مجلة نهج الإسلام – العدد /137/ – المقال الخامس عشر

مع الإمام الترمذي
وجامعه الصحيح

بقلم: أ. محمد هيثم فخري الدالاتي

توطئة
الحمد لله رب العالمين مالك الملك ذو الجلال رب العرش العظيم، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد المبعوث رحمة وهدى وبشرى للعالمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الشريعة الإسلامية تقوم على المصدرين الخالدين الأساسيين: كتاب الله وسنة رسوله، فيهما رشاد الخلق وفلاحهم، من تمسك بهما لم يضل، ومن أعرض عنهما زاغ وهلك.
وقد تكفل الله تعالى بحفظهما من عدوان المعتدين، وإبطال المبطلين، وتحريف المغرضين، فقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9).
ومن عظيم حفظه سبحانه وتعالى للسنة النبوية أن هيأ لها رجالاً “حملة لها، طافوا البلدان والفيافي والقفار يجمعونها من صدور وأفواه رواتها في جوامع وسنن ومسانيد وأجزاء لا يكاد يعزب عنهم حديثاً واحداً”.
ويكفي أن نعلم أن الواحد منهم كان يرحل المراحل الطويلة ذوات العدد – مع قلة الإمكانات وصعوبة التنقل- يجوب البلاد من أجل سماع حديث واحد أو التثبت منه!!
ثم كان من تمام هذا الحفظ الرباني وتعدد جوانبه أن حظيت هذه السنن والمرويات بنقاد نذروا أنفسهم للذب عنها افتراء المفترين وينقونها من الزيف والدخيل حتى استبان الصحيح منها من السقيم، ولم يدعوا وسيل من وسائل التيقن والتثبت والتحقيق والتنقيح إلا سلكوها؛ فاستحقوا أن يكونوا أمناء الله في أرضه، وأن يتناولهم حديث رسول الله : «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته»(1) حتى أصبح مسلكهم مثلاً يحتذى.
وشاءت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون أحد أركان وأعمدة هذا الحفظ؛ أن قيض لهذه الأمة المحمدية في القرن الثالث المشهود له بالخيرية إماماً كبيراً من أئمة الحديث والعلم والفقه، هو الإمام الحافظ الناقد المتقن أبو عيسى الترمذي صاحب (الجامع الصحيح) أو ما اشتهر بـ (سنن الترمذي) أحد دواوين الإسلام الستة، والذي يعد من أهم وأشهر كتب السنة ومصادرها لفهم هذا الدين العظيم في أصوله وفروعه ومفرداته؛ ومن أجل هذا فقد حظي هذا الجامع وصاحبه بعناية المسلمين على مر العصور دراسةً وشرحاً واستنباطاً وتخريجاً.
وللحديث عن هذا الإمام وأمثاله من هؤلاء الأئمة الحفظة للسنة النبوية ولرفقتهم جانبان، أحدهما يتصل بنشأة الإمام وحياته وسيرته بالطلب والبحث والتحصيل، والثاني يتصل بتعاليمه وعلمه ونشره بين الأنام والانتفاع به.
أما الجانب الأول فهو كالأساس للثاني، فإن العلم والحفظ والتحديث ثمرة النظر الصحيح والفهم الثاقب ودوام التحمل والتحصيل، في رحلة بعيدة المدى في الأقطار والأمصار يقضيها الطالب في مصاحبة أهل الحديث والسماع منهم والأخذ عنهم؛ حتى يبلغ من ذلك مبلغ العلماء.
وأما الجانب الثاني فهو الذي تظهر فيه شخصية الإمام العلمية والعملية بين الناس العامة والخاصة، بعد أن تخرج واستكمل رحلة الطلب، وغدا محل ثقتهم في علمه وعمله، قادراً على التصدر لإفادتهم من خلال التحديث والتدريس والتأليف، بعد أن اثنوا عليه خيراً، ووثقوا بما عنده، واطمأنوا إلى أقواله وأفعاله.
