مجلة نهج الإسلام – العدد /137/ – المقال الرابع عشر

مفهوم العقيدة العسكرية للصّهيونيَّة
بقلم: أ.عــــلاء غـــــرّه

العقيدة العسكريّة للصَّهاينة تستمد جذورها من معتقدات وأفكار كتاب العهد القديم، وهي تتلّخص فيما يلي:
أولاً//الطّبيعة العدوانيّة:
الطّبيعة العدوانية لليهود هي طبيعةٌ متأصّلةٌ فيهم بحكم التّوارث والتّربية التّوراتية ، وليست طبيعةً ظرفيةً أو مكتسبةً ، ونجد في كتاب العهد القديم أمثلةً كثيرةً تدل ّعلى هذه الطّبيعة العدوانية المتميّزة بالهجومية ومنطق القُوّة ، فكتابهم مليْءٌ بالتحريض على العدوان والعنف و الاحتلال والتّوسع والاستيلاء على أراضي الغير بغير وجه حقّ ،وعدوانية إسرائيل تجلّت طيلة تاريخها وآخر ذلك مانجده في فلسطين والجولان، ويكفي أن تكون إسرائيل هي الدّولة الوحيدة في العالم ،التي لم يرد في دستورها حدودٌلها ، ممّا يؤكد على عدوانيتها وأَطماعها المستمرة.
ثانياً//العنف والإرهاب:
إسرائيل قبل قيام الدّولة وبعده ، كان العنف والإرهاب حجر أساس في استراتيجيتها ،وأصبح العنف والإرهاب عنفاً رسمياً تعتمده إسرائيل ، بهدف ردع المقاومة الفلسطينيَّة عن مواصلة النّضال في سبيل استرداد الأرض ، ونذكر على سبيل المثال العمليات العسكريّة ضد العُزَّل ، وعمليات التّفجير والنّسف التي قامت بها المنظَّمات الإرهابيّة مثل (الهاغانا والأرغون وغيرهما) وعمليات اغتيال الزّعماء السّياسيين والقادة العسكريين ، والمفكرين المثقَّفين من عرب وفلسطينيين، وكلكم يذكر قصف جنوب لبنان في 1993م بما يُسمّى (الأيام السّبعة)، وعملية (عناقيد الغصب )التي نفَّذها العدوّ في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي بين 11 و 26 نيسان عام 1996م ، وهناك الكثير ممَّا يمكن أن نذكر في هذا المجال ، بالإضافة لتدمير المباني وطرد السّكَّان وأعمال القرصنة الجويَّة .
يقول الزّعماء والكتَّاب من الصّهاينة من أمثال جابو تنسكي و وايزمن وبن غوريون بضرورة العنف لاستمرار نجاح المشروع الصّهيوني ، وأنَّ مصيرهم مرتبطٌ بقوَّتهم العسكرية ، وكلكم يذكر الإسرائيلي ( باروخغولد شتاني ) الذي ارتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي في عام 1994م إذْ قامت إسرائيل باعتباره بطلاً قوميّاً ؟
ثالثاً // الاحتلال والتوّسع والسيطرة :
الاستراتيجيات الثّلاث التي اعتمدتها إسرائيل بعد إنشائها عام 1948م لتحقيق أطماعها الاحتلالية التّوسعية تُجمل فيما يلي :
‌أ- استراتيجيَّة خاصّة بالاحتلال والتّوسع .
‌ب- استراتيجيَّة خاصّة بالهجرة اليهوديَّة والتّهجير الفلسطيني والعربي .
‌ج- استراتيجيَّة استيطانيَّة للأرض المحتلَّة .
طبعاً هذه الاستراتيجيَّات مستندة على ادّعاءاتٍ يهوديَّةٍ دينيَّةٍ مستقاةٍ من العهد القديم ، وطُبِّقت هذه الاستراتيجيَّات الثّلاث على مراحل وبالشّكل التّالي :
1. توسيع رقعة المجتمع اليهودي على الأرض الفلسطينيَّة المحتلَّة بشكلٍ تدريجيٍّ وذلك من خلال :
‌أ- زيادة عدد اليهود في هذا المجتمع زيادةً سريعةً عن طريق الهجرة الجماعيَّة من جهة ، والزّيادة الطّبيعيَّة للسكّان اليهود من جهة ثانية ، وذلك بتوسيع القاعدة البشريَّة اليهوديَّة التي يتولّد منها المجتمع اليهودي المحارب .
