مجلة نهج الإسلام – العدد /137/ – المقال التاسع

يا أيها الذين آمنوا
بقلم: المهندس محمود خباز
مستشار وزير الأوقاف
تحت هذا العنوان الذي يتوجه إلى الباحث عن الحقيقة، وقد تجاوز محطتي (واجب الوجود، وذات واجب الوجود)، فأيقن عقلاً أن (الوجود الممكن) هو إرادة وقدرة وحكمة لخالق مبدع محال عدم وجوده، وأن القرآن هو الرسالة الصادرة عنه بدليل علمي، وبالتالي فهو المرشد إلى ذات الخالق ورسوله المبلغ.
والتفاتاً إلى المنهج العلمي للبحث عن الحقيقة الذي يعتمد دون خلاف على:
1- التجربة والمشاهدة والبرهان لما يدركه العقل بطاقته المحدودة، ووسائل الإدراك الحسية بحدود إمكاناتها المقيدة بإرادة الخالق، والحواس كثيرة متعددة لا يعلم أغلبها إلا الله العليم، وله إدراك ملكات النفس، فالإنسان يحس بالعطش والجوع دون علمه بحاسة كل منهما، ويميز بين وزنين وبين نعومة ملمسين دون علمه بحاسة كل منهما.
2- الخبر اليقيني الصادر عن الخالق المبدع موجد الكون ونواميسه العليم المريد لكل ما يكون على اللامحدود من الأزل والأبد، حول ما هو غيب تنعدم جسور الوصول إليه بإمكانات العقل والحواس والمحسات طالما تاه الباحثون وترنحوا في الخوض به في مجهلة عصية، وتشوقوا لمعرفة يقينية حوله .وفق هذا المنهج اهتدى الباحث إلى المصدر الحق لخبر الغيب ولما هو وراء الطبيعة وخارج إمكانات وسائل إدراكه الحسية والعقلية، وهو كلام وخبر الموجد الخالق المبدع العليم الذي أيد الدليل مصدره، وهنا بات العقل يقبل الاحتكام إلى النقل، وتطلع إلى معرفة أمينة يقينية لما تعذر – بل استحال عليه – إدراكها إلا بالخبر الصادق، خصوصاً حول:
1- عالم الغيب بدءاً من أصل خلق الإنسان ووجوده ،وعوالم الملائكة والجن ،والموت والقبر، وما بعد الموت، والبعث والصراط والحساب، والجنة والنار، وأثر حياته الدنيا في آخرته.
2- غاية وجوده، ومهمته، وما هو مكلف به، وحكمة وعلة التكليف، والمطلوب منه، أو المنهي عنه، وقد تيقن أن الله غني عن المخلوق لا يزيد ولا ينقص في ملكه استجابة كل خلقه لأمره ونهيه، أو عدم استجابتهم ضعفاً أو عصياناً أو تمرداً، وأنه حكيم منزه عن كل نقص – والعبث نقص نقيض لنواميس الكون ولصنع الله الذي }أتقن كل شيء خلقه{ وسخر الأشياء كلها بنظام لامتناه في الدقة لأداء مراده.
والملاذ غدا واضحاً في السعي إلى الخبر اليقيني، وهو القرآن رسالة الخالق إلى خلقه، والرسول الذي ينطق من وحي الخالق }إن هو إلا وحي يوحى{ (الآية: 4 من سورة النجم).
وخلاصة سريعة لهذا الخبر من المصدر:
- شاءت إرادة الله الأزلية أن يبدع مخلوقاً على الأرض يتميز بعقل ومشيئة وقدرة وعلم وصفات خطيرة أخرى
– في نطاق ما حدده – هي صفات يقتضيها تكليف هذا المخلوق مدى حياته على هذه الأرض، يحاسبه بعدها على قيامه بأداء ذلك التكليف أو تقصيره أو تمرده، فيحيله في حياة أبدية إلى نعيم أو جحيم.
- هذا المخلوق هو الإنسان، ومدى الحياة على الأرض هو أمد الامتحان والابتلاء، والتكليف هو عمارة الأرض، والحساب هو حول التعامل مع التكليف استجابة للأمر والنهي لما فيه حسن أدائه، أو عدم الاستجابة تقصيراً أو تمرداً، من ذلك المخلوق الذي كرمه خالقه بالعقل – الذي هو في الوقت ذاته مناط التكليف – وجعله خليفة ليعمر الأرض.
}وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة{ (الآية 30 من سورة البقرة).
}هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها{ (سورة هود – الآية 61).
