مجلة نهج الإسلام – العدد /137/ – المقال الثاني عشر

عدسة المجلة
مغارة الدم.. مقام الأربعين
إعداد: أ. ملهم الدرع

كتب الأستاذ الراحل محمد أحمد دهمان مؤرخ دمشق في إحدى مؤلفاته: ( للجبال أثر كبير في التاريخ الديني، فجبل سرنديب هبط عليه آدم أبو البشر، وسفينة نوح إستوت على جبل جودي، والفتية الذين آمنوا بربهم أووا إلى الكهف في جبل الرقيم، وموسى بن عمران كلمة الله تعالى على جبل طور، وعيسى وأمه أوبا إلى ربوة ذات قرار معين، وجبيرل الملك جاء بالرسالة إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في جبل حراء، واختبأ الرسول عليه الصلاة والسلام مع ابي بكر في جبل ثور حين لحقته كفار قريش، وأحد قال عنه النبي العربي عليه الصلاة والسلام « أحد جبل يحبنا ونحبه» ).
إذا من الطبيعي أن تتأثر باقي الجبال بهذه القصص والحوادث فتنسج حولها الأحاديث والقصص وتصبغ بالصبغة الدينية المقدسة، وقد استطاعت دمشق أن تلفت أنظار العالم الإسلامي وأن تظهر بالمظهر المقدس حتى صارت رابع المدن المقدسة، واستأثر جبلها الخالد قاسيون بالحصة الكبرى من الصفات والقصص ومنها مغارة الدم وهي إحدى أهم المشاهد المقدسة في جبل قاسيون.
ربطت الروايات التاريخية عبر العصور بين مغارة الدم وقصة أول جريمة في التاريخ ألا وهي قصة مقتل هابيل على يد أخيه الأكبر قابيل وهم ولدا سيدنا آدم عليه السلام, ولم يأت هذا الربط بعد الإسلام بل كان ملازماً للمغارة من عصور سابقة له, فقد كانت في السابق معبداً وثنياً ثم تحولت إلى كنيسة إلى أن دخل الإسلام دمشق فأصبح للمغارة مكانة دينية كبيرة لدى المسلمين مرتبطة بما ورد في القرآن الكريم من قصة ابني آدم عليه السلام .

ومختصر الرواية قابيل وهابيل أرادا أن يقدما لربهما قرباناً ليتقربا منه، فتقبل الله تعالى من هابيل ولم يتقبل من قابيل الذي غاظه تقبل ربه من أخيه، ووسوس الشيطان له قتل أخيه والخلاص منه ففعل ذلك ثم هام بجثة أخيه فترة من الزمن لا يعلم ما يفعل معها حتى أرسل له الله تعالى غرابين قتل أحدهما الآخر ودفنه فقام بدفن أخيه على نفس الشاكلة, هذه القصة كما وردت في (سورة المائدة 27- 31). أما الروايات التي ارتبطت بهذه القصة فهي أن مكان القتل كان على سفح جبل قاسيون بدمشق, فعندما تمت الجريمة سال دم هابيل على صخر الجبل فشربت الأرض هذا الدم فلعنها سيدنا آدم فحرم الله على الأرض أن تشرب دماً بعد هذا الدم, ثم فتح الجبل فمه من هول الحادثة ويقال فتح الجبل فمه ليبتلع القاتل, وبكى الجبل حزناً على هابيل, وسار القاتل بجثة أخيه أياماً حتى أرسل الله له الغرابين فتعلم منهما الدفن وقام بدفن أخيه على سفح جبل في منطقة الزبداني حيث كان, وقبره هناك معروف ويزار وقيل أن نبياً أو أربعين نبياً لجؤوا إلى مغارة الدم هرباً من ظلم أحد الملوك وما أن داهمهم الخطر في المغارة حتى شقَّ الله الجبل و يسر لهم طريق الخروج من الطرف الأخر فخرجوا تاركين من خلفهم روائح المسك والعنبر التي بقيت في الصخر .وقيل أنه في يوم من الأيام كاد أن يسقط سقف مغارة الدم على أحد الأنبياء فقام سيدنا جبريل عليه السلام بوضع كفه على سقف المغارة فمنعه من السقوط , وبقي أثر كفه في سقف المغارة.
سبب التسمية
قيل أن سبب تسمية المغارة بهذا الاسم (مغارة الدم) هو أن الله سبحانه وتعالى أبقى أثر الدم في الصخر ليكون عبرة للعالمين, ويسمى المكان أيضاً مقام الأربعين أو مغارة الأربعين وقيل أن سبب التسمية هو أن سيدنا يحيى بن زكريا أقام هو وأمه فيها أربعين عاماً, وأن الحواريين الذين أتوها مع عيسى عليه السلام كانوا أربعين, وقد أنشئ ضمن المسجد المحدث هناك أربعون محراباً.

