مختارات من مجلة نهج الإسلام – العدد /138/ – (اليوم أكملت لكم دينكم)

(اليوم أكملت لكم دينكم)

بقلم: م. الداعية بسام قطان

خطيب جامع الرفاعي بدمشق

نزلت هذه الآيات في عرفة في جو الحرمات ومنطقة الأمان، وتحت عنوان:
(يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود):
إنه لابد من ضوابط للحياة، يحرم على الناس أن يطالبوا بالتحرر منها، بدافع الأهواء والشهوات والمصالح العارضة، والله سبحانه وتعالى يقيمها ويحددها بدقة ووضوح، ثم يربطها به سبحانه وتعالى، لكي لا تنتهك ولا يستهزئ بها.
اليوم أكملت لكم دينكم:
نقف الآن أمام هذه الكلمات الهائلة، ونستعرض موكب الإيمان وموكب الرسالات، وموكب الرسل منذ فجر البشرية إلى يوم عرفة، اليوم كمل هذا الدين بشريعة تضع للإنسان المبادئ الكلية والقواعد الأساسية التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان.
خطبة الوداع: هي دستور للأمة العربية والإسلامية التي اجتمعت يوم عرفة تحت لواءه وحكمه صلى الله عليه وسلم، لأن الدستور هو المبادئ والحقوق وسلطات الدولة، وهذا ما نجده في خطبة الوداع.
نحن الأن في المدينة المنورة، في السنة العاشرة من الهجرة، بلغ صلى الله عليه وسلم، من العمر ثلاثة وستين عاماً، ولم يحج إلى بيت الله الحرام، وانتشر الخبر في جزيرة العرب أن النبي صلى الله عليه وسلم، يريد الحج إلى بيت الله الحرام، فأقبلت الوفود إلى المدينة، كلهم يريد أن يأتم برسول الله.
يقول الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: نظرت على مد بصري بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، وانطلق موكب اﻹيمان يلبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك ﻻ شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، ﻻ شريك لك، ودخل صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها، ودخل البيت الحرام من باب بني شيبة، فلما رأى البيت دعا: (اللهم زد هذا البيت تعظيما وتشريفا وتكريما ومهابة، وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراُ).
ثم طاف حول البيت، وسعى بين الصفا والمروة، فلما كان يوم التروية، اليوم الثامن من الليالي العشر توجه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وجلس يذكر الله حتى طلعت الشمس، ثم سار حتى نزل بنمرة، على الحدود الملاصقة لعرفة، فلما زالت الشمس، أتى بطن الوادي فخطب الناس:
(أيها الناس اسمعوا قولي لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)
ينظر صلى الله عليه وسلم من خلال وجوه أصحابه إلى اﻷجيال المقبلة، إلى العالم اﻹسلامي الكبير الذي سيملأ شرق اﻷرض وغربها، وراح يلقي على سمع العالم خطبة الوداع، وأنصتت الدنيا لتسمع قوله، بعد أن أنِسَت وسعدت به ثلاثة وستين عاما، وها هو اليوم يلمح بالرحيل ويودع أصحابه، بعد أن قام بأمر ربه وغرس اﻷرض بغراس اﻹيمان، وها هو الأن يلخص المبادئ التي جاء بها وجاهد في سبيلها وهي مقاصد التشريع, ومبادئ حقوق الإنسان:
المبدأ الأول: حق الحياة وحفظ مقدرات البلاد:
( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا):
إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام، كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم، إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت، ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة، وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته ليحرص عليه في كل مكان وعلى مدار العام.
لقد أطلع الله نبيه على الفتن واﻷزمات التي ستقع بها أمته من بعده، فكانت هذه الوصية فاتحة خطابه وخاتمته، فالدماء هي الحياة، والأموال العامة والخاصة هي الوطن، ويؤكد صلى الله عليه وسلم أن حياة الناس والوطن شعيرتان من شعائر الله، كشعيرة الشهر الحرام والبلد الحرام، فلا يجوز التضحية بهما من أجل أي هدف اخر، فهل يستطيع أحد أن ينتهك حرمة الشهر الحرام والمسجد الحرام ويدعي أن هذا لمصلحة الدين !؟
المبدأ الثاني: الناس سواسية وإن اختلفت ألوانهم وطوائفهم وقبائلهم:
(ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع):