فعلى ذلك، كان لا مناص من أن يكون كلامي موزعاً على قسمين متلازمين ومتكاملين، ومن ثم فقد حرصت على إلقاء بعض الضوء على سيرة وحياة هذا الإمام العظيم والتعريف به أولاً، على أن يكون الرديف له دراسة شيء من منهجه وخصائصه التي اختصها لنفسه وتميز بها في جامعه الصحيح، دوناً عما سبقه مما صنف في حديث رسول الله  من مصنفات، وعلى رأسها الصحيحان وكتاب الإمام أبي داود.
وإني ارجو ان يكون بحثي تذكيراً لأهل العلم يواجب بذل المزيد من الجهد لخدمة هذه المصنفات والكتب، وحثاً لأولي الأهلية على القيام بهذا الواجب دراسة وشرحاً واستنباطاً وتخريجاً واختصاراً وفهرسةً…
وما سطوري المتواضعة هذه إلا محاولة للسير قدماً في هذا الاتجاه، من خلال دراسة (جامع الترمذي) وبيان طريقة ومنزلة هذا الكتاب وإظهار فوائده وذكر خصائصه، والتعريف بحال مؤلفه وذكر مزاياه… كل ذلك بالقدر الذي يسمح به المقام، وتجيزه الصفحات المعدودة لهذه المجلة الغراء.
القسم الأول
التعريف بالإمام الترمذي
أولاً- عصره العلمي:
لا جرم أن عصر أي عالم له شان ودور كبير في تكوينه العلمي والمعرفي، وإمامنا الترمذي الذي ولد في مطلع القرن الثالث الهجري وتوفي في آخره لا يكاد يشذ عن هذه القاعدة البديهية.
والقرن الثالث هذا هو العصر العلمي والثقافي الذهبي في تاريخ أمتنا الإسلامية كله، ولا أدل على ذلك من أن نذكر من بعض أعلامه النجباء الأسماء التالية:
ففي القرآن؛ كان أبو عبيد بن سلام، وابن قتيبة، والدوري، وابن مجاهد، والطبري.
وفي الحديث؛ كان ابن معين، وابن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
وفي الفقه؛ كان الإمام أحمد بن حنبل، والإمام داود الظاهري، والطحاوي، والربيع، والمزني.
وفي العلم؛ كان الكندي، والرازي، والخوارزمي، والبلاذري، وابن عبد الحكم، وبنو موسى.
وفي الأدب والشعر؛ نجد المبرِّد، والجاحظ، وثعلب، وابن دريد، وابن الرومي، والبحتري.
وغيرهم كثير كثير…
وهكذا كانت الحضارة الإسلامية قد بدأت تؤتي ثمارها وتمتد ظلالها، وتنضج نضجاً رائعاً ترك أطيب الأثر في حياة الأمة الإسلامية والدنيا كلها.
ولا ريب في أن الإمام الترمذي كان واحداً من أولئك العمالقة الأفذاذ الذين عاشوا في هذا العصر الذهبي للعلم على اختلاف فروعه، وأنه قد عاش نهضة علمية شاملة لم يأت لها مثيل في سائر العهود الإسلامية، مما كان له أكبر الأثر في صقل شخصيته العلمية، حتى غدا أحد أركان هذه النهضة العلمية المباركة.
ثانياً- اسمه ونسبته:
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة(2) بن موسى الضحاك، السَّلَمي(3)، البُوغي، الترمذي.
وقيل في نسبه قولان آخران: (محمد بن عيسى بن سورة بن شداد) ذكره الحافظ السمعاني (ت562ﻫ)، وقيل: (محمد بن عيسى ابن يزيد بن سورة بن السكن)(4)، والمعتمد الأول؛ وهو الموجود في معظم الروايات والذي عليه عامة العلماء.
