مجلة نهج الإسلام – العدد /137/ – المقال الرابع

(قاعِدَتي الجَوَابِرِ والزَّوَاجِرِ)
الدكتور تيسير أبو خشريف
معاون وزير الأوقاف للشؤون الرقابية والدينية
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
ـ قاعدة الزواجر: الزواجر تعتمد المفاسد، فقد يكون معها العصيان في المكلفين، وقد لا يكون معها عصيان، كالصبيان والمجانين، فإنَا نزجرهم ونؤدبهم لا لعصيانهم بل لدرء مفاسدهم واستصلاحهم، وكذلك البهائم.
وقد يكون مقدرة، كالحدود، وقد لا تكون، كالتعازير.
ـ وأما قاعدة الجوابر: فهي مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة، والزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة ولا يشترط في حق من يتوجه في حقه الجابر أن يكون آثماً، ولذلك شرع مع العمد والجهل والعلم والنسيان والذِّكْر، وعلى المجانين والصبيان، بخلاف الزواجر فإن معظمهما على العصاة زجراً لهم عن المعصية وزجراً لمن يقدم بعدهم على المعصية.
وقد اختلف العلماء في بعض الكفارات هل هي زواجر لما فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها، أو هي جوابر لأنها عبادات لا تصح إلا بنيات، وليس التقرب إلى الله زجراً بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست قربات لأنها ليست فعلاً للمزجورين بل يفعلها الأئمة بهم؟
والجوابر تقع في العبادات والنفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح والأموال والمنافع؛ فجوابر العبادات؛ كالتيمم مع الوضوء، وسجود السهو للسنن، ووجهة السفر في الصلاة مع الكعبة وجهة العدو في الخوف مع الكعبة إذا ألجأت الضرورة إلى ذلك.
وصلاة الجماعة لمن صلى وحده لأنه يجبر ما فاته من فضيلة الجماعة بالإعادة في جماعة أخرى وأخذ النقدين مع دون السن الواجب في زكاة الحيوان، والإطعام لمن أخر قضاء رمضان عن سنته إلى بعد شعبان أو لم يصم لعجزه، والصيام والإطعام والنسك في حق من ارتكب محظوراً من محظورات الحج، أو الدم لترك الميقات أو التلبية، أو شيء من واجبات الحج ما عدا الأركان، أو العمل في التمتع أو القران وجبر الدم بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة في غيره، وجبر الصيد في الحرم أو الإحرام بالمثل أو الإطعام أو الصيام أو الصيد المملوك بذلك لحق الله تعالى وبقيمته لحق الآدمي المالك وهو متلف واحد جبر ببدلين (وهو من نوادر المجبورات).
وينبغي الإشارة إلى أن الصلاة لا تجبر إلا بعمل بدني، ولا تجبر الأموال إلا بالمال، ويجبر الحج والعمرة والصيد بالبدني والمالي معاً ومفترقين، والصوم بالبدني بالقضاء وبالمال في الإطعام.
وأما الجوابر المتعلقة بالأموال، فالأصل فيها رد الحقوق بأعيانها عند الإمكان، فإذا ردَّها كاملة الأوصاف برئ من عهدتها، وإن ردها ناقصة الأوصاف جبر أوصافها بالقيمة؛ لأن الأوصاف ليست من ذوات الأمثال، إن ردها ناقصة القيمة موفرة الأوصاف لم يضمن ما نقص قيمتها بانخفاض الأسواق. لأنه لم يفت شيء من أجزائها ولا من أوصافها.
مثاله: إذا غصب حنطة تساوي مائة فردها وهي تساوي عشرة، أو غصب ثوباً يساوي عشرة فرده وهو يساوي خمسة لانحطاط الأسعار؛ لأن الغاية رغبات الناس وهي غير متقومة في الشرع، والصفات والمنافع لا يمكن رد أعيانها فتضمن الصفات عند الفوات بما نقص من قيم الأعيان.
وتضمن المنافع بأجور الأمثال إذا تعذر رد الأعيان، ولها حالان:
أحدهما: أن تكون من ذوات الأمثال فتجبر بما يماثلها في المالية وجميع الأوصاف الخلقية؛ كضمان البر بالبر، والزيت بالزيت، والسمسم بالسمسم، وإنما يجب جبرها لقيامها من جميع الوجوه وجميع الأعراض؛ فإن الأعيان إذا تساوت في قدر المالية وفي الأوصاف الخلقية فقد حصل الجبر بما يقصده العقلاء من المالية والأوصاف وجميع الأعراض، ولا مبالاة بتفاوت العين إذ لا يتعلق به غرض عاقل بعد الفوات.
المثال الثاني: جبر لبن المصراة بالتمر فإنه مثلي خارج عن جبر الأعيان بالقيم والأمثال ((التصرية حبس اللبن في ضرع الدابة ليوهم البائع المشتري أنها تحلب مقداراً كبيراً من الحليب، ثم يتبيَّن خلاف ذلك))، وإنما نحكم بذلك لأنا لا نعلم ما اختلط من لبن البائع بلبن المشتري فتولى الشرع تقديره، إذ لا سبيل لنا إلى تقديره، وجعله بالتمر لموافقته للبن في الاقتيات ولعزة التقدير عند العرب.
