1- الوهابيون خوارج هذا العصر = الجزء الأول

الوهابيون
خوارج هذا العصر
“شمولية النظرية التكفيرية في العقيدة الوهابية”
مقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
إن الحديث عن الوهابية هو نموذج للحديث عن الحركات الإسلامية المتطرفة التي تحتكر الإسلام لنفسها وتجرد الآخرين منه، أو تشكك في إيمانهم، حيث إن الفكر الوهابي ينطوي على فكر غريب من نوعه قائم على عدم الاعتراف بالأمة الإسلامية على أساس الشهادتين، وإصرار الوهابية على النظر  إلى الناس من خلال المنظار الضيق لمؤسس الحركة محمد بن عبد الوهاب للإيمان والإسلام، وهو مايجعلها دائماً أقلية في المجتمع، تلجأ دائماً إلى العنف، وتضطر للتحالف مع قوة عسكرية، وتعتمد الجهاد ضد بقية المسلمين، وتقيم نظاماً سياسياً على أساس القهر والغلبة، ورفض الآخر وإقصائه.
لذا نقول: إن أزمة الفكر الديني والسياسي الوهابي تكمن في مُشكلة التكفير لعامة المسلمين، ووضع شروط متشددة على تحقق صفة الإيمان، وتضييق دائرة التوحيد، والمبادرة سريعاً إلى التشكيك بإسلام الناس، واتهامهم بنقض عُرى الإيمان، وقد أدت هذه المشكلة إلى حدوث تناقض دائم مع الجماهير المسلمة، والعداء لمختلف الطوائف والأحزاب والتيارات الإسلامية، وعدم الانفتاح عليها, بل وإقامة العلاقة معها على أساس الفتح والاحتلال والعنف والقهر والغلبة.
إن التفسير الوهابي الجديد للتوحيد سمح للحركة بإعادة تشكيل إطار الأمة الإسلامية، حيث لم يَعد يَشمل كل من يَشهد الشهادتين، بل يقتصر على مَن يعتنق النظرية الوهابية في التوحيد، ويَصطف إلى جانب دولتها.
لقد خلقت قاعدة التكفير التي حَكمت علاقة الوهابيين بعامة المسلمين نوعاً من التوتر الدائم بينهم، وذلك بسبب مَبدأ الجهاد الذي التزمت به الحركة طريقاً للدعوة، وإجبار الكفار والمشركين والمرتدين على الدخول في الإسلام من جديد، والتمسك بنظرية “التوحيد”التي جاء بها محمد بن عبد الوهاب، وبسبب رفض عامة المسلمين للتفسير الوهابي الضيق للتوحيد, وذلك ما أسس لعلاقة بين الطرفين قائمة على أساس العنف والقوة والإرهاب، وقضى على أي فُرصة لِبناء العلاقة بينهما على أساس الشورى والسلام.
مَن هُم الوهابيون؟ وماهي الوهابية؟ وماهي علاقتهم بالخوارج أصحاب المذهب التكفيري الشهير؟ وماهو المنهج التأصيلي الخاص بهم؟
أسئلة كثيرة ومطالعات دقيقة لأبرز قضايا الوهابية التكفيرية والإلغائية، مع توضيح دقيق لأبرز فتاوى التكفير والتشهير والإلغاء، وملاحظة التناقض الديني والسياسي للمنهج الدعوي في توصيف هذه الفتاوى.
هذا ما سيكون عليه بحثنا ، وأسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد .

