مختارات من مجلة نهج الإسلام – العدد /138/ – القصيدة الخاقانية

القصيدة الخاقانية

بقلم: د. رفعت علي ديب

مدير معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم

بدأ ظهور علم التجويد مستقلاً بمسائله ومعالمه في حدود القرن الرابع للهجرة..
لكن التأليف في التجويد سابق على ذلك.. وإن لم يكن بشكل متخصص..
فمن أقدم ما ألف في هذا العلم وأشار إلى بعض مسائله: رسالة في الإدغام الكبير لأبي عمرو بن العلاء البصري (ت 154 هـ).. ثم أرجوزة في تلاوة القرآن لقالون (ت 220 هـ).
وكان علم التجويد يدرس قبل ذلك مع القرآن الكريم مشافهة.. فيتلقى التلميذ القرآن الكريم من شيخه ويقرأه عليه مرة بعد مرة إلى أن يتقن القراءة ويضبط الأداء.. وكان أول تأليف مستقل في علم التجويد يرجع إلى بدايات القرن الرابع الهجري..
وهو قصيدة رائية لأبي مزاحم الخاقاني.. وهي قصيدة مكونة من واحد وخمسين بيتاً ذكر فيها عدداً من موضوعات التجويد.. وكان لهذه القصيدة أثر في جهود العلماء اللاحقين.. من خلال استشهادهم بأبياتها أو معارضتهم لها أو شرحهم لمعانيها..
ولم يستخدم أبو مزاحم كلمة (التجويد) في قصيدته.. ولكنه استخدم كلمة (حسن الأداء وما اشتق منها) فقال:
أيا قارئ القرآن أحسن أداءه
وقال أيضاً:
فقد قلت في حسن الأداء قصيدة
وعدم استخدامه لكلمة (التجويد) يشير إلى أن هذا المصطلح لم يكن مشهوراً حين ذاك.. وإن كان بعض العلماء في ذلك الوقت قد استخدمه..
كما روى أبو عمرو الداني بسنده إلى ابن مجاهد (ت 324 هـ) أنه قال:
اللحن في القرآن لحنان (جليٌ وخفيٌ).. فالجلي لحن الإعراب، والخفي ترك إعطاء الحرف حقه من تجويد لفظه.
وقبل أن نشرع في ذكر القصيدة يجدر بنا أن نعرف شيئاً عن مؤلفها أبي مزاحم..
فهو الإمام المقرئ المحدِّث موسى بن عبيد الله الخاقاني البغدادي الحنبلي..
ولد سنة (248 هـ).
وهو من طبقة ابن مجاهد (قارئ أهل بغداد في زمانه صاحب كتاب السبعة في القراءات.. وقد شاركه في كثير من شيوخه وتلامذته).
وقد أثنى أهل العلم على أبي مزاحم..
قال الإمام أبو عمرو الداني:
كان أبو مزاحم الخاقاني إماماً في قراءة الكسائي ضابطاً لها، قرأ عليه غير واحد من الحذاق، وأعمل نفسه في رواية الحديث، وأقرأ الناس، وتمسك بالسنة، وكان بصيراً بالعربية ، شاعراً مجوداً، وكذلك ذكره في أرجوزته المنبهة، فقال في باب القول في الأداء:
وقد سما في هذه الصناعة
قوم هم أئمة الجماعة

من اقتدى بقولهم مسدد
موفق لرشده مؤيد

ثم ذكر منهم:
وابن عبيد الله بالإتقان
موسى أبو مزاحم الخاقاني

يقول الخطيب البغدادي عن أبي مزاحم: كان ثقة ديناً..
وقال الحافظ الذهبي عنه: أبو مزاحم المقرئ المحدث كان من جلة العلماء.. أهـ.
وذكره العلامة علم الدين السخاوي فقال: (الإمام المتقن أبو مزاحم) أهـ.
وقال الإمام ابن الجزري عنه: إمام مقرئ مجود محدث أصيل ثقة متمسك بالسنة.. أهـ
وأورده المرزباني في معجم الشعراء وقال: كان راوية مأموناً على ما رواه من الآثار والأخبار.. أهـ.
ذكر أن أبا مزاحم نقش على خاتمه:
دن بالسنن.. موسى تُعَنْ
وهي عبارة تدل على تعلقه بالشعر.. كما تدل على تمسك بالسنن..
فكان رحمه الله جامعاً بين علمي الشريعة واللغة، فقد نال منهما حظاً وافراً مع علو كعبه من الأول في علم القراءة، وبلوغه الإتقان والجودة من الثاني في الشعر، فكان أن سخر شعره في نشر العلم والإشادة به وبأهله، يدل على ذلك قوله في بعض أشعاره:
الشعر لي أدب أسلو بحكمته
وما سبيلي فيه المادح الهاجي

