أن التأويل بالإضافة إلى ما فيه من التَّمحُّل الذي تأباه عبارة “أمة مع المؤمنين” يُعكر على المساواة التي تحرص عليها هذه الوثيقة فعلاً بدلاً من أن يرسخها ، ذلك لأن اعتبار اليهود في المدينة آنذاك جزءاً من الأمة الإسلامية الواحدة ، إعلام صريح بتذويب كيانهم داخل الأمة الإسلامية ، في حين أن اعتبارهم أمة مستقلة بِرَأسها داخل الدولة الإسلامية إقرار بكينونتهم الذاتية وشخصيتهم المستقلة عن المسلمين .
ولو تأملنا لتبين لنا أن هذا ما عناه رسول الله  بقوله: “يهود بني عوف أمة مع المؤمنين” أي مع المؤمنين الذين هم بِدَورهم أمة مستقلة أيضاً ، على أن البند الأول نَص قاطع بذلك .
فإذا استعرضنا البنود الأخرى من هذه الوثيقة رأيناها جميعاً تُؤكد مساواة المسلمين مع غيرهم –اليهود – في الواجبات وفي الحقوق غير المنبثقة عن الفوارق الدينية .
وإن نظرنا إلى مرآة هذه الوثيقة – أي الواقع الذي كان يَجري آنذاك في ظل النظام الإسلامي – رأينا مِصداق هذا العيش المشترك القائم على المساواة في الواجبات التعاونية ، مِن دفاع عن المدينة وأهلها ضد المعتدين والمتربصين ، ومن اقتسامٍ عادلٍ للمسؤوليات الاقتصادية والنفقات المترتبة دون أن يكون لاختلاف الدين أي أثر معكر .
ويلاحظ أن هذه الشركة المتساوية في الحقوق والواجبات لم تَكن مُنبثقة عن عقد ذمَّة ، بل لم يَكن نظام ما يُسمى بالذِّميين والمستأمنين والمعاهدين قد ترسّخ بعد ، وإنما انبثقت من عموم ما تنطق به أحكام الشريعة الإسلامية في مثل قول الله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون [سورة الممتحنة 8-9] .
وإذا كان هذا هو حكم الله في الكتابيين الذين يُقيمون خارج الدولة الإسلامية ، وبعيداً عن دار الإسلام ، فكيف بمن يَكون مِنهم أعضاء في تلك الدولة تحتضنهم مع المسلمين دار الإسلام .
ويَعلم جميع المؤرخين أن اليهود لو بَقُوا أوفياء لتلك الشركة العادلة التي فرضها الحكم الإسلامي ونظامه ، إذن لبقي المسلمون أمناء عليها بحكم خُضوعهم لسلطان الإسلام ونظامه ، ولكنهم ضاقوا ذرعاً بتلك المساواة العادلة ، واستبدَّ بهم الحنين إلى ما تعوَّدوا عليه من الخيانة والمكر ، فكان أن قَضَت الوثيقة التي هي الحكم بَينهم وبين المسلمين ، بإجلاء من أُجلِي مِنهم وقَتْل من قُتِل ، بعد أن قضت هي ذاتها بأن يَعيشوا سُعداء آمنين لهم ما لغيرهم وعليهم ما عليهم .
ليس في الإسلام أقلية أو أكثرية
بهذه المناسبة ألفت النظر إلى ما يلي: دأبت فئات من الباحثين في الشريعة الإسلامية اليوم على استعمال كلمة “الأقليات” تَعبيراً عن غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية ، وهي كلمة لا وجود لها في شيء من مصادر الشريعة الإسلامية ، ولا أعلم أن في أئمة الفقهاء من استعملها من قبل ، وإنما ولدت هذه الكلمة في المجتمعات الغربية ، بصدد تصنيف درجات المواطنة هناك ، فالمواطنون من الدرجة الأولى فيها هم الكثرة الدينية أو العرقية ، ثم تأتي رتبة الأقليات الدينية والعرقية مواطنين من الدرجة الثانية ، فالكثرة والقلة فيهما هما مقياس القرب والبعد ، أو العلو والهبوط هناك . ولقد نجمت عن هذا الواقع مشكلة لا تزال تستعصي على الحل الجذري ، فقد استقر في أذهان كثير من القائمين على إدارة تلك المجتمعات أن عضواً غريباً التصق من جراء هذا الواقع بجسم المجتمعات الغربية ، استعصى على الالتئام به والاندماج فيه ، فلا أنظمتها ولا قوانينها تتسع لاستيعاب سلوكات هذا العضو الغريب ومعتقداته ، ولا أكثر الفئات والجماعات التي يتألف منها هذا العضو تقبل التخلي عن التزاماتها ومعتقداتها وترضى بالاندماج في تيار الأنظمة والقوانين المرعية في تلك المجتمعات .
وها نحن نرى اليوم الطروحات المختلفة التي يتبادها القائمون على إدارة المجتمعات الغربية مع المغتربين الذين جعلهم الواقع عُضواً يُسمون فيها بالأقلية للوصول إلى حل سليم لا يهز شيئاً من أركان الأنظمة والقوانين ، ولا يُسيء في الوقت ذاته إلى الحقوق الإنسانية المشروعة لهذه الأقليات . ولست هنا بصدد الحديث عن هذه الطروحات ومدى جدواها ، والأكثر ضمانة لحماية الأنظمة والقوانين ولرعاية حقوق الاقليات ، وإنما بصدد بيان الفرق الكبير بين أنظمة المجتمعات الغربية وأحكام الشريعة الإسلامية في هذه المسألة التي كادت أن تصبح معضلة في هذا العصر .
