مختارات من مجلة نهج الإسلام – العدد /138/ – من أهداف الرسالة المحمدية

من أهداف الرسالة المحمدية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اصطفى سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم من بين الخلق واجتباه، وجمَّله بالأخلاق الكريمة وتوَّجَه بها وحلاه، فقال عز من قائل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ} [القلم: 4].
ثم اختصَّه سبحانه فختم برسالته الرسالات فبعثه إلى جميع الخلق بشيرًا ونذيرًا، فكانت مسووليَّته بعموم رسالته أوسع أفقاً وأعظم نفعاً و {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ} [الأنعام: 124]، وخاطبه بقوله عزَّ وجلَّ: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ} [الأنبياء: 107] فكان الرَّحمة المهداة، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تمسَّك بسنـَّته وهداه.
أما بعد:
فإنَّ من يستعرض التوجيهات النبوية يستطيع أن يستنبط من خلالها أهداف الرسالة التي أُمِر بتبليغها والتمسك بأهدابها، ومن هذه الأهداف ثلاثة أهداف ينطوي فيها معظم ما جاء في الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي وما يتصل بهما من الصالحات الباقيات.
الأول: تنظيم العلاقة بين العبد وبين بارئه.
والثاني: إصلاح حال العبد فيما بينه وبين نفسه.
والثالث: تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وبيان حقوق وواجبات كل فرد نحو هذا المجتمع الذي يعيش فيه.
تلك أهداف ثلاثة يرتبط بعضها ببعض ، وأولها يعتبر أساساً لتالييه ، وسعادة الإنسان في دنياه وآخرته لا تتم إلا بتحقيق هذه الأهداف الثلاثة ، وإذا كان الإسلام دين قوَّة وعزَّة فإن مظهر هذه القوَّة ، وتلك العزَّة متصل تمام الاتصال بقوَّة المجتمع وعزَّته ، ومبلغ تمسكه بمبادئ دينه، ومبادئ الدّين الأصيلة المقومة له ككل لا تقبل التَّهاون في بعضها حتَّى تبقى له قوته وتحفظ له هيبته ، وإلا كان في جملته كحصن انهدم أحد أركانه ، قال رسول صلى الله عليه وسلم: «بُنيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، وَإِقامِ الصَّلاةِ، وَإيتاءِ الزَّكاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضانَ» فإن الأسلوب النبوي في قوله : «بُنيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ …»( ) يشير إلى أن أركانه كأركان البيت أو الخيمة يُقام عليها البيت أو الخيمة فإذا هُدم ركن منها وهت قواه ، ولم تتم منفعته ، لذلك يجب ألا نتهاون في شيء من أركان الدين حتى تبقى لنا قوته وعزته {وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ} [المنافقون: 8].
الهدف الأول: تنظيم علاقة الإنسان بربه
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة للمؤمنين برسلته كان لزامًا علينا أن نترسم خطاه في تحقيق أهداف رسالته، فقد بدأ رسالته بتحقيق الهدف الأول وهو إصلاح حال العباد فيما بينهم وبين خالقهم، وذلك بالعمل على تصحيح عقائدهم وتطهير قلوبهم من دنس الشرك والجاهلية، فأول شيء عُني به نبينا عليه الصلاة والسلام هو إصلاح القلوب وتطهيرها من رجس الشيطان، فإن القلوب إذا أخلصت، والنفوس إذا صفت زالت عنها الحجب.
وإذا كان العبد في حاجة إلى سيده ومولاه، فيجب أن يُصلح أولاً ما بينه وبين مولاه، فإن الله لا يمنح للعبد معونته إلا إذا خشع قلبه، وتفانى في طاعة الله ولهذا يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهيَ القَلْبُ»( ).
فكلُّ عمل يصدر من الإنسان ، ولا يقوم على أساس من التقوى وصدق الإيمان فهو لغوٌ وباطلٌ ولو ألبسه صاحبه لبوس البرِّ والإحسان ، وكلّ ما صدر عن قلب لاه لا يؤمن بالله فإن الله لا يرفعه إليه ، ولا يثيب صاحبه عليه مهما كانت صورته ، لأنه صادرٌ عن قلب يرعى في أعماله وأقواله جانب المخلوق دون الخالق: «قالَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالَى: أَنا أَغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فيهِ مَعي غَيْري، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»( ) وقد وصف كتابُ الله أعمالَ هؤلاء بقوله: {والَّذينَ كَفَروا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39].
