مختارات من مجلة نهج الإسلام – العدد /138/ – أثر العمل الصالح في تفريج الكروب(1)

أثر العمل الصالح في تفريج الكروب(1)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على هادي الأنام وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الأعمال الصالحة جميعها تشفع أحيانًا للإنسان في الحياة الدنيا، كما جاء في آيات وأحاديث كثيرة، وتفرج عنه بعض مآسيه ومعاناته، وتكشف عنه كرباته وآلامه، مع العلم أن الله تعالى ليس بحاجة إلى أعمال الإنسان وطاعاته وعباداته ولكنها رحمته وفضله على عباده.
وهذا البحث عرض لتأثير العمل الصالح في تفريج الكربات بشقيها النفسية والمادية، أسأل الله تعالى أن ينفع بها إنه سميع قريب.
أنواع الكربات
أولاً : كربات نفسية: وثانياً : كربات حسّية:
أولاً : الكربات النفسية:
وهي تشمل كل الأمراض النفسيّة والانفعالات العصبيّة التي تعصف بالإنسان خارج حدوده الطبيعيّة، وتنزع منه الإرادة لضبط النفس وتقويم السلوك، وهذه الكروب كثيرة جدًا؛ قد تفرّدت بها الأبحاث والمحاضرات، إلا أننا يمكن أن نتطرق إلى بعضها التي كثر انتشارها وتوسّعت دائرة المصابين بها، ومنها:
1- الهمّ:
وهو زيادة في التفكير المستمر بالأشياء، سواء كانت كبيرة وعظيمة، أو صغيرة وحقيرة، وكذلك التفكير المستمر في كيفية تحمّل أثقال المستقبل ومسئولياته، وهو داء نفسي يدخل إلى النفس من خلال وساوس الشيطان للإنسان بِعِظَم الأمور التي تحدث حوله وإن كانت صغيرة، ويُعدّ الهمّ من الكروب التي يرزح تحت وطأتها الإنسان في فترات من حياته، لاسيّما إذا صرف عن دين الله وابتعد عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واتّبع ما يوسوس إليه عدوّه الأول (الشيطان)، فعندئذ يَبتلي الله تعالى هذا الصنف من الناس بكربة الهمّ عقوبة لمعصية، أو ابتلاء للرجوع إلى الله تعالى واتباع نهجه.
وكان السبيل لتفريج كربة الهمّ هو أن يقدّم الإنسان بين يدي الله تعالى عملاً صالحًا خالصًا له عز وجل، أو يترك ما كان عليه من العصيان والتمرد، ويرجع إلى الله بالتضرع والتوسل إليه، وقراءة القرآن وكثرة الاستغفار، لعل الله أن يزيل عنه همّه وتعود إليه عافيته وسويّته، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلمشيئًا من علاج هذا الكرب، ووسيلة الخروج منه عند نزوله بالإنسان، فقال صلى الله عليه وسلم: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب»(1).
وقد علّمنا الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام دعاءً في لحظات الهمّ والحزن فقال: «ما قال عبد قط إذا أصابه همّ وحزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علَّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي، إلا أذهب الله عز وجل همَّه وأبدله مكان حزنه فرحًا»(2).
لذلك كان عليه الصلاة والسلام يتعوذ من الهمّ كثيرًا ويحث على هذا الدعاء: «اللهمّ إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال»(3).
2- الحزن:
وهو ما يسمّى الكآبة في علم النفس، ويكون في الغالب نتيجة حدث معيّن في الحياة أو مجموعة أحداث من: فقدان عزيز أو خسارة مالية، أو مرض، أو وضع اجتماعي غير مناسب، وغيرها من الأسباب التي تؤدّي إلى تكوين الحزن لدى الإنسان وهو أمر طبيعي يعتري كلّ إنسان، وهو فطرة في النفس كامنة فيها إذا وُجدت أسبابها، لا يستطيع أحد التخلّص منه إلا بالعلاج القرآني والنبوي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»(4)، وقبل ذلك اشتكى يعقوب عليه السلام حزنه إلى الله تعالى عندما فقَدَ يوسف عليه السلام، وقال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86].