غير أن هذه الكلمة بهذا القصد لا مَكان ولا معنى لها في نظام الشريعة الإسلامية ، وفي المجتمعات التي تأخذ نفسها بتعاليمها وأحكامها ، إذ أن كل من احتضنتهم دار الإسلام وأظلَّهم النظام الإسلامي الجامع ، يتمتَّعون بمعنى المواطنة في درجة واحدة ، على اختلاف أديانهم وأعراقهم ، قلُّوا أو كثُروا .
فأنت مهما نبشتَ بُطون الكتب الفقهية وأمهاتها ، فلن تعثر على تصنيف يُقَسِّمُ رعايا الدولة الإسلامية إلى مواطنين أساسيين من الدرجة الأولى ، وإلى أقليات دينية أو عرقية من الدرجة الثانية .
إن التعبير الشامل لكل من تستوعبهم دار الإسلام ، هو كلمة “رعايا” ، وهي تعني المواطنين من حيث مَسؤولية الدولة عن رعايتهم وحمايتهم ، والنظر في شؤونهم ومصالحهم . أما التعبير الذي يُقابل كلمة “الأقليات” فهو “غير المسلمين” أياً كانوا ، غير أن كلمة الأقليات هذه مرفوضة وغير موجودة في قاموس مصطلحات الشريعة الإسلامية ، لما تَحمله من دلالة غير لائقة . والجامع المشترك بين المسلمين وغيرهم – أياً كان الاسم الجامع لهم والمعبر عنهم – هو أن دار الإسلام تشملهم جميعاً ، وأن النظام الإسلامي المتسع للمسلمين وغيرهم يسري عليهم كلهم طبقاً لقاعدة: “لهم ما لنا وعليهم ما علينا”. ومن ثم فإن معنى “المواطنة” التي يُعبر عنها أحياناً بكلمة “رعايا” يَشمل المسلمين وغيرهم على درجة واحدة ، من حيث نظر الدولة ومعاملتها السياسية والاجتماعية للأفراد ، دون أي ملاحظة لخصوصية كثرة أو قلة .
غير أن هذا لا ينطبق على ما قد يَشيع بين أفراد المسلمين بعضهم مع بعض من خصوصيات الأخوة والعلاقات الدينية والصلات التي تتنامى بينهم بحكم تلاقيهم على العبادات ذات النهج الواحد ، كالصلاة جماعة وصلاة الجمعة والأعياد ونحوها ، كما أن هذا لا ينطبق على ما يَشيع بين الكتابيين أنفسهم أيضاً من الخصوصيات ذاتها . إن هذه الخصوصيات التي تنبثق من دوائر الاختلافات الدينية شأنها كشأن الخصوصيات التي تنبثق من دوائر الأعراف المختلفة ، ووشائج الأرحام وصلات القرابة ، إنها موجودة ولها سلطانها في سائر المجتمعات جميعها قديماً وحديثاً ، غير أن الذي يَصهَرُهَا ويجمعها أخيراً في دائرة إنسانية شاملة ، وهو النظام الإسلامي العادل الذي يشمل الجميع بمعاملة واحدة من حيث الحقوق المرعية ، والواجبات المطلوبة وحسن الصلة ما بين الحكام والمواطنين .
إن النظامَ الـمُنبثق عن أحكام الشريعة الإسلامية لا تُوجد في قَاموسه كلمةُ “أقلياتٍ” قط ، ذلك لأن هذه الأحكام رُوعي في تشريعها حَالُ كُلِّ مَن تحتضنهم دارُ الإسلام من مسلمين وغيرِهم ، وأعطت لِكُلٍّ مِنهم حُقوقه الإنسانية التي يَتمتع بها دون أي حِساب لِقِلَّةٍ أو كَثرةٍ أو مُواطنٍ أو وافد ، انطلاقاً من اهتمامِها بإنسانية الإنسان أيّاً كان دِينه أو أصلُه ، وَشِدَّةِ رحمَتِها به .
ومن هنا فلا معنى لما يسميه بعض الناس “تسامح الإسلام” مع أهل الكتاب ، لأن كلمة التسامح تعني الـتَّجاوُزَ عن الحقِّ على سبيل التَّفضُّل والمسامحة ، أي بمعنىً آخر أن الإسلام أعطى أهل الكتاب ما ليس مِن حقهم تجاوزاً منه وتفضُّلاً ، بينما حقيقةُ الأمر أنَّ أحكامَ أهل الذمّة كُلَّها تَنطلق مِن تَكريم الله للإنسان ، وتدور على محور واحد هو ترسيخُ ضمانات العدل في التعامل والـمُعايشة بين المسلمين وأهل الكتاب في ظل المجتمع الإسلامي . فَمِن أهم مستلزمات الكرامة التي هِي ثمرةُ تَكريم الله للإنسان أَن يَربَأَ بنفسه عن الوقوع تحت مِنَنِ الإحسان ومشاعر الرحمة ، وأن يَنشُد بَدلاً عن ذلك النِّدِّيَّة في التعامل وأصول العيش المشترك ، دون أن يَسريَ خلال ذلك تَفضُّلٌ من طرفٍ على طرف .