من هم الوهابيون ؟
لقد تحدث الكثير من الكتاب والمؤرخين عن معنى الوهابية إلا أني وجدت أن الدكتور عبد الكريم زيدان قد كتب واصفاً إياهم: “الوهابية: لقب أُطلق على أتباع محمد بن عبد الوهاب [1703-1791م] وقد تحولت إلى اتجاه مَذهبي دَاخِل الفكر الإسلامي، له أنصاره ومؤيدوه، وأفكاره التي تتسم بالتشدد الاعتقادي والتصلب في تطبيق الشريعة”( ), بناء على تصور يَقسم العالم بشكل حَاد إلى عالم كافر مشرك، وعالم مؤمن مسلم، وعقيدة الولاء والبراء التي هي من المرتكزات الأساسية فيها”( )، فكل مافي هذه المنظومة تفوح منه رائحة العنف والقتل والكراهية والإلغاء والتكفير والتحطيم, أي أنها تنضح بكل القيم السلبية التي جَهدت البشرية على مر العصور والدهور على نقدها ورفضها ونبذها، والدعوة إلى نقائضها لما فيه خير الإنسان، وسعادة المجتمع الإنساني واستمراره, فكيف يُمكن أن تُجمَع كل هذه المفاهيم المدمرة في دعوة واحدة, ثم يَدعي أصحابها أن هَدفهم الأمثل هو حماية العقيدة، وصون الدين وبناء الإنسان وإصلاح المجتمعات؟ وهذا السؤال يُصبح مسوَّغاً إذا شهدنا الأذى البالغ الذي ألحقه هذا التيار بسمعة الإسلام والمسلمين في العالم كله.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه، من أين استمدت الوهابية قوتها وتأثيرها في العالم الإسلامي ؟ أستطيع أن أقول: “الوهابية استمدت قداستها أمام نفسها وأتباعها من سكناها مُقدسات المسلمين، فنصبوا أنفسهم الناطق الرسمي باسم الإله، وهم خلفاء الرسول في حكمه، ومن ثم فإن الخارج عليهم كافر أو مشرك أو مبتدع أو ضال”( ).
فالحركة الوهابية تطرح نفسها بديلاً عن كل القوى والتيارات الأخرى العاملة على الساحة، فالمتبنون لهذه الأفكار هم المسلمون الوحيدون الذين يَملكون المشروع الشرعي لإنقاذ الأمة، هذا المشروع الذي ذَهب إلى أبعد الحدود في تَوظيف الدين في خدمة مصالح سياسية.
أمّا مخالفوهم فَكَفَرة وإن كانوا مسلمين, وخارجُ دائرة الإسلام الإيمانية والسياسية … وأما هم فالوحيدون في نعيم الإيمان.
من هم الخوارج ؟
“هُم طائفة أبت إلا تمزيق صَفِّ المسلمين، فخرجت على الخليفة الذي تمت بيعته من أهل الحل والعقد، وتمت له الإمامة على المسلمين, فَهم الذين يُكَفِّرون بالمعاصي، وَيَخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم, وهم غُلاة مَتَفيقهون ضَالون في التصور والاعتقاد والسلوك”( )، مع التشديد والأخذ بأحاديث الوعيد دون النظر في أحاديث الوعد والتبشير.
“والخوارج هم أول من كفر المسلمين, ويُكفِّرون بالذنوب، ويُكفِّرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله”( ).
وحال خوارج هذا الزمان لا يَختلف عن حال خَوَارج الأزمان الغابرة، متعجلون متشددون، وواهمون أنهم يُدافعون عن الأمة وقضاياها، “وقد أشغلوها عن المهم والأهم، وأضاعوا وصرفوا جُهد الدولة لتثقيفهم وقطع دابرهم واجتثاثهم، ورموا أنفسهم بالتهلكة، وكأنهم لا يقرؤون الإسلام وواقعه المحب للإنسان وحياته، ونهج التسامح والتطور والاعتزاز والالتزام”( ).
ولا بُد من التأكيد على أن مِن أهم أسباب تفرق الأمة الإسلامية ما قَامت به فِرقة الخوارج من فتن وحروب داخلية أثاروها بين المسلمين, حيث خرجوا على أئمة المسلمين, واستحلوا الحرمات، ونشروا الرعب والخوف, وسلطوا الأعداء على المسلمين، وشَوَّهُوا صُورة الإسلام والدين، وصَدوا عن سبيل الله عز وجل. والمتتبع لآراء الخوارج وَمَقالاتهم يَجد أن هذا الفكر يتطور تطوراً سريعاً, فمبادئه تَبدأ ضَعيفة ثم تكثر وتزداد.
ونظراً لوجود تشابه كبير في نقاط عديدة بين المعاصرين من”الوهابية” و “الخوارج” كان لا بُد لنا أن نُبين أوجه التشابه والتأثير بين الخوارج والوهابية.