}هو الذي جعلكم خلائف الأرض{ (سورة الأنعام – الآية 165).
}ولقد كرمنا بني آدم{ (سورة الإسراء – الآية 70).
}تبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً{ (سورة الملك – الآية 2).
}ليبلوكم فيما آتاكم{ (سورة المائدة – الآية 48).
- والأرض كما الكون خلق متوازن مهيأ لكل معاني السلامة، ومن أولويات الإعمار الحفاظ على ذلك التوازن، وفق الضوابط التي تتحقق وفق الأوامر والنواهي والأحكام، وتضطرب بتجاوزها، وانعكاس الحفاظ كما الاضطراب هو على المخلوق ذاته، فاستحق المقصر أو المتمرد عقاباً، واستحق المستجيب جزاء، وكان الوعد والوعيد، والبشير والنذير، ومن وراء الحياة الدنيا التي تبتدئ بحياة وتنتهي بموت، سعادة دائمة أو شقاء أبدياً.
وما دام التكليف والمهمة والغاية من خلق الإنسان عمارة الأرض، فقد اقتضت حكمة الخالق الحكيم أن تكون الأوامر والنواهي في هذا الاتجاه، ومن أدوات ذلك تضافر الجهود الخيرة من خلال علاقات جامعة، وتعارف ومودة، وتجنب أسباب النفور والتباغض والتهارج، ويتجلى ذلك في الدعوة إلى تعاون الشعوب وتعارفها، وتبادل الحاجات وبر الوالدين، وحسن الجوار، وإصلاح ذات البين، وصلة الأرحام، والكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والعدل والإنصاف، والتكافل الاجتماعي، والتسامح والعفو، واحترام الكبير، والعطف على الصغير، وكفالة اليتيم، ومساعدة المسكين والسائل وابن السبيل، والكثير مما يندرج تحت عنوان القيم والفضيلة.
كما يتجلى في التحذير والوعيد من أسباب النفور والفرقة من نميمة وغيبة، وحقد وحسد، وشح وبخل، وجور وزور، ومكر وخداع، وأسباب فرقة، وفسوق، وتعدي على الدماء والأموال والأعراض، وما يعكر صفو الحياة، وتتمة قائمة المنفرات من سخرية ولمز وألقاب وظن وتجسس وما إلى هنالك.
واستعراضاً لآيات قرآنية:
- في سورة الحجرات: (من الآية 9 حتى 13)
}وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} { فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا{ }إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم{ }يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم{.}ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب{.} يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن{. }ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً{.}يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا{.
- وفي سورة الاسراء: (الآيات 23 – 24 – 26 – 32 – 33 – 34 – 35)
}وبالوالدين إحساناً{ }واخفض لهما جناح الذل من الرحمة{ }وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل{ }ولا تقربوا الزنى{ }ولا تقتلوا النفس التي حرم الله{ }ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن{ }وأوفوا بالعهد{ }وأوفوا الكيل{.
- وفي وصف المتقين في سورة البقرة:
}وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا{. (سورة البقرة/177)
- وفي وصفهم في سورة آل عمران:
}الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس{ (سورة آل عمران/134).
- والتركيز على المال في الهدي القرآني ينسجم مع أداة الإعمار وهي سريان مشاعر التحابب والود والأنس والسكينة في المنفق ومن بلغه انفاقه دون أي معكر لهذه المشاعر الطيبة الصافية التي تصدر عن ارتقاء ونبل وإيثار أساسه الهدي الرباني.
- ومن ذلك الآية 177 من سورة البقرة، وآياتها:
الآية }يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى{ (البقرة/264).
والآية }يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون{ (البقرة/267).
- كما التركيز على السلم والاعتصام ونبذ الفرقة والاصلاح والتسامح والعفو والكلمة الطيبة:
فالآية }واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا{ (سورة آل عمران/103).
والآية }إن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى{ (سورة النحل/90).
والآية }يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة{ (سورة البقرة/208).
والآية من سورة آل عمران بعد مخاطبة }يا أيها الذين آمنوا{ ووصف للمتقين }الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين{ (سورة آل عمران/134).
والآية }وأصلحوا ذات بينكم{ (سورة الأنفال/1).
والآية }ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها{ (سورة ابراهيم/24 – 25).
والآية }ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم{ (سورة فصلت/34).