ولست ما صانني المولى ووفقني
إلى هجاء ولا مدح بمحتاج

وقوله كذلك:
لعزة العلم يسعى الطالبون له
إليه والعلم لا يسعى إلى أحد

وكل من لا يصون العلم يظلمه
ومن يصنه بعدل يهدَ للرشد

وقال ينصح العالم:
علم العلم لمن أتاك بعلم
واغتنم ما حييت منه الدعاءا

وليكن عندك الفقير إذا
ما طلب العلم والغني سواءا

وقال في نصح المتعلم:
لم أُكره العلماء فيما نلته
فاستعملن معي الذي استعملته

أولا فلا تتعنّ في قصدي لما
قبلي فقد أعذرت فيما قلته

ومن أقواله المشهورة:
أهل الكلام وأهل الرأي قد عدموا
علم الحديث الذي ينجو به الرجل

لو أنهم عرفوا الآثار ما إن حرفوا
عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا

وقوله في الإمام أحمد:
ترى ذا الهوى جهلاً لأحمد مبغضاً
وتعرف ذا التقوى بحب ابن حنبل

ومن آثاره قصيدة ميمية في الفقهاء وعدد أبياتها ثمانية عشر بيتاً.. ابتدأها بقوله:
أعوذ بعزة الله السلام
وقدرته من البدع العظام

أبين مذهبي فيما أراه
إماماً في الحلال وفي الحرام

كما بينت في القراء قولي
فلاح القوم معتلناً أمامي

أقول الآن في الفقهاء قولاً
على الإنصاف جد به اهتمامي

وختمها بقوله:
وما قال الرسول فلا خلاف
له يا رب أبلغه سلامي

ومن أهم آثاره هذه القصيدة الرائية التي نظمها في القراء وحسن الأداء وهو موضوع هذا المقال…
توفي رحمه الله تعالى في شهر ذي الحجة لإحدى عشرة خلون منه (سنة 325 هـ) عن عمر ناهز السابعة والسبعين..
وأما القصيدة فهي من البحر الطويل.. وضابط هذا البحر
طويل له دون البحور فضائل
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل

وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتاً..
وقد جعلها على وزن وقافية قصيدة الشاعر العباسي علي بن الجهم المشهورة والمعروفة (بالرصافية) وهي من عيون الشعر العربي ومطلعها:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

أعدن لي الشوق القديم ولم أكن
سلوت ولكن زدن جمراً على جمر

ومما استفاده ابو مزاحم من هذه القصيدة قوله:
فما كل من يتلو الكتاب يقيمه
ولا كل من في الناس يقرؤهم مقري

فقد أخذه من قول علي بن الجهم في قصيدته:
فما كل من قاد الجياد يسوسها
ولا كل من أجرى يقال له مجري

وقد شرح هذه القصيدة الإمام أبو عمرو الداني.. فقال في مقدمة شرحها:
والذي دعانا إلى شرح هذه القصيدة وتلخيص معانيها ما رأيناه من استحسان العامة والخاصة لها… وشدة ابتهال أهل القرآن بها.. وأخذهم أنفسهم بحفظها.. وما وقفنا عليه من إتقان صنعتها.. وحسن بهجتها.. وتهذيب ألفاظها.. وظهور معانيها.. وسلامتها من العيوب.. ووفور حظها من الجودة.
ويعلم من شرح الإمام الداني لها اشتهارها بين الخلائق إذ نظمت في بغداد وذاعت واشتهرت شرقاً وغرباً حتى شرحها علماء الأندلس..
ومن مزايا هذه القصيدة:
أولاً: احتواؤها على آداب كثيرة في القراءة والإقراء مثل:
1- الدعوة إلى الحرص على الإسناد.. وأخذ القراءة من أفواه الأئمة المتقنين.
2- التزام القراءة بأحكام التجويد في الترتيل أو الحدر.
3- الدعوة إلى تدبر الآيات عند قراءة القرآن الكريم.
ثانياً: اشتمالها على كثير من الفوائد الظاهرة أو المستظهرة مثل:
1- نظم الأقوال السائرة.. والحكم الباهرة.. واقتباس الأبيات الذائعة.
2- الثناء على أئمة القراءة مع ثناء خاص للإمام الكسائي رحمهم الله.
ثالثاً: بيانها لبعض دقائق أحكام التجويد وكلياته مثل:
1- أهمية رياضة الألسن وتكرار اللفظ المتلقى من فم محسن.
2- أهمية معرفة اللحن في القراءة حتى يجتنب.
3- الإشارة إلى موازين الحروف ووجوب الاهتمام بها.. فكانت المنظومة لذلك حقيقة وجديرة باهتمام أهل العلم بحفظها ودراستها وروايتها..
أقولُ مقالاً معجباً لأولي الحجرِ
ولا فخرَ إن الفخرَ يدعو إلى الكبرِ