الوصف الحالي للمكان

أعلى المغارة على سفح الجبل يوجد بقعة من الصخر يختلف لون حجارتها عن باقي حجارة الجبل وهي تقريباً بلون وردي قيل أنها أثار دم هابيل .أما داخل المغارة فيوجد فم الجبل الذي فُتح من هول الحادثة ( كما قيل ) وقد مُثلت فيه تفاصيل الفم بدقة من حيث وجود اللسان والأضراس, وفي المغارة أيضاً قطعة صخر يقال أنها جزء من الحجر الذي استعمله القاتل في جريمته وعليها أثار الدم .وفي داخل المغارة أيضاً يوجد محرابان أحدهما لسيدنا إبراهيم عليه السلام والآخر لسيدنا الخضر عليه السلام. ومن سقف المغارة تنزل قطرات من الماء بشكل مستمر – يقال أنها دمع الجبل على مقتل هابيل – وتتجمع القطرات – وهي ناتجة عن المياه الجوفية – في جرنين صغيرين موضوعين تحتهما, وإلى جانبها في سقف المغارة يوجد أثار كف يقال أنها أثار كف سيدنا جبريل عليه السلام وقد بقيت في الجبل بعد أن منعه من السقوط, وليس بعيداً منها يتشكل في السقف لفظ الجلالة كلمة )الله) وفي صدر مغارة الدم شقُّ صخري تفوح منه روائح المسك والعنبر وهو الشق الذي أحدثه الله تعالى لييسّر خروج الأنبياء منه كما يقال.
أنشئ على المغارة مسجد صغير الحجم منذ ما يزيد ستة قرون وأعيد تجديده وترميمه عدة مرات كما ورد في اللوحات التي تؤرخ ذلك وموجودة ضمن حرم المسجد, وإلى جانب المبنى خزان قديم للماء يملأ تلقائياً عند هطول الأمطار. الطريق إلى مغارة الدم وعر يتخلله بقايا درج أنشئ في عهود سابقة ويستغرق تقريباً ساعة من الزمن صعوداً ابتداءً من جامع الشيخ عبد الغني النابلسي بمنطقة ركن الدين بدمشق .يقال أن الدعاء في مغارة الدم مستجاب وقيل أن المغارة صلى فيها إبراهيم وموسى وعيسى ولوط و أيوب عليهم السلام, وقد أورد المؤرخون الكثير من القصص حول استجابة الدعاء في المغارة ومنزلتها المباركة, وقد أوردت المصادر التاريخية أن الكثير من العلماء دفنوا في محيطها. يحرص أهالي تلك المناطق القريبة على زيارة هذا المقام كل يوم جمعة, ويضاف إليهم الزوار الذين يأتون للمقام من دول أخرى ومناطق بعيدة إضافة لمراسلي محطات التلفزة أحياناً, وزوار المكان على أنواع, فمنهم من يأتي للدعاء ومنهم من يأتي بقصد التبرك بالمكان, وآخرون يأتون بقصد الاستشفاء بالماء المبارك الذي هو دمع الجبل, ولكل مطلبه وغرضه.

وصف مغارة الدم / مقام الأربعين في الروايات التاريخية

ذكر بعض الرحالة ممن زاروا دمشق في القرون الماضية مشاهدتهم لمغارة الدم .منهم أبو حامد الغرناطي الذي يصف المكان في زيارته لدمشق عام 1160م تقريبا ً فيقول :( ولما دخلت دمشق رأيت عند باب يعرف بباب الفراديس جبلاً مشرفاً عالياً, وعليه آثار دم هابيل بن آدم عليه السلام ظاهراً, وهو دم كثير لا يخفى على من يراه أنه دم ) .

ابن جبير الأندلسي حوالي عام 1183م في مؤلفه « رحلة ابن جبير»: (وبجبل قاسيون أيضاً لجهة الغرب, على مقدار ميل أو أزيد من المولد المبارك, مغارة تعرف بمغارة الدم, لأن فوقها في الجبل دم هابيل قتيل أخيه قابيل ابني آدم, صلى الله عليه وسلم, يتصل من نحو نصفا الجبل إلى المغارة, وقد أبقى الله منه في الجبال آثاراً حمراً في الحجارة تحك فتستحيل, وهي كالطريق في الجبل, وتنقطع عند المغارة, وليس يوجد في النصف الأعلى من المغارة آثار تشبهها, فكان يقال: إنها لون حجارة الجبل, وإنما هي من الموضع الذي جر منه القاتل أخيه حيث قتله حتى انتهى إلى المغارة, وهي من آيات الله تعالى, وعليها مسجد قد أتقن بناؤه, وتصعد إليه على أدراج ).

الرحالة الشهير ابن بطوطة المغربي خلال زيارته لدمشق عام 1324م في مؤلفه« تحفة النظار في غرائب الأمصار»: (مغارة الدم وفوقها بالجبل دم هابيل ابن آدم عليه السلام, وقد أبقى الله منه في الحجارة أثراً محمراً, وهو الموضع الذي قتله أخوه به واجتره إلى المغارة وعليها مسجد متقن البناء يصعد إليه على درج).

ابن طولون المتوفى عام 1532 م في مؤلفه «فاكهة الخلان في حوادث الزمان»: ( وأما مغارة الدم التي في أعلى الجبل فتشمل على مكان لطيف شريف, عليه الهيبة والوقار والدعاء عنده مستجاب وتسمى الآن بمغارة الأربعين).
المرجع: تاريخ دمشق الكبير/ ابن عساكر.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>