قلت: إن النظام المنبثق عن أحكام الشريعة الإسلامية لا تُوجد في قاموسه كلمة “الأقليات” قط ، وإن تاريخ المجتمعات الإسلامية التي كانت تستظل بأحكام الإسلام لم يَمر بهذه الكلمة في شيء من أطواره وتقلباته السياسية ، فما السبب ؟ وما نقطة الفَرق في هذا بين أنظمة الشريعة الإسلامية وأنظمة المجتمعات الغربية اليوم ؟
إن السبب يتمثل فيما يلي:
إن الأحكام الإسلامية المتعلقة بنظام المجتمعات الإسلامية – على الرغم من أن كثيراً منها لا يجوز أن يُطبق إلا في أرض إسلامية أو في دار الإسلام حسب المصطلح الفقهي – ليست خاصة بالمسلمين دون غيرهم ، بل روعي في تشريعها حال كل من تحتضنهم دار الإسلام من مسلمين وغيرهم ، دون تفريق بين مستوطنين ووافدين ، وبين مقيمين وسائحين ، أما المسلمون منهم فيربطهم بقوانينها وأنظمتها انتماؤهم الديني إلى جانب ضرورة انسجامهم مع نظامها الإداري والاجتماعي ، وأما غير المسلمين فتربطهم بها ضرورة التجاوب مع أنظمتها العامة التي تُعنَى برعاية الحقوق والواجبات لشرائح الناس وفئاتهم على اختلافها ، على أساس من العدالة التامة ودون أي تمييز .
ولعل في الناس من يَعْجَبُ إِنْ ذَكَّرتُهم بأنه ليس في الأنظمة والقوانين الإسلامية ما يَرسم أي فَرق ، بين مستوطنين أصليين على أرض الإسلام ، ومُتَجَنِّسِين طارئين عليها ، ووافدين مقيمين فيها إلى أجل ، ما دام الكلُّ يجنحون إلى السلم ، ولا يتطلَّعون في وجودهم الدائم أو الموقوت على أي عدوانٍ أو كيدٍ ، وأن النظام الواحد يَشملهم جميعاً ويرعاهم دون امتياز ولا تفريق .
وعندما يَلتقي على أرض الإسلام مِن جَرَّاءِ هذا الشمول أكثر من دين واحد ، فإن الشريعة الإسلامية تَرعى لِكُلِّ ذي دينٍ حَقَّه في ممارسته ، دُون أي ظُلمٍ أو اضطهاد ، ضمن دائرة النظام الإداري العادل والشامل لمصلحة الجميع .
وبوسعنا أن نتبين في الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها رسول الله  في المدينة المنورة أبرز نموذج تطبيقي لهذه الحقيقة الهامة التي يَنبغي أن نَتبيّنها ، فإن المجتمع الذي تكوَّنت منه تلك الدولة لم يَعرف في أي عهد من عهوده ما يُسمى اليوم “أكثرية وأقلية” ، بل ظَلَّ يَحتضن الكُلَّ على أنهم رعايا للدولة الإسلامية الفتية ، ولقد تألفت تلك الرعايا من غالبية مسلمة ، ومن قِلَّة من القبائل اليهودية ، فما نبذت الدولة الإسلامية الدين المخالف ، ولم تَحْرِم أصحابه من الحقوق التي تمتعت بها الغالبية المسلمة ، بل نَصَّ نِظام تِلك الدولة على أنَّ اليَهود يَتمتَّعون بِدينهم وحقوقهم الإنسانية كاملة ، كالمسلمين سواء بسواء .
وإليكم النص الذي يُشكل جُزءاً مِن دستور أملاه رسول الله  ، وكان هو المعمول به: “يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، إلا من ظلم أو أثم ، فإنه لا يُوتِغُ – أي يُهْلِكُ – إلا نفسه” .
ويقول في بند آخر مُؤكداً أن أبواب الدولة الإسلامية مَفتوحة للمقبلين إليها أياً كانوا ، وللنازحين عنها أياً كانوا دون تفريق: “مَن خَرج من المدينة فهو آمن ، ومن قعد فيها فهو آمن” .
ولقد سَارت سِلسلة الدول الإسلامية فِيما بَعدُ على هذا النهج ، لا تستبدل به ولا تحيد عنه ، ولم يزدها اتساعها وتراميها في الآفاق إلا رُسوخاً على هذا النهج ، والدليل على ذلك أنَّ البلاد التي دخلت في الفتح الإسلامي – كمصر والشام والعراق – لم يُكرَه أحدٌ من أهلها على الدخول في الإسلام ، فبقي ما يُقارب نِصف أهل الشام على نصرانيتهم ، وظل كَثيرٌ من أقباط مصر على دينهم ، وكذلك الشَّأنُ في بلاد فارس ، لم يُفتن نَصرانيٌّ منهم عن نصرانيته ولا يهودي عن يهوديته ، وأظلَّهُم جَميعاً نظام المجتمع الإسلامي ، تُرعَى فِيهم العدالة التامة دُون أي حساب لقلَّة أو كثْرَةٍ أو مواطن أو وافد ، وإنما سرى الإسلام فيما بعد بالتدريج وبشكل ذاتي على عقولهم يقيناً ، ثم إلى قلوبهم حُباً دون أي إلزام مادي أو أدبي .