وقوله: {مَثَلُ الَّذينَ كَفَروا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرونَ مِمّا كَسَبوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هوَ الضَّلالُ البَعيدُ} [إبراهيم: 18]
ثم بيَّن نتيجة ذلك في الآخرة فقال: {وَقَدِمْنا إِلَى ما عَمِلوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثورًا} [الفرقان: 23].
من هذا يتبين أن الهدف الأول للرسالة الإسلامية هو إصلاح حال العباد فيما بينهم وبين ربهم ، وذلك بتطهير قلوبهم وتصحيح عقائدهم لذلك كان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم لمن جاءه سائلاً: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإِسْلامِ قَوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، فقالَ عليه الصلاة والسلام: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فاسْتَقِمْ»( )، قال القاضي عياض: هذا من جوامع كَلِمه صلى الله عليه وسلم، أشار فيه إلى أن الإيمان أولاً لأنه أَساسٌ لقبول الأعمال، فالإيمان أساس، والأعمال بعده لبناء البيت عليه، ولا يُعوَّل على بناء بدون أساس، فلا خير في عمل يقوم على غير إيمان بالله تعالى.
الهدف الثاني: أن يصلح حال العبد فيما بينه وبين نفسه
إذا عُرف أنَّ الأساس الذي تُبنى عليه الأعمال هو إصلاح القلب، وأن القلب العامر بالإيمان، تقوم فيه رقابة على كلِّ عملٍ بأتي به المكلَّف أو يذره، وبذلك يرتبط بعلام الغيوب، الذي يعلم السِّرَّ والنجوى {واللَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدورِ} [آل عمران: 154] ، إذا عَرف المؤمن ذلك صلحت نفسه واستعدت لتحقيق الهدف الثاني من أهداف الرسالة المحمدية، وهو إصلاح حال العبد في خاصة نفسه، وذلك لا يكون إلا بالاستجابة لله ورسوله والاستقامة على ذلك، فلا يخرج عن حدود الله، فيما رسمه كتاب الله تعالى وبيَّنته سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ذاكراً قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذينَ قالوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلا تَخافوا وَلا تَحْزَنوا وَأَبْشِروا بِالجَنَّةِ الَّتي كُنْتُمْ توعَدون} [فصلت: 30].
فيُخلص لله في عبادته، ويصدق مع الناس في معاملته، وذلك بعد صدق إيمانه، هذا وقد أوضحت له الشريعة المطهرة معالم الحلال والحرام، قال عليه الصلاة والسلام: «الحَلاَلُ بَيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما أُمورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ ما شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، كانَ لِما اسْتَبانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى ما يَشُكُّ فيهِ مِنَ الإِثْمِ، أَوْشَكَ أَنْ يواقِعَ ما اسْتَبانَ، والمَعاصي حِمَى اللهِ مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يوشِكُ أَنْ يواقِعَهُ»( ).
ألا فليعلم المؤمن أن من الإحسان في عمله أن يعبد الله كأنه يراه، وهذه رتبة المراقبة: {مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبيدِ} [فصلت: 46].
وإذا كان الهدف الثاني موضوعه العمل الصالح الذي تعود فائدته إلى الإنسان نفسه فيما يكسب من الصالحات الباقيات، فإن هذا يقتضي أن يكون على علم بما كُلِّف به حتى يميز بين الحلال والحرام، وبين الطيب والخبيث، ثم يترقَّى في درجات العلم حتى يدخل ساحة الحقيقة.
هذا وقد بيَّن كتابُ الله تعالى مراتب العلم، وهي ثلاث مراتب؛ (علم اليقين -حق اليقين -عين اليقين)
قال تعالى: {كَلا لَوْ تَعْلَمونَ عِلْمَ اليَقينِ} [التكاثر: 5] وقال عزَّ وجل: {إِنَّ هَذا لَهوَ حَقُّ اليَقينِ} [الواقعة: 95] وقال سبحانه: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقينِ} [التكاثر: 7].
فـ (علم اليقين) وهو العلم المكتسب من طريق الحواس الخمسة -النظر أو السمع أو الذوق أو الحس أو الشم -.