إلا أن هذه الفطرة إذا استمرت لفترات طويلة واستسلم الإنسان لها في كل أوقاته، وازداد في التفكير على ما أصابه، فإنّها تتحوَّل إلى كربة نفسيَّة يجب معالجتها كأيِّ مرض آخر، وحينئذ تتحوَّل إلى بوابة كبيرة يستطيع الشيطان أن يدخل إلى الإنسان من خلالها، ويفعل فيه ما يشاء من الوساوس وتزيين المعاصي والمنكرات له.
ودرءًا لمنع وقوع الإنسان في دائرة الحزن الذي يتحول إلى مرض كانت الأحاديث الكثيرة التي تنهى عن المبالغة في الحزن عند نزول مصيبة أو غيرها، حتى لا يقع الإنسان في المنكرات، ويجزع من أمر الله تعالى، وقد علّم عليه الصلاة والسلام أصحابه وأمته من بعده أن لا ينقطعوا عن الأعمال الصالحة التي تقوّي من عزيمة الإنسان وإيمانه، وأن يرضوا بقضاء الله وقدره.
فهذا هو نبيّ الله يعقوب عليه السلام الذي أصابه ما أصابه من غياب أحبِّ ولده إليه وقرّة عينه يوسف عليه السلام، لسنين طويلة ولا يعرف عنه شيئًا، ومن بعده ابنه الآخر عند سفره مع إخوته للتجارة إلى مصر، فقد حزن عليه ولكنه لم يصبه الجزع، بل بقي على عهده مع الله تعالى، واشتدّ تعلّقه بربه، وازداد يقينه بالله وحكمه، وصبر واحتسب، فقال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] إلى الله وحده، لا إلى ملك ولا إلى صنم، ولا إلى معبود آخر غير الله، ولا إلى مخدراتٍ أو مفتِّراتٍ أو منبِّهاتٍ، فكان ذلك سببًا للفرج العظيم والفرح الذي لا يوصف، عندما جاءه البشير بقميص يوسف عليه السلام؛ فكان ذلك خروجًا وعافية من كربته ومعاناته النفسية في فراقه ليوسف وأخيه، ورجع إليه بصره عليه السلام.
3- القلق:
عرّفه بعض علماء النفس: بأنه الشعور بالتخوّف من احتمال وقوع شيء غامض مكروه (5)، وهو كربة نفسيّة والمصاب بها لا يشعر بالأمان والاستقرار في نفسه ولا من حوله بل يلازمه الاضطراب والتوتّر معظم أوقاته، وهذه الكربة عادة ما تنشأ من الوساوس التي يمليها الشيطان في النفس نتيجة رؤية مشهد غير مألوف أو حادثٍ مرعبٍ أو الاختلاطِ مع أناسٍ تمرّدوا عن الأخلاقيّات العامّة كرفاق السّوء من المقامرين والمدمنين للخمور والمخدرات وغيرها، أو تخوّفٍ من مستقبلٍ مجهولٍ، فينشأ لدى الإنسان نوعٌ من التناقض الداخلي ليتحوّل بعده إلى صراع في النفس بين ما كان عليه وبين ما يوسوس له الشيطان الذي آلَ على نفسه غواية الناس وإضلالهم وإدخالهم في شكوك ومزاحمات فكريّة ونفسيّة، يقول الله تعالى على لسانه: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83].
فإذا علم الإنسان بحقيقة الكربة وسبَبِها، تمكن من علاجها والتخلص منها، وقد بين الله تعالى أن من شأن الشيطان أن ينزغ في الإنسان ويوسوس له في أموره كلها، لاسيما الصالحة منها، ولكنّ الله تعالى وصف العلاج وبين الدواء لعباده لتجنّب كربة القلق والخروج منه عندما يصاب به الإنسان، وكان هذا العلاج طاعته سبحانه وتعالى والقيام بالأعمال التي ترضيه عزّ وجل، والاستكثار من ذكره سبحانه وتعالى في السرّ والعلن، لقوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
وفي الامتثال لما أوجبه الله تعالى على الناس مخرج واسع من كربة القلق وآثاره، والتفكّر العميق في مخلوقات الله وخلق السموات والأرض، والليل والنهار وفي كل آيات الله تعالى الموجودة في هذا الكون الواسع، فهذا التفكّر من أسباب إزاحة القلق عن الإنسان، ألَمْ يكن خليل الله إبراهيم عليه السلام قبل النبوّة يشتكي من حاله وحال من حوله ممن يعبدون الأصنام؟ فما كان منه إلاَّ أن توجَّه بالتفكير والتأمّل في ملكوت الله تعالى، فأشار إلى الكوكب ثم القمر، ثم الشمس لعلّها تكون آلهة فلمّا رآها تأفُل، تبرّأَ من فعل قومه، وأعلن عبوديَّته لله الأحد الذي يدير الكواكب والأقمار والشموس والكون كله، فأزاح الله تعالى عنه غمّته، ومنحه اليقين بدلاً من الشكّ والريبة، ثم كانت النبوة والرسالة، يقول الله تعالى في ذلك: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 75- 79].