الحال الثانية: إذا تعذر رد الأعيان بأن كانت الأعيان من ذوات القيم كالشاة والبعير والفرس فيجبر كل واحد منهما بما يماثله في القيمة والمالية لتعذر جبره بما يماثله في سائر الصفات، فإن أتلفه متلف ليس في يده بأن أحرق دارا ليست في يده، أو أتلف دابة في يد راكبها، فإنه يجبر ذلك بقيمته وقت إتلافه لأنها هي التي فوتها.
وإن فات شيء من ذلك تحت يده الضامنة بتفويته أو بتفويت غيره أو بآفة سماوية فإنه يخير عند الشافعي رحمه الله بقيمته أكبر ما كانت من حين وضع يده إلى حين الفوات تحت يده؛ لأنه مطالب برده في كل زمان، فلذلك وجب عليه أقصى قيمة.
وقال بعض العلماء: يجبر كل شيء بمثله من حيث الخلقة وإن تفاوتت أوصافه، فإن جبره بأكثر من قيمته ظلم لغاصبه، وجبره بدون قيمته ظلم لمالكه بما نقص من ماليته، ولا يجوز القياس على جبر الصيد بالمثل من النعم، فإن ذلك تعبد حائد عن قواعد الجبر.
ـ وأما صفات الأموال فليست من ذوات الأمثال، والطريق إلى جبرها إذا فاتت بسبب مضمن أو فاتت تحت الأيدي الضامنة أن تقوم العين على أوصاف كمالها، ثم تقوم على أوصاف نقصانها فيجبر التفاوت بين الصفتين بما بين القيمتين.
ـ وأما المنافع فالمحرم منها لا يجبر؛ احتقاراً لها كالمزمار ونحوه، كما لم تجبر النجاسات من الأعيان واستثني من ذلك مهر المزني بها كرهاً؛ تغليباً لجانب المرأة، فإنها لم تأت محرماً، والظالم أحق أن يُحمَل عليه.
مما سبق يتبين الفرق بين هاتين القاعدتين من خلال الآتي:
الوجه الأول: الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة، والجوابر مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة.
الوجه الثاني: معظم الزواجر على العصاة زجراً لهم عن المعصية، وزجراً لمن يقدم بعدهم على المعصية، ومعظم الجوابر على من لا يكون آثماً.
الوجه الثالث: معظم الزواجر إما حدود مقدرة وإما تعزيرات غير مقدرة فهي ليست فعلاً للمزجورين بل يفعلها الأئمة بهم، وإنما الجوابر فعل لمن خوطب بها.
الوجه الرابع: الجوابر تقع في النفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح والعبادات والأموال والمنافع بخلاف الزواجر فإنها إنما تقع في الجنايات والمخالفات.
جاء في كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد): والجنايات التي لها حدود مشروعة خمس:
أحدها: جنايات على الأبدان أو النفوس والأعضاء، وهو المسمى قتلاً وجرحاً.
وثانيها: جنايات على الفروج، وهو المسمى زناً وسفاحاً.
وثالثها: جنايات على الأموال، وهذه ما كان منها مأخوذاً بحراب سمي حرابة إذا كان بغير تأويل، وإن كان بتأويل سمي بغياً، وما كان منها مأخوذاً على وجه الخفية من حرز سمي سرقة، وما كان منها مأخوذاً بغلبة وقوة سمِّي غصباً.
ورابعها: جناية على الأعراض، وهي المسمى قذفاً.
وخامسها: جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الشرع من المأكول والمشروب، وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط وهو حد متفق عليه.
وقد اختلف العلماء في مسألة متعلقة بهاتين القاعدتين. وهي: هل الحدود زواجر أو جوابر؟
ـ فقال جمهور الفقهاء: القصاص من القاتل أو العفو عنه يكفر إثم القتل؛ لحديث النبي : «الحدود كفارات لأهلها»، وهذا عام لم يُخصِّص قتلاً من غيره. قال الإمام النووي رحمه الله: ظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة بالعقوبة في الآخرة.
ـ وقال الحنفية: القصاص أو العفو لا يكفر إثم القتل؛ لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما القصاص منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل. قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة:179/2].
والحمد لله رب العالمين.
أهم المصادر:
ـ أنوار البروق في أنواء الفروق، شهاب الدين القرافي المالكي (684هـ)، طبعة عالم الكتب.
ـ بلغة السالك لأقرب المسالك، أحمد الصاوي، دار المعارف، القاهرة.
ـ غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، أحمد بن محمد الحنفي الحموي الحنفي، ط 1 – 1405 هـ، دار الكتب العلمية – بيروت.
ـ الفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق.
ـ قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام (660 هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت.
ـ المقدمات الممهدات، ابن رشد (الجد)، دار الغرب الإسلامي.
ـ الموافقات، أبو اسحاق الشاطبي، دار التراث العربي- بيروت.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>