ولما كان سبحانه قد منح الحواس الخمسة لكل إنسان طائعًا أو عاصي، مؤمنًا أو كافرًا، كانت هذه المرتبة أقل مراتب، وعليه فإن العلم المكتسب من هذا الطريق لا يدل على فضل صاحبه عند الله في المنزلة، فإذا نزع الإنسان إلى الجانب الروحي وشعر بحق المولى جل جلاله عليه فصدق في إيمانه وأخلص في عمله وتطلُّع إلى رضا ربِّه، انتقل حينئذ إلى مرتبة حق اليقين.
فهذه المرتبة لا يمنُّ الله بها إلا على من آمن حقاً وعمل صالحاً.
فـ (حق اليقين) هو علم يلقيه الله تعالى في روع عبده المؤمن {وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا} [الكهف: 65] ومن هذا ما وقع لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صاح وهو على المنبر: (يا ساريَةُ الجَبَل) فقد ألقى الله في روعه بطريق الإلهام حالة جيش المسلمين، فنادى قائده، بأن العدو يتربَّص به من خلف الجبل، وأسمعه الله نداء الخليفة سيدنا عمر وكان ذلك سبب النصر لجيش المسلمين المجاهدين( ).
أما مرتبة عين اليقين: فهي منحة ربانية للأنبياء والصديقين.
وهي أعلى المراتب الثلاثة، وصاحب هذه المرتبة تنكشف له الأشياء على حقيقتها بنور البصيرة فيدرك عين الحقيقة بالمشاهدة دون حجاب.
هذا وقد استدل أرباب القلوب لهذه المرتبة بقصة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام حينما قال: {رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيِ المَوْتَى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلَى وَلَكِنْ ليَطْمَئِنَّ قَلْبي} [البقرة: 260]. أي بلى آمنت يا رب حقَّ اليقين، ولكن أريد أن تنقلني إلى عين اليقين حتى أكاشف الأمر وأشاهدهُ عين اليقين.
ومن أمثلة ذلك أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ إِذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ قامَ في مُصَلاهُ، ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَى النّاسِ فَقالَ: «عَدِّلوا صُفوفَكُمْ، فَإِنّي أَراكُمْ مِنْ خَلْفي»( ).
ومن ذلك وصفه صلى الله عليه وسلم لبيت المقدس وصفاً كاشفاً حينما أخبر الناس بحديث الإسراء، وعارضته قريش وطلبوا منه إن كان صادقاًً أن يصف لهم بيت المقدس، وقالوا له في معارضتهم: أنضرب أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً إياباً حتى نعود، وتذهب أنت وتعود في لحظات، صف لنا بيت المقدس إن كنت صادقاً فأخذ يصفه لهم وصفاً دقيقاً كأن بيت المقدس أمامه، فقد انكشف له بنور البصيرة دون حجاب، فهذه المكاشفة هي المسماة (عين اليقين).
الهدف الثالث: تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع الإسلامي
إن إصلاح المجتمع هو المهمة الأساسية لجميع الأنبياء والمرسلين فكلُّ نبي كانت مهمته إصلاح حال المجتمع الذي أرسل إليه، يرشدهم ابتدءًا إلى حسن الصلة بالله وتوثيق العلاقة بين العبد وربه، وذلك على أساس الصدق في الإيمان والإخلاص في التوحيد، وجميع المرسلين دعوا أُمَمهم دعوةً واحدةً عبَّر عنها البيان الرباني بقوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّينِ ما وَصَّى بِهِ نوحًا والَّذي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهيمَ وَموسَى وَعيسَى أَنْ أَقيموا الدّينَ وَلا تَتَفَرَّقوا فيهِ} [الشورى: 13].
تلك هي أصول الدين التي اتفق فيها جميع الأنبياء في كل عصر من عصور النبوات ويؤكد هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأَنْبياءُ أَوْلاَدُ عَلَّاتٍ»( )، دينهم واحد، وشرائعهم متعددة، شبههم بأبناء العلات أبوهم واحد وأمهاتهم شتى.
وقد عُنيت الرسالة المحمدية بإصلاح المجتمع لأن قوَّة الإسلام ومظهر عزَّته يرتبطان بقوة المجتمع الذي يتمسك بمبادئه وقيمه.
ولهذا تضافر نصوص كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام على تشريع المبادئ القويمة والأخلاق والآداب الاجتماعية، التي تُربّي المجتمع تربية دينية به ترتقي وتنهض، وقد امتلأ القرآن الكريم، والسنة المطهرة بالحث على رعاية هذه المبادئ وتلك الآداب بين الأفراد والمجتمع حتَّى يكونوا جميعاً أخوة يجمع شملهم مجتمعٌ متماسك، قويٌ عزيزٌ كريم، يكون كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضُه بعضًا، ويكون كالجسم الواحد إذ اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى.