القواسم المشتركة بين الوهابية والخوارج
تُعتبر الوهابية الابن المعاصر لفكر الخوارج، فهي الترتيب المنطقي لمنهج الخوارج القديم، ولنا هنا أن نبين أوجه الشبه:
1-“شذَّالخوارج عن جميع المسلمين فقالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر، وشذَّ الوهابية فكفروا المسلمين على ماعدُّوه من الذنوب”( ). ولعل المقصود هنا بكلمة الذنوب هي ما يعده الوهابيون من البدع كالتمسح بالقبور والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم من الشرك والكفر.
2-حَكَم الخوارج على دار الإسلام إذا ظَهرت فيها الكبائر أنها دار حرب، وَحَل منها ماكان يَحِلُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من دار الحرب، أي تُهدر دماؤهم وأموالهم، وهكذا حكم الوهابيون على دار الإسلام، وإن كان أهلها من أكثر الناس عبادة لله تعالى وأكثرهم صلاحاً إذا كانوا يَعتقدون جواز السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ومشاهدة الصالحين ويطلبون منهم الشفاعة.
3-تَشابه الوهابيون والخوارج في التشدد في الدين والجمود في فهمه: فَالخوارج لماقَرؤوا قوله تعالى: إِن الحُكمُ إِلا لله( )قالوا: مَن أَجازَ التَّحكيم فَقد أشرك بالله تعالى، واتخذوا شعارهم:”لا حكم إلا لله”نقول: هذه كَلمةُ حق يُراد بها باطل كما قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فَقَولُهُم هَذَا جُمُود وجهل كبير، “فالتحكيم في الخصومات ثابت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين”( ).
وكذلك الوهابيون لما قرؤوا قوله تعالى:إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِين( )، وقوله تعالى:مَن ذَا الذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذنِه( )، قالوا: إن مَن قال بجواز طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين فقد أشرك بالله، فكان شعارهم: “لامعبود إلا الله” و “لا شفاعة إلا لله” وهي كلمة حَقٍّ يُرادُ بها باطل، وهِيَ”جُمودٌ أيضاً وجهل كبير، وجوازُ هَذه الأمورِ ثَابِت في سيرة الصحابة والتابعين”( ).
4-الأحاديث الشريفة التي صَحَّت في الخوارج وَمُروقهم من الدين انطبق بعضها على الوهابية أيضاً: ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((يَخرج أُناس من قِبَلِ المشرق، يقرؤون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يَمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية))( )، قال القسطلاني في شرح هذا الحديث: من قبل المشرق: أي مِن جهة شرق المدينة، كنجد وما بعدها، ونَجْدٌ هِي مَهدُ الوهابية وموطنها الأول الذي منه ظهرت وانتشرت.
5-جاء في الحديث النبوي الشريف في وصف الخوارج: ((يَقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان))( )، وهذا هو حال الوهابية تماماً، فلم يَشُنُّوا حَرباً إلا على أهل القِبلة ، ولم يُعرف في تاريخهم أنهم قَصدوا أهل الأوثان بحرب أو عَزموا على ذلك, بل لم يَدخل ذلك في مبادئهم وكتبهم التي امتلأت بوجوب قتال أهل القِبلة.
6-روى البخاري عن ابن عمر أنه قال في وصف الخوارج: “إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين”، وورد عن ابن عباس أنه قال: “لا تكونوا كالخوارج، تَأَوَّلُوا آيات القرآن في أهل القبلة، وإنما أُنزلت في أهل الكتاب والمشركين، فجهلوا علمها فسفكوا الدماء وانتهبوا الأموال”( ). وهذا هو شأن الوهابية، انطلقوا إلى الآيات النازلة في عبدة الأوثان فجعلوها على المؤمنين، وبهذا امتلأت كتبهم، وعليه قام مذهبهم.
وعلى العموم نستطيع القول: بأن الخوارج والوهابيين قد اتفقوا في قضايا التكفير والإلغاء، ومحاربة أهل القبلة، والتشكيك بإسلام المسلمين وإيمان المؤمنين، واحتكار الإيمان والإسلام، وصدق العقيدة على منهجهم، كما “توافقوا على تطبيق الشريعة وفق زعمهم على المخالفين، وذلك بقتلهم واستحلال دمائهم وأموالهم”( ).
