مختارات من مجلة نهج الإسلام – العدد /138/ – من القلب

من القلب

فن إدارة وتنظيم الوقت

بقلم: أ.هيثم جلّول مدير تحرير المجلة

لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الوقت هو الحياة، ومن ضيع وقته ضيع حياته، وإنه لمن العجب كل العجب أن تجد أناساً يستهينون بأوقاتهم ويضيعونها سدى وإهمالاً، فتمر أعماهم وهم يتركون دنياهم ولا أثر لهم يذكر، ولا تذكرهم صفحات التاريخ بل ولا يذكرهم الأحياء، وهؤلاء الذين لا يدركون أهمية أوقاتهم هم أكثر الناس تضيعاً لها، وإلا فلمَ يحافظ على وقته من لم يعلم قيمته؟
وإن ما دفعني للحديث عن فن إدارة الوقت وتنظيمه والتذكير به على الرغم من وجود العديد من الدراسات المتخصصة التي تناولت هذا الموضوع بإسهاب كبير وتطرقت إلى محاوره وتفاصيله وناقشت دقائقه ووضعت النظريات العديدة له، هو ما آلت إليه أحوال معظم مجتمعاتنا من الترهل في تقدير الأهمية الكبرى لاحتساب الوقت وتنظيمه في حياتنا اليومية، وبُعدِها عن تقييم الوقت بشكل صحيح يعود بالفائدة على الذات، وانخراط هذه المجتمعات وخاصة فئة الشباب منهم في ملهيات عديدة ومنها صفحات التواصل الاجتماعي بشكل وصل إلى حد الإدمان على الرغم من أهمية هذه الصفحات في حياتنا الاجتماعية إذا ما روعيت الحكمة في التعامل معها؛ ومنها أيضاً الجلوس لساعات طويلة أمام التلفاز وقد يكون ذلك مسلياً ومثقِّفاً إلا أنه يسلبنا الوقت ويحرمنا من استغلال وقت الفراغ بأشياء مفيدة؛ هذه الملهيات كما ذكرها الدكتور مصطفى محمود في كتابه (الشيطان يحكم) “تتبارى على شيء واحد خطير هو سرقة الإنسان من نفسه، شد عينيه وأذنيه وأعصابه وأحشائه ليجلس مسمّراً كالمشدوه وقد تخدرت أعصابه تماماً.. ويعود الواحد إلى فراشه وهو في حالة خواء وفراغ وتوتر داخلي مجهول السبب وحزن دفين كأنه لم يعش ذلك اليوم قط”؛ وعلينا أن ندرك أن الوقت هو الكنز المهمل وهو الثروة الضائعة، ويجب أن نعلم أن إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت كما ذكر ابن القيم يقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، كما أن إضاعة الوقت تقطعك عن العمل والاجتهاد؛ وفي هذا يقول ابن مسعود: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي”؛ وفي قول مشهور للخليفة عمر بن عبد العزيز: “إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما”؛ وفي ذلك يقول الحسن البصري: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل”.
والحق يقال: بأنه لا يوجد شيء يمكن للإنسان أن يندم عليه، إلا لحظة مرت عليه ولم يحسن فيها استغلال الوقت والفرص التي تهيأت له وأضاعها، ولا يوجد وقت يمرّ على الإنسان أسعد من وقت أحسن استغلاله وحقق فيه عملاً يشعره بأنه استطاع أن ينجز فيه شيئاً له أثر نافع؛ فالوقت نعمة كبرى منَّ الله بها علينا، ولكن معظم الناس غافلون عنها.. ولكي نعرف أهمية الوقت لا بدّ أن نضبطَ التعاملَ معه، ونعرفَ متى نعملُ هذا أو ذاك، ومتى يُفترضُ أن يكون هذا الشيء في هذا المكان دون غيره.
وقد نبّه القرآن الكريم في كثير من آياته وفي كثير من الصيغ المختلفة على أهمية الوقت، وذكر الوقت بصيغ مختلفة منها (الدهر والحين والآن والأجل والأمد والسرمد والعصر..) وغيرها من الألفاظ التي تدل على مصطلح الوقت والتي لها علاقة بالكون، ومنها ما يرتبط بعلاقة الإنسان بربه من حيث العقيدة والعبادة.
فمن أهمية وعظمة الوقت أنّ المولى عزّ وجلّ أقسم به في مواطن كثيرة ومن ذلك قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: 1-2]. وقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) [الليل: 1-2]، حيث نلاحظ من الآيات السابقة أنّ المولى عزّ وجلّ أقسم بالوقت في بعض أجزائه، وارتبطت العبادات بمواعيد وأوقات محددة، مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها من المناسك، ومما يرفع من أهمية الوقت في حياة المسلم، قوله تعالى في الصلاة: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء:103]. وارتبط التقويم الإسلامي بالأشهر القمرية والتي تبدأ من ظهور الهلال إلى أن تنتهي باختفائه ليعلن ميلاد شهر جديد قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة:189] أي إنّه يُعرف من خلالها مواعيد الصلاة والصيام والإفطار والحج وهي مواقيت دقيقة يستعين بها الناس.