‌ب- زيادة مساحة الأراضي التي يمتلكها اليهود عن طريق إغراء العرب ببيع أراضيهم أولاً ، ثمَّ عن طريق احتلال الأراضي ومصادرتها كما يجري حالياً في القدس الشّرقيَّة والضّفة الغربيَّة .
‌ج- زيادة عدد المستوطنات التي تقام على الأراضي العربيَّة المحتلَّة وتأمين حمايتها ورفاهيتها .
‌د- توفير مختلف الوسائل التي تدفع باليهودي الجديد ( المستوطن ) لكي يتمسك بأرضه الجديدة ولا يُفكر بالعودة لوطنه الأصلي .
2. تحسين القدرة المالية والاقتصاديَّة للمجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة ، وذلك عن طريق الجباية اليهوديَّة وعن طريق تحسين الإنتاج الذّاتي لهذا المجتمع .
3. تحسين القدرة على التّلاحم الاجتماعي بين مختلف أجناس اليهود وطبقاتهم ، بغية تقليص الفوارق الاجتماعيَّة في هذا المجتمع ، ورفع المستوى الثّقافي والاجتماعي وبلورة المجتمع الواحد.
4. تحسين القدرة العسكريَّة للمجتمع اليهودي عن طريق :
‌أ- بناء المستوطنات في مناطقَ إستراتيجية عسكريَّةٍ دفاعيَّةٍ وهجوميَّةٍ ، ووفقاً لإستراتيجية عسكريَّةٍ وسياسيَّةٍ مدروسة .
‌ب- تشكيل قوَّات دفاعيَّة فردية وجماعيَّة ( منظَّمة الهاشومير / الحارس ) ، ثمَّ دفاعيَّةٍ هجوميَّةٍ فيما بعد ( الهاغاناه ) وقوَّات إرهابيَّة ( الأرغن والشتيرنوالهاغاناه ) بغية الدّفاع عن المستوطنات من جهة ، وإرهاب السّكَّان العرب وتهجيرهم من أرضهم من جهةٍ ثانية .
‌ج- تشجيع الاستيطان في القرى القليلة والمدن السّكنية في الأرض المحتلَّة بسبب تهجير أهلها منذ عام 1948م ، وفي الأرض المحتلَّة منذ عام 1967م ، وعلى طول الحدود الجديدة ، ومصادرة الأراضي المملوكة من الفلسطينيين بدواعي الأمن والدّفاع ومصلحة الاقتصاد الوطني واستخدام قانون الغائبين … ، وبناء مستوطناتٍ يهوديَّةٍ على هذه الأرض وفقاً لمخططٍ عسكريٍّ وإنمائيٍّ واجتماعيٍّ مدروس .
5. اتّباع إستراتيجية المراحل ، أي إستراتيجية القضم والهضم للأراضي المصادرة ، واستخدامها في إستراتيجية الاحتلال والتّوسع والهجرة والتّهجير والاستيطان ، وذلك بدءاً من مطلع القرن التّاسع عشر ، مروراً بعهد الانتداب البريطاني وقيام الكيان الصّهيونيّ حتَّى اليوم بلا انقطاع، والمهمات التي تقع على إسرائيل في هذا المجال تُحدّد بما يلي :
‌أ- نمو سكاني يهودي عن طريق النّمو الطّبيعيّ والهجرة الجماعيَّة .
‌ب- تطوّر الاقتصاد ومقدرة الإنتاج الذّاتي لتقليص تعلّق إسرائيل بالاستيراد ولتحسين الميزان التّجاري .
‌ج- بلورة المجتمع ورفع مستواه الثّقافي والمهني ، مع اجتثاث جذور الفقر والجهل ، وتقليص الفوارق الاجتماعيَّة بين أوساط المواطنين .
‌د- تشجيع حركة السّكن القروية والمدنية في المناطق غير المأهولة ، ضمن نطاق إسرائيل بحدود ما قبل حرب حزيران وعلى الحدود الجديدة بموجب مقتضيات الأمن والميزان السّياسيّ .
‌ه- تعزيز قوّة جيش الدّفاع الإسرائيلي في العدّة والعدد .