ودعوني أضعكم أمام مَشهدٍ مِن مئات المشاهد التي تُبرز غِيَاب كتلتي الأكثرية والأقلية داخل تيار العدالة الاجتماعية الراسخة التي تتعالى على الانتماءات الدينية والعرقية في ظِلِّ الحُكمِ الإسلامي :
ففي مَشهد يُنتَصَفُ فِيه مِن ظالم هو “جَبَلَةُ بنُ الأَيْهَم” مَلِكٌ مِنْ ملوك الغساسنة ، أقبل من الشام إلى المدينة مُسلماً ، فاستقبله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأكرم وِفادَته ، ثم أراد عمر الحجَّ فخرج جَبَلَةُ معه ، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وَطِئَ إِزاره رجلٌ من بني فزارة ، فانحلَّ ، فرفع جَبَلَةُ يده فهشم أنف الفزاري ، فشكا الفزاري أَمْرَه إلى عمر ، فبعث إلى جَبَلَةُ فأتاه ، فقال: ما هذا ؟ قال: إنه تعمَّد حلَّ إِزاري ، ولولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف . فقال له عمر: قد أقررت بذلك ! فإما أن تُرضي الرجل وإما أن أقيده منك . قال: وما تصنع بي ؟ قال: آمر بهشم أنفك كما فعلت . فاستمهله جَبَلَةُ تلك الليلة ليرى رأيه في الأمر فأمهله ، فلما انتشرت العتمة وهدأت الحركة ولى جَبَلَةُ عائداً إلى القسطنطينية مرتداً إلى نصرانيته . ثم إنه ندم على ارتداده وتركه الإسلام ، وكان كُلَّما اهتاج به الندم تَغنى باكياً بأبيات له يقول فيها:
تنصّرتِ الأشرافُ من عارِ لطمةٍ
وما كان فيها لو صبرتُ لها ضرر

تكنفني فيها لجاج ونخوة
وبِعْتُ بها العينَ الصحيحةَ بالعَوَر

فيا ليت أمي لم تلِدني وليتني
رجَعْتُ إلى القول الذي قاله لي عمر عمر

ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة
أجالس قومي ذاهبَ السمع والبصر

ذلك هو حال المجتمع الإسلامي عندما كان مكلوءاً برعاية الشريعة الإسلامية ، الكثرة الظالمة فيه قليلة حتى يُنتصف منها ، والقلة المظلومة فيه كثيرة حتى يُنتصف لها ، دون أي تفريق بين من ينتسب فيه بجنسية إلى الأرض والوطن ، ووافد إليها غريب ، ومقيم فيها لمصلحة أو رزق .
ومع ذلك فها أنتم تَرَون كيف أنَّ محور الطغيان في العالم يُجرِّد اليوم أمضى أسلحة الإرهاب فتكاً ؛ في حرب مُعْلنَةٍ على الإسلام الذي هذا هو قانونه وتاريخه وشأنه ، وقد مهَّد أقطاب هذا المحور لحربهم هذه بأكذوبة لم أجد في قاموس الجرائم أشنع منها ، إنها جريمة الكذب المتعمَّد على التاريخ ! وهل التاريخ إلا لسان الدهر وعقله ؟ إنها الأكذوبة التي وضعت الدهر كلَّه في قفص الاتهام ، لا بل في زاوية التجريم ، وذلك عندما أعلن الطغيان الأمريكي أن الإسلام دين الإرهاب .
ويقيناً أن الإسلام لو كان مجموعة أفكارٍ أَنتجَتْها أمةُ من الناس لكان في هذه الحرب الْمُعْلَنة عليه ما يَقضي عليه اليوم ، ولكن المستقبل القريب سيؤكد الحقيقة التي يَعرفها كل ذي دِراية عقلية حرة ، وهي أن الإسلام ليس إلا وَحيُ الله إلى عباده في الأرض ، ومِن ثمَّ فلن تَغيب شَمسه ولن يَخبو نوره .
الأقنية التي تَصنع لنفسها الإرهاب
لم أتردد يوماً ما في أن إشعال وقود الاحتكاكات الطائفية أخطر ما يمكن أن يُزهِقَ وَحدة الأمة ، وأن يَحشو ضَمائر أفرادها وفئاتها بدخان الضغينة والأحقاد ، ولربما كان عليَّ أن أوضح المعنى المراد بـ “الاحتكاكات الطائفية” قبل أن أمضي في بيان هذا الخطر الذى يجب أن نكون جميعاً على بيّنة منه .
إن المراد به تسليط مشاعر العصبية الدينية لتغدو أداة انتقاص ، ومن ثم سلاح هجوم على ذوي المذاهب والانتماءات الدينية الأخرى ، وكلمة “العصبية” تعني الاستجابة لحظ النفس بدلاً من الانقياد لحكم العقل وضوابطه .
إن استخدام العصبية الدينية أداةً في هذا المضمار شَيء يُحَذِّرُ مِنه الدِّين وَدِيَّانُهُ قبل كل شيء ، فهو في حَقيقته خُروج على الدِّين ذاته ، وإن بَدا لدى النظرة السطحية أنه خِدمة للدين ودفاع عنه ، وهذا التحذير هو المراد بالاستثناء في قوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: 46] ، وهو المراد بما أملاه القرآن على الرسول  في مجال محاورته مع أهل الكتاب ، بأن يقول لهم: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِين [سبأ: 24] ، وبأن يقول لهم: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين [الزخرف: 81] ، أي سأسبقكم عندئذ إلى عبادته .
