مجلة نهج الإسلام – العدد /137/ – المقال الثالث عشر

التدابير الوقائية من الإيدز

د.محمد هاني الشعال

مدرس في معهد الشام

مقدمة :

داء قاتل فتك بملايين البشر, عندما انحرف البشر عن قانون الله السماوي وركنوا إلى الأرض تألموا وأصابتهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم.

و حصد هذا المرض من الضحايا ما عدده أكثر ممن ماتوا في الحرب العالمية الأولى و الثانية

قال رسول الحق محمد صلى الله عليه وسلم:

(لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا) سنن ابن ماجه 2/1322 تحقيق عبد الباقي.

ومنهج الإسلام الأصيل هو الوقاية خير من العلاج: وهذا مبدأ يندرج تحت القاعدة الشهيرة (سد الذرائع) وتقضي هذه القاعدة بإغلاق جميع السبل المؤدية إلى المحرم وإلى الضرر المحقق

و يرادف المبدأ الإسلامي المذكور قاعدة أخرى وهي (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وقاعدة (الدفع أقوى من الرفع) أي : منع الشيء من الوقوع يعتبر أقوى في التأثير مما لو انتظرنا أن يقع ثم نحاول بعد ذلك إزالته.

والأمثلة الواضحة التي توضح معنى القاعدة المذكورة : هو مبدأ غض البصر عن المحرمات وذلك وقاية من الوقوع فيها والنهي عن الخلوة بالأجنبية وقاية من الوقوع في الزنا.

وأخذ الحذر من العدو والاستعداد له أولى من التفريط والإهمال لندعه يخترق حصوننا ثم نبحث عن طريقه إخراجه.

أهم التدابير الوقائية من مرض الإيدز

1- تسهيل وتبسيط الزواج و التشجيع عليه:

قال الله تعالى: (و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم) سورة النور 32

إذا أغلقنا أبواب دخول الأعداء إلينا, وجعلنا مدخلاً واحداً آمناً لمن نثق بهم من الأصدقاء لن يخترقنا عدو ولن يؤذينا مؤذ .

فعندما نفتح القنوات الطاهرة من خلال الزواج الشرعي المحاط بالقدسية والطهر والنقاء وهو أول بوابة تطرد شبح (الأمراض الجنسية وعلى رأسها الإيدز)

والشرائع السماوية كلها راعت الفطرة الإنسانية وأشبعتها بالطرق الآمنة السليمة وجعلت إرواء الحاجة الفطرية الجنسية منضبطاً بالزواج لتكون العلاقة بين الجنسين صحيحة تؤتي ثمارها الطيبة وجناها اليانع

وجميع الشرائع السماوية دعت للزواج فقد جاء في العهد القديم (ليس جيداً أن يكون آدم لوحده, فاصنع له معيناً نظيره) سفر التكوين وجاء في العهد الجديد :

( ولكن أقول لغير المتزوجين والأرامل: لأنه أحسن لهم إذا لبثوا كما أنا ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم أن يتزوجوا لأن التزوج أصلح من التحرق) رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس

2- الوقوف في وجه الدعايات الهابطة للاختلاط بين الجنسين في كل المرافق والمؤسسات دون ضوابط :

ثبت أن الاختلاط بين الشباب الشابات يتناسب طرداً مع انتشار الفاحشة ومن ثم انتشار الإيدز.

والتفريق بين الجنسين يعد من باب (سد الذرائع) فالمتلازمة المنطقية التي أثبتتها التجارب تقول:

الاختلاط بلا ضوابط وأسس شرعية باب لإثارة الشهوات الثائرة و قناة خصبة للوصول للزنا والأخيرة هي البيئة الجرثومية للوصول للإيدز فيجب سد هذه الذرائع

3- محاربة السّعار واللّهاث وراء الفواحش والفاحشة في التعريف: هي كل ما عظم وقبح من الأفعال والأقوال (1)

(1) الراغب الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن صحيفة 373

وقد حرم الله سبحانه وتعالى الفواحش بقوله:

(قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) “الأعراف 32″

ونهانا ربنا سبحانه أن نقربها بقوله سبحانه :(ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)

ومن أعظم الفواحش التي تعتبر انتكاساً عجيباً عن الفطرة السليمة القويمة للبشر ما يدعو إليه بعض الجهلة الحمقى لارتكاب الزنا البشع و الأبشع منه ما لم تفعله الحيوانات وهو فعل اللواط الذي خالف غريزة الحيوانات علاوة على الفطرة الإنسانية السليمة وورد في القرآن العظيم قوله تعالى :(ولوطاً إذ قال لقومه أتـأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون) سورة النمل.