- وكما كان الأمر والحض على كل ما هو جامع ومؤلف حول محور الخير والإعمار كان النهي والتحذير من كل ما يؤدي إلى الفرقة والبغضاء والعداوة والتهارج، كالخمر المخالط للعقل، والربا وما يفرزه من ضغائن، والميسر وثمرته بالعداوة وما هو أسوأ، والاعتداء بأشكاله على النفس والمال والعرض والعقل والمحارم من النساء، ومنها الجمع بين الأختين وحرمة زواج الأم على عقد ابنتها في سورة النساء.
فالآية }يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون{ (سورة المائدة/90).
ثم الآية }إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله{ (سورة المائدة/91).
والآية }يمحق الله الربا ويربي الصدقات{ (سورة البقرة276/).
- وفي الآيتين من سورة الفرقان في وصف عباد الرحمن:
}والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً{ (الآية 68).
}والذين لا يشهدون الزور، وإذا مروا باللغو مروا كراماً{ (الآية 72).
وشرع الكتابة والشهود سداً لأبواب الاختلاف أو النزاع أو الظلم كما في الدَّين، ودفع المال إلى اليتيم عند رشده، وفي النكاح والعقود، والوصية.
فآية الدين }يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل{
}واستشهدوا شهيدين من رجالكم{ }ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله{ (سورة البقرة/283).
والآية }وابتلوا اليتامى{ }فإن آنستم منها رشداً فادفعوا إليهم أموالهم{ }فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم{ (سورة النساء/6).
والآية }يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران{ }فيقسمان بالله{ }ولا نكتم شهادة الله إنا إذاً لمن الآثمين{ (سورة المائدة/106).
وإذا كانت هذه الاعتبارات المتعلقة بتعامل الناس وعلاقتهم المفضلة ببعضهم أدوات إعمار الأرض والبنيان الذي كلف الإنسان بإشادته.
- فما هو دور وأثر الأركان التي تتشكل من الصلاة والصوم والزكاة والحج وهي واجبات الإنسان تجاه الخالق الغني عن خلقه، وعن تلك الواجبات.
- والجواب لابد من العودة إلى أن الحياة الدنيا هي دار الامتحان والابتلاء، وأن النفس والشيطان يسعيان لغواية الإنسان، فكانت محطات التوجه إلى الخالق بهذه الأركان وقاية من تلك الغواية، وهو يقف خمس مرات كل يوم ضعيفاً لا يملك من أمره إلا القليل جداً الذي أراده الله، بين يدي الخالق العظيم القاهر المالك المهيمن القادر، الذي هداه إلى ما فيه خيره وخير بني جنسه، وما من شأنه عمارة الأرض.
وكذا الصوم والزكاة والحج وهو يتوجه بها إلى الله محتسباً، تنعكس تعاملاً مع خلق الله، وعلاقة معهم كما اقتضى البنيان، وحصناً ووقاية من الغواية التي لا تنفك تلاحقه، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يوصل إلى التقوى، وفي الحج لا رفث ولا فسوق ولا جدال وتزود بزاد التقوى، والزكاة تطهير وتزكية وألفة ومحبة وبعد عن الشح والبخل والحسد والحقد.
ففي الآية }إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر{ (سورة العنكبوت/45).
وفي الآية }يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام لعلكم تتقون{ (سورة البقرة/183).
وفي الآية }الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب{ (سورة البقرة/197).
وفي الآية} خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها{ (سورة التوبة/103).
وكانت الأولوية في هذه المحطة للغاية التي خلق الإنسان لها، والعلة والحكمة، وأدوات أداء هذه الغاية والمهمة، لما لها من أثر مباشر على حياته ومبادرته في الأداء، لكن غيبا جهله في مسألة أصل الإنسان ووجوده ثم المصير بعد الموت، هو على درجة من الأهمية، وقد ترددت على مسامعه نظريات وآراء حار معها ، وزاد اضطرابه وهو يشهد نقضاً لها والدفع بأخرى لا دليل لها من مؤيد علمي، حتى إذا اهتدى إلى المصدر الحق للغيب في القرآن أدرك الحقيقة التي تجلت في الآيات التي سترد بخلاصة أن الإنسان كمخلوق وجد على الأرض ليمتد بقاؤه فيها على مدى الحياة الدنيا التي تنتهي في ميقات لم يُطلِع الله عليه لحكمة أرادها، بدءاً من خلقه آدم عليه السلام من تراب ونفخ الروح فيه، فكان الإنسان بإرادة أزلية للخالق، أوجده بقدرته وإرادته حيث شاء، وتناسل منه ومن حواء بني آدم، ويستمر على مدى الحياة الدنيا، أما فيما ينتظره بعد الموت فيرد بيانه بعد آيات الخلق والحياة الدنيا ونسبة الإنسان إلى آدم كالأب الأول:
الآية }وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة{ (سورة البقرة/30).