ثم إن العقيدة الإسلامية بحدّ ذاتها لا تترك في نفس المسلم ثغرة تدخل منها مشاعر العصبية الدينية ضد أهل الكتاب ، إذ إن الإسلام ليس دِيناً سماوياً يُقارع أو يُنافس دِيناً سماوياً آخر ، وإنما هو الدِّينُ الجامع الذى يَحتضن ضَرورة الإيمان بنبوة سائر الرسل والأنبياء الذين خلوا من قبل ، ويتبنَّى ضَرورة الإيمان بكل ما بُعِثُوا به من صحف وكتب ، وفي مُقدمتها الإيمان بنبوة ورسالة كل من سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما الصلاة والسلام ، وبما بُعث به كل منهما ، بل إن الإيمان بالقرآن لا يَتم إلا بالإيمان بذلك كله .
وانطلاقاً من هذا اليقين الإيماني – الذي يجب أن يصطبغ به كل مسلم صَادق وعى حقيقة إسلامه – يتبين لنا المنهج الذي ينبغي أن يَنضبط به كل مَن ألزم نفسه بواجب التعريف بالإسلام والدعوة إليه .
إنه المنهج الذى بَصَّرنا به كتاب الله عز وجل وسار عليه  من استثارة العقل الإنساني للوقوف على الدلائل التي تدعو إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والجزاء الذى أعدَّه الله للمُصلحين والْمُفسدين من عباده ، دون أي تجريح أو تسفيه لمن قادَتْه العصبية إلى الإعراض وإيثار ما درج عليه الآباء والأجداد ، وإن في الطريقة المثلى التي استقبل بها رسول الله  وفد نصارى نجران وأنزلهم ضيوفاً في مسجده لَتجسيداً لهذا المنهج القرآني ، ونموذجاً أخلاقياً رائعاً يدعو المسلمين جميعاً إلى اتباعه والاقتداء به في ذلك في كل زمان ومكان .
وانضباطاً بهذا المنهج القرآني والنبوي الأمثل ، كان المسلمون – ولا يزالون – إلى اليوم يحصرون نشاطاتهم الدعوية في مجال التعريف بالإسلام والدعوة إليه ضمن دائرة لا يتجاوزونها ، هي الكشف عن حقيقة الإسلام ممثلاً في عقائده وشرائعه وأخلاقه ، سواء تمَّ ذلك في ندوات أو مؤتمرات أو محاضرات ، أو جُنِّدت لذلك أقنية تلفزيونية أو إذاعات مَسموعة .
أجل ، فأنا لا أعلم أن في المسلمين مَن سَخَّرُوا مَنابر الدعوة إلى الإسلام – أياً كان نوع هذه المنابر – لتسفيه أفكار الكتابيين والنيل من عقائدهم ، ووضع إنجيلهم تحت مَجهر الهجوم والنقد ، ورسم الخطط المصطنعة لإلجاء النصارى إلى الافتتان عن نصرانيتهم ، أو لإلجاء اليهود إلى الافتتان عن يهوديتهم .
نعم ، إنني لا أعلم – إلى هذه الساعة – أن في المسلمين – في عصرنا هذا أو من قبل – من سَخَّروا أجهزة الدعوة – على اختلافها – لشيء من هذا القبيل ، وكيف يتأتى لهم التورط في هذا الجنوح ، وهم جميعاً مُشبَعُون بالقاعدة الشرعية القائلة: “ألا لا يُفْتَتَنَّ نصراني عن نصرانيته ، ولا يهودي عن يهوديته” .
وبالجملة ، فإن تاريخ الأنشطة الإسلامية الدعوية لم تمارَس فيه يوماً ما الأعمالُ التبشيرية على النحو الذى هو معروف اليوم ، بل لقد كان التبشير ولا يزال – بأبعاده ومضامينه المعروفة وميزانياته الكبيرة المذهلة ، وبما يبثه من هجوم مُقذع ونقد لاذع – من مزايا الأنشطة المسيحية اليوم وقبل اليوم ، ومن خصائصها التي لا تحسد عليها .
إن المسلمين على الرغم من أنهم يملكون من الوسائل العلمية والفكرية التي يحصّنون بها عقائدهم ما لا يملكه الآخرون ، فإن إسلامهم يمنعهم من أن يتخذوا براهينهم العلمية والمنطقية أسلحة يُقارعون بها ما هو معروف من أسلحة التبشير مما لا نُريد الخوض فيه .
إن قرآننا لا يَسمح لنا – في كل الأحوال – أن نقابل السوء بمثله ، ولذا فلسوف نظل نأخذ أنفسنا بقانونه الأخلاقي القائل: “ألا لا يُفْتَتَنَّ نصرانيّ عن نصرانيته ، ولا يهودي عن يهوديته” ، ولسوف يظل شعارنا الذي لن نتخلَّى عنه الميثاق الذي أَجمع ووقّع عليه أكثر من ثلاثمائة عالم من كبار علماء المسلمين ، والمتضمن المناداة بضرورة حب الجار والتلاقي مع أهل الكتاب على كلمة سواء ، الذي نال موافقة أكثر من ثلاثمائة شخصية أمريكية بارزة من قادة الطائفة الإنجيلية ، في رِسالة مَفتوحة نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز في غضون شهر “نوفمبر” من عام 2007م .