فمن المبادئ التي حرصت الرسالة المحمدية على تثبيتها لإصلاح المجتمع:
- (الأخوة الدينيَّة) قال الله تعالى: {إِنَّما المُؤْمِنونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] وجعل أخوة الدين أقوى لحمة من لُحمة النَّسب، بل النَّسب ينقطع بانقطاع المتابعة في الدين كما انقطع نسبُ ابن نوح عن أبيه حين بدت العاطفة الأبوية من نوح عليه السلام: {فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْني مِنْ أَهْلي} [هود: 45] فأجابه الله تعالى: {قالَ يا نوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ} [هود: 46].
- (التَّحيَّة عند اللقاء) قال الله تعالى: {وَإِذا حُيّيتُمْ بِتَحيَّةٍ فَحَيّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدّوها} [النساء: 86]. وقال عليه الصلاة والسلام «لا تَدْخُلونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنوا، وَلا تُؤْمِنوا حَتَّى تَحابّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذا فَعَلْتُموهُ تَحابَبْتُمْ؟ أَفْشوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ»( ).
فالتَّحية والسلام تربط بين القلوب بالود الصادق والحب الخالص.
ومن الآداب الاجتماعية، النهي عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب المكروهة مع اجتناب الظُّنون السَّيِّئة، وترك الغيبة والنميمة، قال تعالى: {يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكونوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزوا بِالأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسوقُ بَعْدَ الإيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأولَئِكَ هُمُ الظّالِمونَ} [الحجرات: 11]. وقال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1].
والهمز أن تطعن في غيرك من طريق الإشارة الخفيفة، واللمز: الطعن فيه من طريق الإشارة الظاهرة، وكل ذلك دال على الاحتقار وذلك يتنافى مع الآداب والتَّربية الدّينية للأفراد والمجتمعات.
ومن الآداب الاجتماعية رعاية حق الطريق والجلوس فيه، فلا يعترض المارَّة بأذى، عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «إيّاكُمْ والجُلوسَ عَلَى الطُّرُقاتِ»، فَقالوا: ما لَنا بُدٌّ، إِنَّما هيَ مَجالِسُنا نَتَحَدَّثُ فيها، قالَ: «فَإِذا أَبَيْتُمْ إِلا المَجالِسَ، فَأَعْطوا الطَّريقَ حَقَّها»، قالوا: وَما حَقُّ الطَّريقِ؟ قالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالمَعْروفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ»( ).
إلى قائمة طويلة من تلك القيم والمبادئ التي حرص الإسلام على ترسيخها، رعاية لتمتين الحياة الاجتماعية.
ومن أهم الإرشادات الاجتماعية رعاية حقوق الجيران فإن حقوقهم متصلة بكمال الإيمان، فعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ»( ) أي غوائله وشروره.
والجيران ثلاثة؛
- جار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة.
- وجار له حقان: حق الجوار، وحق الإسلام. (إن لم يكن قريباً).
- وجار له حق واحد: وهو حق الجوار فقط. (إن لم يكن مسلمًا).
ومن أهم التوجيهات الربانية التي تفضي إلى صيانة المجتمع والمحافظة على سلامته تحذير المسلمين من أثر السعاية والوشاية حتى لا يقعوا في جُرمها وسوء عاقبتها، قال الله تعالى: {يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنوا أَنْ تُصيبوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحوا عَلَى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ} [الحجرات: 6].
كما حثَّ المسلمين على المبادرة بإصلاح ذات البين قبل أن تمسَّ الفتنة قلوبهم وتجرح وحدتهم فقال تعالى للمؤمنين: {فاتَّقوا اللهَ وَأَصْلِحوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطيعوا اللهَ وَرَسولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ} [الأنفال: 1]. وقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصّيامِ والصَّلاَةِ والصَّدَقَةِ؟» قالوا: بَلَى، قالَ: «صَلاَحُ ذاتِ البَيْنِ، فانَّ فَسادَ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ»( ).
كل هذا من طب القلوب وعلاج النفوس حتى يبقى المجتمع الإسلامي سليماً من المفاسد معافى من الأمراض التي تفت في تماسكه وتعاضده.