والسّلَمي نسبة إلى بني سُليم، قبيلة من قيس عيلان(5)، والبوغي نسبة إلى بوغ وهي بضم الباء وإسكان الواو، وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنها قرية من قرى ترمذ بينهما ستة فراسخ، نُسب إليها الترمذي لوفاته فيها(6)، وأما الترمذي فهي النسبة التي اشتهر بها ابو عيسى بين العامة والخاصة إشارة غلى بلدته ترمذ التي نشأ بها، والمستفيض على الألسنة كسر التاء والميم وتسكين الميم كما ضبطها الحافظ الذهبي (ت748ﻫ) عن شيخه ابن دقيق العيد (ت702ﻫ)(7)، وقال الإمام السمعاني في وصفها: (مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون(8)، خرج منها جماعة كثيرة من العلماء والمشايخ والفضلاء)(9)؛ ومن هؤلاء العلماء والحفاظ:
- أحمد بن الحسن المشهور بالترمذي الكبير المتوفى بعد سنة مائتين وأربعين.
- محمد بن إسماعيل الترمذي السلمي المحدث (ت280ﻫ).
- محمد بن أحمد بن نصر الترمذي أبو جعفر الشافعي (ت295ﻫ).
- محمد بن علي أبو عبد الله الحكيم الترمذي صاحب التصانيف (ت320ﻫ).
وآخرون كثر، ذكر طائفة منهم الإمام السمعاني في كتابه (الأنساب).
ثالثاً- مولده ووفاته:
في مطلع القرن الثالث للهجرة؛ وهو عصر السنة الذهبي – كما أسلفنا- ولد الإمام أبو عيسى الترمذي بمدينة (ترمذ) في أسرة أغفل المؤرخون بيان حالها، بل إنهم لم يعتنوا حتى بذكر تاريخ ولادته، كما أنهم اختلفوا في بعض المسائل المتعلقة بحياة الإمام وتاريخه.
فكثير ممن كتب عن الترمذي وتناول ترجمته من الأوائل لم يتعرض لذكر تاريخ ولادته، وإنما أرخوها بالعقد الأول من القرن الثالث الهجري تقديراً، وأقدم من رأيته اعتنى بذكر تاريخ مولده تحديداً، الإمام ابن الأثير (ت606ﻫ)، فقد صرح أنه ولد سنة (209ﻫ)(10).
وهذا الإبهام الملموس في تعيين تاريخ الولادة ألجأ بعض الكاتبين المحدثين – وقد فاتهم ما نص عليه ابن الأثير من تاريخ سنة ولادته- إلى الاستعانة بترجمة الحافظ الذهبي والحافظ صلاح الدين الصفدي (ت764ﻫ)، للإمام الترمذي بما يستنبط منه أنه ولد سنة تسع ومائتين(11).
لكن العجب من صنيع ابن الديبع الشيباني (ت944ﻫ) الذي خالف أسلافه، وهو يقرر (أن ولادته كانت سنة مائتين) دون أن يذكر سنده، وكذا من نحا نحوه وتبعه من المحدثين(12).
وكما اختلف المترجمون في مكان وتاريخ ولادة الإمام أبي عيسى، اختلفوا كذلك في تاريخ ومكان وفاته؛ فقد قال السمعاني -وتبعه من قلده- في مادة (الترمذي): (توفي بقرية بوغ سنة نيف وسبعين ومائتين إحدى قرى ترمذ)، وقال في مادة (البوغي): (مات بقرية بوغ سنة 275ﻫ)(13).
والذي اعتمده الأكثرون ومشوا عليه في ذلك، هو ما نقله الحافظ ابن حجر (ت852ﻫ)، عن الحافظ أبي العباس المستغفري (ت432ﻫ) من قوله: (مات في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين)(14)، وهو الذي نص عليه سلفه الحافظ ابن كثير (ت774ﻫ) في خاتمة ترجمته بقوله: (ثم اتفق موته في بلده -يعني ترمذ- في رجب من هذه السنة- يعني من سنة 279ﻫ التي أرخه فيها- على الصحيح المشهور)(15).