تكفير الأئمة الأعلام
يعتمد الوهابيون في كتاباتهم هواية مستحدثة، وهي تشويه الرموز الإسلامية وتحطيم الأعلام، وتدمير القمم، وذلك ما نَراه في عموم كتاباتهم التي توزع -ويا للأسف- بالمجان على أبواب الحرمين “المكي والمدني”، فمثلاً: كتاب “أئمة الكفر” لمؤلفه عبد الرحيم السدحان الفارز، يأتي صاحبه من كل بَلد بأشهر دُعَاتِه وعلمائه، ويبدأ بسلسلة أكاذيب وافتراءات عقدية ليحكِّم فيهم سلاحَ التكفير، وللعلم فإن مِن هؤلاء الذي كُفِّرُوا في هذا الكتاب:”أبو الحسن الندوي، أبو الأعلى المودودي، محمد عمارة، محمد الغزالي، محمد سعيد رمضان البوطي، وهبةالزحيلي، سيد سابق …. الخ”، والكثير الكثير مِن الكتب التي تَتهم العلماء والدعاة بالغلو والتكفير، وتوسعهم سَباً وقذفاً، لذلك نقول: لم يَسلم من طُولِ ألسنتهم الباقلاني، ولا إمام الحرمين، ولا الإسفراييني، ولا الغزالي، ولا الرازي، ولا النووي، ولا ابن حجر العسقلاني، ولا السيوطي، ولا غيرهم من المتقدمين، ولا حتى المتأخرين، كالأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، ورشيد رضا، وغيرهم، وَمِن ثَمَّ لم يَسلم منهم الأحياء ولا الأموات.
ونسي هؤلاء أن حُسن الظن بالمسلمين أولى من سُوئِه، وأن الأصل “حمل حال المسلمين على الصلاح والتماس المعاذير لأهل الإسلام وافتراض نية الخير منهم”.
ويرى كبار علماء أهل السنة والجماعة في العالم الإسلامي أن نظرة الوهابيين للدين الإسلامي بصورة كلية غَريبةٌ عن هذا الدين، وفي هذا يقول الداعية الإسلامي الشيخ محمد الغزالي: “إن فهم الوهابية للدين غريب، وهم أخطر خُصوم الصحوة الإسىلامية”( )، وقال رحمه الله: “الصحوة الإسلامية المعاصرة مُهددة من أعداء كثيرين، والغريب أن أخطر خُصومها نَوع من الفكر الديني يلبس ثوب السلفية، وَهُو أبعد الناس عن السلف، إنها ادّعاء السلفية وليست السلفية الصحيحة”( ).
الوهابية ومناهج التربية الدينية التكفيرية
من أهم وأبرز وسائل تمرير الفكر التكفيري والإلغائي في المملكة السعودية هو المناهج التربوية والتعليمية، حيث الاعتماد الكلي في هذه المناهج على الأيدلوجيا الوهابية المستندة إلى الفقه التكفيري والظاهري للنصوص، والغريب في الأمر أن الحكومة السعودية قد اعترفت بأن مناهجها احتوت على التحريض ضد الآخر غير المسلم، وضد أمريكا على وجه الخصوص، وهو ما صَرَّح به وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل الذي قال: “إن مراجعتهم للمناهج والكتب الدراسية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كشفت أن خمسة بالمئة مما يتم تدريسه في المملكة العربية السعودية يَحُضُّ على كراهية الآخر”( ).
عِلماً أن هذه المناهج التربوية لا تَحض على كراهية غَيرِ الْمُسلم فَحَسب، ولكنها تَشمل بذلك كُل الفِرَق التي تُخالف الفهم السلفي الوهابي للدِّين، إذ تَقول هذه المناهج عن الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة إنهم: “قَلَّدُوا مَن قبلهم من أئمة الضلال فضلوا وانحرفوا”( )، وتكفّر هذه المناهج على وجه الخصوص الأشاعرة والماتريدية الذين يُخالفون الفهم الوهابي لنصوص الصفات الإلهية فتقول: “مَن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد كفر”( ).