أُعلِّمُ في القول التلاوة عائذاً
بمولاي من شرِّ المباهاة والفخرِ

وأسألهُ عونِي على ما نويتُه
وحفظِي في دينِي إلى مُنتَهى عمرِي

وأسألهُ عنِّي التجاوز في غَدٍ
فما زال ذا عفوٍ جميلٍ وذا غفرِ

أيا قارئَ القرآن أحسن أداءه
يُضاعِف لك الله الجزيلَ منَ الأجرِ

فما كلُّ من يتلُو الكتابَ يقيمُه
ولا كُلُّ من في الناس يُقرئُهم مُقرِي

وإنَّ لنا أخذَ القِراءةِ سُنَّةٌ
عن الأولينَ المُقرئِينَ ذوي السِّترِ

فَللسَّبعةِ القُراءِ حقٌّ على الورى
لإقرائهم قُرآن ربهم الوترِ

فبالحرمين ابنُ كثيرٍ ونافِعٌ
وبالبصرَةِ ابنٌ للعلاءِ أبُو عمرِو

وبالشامِ عبدُ اللهِ وهو ابنُ عامِرٍ
وعاصِمٌ الكوفِيُّ وهو أبُو بكرِ

وحمزَةُ أيضاً والكِسائِيُّ بعدَهُ
أَخُو الحِذقِ بالقرآن والنحوِ والشِّعرِ

فذُو الحِذقِ مُعطٍ للحروفِ حُقُوقَها
إذا رَتَّل القُرآنَ أو كانَ ذا حَدرِ

وترتِيلُنا القرآنَ أفضَلُ للَّذي
أُمِرنا بهِ من مُكثِنا فيهِ والفِكرِ

وإِمَّا حَدَرْنَا درسَنَا فَمُرَخَّصٌ
لنا فيهِ إذ دِينُ العِبادِ إلى اليُسرِ

ألا فاحفظوا وصفي لكم ما اختصرتُه
لِيَدرِي بهِ من لم يَكُن مِنكمُ يَدرِي

فَفِي شَربَةٍ لو كان عِلمِي سَقَيتُكم
ولَم أُخفِ عنكُم ذلِكَ العِلمَ بالذُّخرِ

فقد قُلتُ في حُسنِ الأدَاءِ قصيدَةً
رَجَوتُ إلهِي ان يَحُطَّ بها وزرِي

وأَبيَاتُها خَمسُونَ بَيتاً وواحِدٌ
تُنَظَّمُ بيتاً بعدَ بيتٍ على الإِثْرِ

وباللهِ توفِيقِي وأَجْرِي عَلَيهِ في
إقامَتِنا إعرَابَ آياتِهِ الزُّهرِ

ومن يُقِمِ القُرآنَ كالقِدحِ فليَكُن
مُطيعاً لِأَمرِ الله في السِّرِّ والجَهرِ

أَلا اعلم أخِي أنَّ الفصاحَةَ زَيَّنَت
تِلاوَةَ تالٍ أدْمَنَ الدَّرسَ للذِّكرِ

إذا ما تَلا التَّالي أَرَقَّ لِسَانَهُ
وأَذهَبَ بِالإدمَانِ عَنهُ أَذَى الصَّدرِ

فأَوَّلُ عِلمِ الذِّكرِ إتقَانُ حِفظِهِ
ومَعرِفةٌ باللَّحْنِ من فِيكَ إذْ يَجرِي

فَكُن عارِفاً باللَّحنِ كَيما تُزِيلَهُ
فمَا لِلَّذِي لا يَعرِفُ اللَّحنَ من عُذرِ