كذلك اختلفت أقوال المؤرخين في أن الترمذي -بعد أن نعتوه بالضرير- ولد اكمه أم ولد مبصراً؟ وأنه اعتل في آخر عمره بذهاب بصره؟.
والراجح في هذه المسألة ما مال إليه الذهبي وابن كثير من انه ولد مبصراً، ثم أضر في آخر عمره بعد أن رحل وسمع وذاكر وصنف، وكذا اختاره الحافظ ابن حجر ورجحه في كتابه (تهذيب التهذيب)، واعتمده العلامة أحمد شاكر في تحقيقه لجامع الترمذي، والدكتور نور الدين العتر في كتابه (الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين)، وآخرون لدلائل رجحت عندهم.
رابعاً- نشأته ورحلته:
رغم شح المعلومات عن أسرة الترمذي ونشأته، وعن بدء تلقيه للعلم وتاريخ رحلته فيه، فإنه لا يخالجنا شك في أنه نشأ في بيئة علمية صالحة تعنى بالحديث النبوي وعلومه، وأنه اتخذ من الترحال والطواف بالبلاد ديدناً له في طلب العلم وتحصيل الرواية، على عادة النابهين من طلبة العلم في زمانه، وأنه بقي متغرباً عن بلده السنين الطوال، حيث رجع إليها بعد ذلك وقد امتلأ علماً، تشع أنواره من محياه.
والذي يدلنا عليه الاستقراء؛ أن الترمذي بدأ طلبه للعلم مبكراً في صباه من شيوخ بلدته وشيوخ خراسان.
ولا شك أن ذلك كان قبل سنة (220ﻫ) حيث توفي قبلها أقدم شيوخه أبو جعفر محمد بن جعفر السمنانيالقومسي(16)، وأنه قد واصل طلب العلم حتى وفاته.
وليس من شك في أن الرحلات التي قام بها -كانت قبل سنة خمس وثلاثين ومائتين(17)- إلى حواضر العلم كخراسان والعراق والحجاز قد وسعت من أفقه، وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء المدن والبلدات الإسلامية التي زارها وارتحل إليها.
خامساً- علمه والثناء عليه:
كان أبو عيسى الترمذي على صلة وثيقة بالعلم لا يكاد ينفك عنه في حله وترحاله؛ مما جعله إمام عصره بلا منازعة، وأحد حفاظه ونوابغه وفرسانه، ومن أبرز علمائه وأعلاهم منزلة ومرتبة؛ ولا أدل على ذلك من كتابه (الجامع الصحيح) الذي ملأه من علمه ومعرفته بحديث رسول الله ، وفقهه، ومتونه، وعلله، ورجاله، وكفى به شهيداً.
وقد كان للإمام الترمذي من الصفات الخلقية، ما جعله محط أنظار علماء عصره، وواحداً من الذين يشار إليهم في حضور الذهن وقوة الحافظة وسلامة الضبط، ومما يدل على ذلك؛ أن أحد المحدثين امتحنه بأن قرأ له أربعين حديثاً من غرائب حديثه، ثم قال: هات، فأعادها من صدره.
قال الترمذي: (فقرأت عليه من أوله إلى آخره، فقال لي: ما رأيت مثلك)(18).
ويبدو ان علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى، ويقدرونه حق قدره، يدل على ذلك عدد من الوقائع، منها أن شيخ المحدثين الإمام البخاري قد روى عن الترمذي جملة من الأحاديث، بل قال له مرة: (ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي)، فكان الترمذي شديد الاعتزاز بها.
وكان علمه متعدد النواحي؛ فهو -مع تخصصه في الحديث وتفننه فيه- فقيه عظيم، لا يشق له غبار، حتى قال فيه ابن الأثير: (هو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة)(19).
وقال الذهبي: (وكتابه الجامع يدل على تبحره في هذا الشأن، وفي الفقه، واختلاف الفقهاء).