وتصف هذه المناهج ممارسات المسلمين المخالفين للفكر الوهابي السلفي بالضلال وبالبدع، حيث دائماً ما يأتي الحديث عن أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تشبُّه بغير المسلمين، وأن مَن يَحتفل به هُم جَهلة المسلمين أو العلماء المضلون، وَتُقرر هذه المناهج أن الاحتفال بالمولد بدعة أحدثها البطالون، و”شهوة نفس اغتنى لها الأكالون، ثُم تَخلص هذه المناهج إلى تحريم زيارة المبتدع ومجالسته”( )، والأخطر من ذلك هو طرح هذه المناهج لتاريخ الخلافات بين المسلمين بطريقة تَجعل التلميذ يَعتقد بِمَشروعية استخدام العنف والتصفية الجَسدية في الخلافات الفكرية وخلافات الرأي، كما جاء في المنهج السعودي كذلك: “إن ما يَنذُرُهُ جَهلة المسلمين من نذور للأولياء والصالحين من أموات المسلمين، كأن يَقول: يا سيد فلان إن رزقني الله كذا، أجعل لك كذا … فهو شرك أكبر”، ولا يكتفي المنهج بالقول بشرك المسلمين المخالفين للفكر الوهابي بل يستبيح دِمَاءهُم وأرواحهم، وَيُحلل استرقاق أهلهم حيث يقول: “الذي يَقول لا إله إلا الله ولا يترك عبادة الموتى والتعلق بالأضرحة، لا يَحرم ماله ولا دمه” وأن مَن وَقَع في الشركيات فإن الله قد أباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عَبيداً لهم، لما تركوا القيام بعبوديته”( ).
أما فِيما يَخص غير المسلمين فإن السمة الأساسية التي يُرسِّخها المنهج السعودي في التعامل مَعهم هي ضَرورة بُغضِهِم، وعدم إظهار المحبة والتوادد لهم، وذلك لأن “الشرك الأكبر يوجب العداوة الخالصة بين صاحبه وبين المؤمنين، فلا يَجوز للمؤمنين مَحبته وموالاته، ولو كان أقرب قريب”، وأن لا نُلقي عليهم السلام لأن “التحية بالسلام عليكم تكون فقط للمؤمنين، ولا يُمكن أن نُحَيي بها غيرهم”.
ومن الأشياء الخطيرة التي يُرسخها المنهج في نفوس وأذهان التلاميذ هو ضرورة كراهية غير المسلمين، حتى لو سافرنا وأقمنا ببلادهم، فالمنهج يُقرر أن أنواع السفر لبلاد الكفر هي السفر للدراسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة، وقد وَضَعَ المنهج شرطين للإقامة ببلاد الكفر: أحدهما: أن يكون المقيم مُضمِراً لِعَدَاوَةِ الكافرين وَبُغضِهِم، “وهذا حَديث مُحرض على العنف بلا جدال، حَيث يُسافر مَلايين المسلمين إلى الغَرب للدراسة والعلاج والتجارة سنوياً، وَمَن يتعلم مِنهم ويتربى على مِثل هذا المنهج، فلن يَكتَفي بِبُغض أهل تلك البلاد، ولا شَك سينتهي به المطاف إلى مِثل مَا انتهى إليه الشباب الذين تَورطوا في أعمال العنف والقتل والتفجير”( ).
والأغرب أن هذه المناهج تتحدث عن أن تقليد الكفار في أمور مِثل الأنشطة الأسبوعية، كأسبوع المرور وأسبوع حماية البيئة، وكذلك الأيام الوطنية كيوم الاستقلال، يعتبر نوعاً من الفسق والمعصية، وهو حرام ومَن فَعَلَه كافر.
موقف علماء السُّنَّة من الوهابية
لم تتعرض حركة أو فكر أو منهج كما تَعرضت له الوهابية من انتقادات وتسفيه لآرائِهم الشاذة غير المنطقية والبعيدة كل البُعد عَن منهج الأمة وغير المستقيمة على قَواعد البحث والتأصيل العلمي والشرعي والعقلي والنقلي كذلك.