ومن الفواحش التي تعد من أكبر الكبائر (الزنا) التي حذر الله من عاقبة فعلها الوخيم بقوله: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلاً) الإسراء 32

وفي الكتاب المقدس جاء في العهد القديم تحريم قاطع للزنا: في الوصية السابعة من الوصايا العشر التي تلقّاها موسى عليه السلام : (لا تزن) وفي العهد القديم أيضاً : (الزاني بامرأة عديم عقل) أمثال 6:29

وكذلك جاء في الإنجيل النهي عن مقدمات الزنا (إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنا بها في قلبه) إنجيل متّى إصحاح 28

وفي الإنجيل ( لا تخالطوا الزناة ….لا تخالطوا الزناة ولا تؤاكلوا مثل هذا, اعزلوا الخبيث بينكم) رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس(9:5)

وفي الكتاب المقدس تحريم اللواط والشذوذ عن الفطرة السليمة, (إذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد أصبح كلاهما رجساً ,يقتلان , مهما عليهما) سفر اللاويين 13:20

فيجب على جميع الدول التي ترعى أبنائها وتريد حمايتهم من براثن الأمراض الفتاكة في الدنيا والعقوبة في الآخرة أن تأخذ على أيادي مروجي الفاحشة ومنع كل وسائل الدعايات الآسنة التي تدعو للزنا

قال الله تعالى : (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحش في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) سورة النور/19/

4- المحاسبة الشديدة لكل من يعتمد نقل المرضى للأصحاء بأي وسيلة كانت : لأن من يفعل ذلك يعتمد نشر الضرر في المجتمع ويخطط لذلك وهذا مفسد في البلاد يجب أن ينال أشد عقوبة لأن الله تعالى نص في كتابه الكريم بقوله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبّوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفعوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) سورة المائدة (33)

فعلى الدولة أن تنزل بهؤلاء الذين ينشرون الآفات الأخلاقية في المجتمع وكذلك يسعون لنشر الأمراض الجسدية أشد العقوبات وكما لا يمنع من نصح المصابين وتذكيرهم أنّ هذا المرض ابتلاء من الله تعالى وأنّ توبتهم ورجوعهم وصبرهم له أجر عظيم وأنّ الشيطان يسوّل لهم أن ينشروا المرض لغيرهم وهذا يزيد عقوبتهم وسينالهم الإثم المضاعف عند الله.

ولابد من التوجيه لجميع من يحيطون بالمصابين بهذا المرض بضرورة حسن التعامل معهم حتى لا يحاولوا الانتقام بنشر المرض بين الأصحاء.

5-منع مريض الإيدز من الزواج بشخص معافى وذلك من باب القاعدة الأصولية الشهيرة: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) فالمعاشرة الجنسية هي من أكبر وسائل انتشار هذا الطاعون المميت وحفاظاً على المجتمع يؤخذ برأي جمهور الفقهاء الذي ينصّ على (موافقة الولي على الزواج) فعندما يعلم الأب ويتيقّن أن مصاباً بمرض الإيدز تقدّم لابنته مثلاً, فللولي الحق في منع ابنته من الزواج ولا يعتبر الولي عاضلاً لابنته, والعضل كما جاء في المذهب الحنبلي: (منع المرأة من التزوّج بكفئها إذا طلبت ذلك) المغني 7/337 وكذلك الأمر بالنسبة للنصارى, فلا ينعقد الزواج بين امرأة ورجل مصاب بالشذوذ الجنسي, ولا بين رجل وامرأة تمارس السِّحاق (من كتاب: الصحة والمرض من منظور ديني- صحفية(9) للقسى اتناسيوس ميخائيل مكرم)

وأنصح جميع المقبلين على الزواج بإجراء الفحوصات الطبية التي تقررها الدولة لتجنب مثل هذه الأمراض الخطيرة وأمثالها من الأمراض المعدية ومن الممكن إيجاد حل للمصابين بهذا المرض العضال أن يتزوج بمريضة مصابة بالمرض نفسه, مع الأخذ بعين الاعتبار اتخاذ الإجراءات الواقية من إصابة الجنين بالمرض واستشارة المتخصصين في مثل هذه الحالة.

6-اتخاذ الاحتياطات لتجنب المرأة المصابة بالإيدز من الحمل وذلك لدرء مفسدة إصابة الجنين بالمرض حيث تقول الدراسات الإحصائية أن نسبة انتقال العدوى إلى الجنين في أثناء الحمل تبلغ 10% ونسبة انتقاله إلى لطفل أثناء الوضع وبعده تبلغ 30%

ولا مانع شرعاً من أن تقوم الأم بحضانة طفلها إذا أصيبت بالإيدز و الأحوط عدم إرضاع الأم المصابة بالإيدز طفلها إذا أمكن وجود مرضعة وفي حال تعذّر ذلك فلا مفر من إرضاعه حماية له من الهلاك .

7- الفحص الدقيق للقادمين الى القطر حفاظاً على الصحة العامة ووقاية لأبناء المجتمع .

أخيراً:

إن الوازع الديني هو العنصر الأبرز الذي يقي أفراد المجتمع من جميع الأمراض الأخلاقية ويجب تعزيزه من خلال جميع البرامج والمناهج التربوية بالتعاون مع الجمعيات الأهلية والعامة إضافةً للتأكيد على أهمية دور الأسرة في بناء شخصية أبنائها وتوعيتهم وغرس الإيمان والقيم الفاضلة في نفوسهم ومتابعه الآباء لأبنائهم وحسن رعايتهم.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>