فالوقت أغلى ما يملكه الإنسان ويحاسب عليه في الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وعن علمه ماذا عمل به». وفي موضع آخر قال صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمساً قبل خمس حياتك قبل موتك وشبابك قبل هرمك وصحتك قبل مرضك وفراغك قبل شغلك وغناك قبل فقرك».
فالوقت لا يمكن تعويضه وهو يمضي سريعاً واستغلاله يزيد من قيمته؛ إذ أن كل شخص يملك منه نفس المقدار، وإن كل عمل يحتاج إلى وقت لا يمكن كسبه إلاَّ إذا أَحسن استغلاله.
وقد عرَّف بنجامين فرانكلين الوقت: “بأنه المادة التي صنعت منها الحياة؛ والحياة المنظمة تتيح الوقت للقيام بكل شيء بالتخطيط والمتابعة، والوقت مورد فريد لا يمكن ادخاره بل استخدامه بحكمة، فالوقت موزع على الكل بالتساوي، ولكن كمية الوقت ليست مهمة بقدر أهمية كيفية إدارة الوقت المتاح لنا وتنظيمه”.
ويمكن إدارة الوقت بفاعلية إذا خططنا له يومياً، فالمخطِّط الناجح هو الذي ينظم أوقاته وفقاً لحاجته، ويقيم توازناً حسناَ بين العمل والفراغ والاسترخاء، ومُجافي التخطيط يخسر حريته تماماً عند اقتراب المواعيد والاستحقاقات.
ولنتذكر دائما: أن التخطيط السليم هو المفتاح لتوفير وقتنا الضائع وتنظيمه، وإن من حاز على عادة التنظيم يكتسب وقتا أطول، أما الذي يعتمد على الفوضى فهو قد يرى نفسه مشغولاً طوال الوقت ولكنه ليس كذلك، فهو مشغول بصرف الوقت، وليس بإنجاز الأعمال.
إن مدة أربع وعشرين ساعة في اليوم الواحد مدة كافية للكثير من العمل، والكثير من الإنجاز، ولكن تضييع ساعات كثيرة هي التي تجعلها ضيقة، وكل من يشعر بأنه بحاجة إلى وقت إضافي لإنجازِ ما عليه يعاني فقط من مشكلة التنظيم، إن الوقت هو الحياة بعينها، ومن تركه بدون تنظيم أهدره في مجالات سخيفة، وتبقى عليه واجباته الأساسية، فيشعر دائما بضيق الوقت.
إن معظم المحن هي من نتائج الوقت الذي يُساء استخدامه، بينما تعود كل الإنجازات إلى الاستغلال الجيد للوقت، ثم إنك سوف تجد الوقت الكافي لإنجاز كل حاجاتك إذا ما أنت نظمته، وهذا يتطلب وضع جدول بعين الاعتبار يعينك على ما يجب عليك عمله مقسماً على الزمن.
إن البعض قد يكون دقيقاً في صرف أمواله، فيحسب دائماً حساباً للحاجة والإنفاق. كما يحسب حساباً دقيقاً للواردات والصادرات، ولكنه يكون مهمِلاً في ما يرتبط بوقته، فالخسارة في الأموال قد تعوض، ولكن خسارة الوقت لا يمكن تعويضها، فكل دقيقة تضيع لا تعود أبداً، ولهذا فإن عليك أن تصرف أوقاتك ضمن جدول زمني محدد، وميزانية دقيقة. والمطلوب هنا هو تقسيم الأفعال على الزمن عبر وضع خطة لما تريد فعله في غدك، وتقدير متوسط الوقت الذي يتطلبه كل فعل منها.
وإنه من الأهمية بمكان أن تعرف أنه لن يستطيع أحد أن ينظم وقتك إلا أنت، فحاجاتك تختلف عن حاجات الآخرين، وانتظامك الداخلي صفة خاصة بك مثل بصمات أصابعك، فلربما تكون من أصحاب الإيقاع البطيء، بينما يكون غيرك من أصحاب الإيقاع السريع وقد يملك أحدنا مخزونا عظيما من الطاقة يعينه على ساعات العمل المتصلة بينما يجد آخر أنه لا يحتمل الاستمرار إلا قليلاً، مع أن هذا الاختلاف لن يغير من مقدار الإنجاز الكلي على المدى الطويل، لكن المهم أن يقوم كل واحد منا بوضع جدول زمني مناسب لإيقاعه الداخلي.
فلا بد لك إذاً من تنظيم الوقت ولكن بالطريقة التي ترتضيها بحيث تكون لك عادة وقتية، أو جدول زمني أو تقسيم ليومك بحيث تعتبر الوقت بمثابة ميزانية يومية تقوم أنت برصدها وتوزيعها على بنود معينة.
والخلاصة إن أهم ما يرتبط بالوقت هو تنظيمه، فالذين عندهم وقت لا يعملون عادة أقل من الذين ليس لديهم وقت، لكنهم يعرفون كيف يميزون الأولويات ويتقيدون بما يتخذونه من قرارات، ونحن لو تعلمنا حسن استعمال وقتنا لالْتَزمْنا منهجاً من شأنه أن يبدل حياتنا بكاملها ويساعدنا على حسن إنجاز أعمالنا.
وأختم بما ذكره أحد الباحثين: “لسنا نجانب الصواب إذا قلنا أن الوقت هو الوعاء الذي تتعاطى نشاطك من خلاله، فلا غنى لك على الإطلاق عن ذلك الوعاء؛ لا بد إذاً من تحديد شكل هذا الوعاء والعناية به، وهو من صنعك أنت وطريقة استخدامه من وضعك، وهي خاضعة لمشيئتك”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>