والترمذي ناقد كبيرن وليس هذا غريباً على إمام من أئمة الحديث؛ لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستوى راقياً في بعد النظر ودقة النقد، وسنرى في دراستنا لكتابه (الجامع) دلالة على نقده العميق؛ حتى يحسب الدارس أنه ما خلق إلا لذلك.
ومما يدل على مكانته العلمية ثناء العلماء عليه، ودونك بعضه:
قال الحافظ الإدريسي: (كان الترمذي أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف الجامع والتواريخ والعلل، تصنيف رجل عالم متقن، كان يضرب به المثل في الحفظ)(20).
وقال الحافظ المزي: (أحد الأئمة الحافظ المبرزين، ومن نفع الله به المسلمين)(21).
وغير ذلك مزيد وكثير من الثناء على أبي عيسى الترمذي وشهادات أهل العلم بفضله، رحمه الله تعالى.
سادساً- شيوخه وتلامذته:
إن الحديث عن شيوخه وتلامذته وذكر ترجمتهم وأحوالهم حديث طويل الذيل لا يتسع له صدر هذه العجالة؛ لأن عددهم كبير، حتى قال ابن الأثير: (وأخذ عن خلق كثير لا يحصون كثرة)(22)، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن شيوخه، وسنكتفي بذكر أسماء وسني وفاة طائفة منهم؛ شارك الترمذي الأئمة الخمسة كلهم بالحديث عنهم، وهم تسعة:
عباس بن عبد العظيم العنبري (ت246ﻫ)، وأبو حفص عمرو بن علي الفلاس (ت249ﻫ)، ونصر بن علي الجهضمي الحفيد (ت250ﻫ)، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي (ت252ﻫ)، وعبد الله بن سعيد الكندي أبو سعيد الأشج (ت257ﻫ) ومحمد بن معمر القيسي البحراني (ت بعد 250ﻫ).
ولا يفوتنا أن نخص واحداً من شيوخه ولو بإشارة لطيفة لابد منها، وهو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري شيخ المحدثين وقدوتهم، فقد تكرر ذكره كثيراً، في أخبار أبي عيسى وكتبه، فقد اتصل به وتتلمذ عليه، (الجامع) و(العلل) مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها إلى الإمام البخاري.
وليس غريباً أن يكون عدد من أساتذته عمالقة أفذاذاً؛ لأن طبيعة عصره تقتضي توفر نماذج من هذا النوع؛ ولأن هذا يدلل أيضاً على حرص الترمذي وجدِّه ودأبه في طلب الحديث والسماع ممن علا كعبه وكان غواصاً على خفاياه، وحسبه من هؤلاء فخراً وشرفاً أن يكون تلميذ وخريج الإمام البخاري، أمير المؤمنين في الحديث، ومن أجمعت الأمة على إمامته وجلالته.
فلا غرو بعد هذا أن يصبح الترمذي مقصد العلماء وطلاب الحديث، يفدون عليه وينهلون من علمه ويروون عنه، وأن يكتسب شهرة قليلة النظير، وأن تشيع كتبه بين طلبة العلم في حياته، وأن يكثر تلامذته والناشرون لعلمه والذين بلغ عددهم المئات.
وها نحن نذكر من تلاميذه بعض المشهورين منهم، أمثال: أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي (رواية كتاب الجامع) (ت346ﻫ)، والهيثم بن كليب الشاشي (رواية كتاب الشمائل) (ت335ﻫ)، وحماد بن شاكر أبو محمد النسفي، أحد رواة صحيح البخاري (ت311ﻫ).
سابعاً- مؤلفاته:
للإمام الترمذي كتب عديدة كلها تخدم السنة والدين الإسلامي، أبانت عن إمامته، وغزارة علمه، وعلو كعبه ومنزلته في هذا العلم الشريف، وقد ملأها من علوم شيوخه وأسلافه وما جاد به علمه، بأسلوب سهل واضح؛ جعلها في متناول يد الخاصة والعامة.