• أيضاً إنَّ حقيقة أطماع إسرائيل في الاحتلال والتّوسّع والسّيطرة تتضّح كَما يلي كما عبّر عنها ( موشي دايان ) :
‌أ- أيُّ سلامٍ يمكن أن يقوم يمكن أن يقوم مع إسرائيل والعرب هو سلامٌ مؤقتٌ وليس دائم ، فالسَّلام الدّائم لن يكون لمصلحة إسرائيل التّوسعيَّة الطّامحة للسّيادة التَّامة على الجوار العربي بأكمله .
‌ب- إسرائيل لا ترضى بتعيين حدودٍ لها ، فحدودها يجب أن تظلّ مرنةً قابلةً للامتداد وعلى حساب الجيران .
‌ج- قيام الدّولة اليهوديَّة مع ما يلزمها من مقتضيات التّوسع والسّيطرة ، يَفترض قيام السّيادة اليهوديَّة مكان السّيادة العربيَّة في أي مكان تصله قدم يهوديّ .
• إنَّ استراتيجيَّة إسرائيل في التّوسع مدروسة ، وشهيتها مفتوحة ، والضّمير العالمي يسايرها على حساب حقوق العرب وكرامتهم ، فإلى متى يظلّ هذا ؟

رابعاً // الحرب الجماعيَّة أو الأمَّة المسلحة :
• المجتمع الإسرائيليّ هو مجتمعٌ عسكريٌّ بطبيعته لأنَّه قائمٌ على الاغتصاب والقهر ، ونظام الخدمة العسكريَّة عندهم هو إجباري ، يجمع بين الذّكور والإناث ، ويخدم الإسرائيلي 48 شهراً للضباط ، 36 شهراً لباقي العسكريين الذّكور ، 24 شهراً للنّساء ، ثمَّ يخضعون بعدها لتدريبٍ سنويٍّ حتَّى سن 54 للرّجال و 24 للنّساء غير المتزوجات ، وتكون مدّة التّدريب السّنوي شهراً واحداً ، ممّا يجعل الدّولة تحتفظ بنسبةٍ كبيرةٍ من الشّعب في حالةٍ بدنيةٍ وذهنيةٍ لائقةٍ للقتال ، هذا بالإضافة إلى ما تتميّز به إسرائيل من قوّة نووية .
• ميزانية إسرائيل في مجال الجيش هي ميزانيةٌ كبيرةٌ جداً ، كما أنَّها تستخدم أفضل نظامٍ للتّعبئة وأسرعه في العالم .
• تعتمد إسرائيل في استعداداتها العسكريَّة على ثلاثة أُسسٍ ثابتة ، هي الجيش النّظامي والجيش التّعبوي ونظام الدّفاع الإقليمي القائم على المستوطنات ، وأيضاً تعتمد مبدأ المحافظة على التّفوق المطلق في المجالات العسكريَّة والتّقنيَّة .
• وهكذا يمكن القول : إسرائيل أمّةٌ مسلّحةٌ والمجتمع الإسرائيلي هو مجتمع حرب ، وهذا أمرٌ توارثه اليهود عن السّلف جيلاً بعد جيل .
خامساً // التّعبئة النّفسيَّة والمعنوية :
• تهدف التّعبئة النّفسيَّة والمعنويَّة لجيشٍ ما وشعبٍ ما إلى حشد القوى عن طريق تكثيف التّوجيه النّفسيّ والمعنويّ للجيش والشّعب ، بشكلٍ يجعلهما متحفزين لخوض حربٍ وضمان النّصر فيها، ويتمّ ذلك بتحقيق العناصر التّالية :
‌أ- خلق الباعث أي الغاية التي تُبرر الحرب وتدفع المقاتل للقتال في سبيل تحقيق الغاية أو الاستشهاد .
‌ب- إعداد الأداة الضّروريَّة لتحقيق الغاية .
‌ج- خلق المناخ النّفسيّ والمعنويّ للحرب وتحقيق العوامل المواتية لإيجاد هذا المناخ .
وطبعاً نجحت إسرائيل في هذا على الصّعيدين الدّاخلي والخارجي ، أمَّا الدّاخلي من خلال التّحفيز للمواطن الإسرائيلي على الاستعداد للقتال في أيّ وقتٍ كان ، والخارجيّ من خلال كسب الأصدقاء وتحييد الخصوم عن طريق التّعبئة الإعلاميَّة في الدّول الفاعلة في السياسة العالميَّة .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>