يضع صلى الله عليه وسلم العصبية القبلية تحت قدميه، ﻷنها كانت سبباً في سفك الدماء وهتك اﻷعراض، وتدمير اﻷوطان، ولو كان صلى الله عليه وسلم حياً لوضع العصبية الطائفية تحت قدميه هاتين، ﻷنها تقدم مصلحتها الخاصة على مصلحة الدين، وعلى مصالح العباد.
المبدأ الثالث: حق المرأة:
(فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله )
تعيش المرأة في المجتمع بأمان الله، لا تخاف على نفسها من التحرش الجنسي والاغتصاب، وتعيش في بيت الزوجية بأمان الله، ﻻ تخاف ظلماً و ﻻ هضماً و ﻻ غدراً، ولا تخاف من العنف الأسروي الذي يكاد يقضي على الأسرة، في أكثر عواصم العالم.
وقد جاء في الدستور: الأسرة نواة المجتمع وعلى الدولة حماية الزواج والتشجيع عليه وحماية الأمومة والطفولة.
المبدأ الرابع: العدالة الاجتماعية:
( أرقائكم أرقائكم، أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون )
في هذا المبدأ تتجلى العدالة الاجتماعية في أجمل صورها، مجتمع ﻻ تستطيع أن تميز فيه الفقير عن الغني إﻻ بالاطلاع على أوراق الملكية، وإني ليحزنني العامل المظلوم يقول للتاجر الظالم:
(اعتبرني مادة من المواد اﻷولية التي ارتفع سعرها، وزد لي في أجرتي)!!!
وقد حذر صلى الله عليه وسلم الأغنياء أن يكونوا سبباً في شقاء الفقراء: (ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياءهم، أﻻ وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً)..
وقد جاء في الدستور في المادة (40) لكل عامل أجر عادل على أن لا يقل عن الحد الأدنى للمعيشة.
وتكفل الدولة المواطن في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم والشيخوخة.
المبدأ الخامس: سلطات الدولة وسيادة القانون:
(أيها الناس اسمعوا وأطيعوا وإن أُمِّرَ عليكم عبد حبشي مجدع، ما أقام فيكم كتاب الله تعالى)
فلو اعتصم علماء السلطة في البلاد العربية المجاورة -بهذا المبدأ- لما تحملوا مسؤولية سفك الدماء إرضاء لحكامهم.
المبدأ السادس: الكتاب والسنة مصدران رئيسيان للتشريع:
( وقد تركت فيكم، ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وسنتي )
جاء في الدستور: الفقه الإسلامي مصدر من مصادر التشريع.
وقبل أن يختم صلى الله عليه وسلم وسلم خطبة الوداع: يعود صلى الله عليه وسلم فيؤكد: على حرمة الدماء والأموال.
(أيها الناس اسمعوا قولي و اعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إﻻ ما أعطاه عن طيب نفس منه) (اللهم هل بلغت).
(وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض).
يحذر صلى الله عليه وسلم من فتنة التكفير التي تجتاح العالم الإسلامي اليوم، والتي حصدت أرواح آلاف الأبرياء وانتهكت كل المحرمات، وتجاوزت كل القيم الإنسانية، وشوهت الإسلام في العالم وقرنته بالإرهاب؛ بل وتسببت بأزمة عالمية سميت (أزمة الإرهاب)، لأنها تجند شباباً من جميع أنحاء العالم، يرتكبون أبشع الجرائم وهم يظنون أنهم يجاهدون في سبيل الله، وصدق الله تعالى حيث قال: (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً).
ونحن نعاهدك يا سيدي يا رسول الله، بأننا لن نكفر أحداً، ولن نحول المذاهب التي تتحاور إلى طوائف تتقاتل، ولن نسمي الخروج على الحكام جهادا في سبيل الله.
وفي الختام:
( وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون )؟
وهنا أنقل لكم ما كتبه شيخنا العلامة الشهيد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي, في كتابه فقه السيرة النبوية:
أراد صلى الله عليه وسلم أن يطمئن على شهادة أصحابه بأنه بلغ الرسالة وأدى اﻷمانة ونصح اﻷمة،فنادى عليهم، وارتفعت اﻷصوات من حوله تصرخ: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء، ويشير بها إلى الناس ويقول:
(اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد)
ما أعظمها من سعادة، سعادة رسول الله بشبابه الذي أبلاه، وعمره الذي أمضاه، وهو ينظر فيرى أصواتاً ترتفع بتوحيد الله، وجباهاً ساجدة لله، وقلوباً تخفق بمحبة الله.
ونحن نشهد بأنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجزاك الله عنا خير ماجزى نبياً عن أمته، ونشعر بالخجل ونحن نرى أصحابك يلتفون من حولك، وعلى أبدانهم شهادة الدم الذي سفكوه، والجهد الذي بذلوه، والدنيا التي حطَّموها تحت أقدامهم نصرة لشريعتك، ودفاعاً عن دعوتك، وتأسياً بجهادك.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>