إننا بهذه الاستجابة لما يَأمرنا به قرآننا المنزّل من عند الله ، نُغلق باب التطرف والإرهاب في وجوه الوالجين إليه ، ونَغرس في أفئدتهم زهور الوُدِّ ورياحين التواصل والقربى ، بدلاً مما قد يَتسرب إليها من مشاعر الضغينة والبغضاء .
ولكن أليس عجيباً أن يثلِحَّ أولئك الذين يُطْلِقون زَفرات أحقادهم علينا نحن المسلمين – من خلال كاميراتهم المصوِّرة وضِمن جُدرانهم الأربعة – على فتح أبواب التطرف والإرهاب الْمُشْرَعة إليهم ، في الوقت الذي نَسعى فيه نحن إلى سدها في وجه من يُريدون اقتحامها إليهم ؟!.
أليس عجيباً أن ننسج بأخلاقنا التي يُوصينا بها قرآننا حِصن الوقاية لهم ضِدَّ الْمَشَاعِر المهتاجة ، ثم ننظر وإذا بهم يُمَزِّقون النسيج كله ، ويهدمون الحصن من سائر أطرافه ، مؤثرين شراء الإرهاب بلواعج الضغائن والأحقاد ؟!.
إذن ، مَن هُم الذين يَصنعون الإرهاب ثم يُصدِّرُونه إلى أنفسهم وإلى إخوانهم ؟ أليسوا أولئك القابعين في أوكارهم في قبرص ونحوها ، الـمُنَفِّسين عن أحقادهم بالهجوم على كتاب الله وبتكذيب رسول الله  ؟!
أما نحن المسلمين الذين أكرمهم الله بالإخلاص لدينه وصدق العبودية لذاته ، فلسوف نظل عند قول الله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن [فصلت: 34] .
لسوف نحرس مواقع الحاقدين ضد الإرهاب الذي يصنعونه ، ونرد عنها غائلة الساخطين لدينهم والمتطرفين في سلوكهم ، سنقوم بهذا المبدأ الأخلاقي الذي يدعونا إليه كتاب الله ، والذي أخذ علينا به الميثاق الذي قبلناه ووقّعنا عليه ، ما وسعنا ذلك .
فإن أفلت الأمر من اليد فإلى الله المشتكى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ضوابط التعامل مع غير المسلمين
وهذه عشرة ضوابط في الشريعة المطهرة يُمكن مِن خِلالها اتضاح مَفهوم المعايشة:
الأول: عدم الإكراه على الدين:
قال الله سبحانه تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة:256] ، والدعوة إلى الدين وبيان محاسنه ليس إكراهاً عليه ؛ فالإكراه ممنوع مَنهي عنه ، والثاني مَفروض ومن أعظم مهمات المسلمين .
وفرْقٌ أيضاً بين الإكراه على الدِّين ، وبين رَدِّ عُدوانِ مَن صَدَّ عَنه ومنعَ تبيينه بالحجَّة والبرهان ؛ فهذا يُقاتل عند تَعَيُّنِ القتال ، وفي حقه جاء: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:193] ، وَسَنَّ العقوبات على مَن أتى مشيناً من التصرفات لا يَتعارض مع: ﴿لا إكراه في الدين﴾ .
الثاني: حفظ حُرمة الدماء والأموال والأعراض:
قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:32] ، وجاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي  قال: (من قتل مُعاهداً لم يرح رائحة الجنة ؛ وإنَ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)  .
فعلى أساس صيانة الأنفس والأموال والأعراض يَجب أن تَقوم العلاقة بين جميع فئات الناس وطوائفهم .
الثالث: إقامة العدل والقسط في الحُكم بين جميع الطوائف:
فلا تحمل العاطفة ولا الشنآن – أي البغض – على إجحاف في حكم ولا إحقاق باطل ولا إبطال حق ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:58] ، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:8] ، وقصة سباق مصري مع ابنٍ لعمرو بن العاص ، وكيف ضربه ابن عمرو لَمَّا سُبق ، وعاذ المصري بعمر بن الخطاب في المدينة المنورة ، فطلبَ عمر من عمرو أن يأتي المدينة مع ابنه ، وطالب المصريَّ أن يَضع السَّوط على صَلعه عمرو ، وقولة عُمر لعمرو: “مُذْ كم تعبَّدتم الناس ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً” ، هذا شاهد من شواهد العدل الإسلامي وقيامه بالقسط .
الرابع: التفريق بين المودة والولاء ، وبين البرّ والقسط وإحسان المعاملة:
فالمودة والولاء ممنوعان على المؤمن بالله ورسوله في حق مَن لم يؤمن بالله ورسوله كائناً من كان ، لكن البرّ والقسط وإحسان المعاملة مَشروعات مَوروثات من هدي رسول الله  ، وفي سورة الممتحنة تفصيل بديع لذلك ، منها: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ [الممتحنة:8] ، وفيها حصر النَّهي عن الولاء في صِنْفٍ مَخصوصٍ جندوا قواهم للعدوان والظلم والصد عن سبيل الله في قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9] .