ولعل من أهم هذه الكتب والمصنفات:
1- الجامع الصحيح: ضم فيه الترمذي إلى جانب علمه في علوم الحديث ورواياته ورجاله، تعمقه في معناه، والتفقه فيه، ومعرفة مذاهب العلماء، وقد طبع مرات عديدة، وله عدة شروح.
2- العلل الصغير: وهو كراسة في غاية الأهمية ألحقها الترمذي بكتابه الجامع، أفصح فيها عن منهجه في (الجامع)، وأشهرها شروحها وأغزرها فوائد؛ شرح الحافظ ابن رجب الحنبلي.
3- العلل الكبير: ضمنه الكلام على علل الأحاديث مما سأل عنه شيخه البخاري وغيره من الأئمة.
4- الشمائل النبوية: وهذا الكتاب قد زادت شروحه على الأربعين، وله طبعان كثيرة.
وغيرها كثير…. ولا ريب أن الترمذي لو لم يؤلف غير كتابه (الجامع الصحيح) لكفى بالإشادة به، والدلالة على إمامته وفضله.
والحمد لله رب العالمين
الهوامش:
(1) أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه.
(2) سَوْرَة: بفتح السين وتسكين الواو.
(3) السُّلَمي: بضم السين وفتح اللام.
(4) ينظر: تهذيب الكمال، الحافظ المزي، ت. د بشار معروف، ج26، ص250، ط1، مؤسسة الرسالة.
(5) كذا ذكره علي القاري في جمع الوسائل بشرح الشمائل، ج1، ص6، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
(6) ينظر: الأنساب، الإمام السمعاني، ت. المعلمي، ج3، ص46، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، والفرسخ: يساوي ثلاثة أميال، والميل: يقدر بكيلو متر ونصف تقريباً.
(7) ينظر: تذكرة الحفاظ، الحافظ الذهبي، تحقيق المعلم، ج2، ص634، دار الكتب العلمية، بيروت.
(8) نهر جيحون المسمى بـ (أمو داريا) هو المراد بلفظ ما وراء النهر الذي يطلقه البعض قديماً.
(9) الأنساب، ج3، ص44، وهي الآن من أمهات مدن جنوب أوزبكستان تقع على الضفة الشرقية لنهر جيحون.
(10) جامع الاصول، الإمام ابن الأثير، ت. عبد القادر الأرنؤوط، ج1، ص193، ط1، عام 1069م، دمشق.
(11) يراجع: مقدمة العلامة أحمد شاكر للجامع الصحيح، وكاب الموازنة للدكتور الشيخ نور الدين عتر.
(12) يراجع: تيسير الوصول إلى جامع الأصول، ابن الديبع الشيباني، ج1/9، وكتاب نيل الأوطار، للشوكاني، ت. محمد حلاق، ج1، ص126، ط1، عام 1427ﻫ، دار ابن الجوزي، الدمام، وعلوم الحديث ومصطلحه، د. صبحي الصالح، ص399، ط4، عام 2009، ودار العلم للملايين، بيروت.
(13) الأنساب، ج3، ص46.
(14) تهذيب التهذيب، الحافظ ابن حجر العسقلاني، ت. الزيبق ومرشد، ج3، ص668، مؤسسة الرسالة.
(15) البداية والنهاية، الحافظ ابن كثير، ت. د. عبد الله التركي، ج14، ص649، ط1، 1997م، دار هجر.
(16) ينظر: تقريب التهذيب، الحافظ ابن حجر العسقلاني، ت. محمد عوامة، ترجمة رقم (5789).
(17) ينظر: الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، د. نور الدين العتر، ص11، ط1، عام 1970م.
(18) جامع الأصول، ج1، ص193.
(19) ينظر: تذكرة الحفاظ، ج2، ص635، وتهذيب التهذيب، ج3، ص669.
(20) تهذيب التهذيب، ج3، ص668.
(21) تهذيب الكمال، ج26، ص250.
(22) جامع الأصول، ج1، ص193.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>