وإن أنتَ حَقَّقْتَ القِراءَةَ فاحذَرِ الزِّ
يادَةَ فِيها واسْألِ العونَ ذا القَهرِ

زِنِ الحَرفَ لا تُخرِجهُ عن حَدِّ وَزنِهِ
فَوَزنُ حُرُوفِ الذِّكرِ من أفضَلِ البِرِّ

وحُكمُكَ بالتَّحقِيقِ إن كُنتَ آخِذاً
على أحَدٍ ألاَّ تَزِيدَ على عَشرِ

فَبَيِّنْ ما يَنبَغِي أنْ تُبِيِّنَه
وأَدغِم وأَخفِ الحَرفَ في غَير ما عُسرِ

وإنَّ الذي تُخفِيهِ ليسَ بِمُدْغَمٍ
وبَينَهُما فَرقٌ فَفَرِّقهُ باليُسرِ

وقُل إنَّ تَسكِينَ الحُرُوفِ لِجزمِها
وتحرِيكَها للرَّفعِ والنَّصبِ والجَرِّ

فَحَرِّك وسكِّن واقْطَعنْ تارةً وصِلْ
ومَكِّن ومَيِّزْ بين مدِّكَ والقَصرِ

وما المَدُّ إلاَّ في ثلاثَةِ أحرُفٍ
تُسمّى حروفَ اللِّينِ باحَ بها ذِكرِي

هيَ الألفُ المعروفُ فيها سُكُونُها
وياءٌ وواوٌ يسكُنانِ معاً فادرِ

وخَفِّف وثَقِّل واشْدُدِ الفَكَّ عامِداً
ولا تُفْرِطَنْ في الفَتْحِ والضَّمِّ والكسرِ

وما كانَ مهموزاً فكُن هامِزً لهُ
ولا تهْمِزَنْ ما كانَ لحْناً لَدى النَّبرِ

وإنْ تكُ قَبلَ الياءِ والواوِ فَتْحَةٌ
وبَعدَهما هَمزٌ هَمَزتَ على قَدرِ

ورَقِّقْ بيانَ الرَّاءِ واللاَّم يَنذَرِبْ
لسانُكَ حتى تنظمَ القَولَ كالدُّرِّ

وأنعِم بيَانَ العينِ والهاءِ كُلَّما
دَرَستَ وكُنْ في الدَّرسِ مُعتَدلَ الأَمرِ

وقِفْ عندَ إتمامِ الكلامِ مُوافِقاً
لِمُصحَفِنا المَتلُوِّ في البرِّ والبحرِ

ولا تُدْغِمنَّ الميمَ إن جئتَ بعدَها
بِحرفٍ سواها واقبَلِ العلمَ بالشُّكرِ

وضَمُّكَ قبلَ الواوِ كُن مُشبعاً لهُ
كما أشبَعوا (إيَّاكَ نَعبُدُ) في المَرِّ

وإنْ حرفُ لِينٍ كان من قَبلِ مُدْغَمٍ
كآخِر ما في الحَمدِ فامْدُدهُ واستَجْرِ

مَدَدْتَ لأنَّ الساكِنينِ تلاقيا
فصارَ كتحرِيكٍ كَذا قال ذُو الخُبرِ

وأُسْمِي حُروفاً سِتَّةً لِتَخُصَّها
بإظهارِ نُونٍ قبلَها أبدَ الدَّهرِ

فحاءٌ وخاءٌ ثمَّ هاءٌ وهمزَةٌ
وعَينٌ وغينٌ ليس قَولِيَ بالنُّكرِ

فَهَذِي حُروفُ الحلقِ يخفى بيانُها
فَدُونَكَ بيِّنها ولا تَعصِيَنْ أَمرِي

ولا تَشْدُدِ النُّونَ التي يُظْهِرُونها
كقولكَ من خَيلٍ لدى سُورَةِ الحَشرِ

وإظهَارُك التنوِينَ فَهوَ قِياسُها
فَقِسهُ عَليها فُزْتَ بالكاعِبِ البِكرِ

وقَد بقِيَتْ أشياءُ بعدُ لَطِيفَةٌ
يُلَقَّنُها باغِي التَّعلُّمِ بالصَّبرِ

فَلابنِ عُبَيدِ اللهِ مُوسى على الذي
يُعَلِّمُهُ الخيرَ الدُّعاءُ لدى الفَجرِ

أجَابَكَ فينا ربُّنا وأجابَنا
أخِي فيكَ بالغُفرانِ مِنهُ وبالنَّصرِ

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>