وكانت وصيّة المصطفى عليه الصلاة والسلام للمؤمن: «دع ما يُريِبُك إلى ما لا يُريِبُك»(6). حتى لا تقع في ظلمة الشكّ والقلق والاضطراب، بل وتجعلك تسير في نور اليقين والهداية.
4- الخوف:
عرّفه بعض علماء النفس: بأنه قلق نفسيّ أو عصاب نفسيّ لا يخضع للعقل، ويساور المرء بصورة جامحة من حيث كونه رهبة في النفس شاذّة عن المألوف تصعب السيطرة عليها والتحكّم بها(7).
والخوف نوعان: إيجابي، وسلبي:
فأما الأول: الخوف من الله تعالى وعقابه وعذابه، وهو ضروريّ للإنسان ومطلوب منه لأنّه يحقّق العبوديّة لله تعالى، ويستقيم سلوك الإنسان به ويستقرّ المجتمع والأفراد، بل جعل الله من اتصف بهذا النوع من المؤمنين الصادقين، قال جلّ ذكره: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2]، ومن هنا يجب على المسلم أن يجعل الخوف من الله تعالى جناحًا يطير به إلى الله تعالى في مسيرته في هذه الحياة والجناح الآخر رجاء حصول المطلوب في الدنيا والآخرة.
والنوع الآخر: سلبي وهو الخوف من غير الله أو الخوف المانع من فعل الطاعات أو الخوف الجالب لفعل المعاصي، كالخوف من السحرة والدجّالين.
وهناك نوع ثالث: وهو الخوف الجبلِّيّ أو الطبعي، الذي لا يترتب عليه فعل معصية أو ترك طاعة، كالخوف من الظلام لمن لم يتعوّد عليه، وهذا الخوف يكون إيجابيًا إذا منع من معصية أو حثّ على فعل طاعة، ويكون سلبيًا إذا كان على العكس من ذلك.
ويعد الخوف في صورته السلبيّة كربة نفسيّة وبلاء من الله تعالى لقوله عز وجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 155، 156].
ولهذا النوع من الخوف صور متعدّدة، كالخوف من الموت أو الخوف من الناس، أو الخوف من المرض، أو الخوف من الفقر، أو الخوف من المستقبل، وغيرها من الأسباب والمؤثّرات التي تولّد الخوف لدى الإنسان.
وللخروج من كربة الخوف وظلامه، يجب التوجه الصادق إلى الله، واليقين الكامل بأن الله تعالى فوق كل قوّة، وفوق كل جبّار، وأنه تعالى لا ينازعه على ملكه أحد، ولا يتحرّك شيء في هذا الكون إلاّ بأمره وحكمه، فإذا وصل الإنسان إلى هذه القناعة وهذا الإيمان، فإنه سيتحرّر من ربقة الخوف وسطوته، وينطلق إلى عالم الشجاعة والمواجهة، فيعمل ويجتهد ويطوّر ويخترع، لأنه يستند في حياته إلى العزيز الجبّار، يقول الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } [فصلت: 30].
وخير ما يقال في مواضع الخوف وعند نزوله هو: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }(8).
فهذا هو رسول الأمّة وقدوتها يهاجر في سبيل الله برفقة الصديق رضي الله عنه، ويختبئان في غار ثور، وتلاحقهم قريش وقد أعدّوا لمن يأتي بالرسول الأموال والجاه، إلى أن يقفوا على باب الغار، فيقول الصديق: يا رسول الله والله لو أن أحدهم نظر إلى قَدَمِه لَرآنا، فيطمئنه الرسول عليه الصلاة والسلام ويردّه إلى حقيقة الأمر ويقول: «يا أبا بكر، ما بالك باثنين الله ثالثهما؟».