ومن رَبْطِ الآيات يتبين أن المراد بمثل آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة:73] ونظائرها¬ ، صِنفٌ مخصوص من الذين جَنَّدُوا طاقاتهم وقواهم للظلم والاعتداء على الغير ومصادرة الحريات ونشر الفساد ، وإذا تعيَّن قتال المعتدي فهناك جملة من الآداب ، فمن الآثار:
ما رُويَ عن أبي عمران الجوني أن أبا بكر رضي الله عنه بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام ، فمشى معه يُشيِّعه ، قال يَزيد بن أبي سفيان: إني أكره أن تكون ماشياً وأنا راكب ، قال: فقال إنك خرجت غازياً في سبيل الله ، وإني أحتسب في مَشيي هذا معك , ثم أوصاه فقال: “لا تقتلوا صبياً ولا امرأَةً ولا شيخاً كبيراً ولا مريضاً ولا راهباً ، ولا تقطعوا مُثْمراً ولا تخرِّبوا عامراً ، ولا تَذبحوا بَعيراً ولا بَقرةً إلا لِمَأْكَلٍ , ولا تُغرقوا نَخْلاً ولا تُحرِّقوه”  .
فهذه الأخلاق النبوية تتعلَّق بالْمُعتدين الْمُفسدين ، فكيف بغيرهم ؟!.
الخامس: احترام العهود والمواثيق والبعد عن الغدر والخيانة:
قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:4] ، وفي السيرة النبوية لابن هشام , لما جاء أبو جندل إلى النبي  بعد أن عقد صلح الحديبية مع مشركي مكة ، فقال له: يا أبا جندل ، اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجاً ومخرجاً , إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً ، وأعطيناهم على ذلك عَهداً وأعطونا عهد الله , وإنا لا نغدر بهم . وفي ظِلِّ التزام كُلٍّ بعهوده واتفاقاته يَستقر الوضع وتنشأ الثقة , ويسير سيل تبادل المصالح والمنافع .
السادس: التفريق بين من يمكن التعامل معه وبين من يتفاحش عدوانه وإصراره ولا يؤمن شره:
وقد استأجر رسول الله  مع أبي بكر في الهجرة مُشركاً يَدُلُّهم على الطريق يُؤمَن جانبه .
وفي بدر قال النبي  لأصحابه يوم التقى الجمعان: (قد عرفت رجالاً من بني هاشم وغيرهم أُخرجوا إكراهاً , فمن لَقي مِنكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لَقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله ، فإنه أُخرج كرهاً) .
وقد دخل مع رجوعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي ، ودخل أبو بكر في جوار ابن الدغنّه .
السابع: التفريق بين أخذ علوم الحرف واللغات والهندسة والاجتماعيات والرياضيات والصناعات والماديات بأنواعها ، وبين ما له تعلق بالإيمان والشريعة والدين:
فالأول يُؤخذ مِن كلِّ مُتقن له مَطلع فيه من غير ترك واجب ، ولا وقوعٍ في مُحَرَّمٍ , فَيُمكن تبادل المعلومات فيه بين مختلف الطوائف .
والثاني لا يُؤخذ إلا عَن أهله بسنده إلى مصدره ومنبعه , قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أخرج أحمد وابن أبي شيبة  والبزّار ، من حديث جابر أن عمر رضي الله عنه أتى النبي  بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب , فقرأه عليه فغضب وقال: (لقد جئتكم بها بيضاء نقية , لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به , والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا اتباعي) .
وروى مسلم في مقدِّمة صحيحه ، عن الإمام محمد بن سيرين قال: “إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم” .
الثامن: حفظ المعروف لأهله ومكافأتهم والوفاء لهم:
وقد قال النبي  في أسرى بدر – كما في البخاري -: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له)  , وذلك أنه كان من أشد من قام في نقض الصحيفة أيام حبسوه وقومه في الشِعْب ، وأجار النبي  عند رُجوعه من الطائف كما تقدم .
ويؤكد القيام بهذا الواجب – في حِفظ المعروف – مَبدأُ تَرك العصبية ، ما جاء في سنن أبي داود عن جبير بن مُطعم أن رسول الله  قال: (ليس مِنَّا مَن دعا إلى عصبية , وليس مِنَّا مَن قاتل على عصبية , وليس مِنَّا مَن مات على عصبية)  .
التاسع: ترك الجدال العقيم وحَصْرُه في التي هي أحسن:
مما يُزعزع العيش المشترك السليم التولع بكثرة الجدال وإثارة البلبلة وكثرة الْمِراء والانتقاد , وقد نَهتنا الشريعة عن الجدال إلا مع الالتزام فيه بالتي هي أحسن , قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:46] ، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:125] .
ومما يُعين على ترك الجدال أن المسؤولية في البلاغ وحسن البيان لا السيطرة ، ولا أن ننصب أنفسنا وكلاء على الناس في بواطنهم ومقاصدهم , ولا في تولي حِسابهم ومجازاتهم على أعمالهم , وقد يَبدو شيء من ذلك في أسلوب بَعض المتكلِّمين باسم الدين ، ويلتبس عليهم أن ذلك من الغيرة على الدين والنصرة للحق .