وفي الآية }وعلم آدم الأسماء كلها{ (سورة البقرة/31).
وفي الآية} وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة{ (سورة البقرة/35).
وفي الآية }فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدوٌ ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين { (سورة البقرة/36).
وفي الآية }إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران{ (سورة آل عمران/33).
وفي الآية }إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون{ (سورة آل عمران/59).
وفي سورة الأعراف }يا بني آدم قد أنزلنا إليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً، ولباس التقوى ذلك خير{ }يا بني آدم لا يفتننّكم الشيطان{ (سورة الأعراف/26 – 27).
وسورة الإسراء }ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر ورزقناهم من الطّيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً{ (سورة الإسراء /70).
وسورة مريم الآية }أولئك الذين أنعم الله عليهم من ذرية آدم{ (سورة مريم/58).
والآية }ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان { (سورة يس/60).
والآية }وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة{ (سورة الأنعام/98).
- قبل الانتقال إلى ما بعد الحياة الدنيا التي تنتهي بالموت، فقد أجمل البيان الإلهي رحلة الإنسان من حيث هو كذلك، تتجاذبه أهواء ورغبات وشهوات مع تمكين بإرادة وقدرة – بمشيئة الخالق – لا يضبطها أو يلجمها إلا الالتزام بنهج السلامة والنجاة الذي حدده الخالق.
فالآيات الممتدة من 17 إلى 21 من سورة عبس:
}قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره{.
- وعمم نهاية حياة الإنسان الدنيا بالموت:
ففي الآية }كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة{ (سورة آل عمران/185).
وفي الآية }كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة{ (سورة الأنبياء/34).
وفي الآية من سورة الأنعام مشهد الموت للظالمين: }ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت، والملائكة باسطوا أيديهم، أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون{ (سورة الأنعام/93).
- ثم ذكر حياة تعقب الموت، تمتد حتى القيامة التي هي أول منازل الآخرة، هي حياة البرزخ:
ففي الآية }كلا إنها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون{ (سورة المؤمنون/100).
ويذكر البيان الإلهي نفخة الصور وبعث من في القبور، وحشر وجمع يوم القيامة.
ففي الآية }ونفخ في الصور فجمعناهم جمعاً{ (سورة الكهف/99).
وفي الآية }ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض{ (سورة النمل/87).
وفي الآية }ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون{ (سورة يس/51).
ثم الآية }يوم تنشق الأرض عنهم سراعاً، ذلك حشر علينا يسير{ (سورة ق/44).
والآية }وأن الساعة آتية لاريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور{ (سورة الحج/7).
والآية }فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون{ (سورة البقرة/113).
- ومنازل الآخرة تبدأ بساعة يوم القيامة التي أخفاها الله لحكمة يعلمها:
الآية }يسألونك عن الساعة أيّان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجلّيها لوقتها إلا هو{ (سورة الأعراف/187).
أما مراحل ومشاهد القيامة وأولها بعث الناس وخروجهم من قبورهم وحشرهم جميعاً في الموقف الذي يطول، ثم يأتي الأنبياء للفصل في أمرهم فتكون الشفاعة، فتطاير الصحف وأخذ الكتب بالأيمان والشمائل، ثم نصب الموازين ووزن الأعمال، فورود الحوض، ثم المرور على الصراط، يقف الناجون من هذه المراحل على قنطرة المظالم للمقاصة بينهم، وأخيراً دخول الجنة أو النار، ثم خروج من دخل النار من المؤمنين بعد ذلك في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
وتتم هذه المراحل بعد ثلاث نفخات: الأولى هي نفخة الفزع، والثانية هي نفخة الصعق، والثالثة هي نفخة البعث والنشور. والنافخ للثلاثة اسرافيل.
1- الأولى: يتغير هذا العالم، وترتج الأرض، ويولي الناس مدبرين ينادون بعضهم }إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم{ (سورة غافر/ 32 – 33).
تتشقق السماء وتنتثر نجومها، وتخسف شمسها وقمرها.
2 – الثانية: يهلك كل شيء إلا حملة العرش وجبريل وميكائيل واسرافيل، ثم يموت من بقي من الملائكة فلا يبقى إلا الله، وتطوى السماء والأرض، ويقول الله }لمن الملك اليوم{ فلا مجيب، فيقول }لله الواحد القهار{ (سورة غافر/16).