ثمّ إنّ هذا الدين قد عالج بعض صور هذه الكربة من البداية حتى لا يقع فيها الإنسان من خلال الشيطان الرجيم، فالخوف من الموت مثلاً قد بيّن الله تعالى حقيقة الموت التي لا مفر منها وقطع الأمل من تحاشيها، ولكنّه عزّ وجلّ أخفى توقيتها عن الناس، وأنّ الإنسان مهما حاول الفرار منه فإنّه لا يخرج من سلطان الله وملكه، وأنّه آيب إليه، يقول عز وجل:{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة:8].
وأما الخوف من الناس فإنّ ربّ العزّة قد أشار إلى أن الخوف الحقيقيّ يجب أن يكون من الله لا من غيره يقول تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44].
وكذا أنْكَر الإسلام الخوف من الفقر لأنّ الخالق والرازق هو الله، ورزق العباد ليس بيد العباد وإنّما بيد خالق العباد، قال جلّ ثناؤه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء:31]، وقال أيضًا: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22].
فتقرّر بهذا أن العمل الصالح يورث قوّة التّعلّق بالله سبحانه وهذه القوّة تزيل الخوف من تلك الأمور المورِّثَة للأمراض النفسيّة والكربات والقلق والخوف المذموم.
5- اليأس:
هو تصوّر في النفس بفقدان الأمل في التخلّص ممّا تعانيه من ظروف وأحوال، وهو عكس التفاؤل واليأس يعدّ مرضًا وكربة تؤثّر في النفس بشكل سلبي دائمًا فيجعلها تتراجع إلى الوراء، وتسير خلف الركب، وهو عدوّ الفكر والتحرّر والانطلاق، وعدو التطوّر والتقدّم والابتكار، وهذا هو مبتغى الشيطان وقمّة فرحه وسروره، ثم إنه يحقّق أهداف أعداء الله الذين يحاولون بكل ما أوتوا من قوّة وإعلام وغيرها أن يدخلوا إلى نفوس أبناء الأمّة هذه الرّوح التي تجعل الأمة تابعًا لها في كل أمورها، فتكبر قوة هذا العدوّ في نفوسهم ويُعظِّم عقله وصناعته وتقدمه، إلى أن يقولوا: لا نستطيع أن نبلغ ما بلغو إليه، فلتكن هذه حالنا وتلك حالهم، وهذه كربة عظيمة ومرض خطير يرزح تحت وطأتها جمع كبير من المسلمين.
والسبيل الوحيد الذي يخرج المصاب بداء اليأس أن يلجأ إلى الله تعالى بخالص الدعوات، وأحسن الأعمال، ليفرج عنه ما يعانيه، فإن الأمل في رحمة الله وفضله واجب، مهما بلغ الإنسان من الذنوب والخطايا، ولا سبيل للنجاة من ذلك إلا هذا السبيل، يقول الله تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
وجاء في الحديث القدسي الصحيح: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرّب إلي بشبر تقرّبت إليه ذراعًا وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة»(9).
ولخطورة كربة اليأس وأثرها السيئ على النفس والمجتمع، جاء الدين الإسلامي بالتخلص منها ونبذها ومحاربتها، وعدّ الذين يقطعون الأمل بالله تعالى، ويقنطون من رحمته كفارًا خارجين عن الملّة، قال الله تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]، وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت: 23].
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ثلاثة ممن قبلنا آواهم مبيت ومطر إلى غار، فدخلوا فيه، من أجل المبيت والوقاية من المطر، فأنزل الله جل وعلا عليهم صخرة، انحدرت عليهم، فغطت عليهم باب الغار، ما استطاعوا دفعها؛ فقالوا فيما بينهم لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم (10)».