العاشر: فتح المجال للباحثين عن الحقيقة وتيسير السبيل لهم:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون﴾ [التوبة: 6] ، قال ابن كثير: يقول الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: “وإن أحدٌ من المشركين – الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم – استجارك – أي استأمنك – فأجبه إلى مطلبه حتى يسمع كلام الله – أي القرآن – تقرؤه عليه وتذكر له شيئاً من أمر الدين ، تقيم به عليه حجة الله ، ثم أبلغه مأمنه أي ، وهو آمن مستمر الأمان حتى يَرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون ؛ أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دِين الله وتنتشر دعوة الله في عباده .
وبعد:
فهذه جمل مباركات من سيدي الداعية الحبيب عمر بن حفيظ – عميد دار المصطفى للدراسات الإسلامية بمدينة تريم في حضرموت اليمن – وقد انتفعنا بها , أمتع الله به دائماً .
أقول: فإذا كُنَّا نُؤمر بما أمرنا به – مما مر معنا – مع غير المسلمين , مع مَن يُخالفنا في الاعتقاد والأصول , فما بالنا لا نُحسن التعامل مع مَن يُشاركنا الاتجاه إلى القبلة ؟
رأينا أن المشرك المهدور الدم إن استجار بنا أجرناه , ونحن لا ننسى دعوته وإسماعه ما لعلَّه أن يكون سبباً في هدايته ودلالته ، وهو كلام ربّنا وربّه وهادينا وهاديه !.
لماذا لا نُحسن التحاور مع الموافق في كثير من الأحيان ، مع أننا مدعوون أن نُجادل الكفار بالتي هي أحسن ؟!.
لماذا لا يسع بعضنا بعضاً في الفروع العملية ، فإذا خالف أحدنا الآخر أثّمه أو ضلّله , ولربما لم يتورع عن إخراجه من الدائرة المنجية !؟.
لماذا … لماذا ؟ أسئلة كثيرة ، وشؤون نُعاني منها ، أحسِبُ أن هذه الأسس والضوابط للتعايش مع الآخر إن راجعناها وتمكنّا من محاسبة أنفسنا على أساسها ، ستجعل فينا الحياء أن نُسيءَ لْمُعَاهد مُتأدب مُراعٍ للعهود ، فضلاً عن أن نُسيء لِمُوحد .
وفقنا الله وسدّدنا لما يحب ويرضى , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الخاتمة
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8] .
أقول الآن – لهؤلاء الذين يتخوَّفون من كلمة الدولة الإسلامي – أقول لهؤلاء الذين يتخيلون أن الدولة الإسلامية تعني الظلم الذي قد يقع على غير المسلمين ، الدولة الإسلامية تستلزم أن يكون غير المسلمين مُواطنين من الدرجة الثانية ، أقول لهم: ادرسوا الإسلام قبل أن تتهموا الدولة الإسلامية بهذا ، الإسلام لا يَعرف هذا الذي تقولون ، الدولة الإسلامية التي تتجلى بشرعة الإسلام إنما تدور – كما قلت لكم – على محور العدالة التي تتسامى فوق الأعراق ، فوق فوارق الأديان ، فوق فوارق اللغات ، فوق فوارق الألوان كلها . المسلم يتفيأ ظلال الشريعة الإسلامية ويُرَحِّبُ بِها تَفاعلاً مع عقيدته الإيمانية والدينية ، أما غير المسلم فيستقبل الشريعة الإسلامية لأنها جزء من تراثه ، لأنها جزء لا يتجزأ من حضارته العربية ، أَوَلَيْستِ الشريعة الإسلامية التي هي تُراثٌ إلى جَانب كَونها دِيناً أولى بنا مِن أن نتقمم قوانين نأتي بها من هنا وهناك ، نأتي بها ونستذل أنفسنا لِنَتقَمَّمَها من شرق أو من غرب . شريعة الإسلام تراثنا ، وهي أيضاً دين لمن كان قد تمسك بالإسلام ، فمن كان مسلماً فإنه سعيد بأن يُطبق شريعة الله جل جلاله لأنه مسلم ، ومن كان غير مسلم فإنه يعتز ويسعد بتحقيق التمسك بشريعة الإسلام ، لأنها جزء من تراثه ولأنها جزء من حضارته .
وبعد ، فإذا كان الإسلام هو الذي كفَّ يد العبث اليهودي بالمسيحية ، وكفَّ يد العبث المسيحي الروماني باليهودية ، وما بَين صَخرة القُدس وقيامته ، وهو الذي حرَّرها وما حولها من تسلُّط الرومان وطغيانهم ، ثم بَسط فوق الشام كلها رواق الأمن والطمأنينة ، ومدَّ فيها ظلال الألفة والمحبة والعدل والمساواة ، ساريةً بين سائر الفئات والمذاهب والجماعات ، فبأي حقٍّ يُنتزع من الإسلام شَرف هذه الرعاية الإنسانية ، ويُقطع ما بينه وبين مَهمته القدسية في حماية الحقوق وتحقيق مبادئ العدل والمساواة ؟
ألا إن الذين يَضيقون اليوم ذرعاً بالإسلام وأهله فوق هذه الأرض المقدَّسة ، إنما يَضيقون ذرعاً بما كان ولا يزال يُحقِّقه من العدل بعد الظلم والألفة بعد الخصام والمساواة بعد التسلط !.
فعلى من يتبرَّم اليوم بالإسلام وحقوقه ، ألا يُخفي تَبرُّمه بالقيم الإنسانية كلها ، وأن يُعلن عن شوقه وحنينه إلى الطغيان والفساد والاستبداد .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>