ونستطيع أن نتوج ما تقدَّم بهذه الآية الجامعة، وهي قوله تعالى: {وَتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى وَلا تَعاوَنوا عَلَى الإِثْمِ والعُدْوانِ} [المائدة: 2].

الهوامش
( 1) أخرجه البخاري في الإيمان، بابُ قَوْلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «بُنيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ» (8)، ومسلم في الإيمان، باب أركان الإسلام ودعائمه العظام (16).
( 2) أخرجه البخاري في الإيمان، بابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدينِهِ (52)، ومسلم في المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599).
( 3) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، بابُ مَنْ أَشْرَكَ في عَمَلِهِ غَيْرَ اللهِ (2985).
( 4) أخرجه مسلم في الإيمان، بابُ جامِعِ أَوْصافِ الإِسْلامِ (38).
( 5) أخرجه البخاري في البيوع، بابٌ الحَلاَلُ بَيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما مُشَبَّهاتٌ (2051)، ومسلم في المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599).
( 6) عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: وَجَّهَ عُمَرُ رضي الله عنه جَيْشًا، وَرَأَّسَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً يُدْعَى: ساريَةَ، قال: فَبَيْنَما عُمَرُ يَخْطُبُ جَعَل يُنادي: يا ساريَةُ الجَبَل، يا ساريَةُ الجَبَل، يا ساريَةُ الجَبَل، ثُمَّ قَدِمَ رَسول الجَيْشِ فَسَأَلَهُ عُمَرُ، فَقال: يا أَميرَ المُؤْمِنينَ هُزِمْنا، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْنا صَوْتًا يُنادي: يا ساريَةُ إِلَى الجَبَل – ثَلاَثَ مَرّاتٍ – فَأَسْنَدْنا ظُهورَنا إِلَى الجَبَل فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالَى، وَكانَتِ المَسافَةُ بَيْنَ المَدينَةِ حَيْثُ كانَ يَخْطُبُ عُمَرُ وَبَيْنَ مَكانِ الجَيْشِ مَسيرَةَ شَهْرٍ. دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ما ظهر على يد عمر ونياحة الجن عليه (1/579-580) دلائل النبوة للبيهقي، بابُ ما جاءَ في إِخْبارِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُحَدَّثينَ كانوا في الأُمَمِ وَأَنَّهُ إِنْ يَكُنْ في أُمَّتِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَكانَ كَما أَخْبَرَ (6/ 369). دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ما ظهر على يد عمر ونياحة الجن عليه (1/579-580) دلائل النبوة للبيهقي، بابُ ما جاءَ في إِخْبارِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُحَدَّثينَ كانوا في الأُمَمِ وَأَنَّهُ إِنْ يَكُنْ في أُمَّتِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَكانَ كَما أَخْبَرَ (6/ 369). وهو حديث حسن.
( 7) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (2462) ومن طرقه أحمد في مسنده (12646) وإسناده على رسم الصحيح.
( 8) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، بابُ قَوْلِ اللهِ {واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها} [مريم: 16] (3442) ومسلم في الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام (2365).
( 9) أخرجه مسلم في الإيمان، بابُ بَيانِ أَنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلا المُؤْمِنونَ، … وَأَنَّ إِفْشاءَ السَّلامِ سَبَبًا لِحُصولِها (54).
( 10) أخرجه البخاري في المظالم والغصب، بابُ أَفْنيَةِ الدّورِ والجُلوسِ فيها، والجُلوسِ عَلَى الصُّعُداتِ (2465)، ومسلم في اللباس والزينة باب النهي عن الجلوس في الطرقات (2121).
( 11) أخرجه مسلم في الإيمان، بابُ بَيانِ تَحْريمِ إيذاءِ الجارِ (46).
( 12) أخرجه أبو داود في الأدب، بابٌ في إِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ (4919)، والترمذي في صِفَةِ القيَامَةِ وَالرَّقَائِقِ (2509) عَنْ أَبي الدَّرْداءِ رضي الله عنه، وقالَ الترمذي: هَذا حَديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ.
وفسادُ ذاتِ البَيْنِ إِنَّما يَعْني العَداوَةَ والبَغْضاءَ، وَقَوْلُهُ الحالِقَةُ يعني: أنَّها تَحْلِقُ الدِّينَ.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>