الله جل وعلا قدر سقوط هذا الحجر على الغار، ليتوسلوا بهذه الوسائل وليعلم الناس فضل البر وفضل العفة عن الفواحش وفضل أداء الأمانة حتى يتأسوا بهؤلاء، ويستفيدوا من عمل هؤلاء، هذه نعمة وفضل من الله. والنبي صلى الله عليه وسلم خبرنا بهذا، حتى نستفيد من هذه القصة، وأن بر الوالدين والعفة عن الفواحش، وأداء الأمانة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب وتيسير الأمور، ومن أعظم الأسباب في النجاة من النار، لأن الكربة يوم القيامة، أعظم من كربة الدنيا، فالإنسان إذا اتقى الله وابتعد عن محارم الله وأدى ما أوجب الله عليه، فهذا من أسباب التفريج في الدنيا والنجاة في الآخرة، كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق:2]، فأنت يا عبد الله وأنتِ يا أمة الله تذكرا جميعا في هذه القصة، قصة هؤلاء الثلاثة، واستفيدا من هذه القصة الفائدة العظيمة، وليتيقن كل واحد منا أن بر الوالدين من أعظم القربات ومن أفضل الطاعات، ومن أسباب تفريج الكروب، وتيسير الأمور. وهكذا العفة عما حرم الله، عن الزنى والفواحش من أفضل القربات ومن أعظم أسباب تيسير الأمور، وتفريج الكروب والنجاة من النار.
وهكذا أداء الأمانة، وعدم الخيانة، كل ذلك من أسباب تفريج الكروب وتيسير الأمور ومن أسباب رضا الله سبحانه، وتيسير أمرك وإدخالك الجنة ونجاتك من النار. نسأل الله التوفيق والهداية.
وهذا يونس عليه السلام في بطن الحوت، لما نزل به البلاء دعا ربه في مكان ما دعا به أحد من الناس ربه، في بطن الحوت، فاستجاب الله دعاءه.
وهذه سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيها شدائد وأهوال وكرب وهموم، ومنها شدائد المواطن التي نصره الله بها في معاركه ضد المشركين.
ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نَفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نَفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)(11).
وفي الصحيحين أيضاً: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة»(12).
ففي الحديث الأول تنفيس وفي الثاني تفريج، قال أهل العلم: (إن تفريج الكروب أعظم من تنفيسها، إذ التفريج إزالتها أما التنفيس فهو تخفيفها، والجزاء من جنس العمل، فمن فرج كربة أخيه فرج الله كربته، والتنفيس جزاؤه تنفيس مثله).
إذاً: أيها الأخ المسلم! أشعر بشعور المسلمين تعرّف على أحوالهم تألّم لمصابهم، وتحدث عن أخبارهم أحرق القلب وانثر الدمع من أجلهم.
فالأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب والخروج من المضائق، والعافية من شدائد الدنيا والآخرة.
وبعد أن عرضنا بتوفيق من الله تعالى وفضله أثر العمل الصالح في تفريج الكروب النفسية، سوف نتحدث في العدد القادم عن أثر العمل الصالح في تفريج الكروب الحسية.

الهوامش:
1- «سنن أبي داود» رقم (1518)، ص (224)، ورواه ابن ماجه (3189)، ص (545).
2- «مسند أحمد» رقم (4318)، ص (362).
3- «صحيح البخاري» رقم (6369)، ص (1106)، و «صحيح مسلم» رقم (2706)، ص (1176). قال ابن السكّيت: الضَّلْع: الميل، ومنه قولهم : ضَلْعُك مع فلان. قال : والضلَع : الاعوجاج. رُمحٌ ضَلِعٌ : معوَّج.قلت : فمعنى (ضَلَع الدَّين) ثِقَلُه حتّى يميل.
4- «صحيح البخاري»، رقم (1303)، ص (208، 209). و «صحيح مسلم»، رقم (2315)، ص (1022، 1023).
5- «دع القلق واستعن بالله» ص (22، 23).
6- «جامع الترمذي»، رقم (2518)، ص (572)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، و«النسائي» رقم (5714)، ص (772). ذكره البخاري معلقًا في كتاب البيوع، باب تفسير المشتبهات ص (329).
7- «موسوعة علم النفس» د. أسعد رزق.
8- «صحيح البخاري»، رقم (4563)، ص (777).
9- «صحيح البخاري»، رقم (7405)، ص (1273، 1274)، و«صحيح مسلم» رقم (2675)، ص (1166).
10- صحيح البخاري :2272.
11- رواه مسلم وانظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج1 ص258.
12- رواه البخاري انظر فتح الباري (12/ 323) باب الإكراه: 7.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>