لذلك نجد الآلاف من الأبحاث والكتب المؤلفة ضدهم، والتي تفضح زيف ادعاءاتهم وأضاليلهم، حيث كتب الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح في كتابه “خَطر الوهابية على الأمة الإسلامية”في تفنيد الفتاوى والمعتقدات الوهابية، ابتداءً من احتكار الإسلام، وانتهاءً بتكفير أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى. وتتوزع آراء كبار علماء المذاهب الإسلامية الذين ناقشوا آراء مؤسس المذهب الوهابي محمد بن عبد الوهاب، وما تضمن من تكفير للمسلمين، وما يلفت في هذا الكتاب ذهاب آراء عدة من علماء العالم الإسلامي إلى التأكيد على “اعتبار الوهابية امتداداً بصورة أو بأخرى للخوارج الذين ظهروا في صدر الإسلام”( ).
كما قال مفتي الشافعية ورئيس المدرسين في مكة أيام السلطان عبد الحميد الشيخ أحمد زيني دحلان: “وكان محمد بن عبد الوهاب يقول: إني أدعوكم إلى التوحيد وترك الشرك بالله، وجميع ما هو تحت السبع الطباق مُشرك على الإطلاق، ومن قَتل مشركاً فله الجنة”( ).
كما ذَكر المفتي أحمد زيني دحلان أيضاً في كتابه: “أمراء البلد الحرام” أن الوهابيين لما دخلوا الطائف قتلوا الناس قتلاً عاماً، واستوعبوا الكبير والصغير والمأمور والأمير والشريف والوضيع، وصاروا يَذبحون على صدر الأم الطفل الرضيع، ويقتلون الناس في البيوت والحوانيت، ووجدوا جماعة يتدارسون القرآن فقتلوهم عن آخرهم، ثم خرجوا إلى المساجد يَقتلون الرجل في المسجد وهو راكع أو ساجد، وَنَهبوا النقود والأموال، وصاروا يَدوسون بأقدامهم المصاحف وَنُسخ البخاري ومسلم، وبقيةكتب الحديث والفقه والنحو، بعد أن نشروها في الأزقة والبطائح، وأخذوا أموال المسلمين واقتسموها كما تقتسم غنائم الكفار”( ).
والخلاصة أنّا نَستطيع أن نقول: إن علماء السنة في كل مَكان في العالم الإسلامي قد اعتبروا أن هذا الفِكر هَدّام وضال، وبعيد عن روح الشريعة الإسلامية، وقد تبلور هذا الاتجاه بشكل واضح في المؤتمر الذي عَقدته الندوة الإسلامية المتخصصة والموسعة عام 2010م، تحت عنوان: “الوهابية: خطر على الإسلام والعالم” حيث شارك في هذا المؤتمر كبار علماء العالم الإسلامي، وعلماء من الأزهر الشريف على وجه الخصوص، حيث قُدِّمت العديد من الأبحاث الهامة، والخلاصة من هذا المؤتمر مايلي:
أولاً: أكد الخبراء والعلماء في أبحاثهم ومناقشاتهم أن الوهابية كدعوة وفكر تقوم على نفي الآخر وتكفيره، وأنها تُهدد الأمن والسلم في كافة دول العالم الإسلامي، لما تبثه من أفكار إرهابية وإجرامية شديدة الخطورة، أفكار تَدفع الشباب الإسلامي إلى تَكفير وإرهاب المجتمع والحكام لأوهى الأسباب، وأن العالم المعاصر لم يُعانِ من تنظيم أو دعوة مثلما عانى من الوهابية، سواء تمثلت في “القاعدة” أو في التنظيمات الإسلامية الأخرى، وأنه لولا المال السعودي لما انتشرت الوهابية، ولولا النفاق الأمريكي لأمكن مُقاومُتها والقضاء عليها، ولكن أمريكا والسعودية تَستفيدان من هذا الشذوذ الفكري المنتسب زوراً للإسلام والمسمى بالوهابية، وذلك لإرهاب العَالم تارة وابتزازه تارة أخرى.