3- النفخة الثالثة: يحيي الله إسرافيل الذي ينفخ نفخة البعث والنشور }ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون{ )سورة الزمر/68).
ثم يحشر الخلائق إلى الموقف العظيم، ثم الشفاعة الكبرى، فأخذ الكتاب بالأيمان أو الشمائل، فالميزان، ثم الحوض، يليه المرور على الصراط – وهو أحد من السيف على متن جهنم – يسقط من وجبت له النار بوروده، وينجو من وجبت له الجنة }وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً{ (سورة مريم/71 – 72).
ويقف الناجون من هذه المراحل وآخرها الصراط على قنطرة المظالم للمقاصة فيما بينهم وهي الجسر الأخير للتنقية والتهذيب بعد استعراض المظالم ليدخلوا الجنة كما وصفهم البيان الإلهي }ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ إخواناً على سررٍ متقابلين{ (سورة الحجر/47).
بعد هذا المنقول بخبر الموجد الصانع الخالق المبدع العليم، عن الغيب الذي شاء إطلاع الإنسان عليه، وهو قدر قليل من عالم الغيب، عودة إلى تساؤل لا يحتمل إلا جواباً واحداً:
ما هو سبيل الإنسان بعقله وحواسه ووسائل إدراكه للوصول إلى حقيقة هذه الغيبيات ولو أعمل هذه الوسائل آلاف السنين؟
وهل هناك في المنهج العلمي للبحث عن الحقيقة من مصدر لمعرفة الغيب سوى الخبر الصادق من الخالق؟
مع العلم أن فكر هذا الإنسان وعقله لا يسعه أن يتجاهل أو يتجاوز إلحاح وضغط لا ينفك عنه عن هذه الغيبيات، فهو لا يتقبل أن تنتهي حياة الإنسان الدنيا بفناء دون جزاء ولا حساب على ما اقترف أو أحسن فيها وهو مظهر لحكمة يشترك فيها مع كون لا مظهر لعبث في أية جزئية فيه، وهو مايتجلى فيما خلف الفراعنة في رسوماتهم على مداخل معابدهم ومقابرهم، من تصور لما بعد الموت – في حين لم يكونوا أتباع دين سماوي – حيث كانت رسوماتهم تتصور افتراق الإنسان بعد دنياه إلى أحد محورين أحدهما لنعيم ومياه وحدائق ومتاع، والثاني لشقاء وعذاب وسياط.
بقي التذكر إلى أن الزمان مخلوق مع الكون، فهو مرتبط بما يتداوله البشر بحركة الشمس والقمر، فاليوم هو الزمن الذي يستغرقه دوران الأرض حول محورها، والسنة هي الزمن الذي يستغرقه دوران الارض حول الشمس دورة كاملة، ومنه الشهر والساعات والدقائق والثواني المجتزأة من ذلك الأصل، ولو تصورنا غياب وجود الشمس والقمر والحركة لما بقي من معنى لهذا الزمان، لكن وفي الوقت ذاته فإن اليوم مختلف في كواكب المجموعة الشمسية باعتباره زمن الدورة الكاملة حول المحور، وكذلك السنة.
وإذا ذكرت السرعة مثلاً للصوت أو الضوء فهي تنسب للثانية أو الدقيقة أو الساعة أو السنة، وكذا الزمن الضوئي المناسب للمسافات البعيدة جداً والمنسوب لسرعة الضوء وهي من مرتبة مئات الكيلومترات بالثانية، تعتمد على مفهوم الإنسان على الأرض للزمن، فإذا خسف الشمس والقمر، وتناثرت النجوم مع نفخة الفزع الأولى ثم ما يعقب ذلك، فلا مجال للقياس على ألفنا من زمن الأرض، وهذا يزيل الحيرة حول الأبد، وحول يوماً كخمسين ألف سنة، وألف سنة.
}هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق ذلك إلا بالحق{ (سورة يونس/5).
}وسخر الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصّل الآيات{ (سورة الرعد/2).
}الشمس والقمر بحسبان{ (سورة الرحمن/5).
وإلى المحطة التالية مع الخالق العظيم المهيمن القادر القوي المريد.
- والكون كله قبضته – ومع الإنسان الضعيف المقهور الذي لا يملك رد أمر الخالق في كل أحواله. بعنوان رحمة الله وحلمه بخلقه.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>