ثانياً: أكد المشاركون في المؤتمر على أن الوهابية لها مَوقف سَلبي مِن المرأة والعلم، والموسيقى وجميع الفنون، ومن المسيحيين، بل من أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، وهي دَعوة للجاهلية، وأغلب الموروث الوهابي قَائم على الإرهاب الفكري والديني، ومُخاصمة الواقع والعقل، ولذلك اعتبره البعض بمنزلة “دين آخر” غَير دِينِ الإسلام، دِين يَدعو إلى الإرهاب والقتل باسم الله، والله منه براء.
إن ما يجري في عموم البلاد الإسلامية “العراق وأفغانستان” نموذجاً، بل وحتى السعودية راعية هذا الفكر، من قتل وإرهاب على الهوية، يؤكد أننا أمام دعوة للإجرام والقتل، وليس أمام دعوة لإسلام سمح معتدل.
ثالثاً: طالب العلماء والخبراء في المؤتمر بضرورة إعداد استراتيجية إسلامية وعالمية ثقافية وسياسية لمقاومة الوهابية، وأنه ينبغي أن يكون للأزهر الشريف دور في ذلك لأنه مؤسسة الاعتدال الإسلامي قبل أن يتم اختراقه من الوهابية، ومن يُسَمَّون بالدعاة الجدد من السلفيين المتشددين. “إن الأزهر الشريف إذا عاد كمؤسسة تنويرية ووسطية معتدلة، فإنها تستطيع الرد بقوة على هذا الغلو الوهابي المعادي لروح الإسلام المحمدي المعتدل”( ).
الوهابيون غلاة ينهون عن الغلو
إن العلاقة التلازمية بين الفكر الديني والسياسي في السعودية، جعل الفتاوى الوهابية فتاوى خاصة لأمراء الحكم في السعودية، وللأسف الشديد مايكون حراماً في السعودية قد يكون مباحاً في بلد إسلامي آخر، فالخروج على الحاكم مَثلاً حرام في السعودية، واجب في سوريا وتونس وليبيا وبلدان إسلامية أخرى.
ولا بد للباحث المستبصر أن يعلم المنهج الفكري والفقهي لمثل هذه الفتاوى، وها نحن نورد أهمها:
1-التدين بالخروج على ولاة الأمر وعدم السمع والطاعة لهم بالمعروف:
سئل سماحة الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله:
س: بعض الأخوة -هداهم الله- لا يرون وجوب البيعة لولاة الأمر في هذه البلاد،فما هي نصيحتكم سماحة الوالد؟
فأجاب رحمه الله: ننصح الجميع بالهدوء والسمع والطاعة -كما تقدم- والحذر من شق العصا، والخروج على ولاة الأمور، لأن هذا من المنكرات العظيمة، هذا دين الخوارج، هذا دين الخوارج، دين المعتزلة، الخروج على ولاة الأمور، وعدم السمع والطاعة لهم في غير معصية، وهذا غلط، خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسمع والطاعة بالمعروف، وقال: ((من رأى من أميره شيئاً مِن معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة))( )، وقال: ((من أتاكم وأمركم جَميع يُريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاضربوا عنقه))( )، فلا يجوز لأحد أن يشق العصا، أويخرج على ولاة الأمور، أو يَدعو إلى ذلك، فهذا من أعظم المنكرات، وأعظم أسباب الفتنة والشحناء، والذي يدعو إلى ذلك هذا دين الخوارج، والشاق يُقتل لأنه يُفرق الجماعة ويَشق العصا، فالواجب الحَذَرُ مِن ذَلِكَ غاية الحذر، والواجب على ولاة الأُمور إذا عَرفوا مَن يدعو إلى هذا أن يَأخُذُوا على يَدَيه بالقوة، حتى لا تَقع فتنة( ).
وقال -رحمه الله-: وهذه الدولة بحمد الله لم يَصدر مِنها ما يُوجب الخروج عليها، وإنما الذين يَستبيحون الخروج على الدولة بالمعاصي هم الخوارج، الذين يُكفرون المسلمين بالذنوب، ويُقاتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، وقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية))( )، وقال: ((أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة))( )، والأحاديث في شأنهم كثيرة معلومة( ).
قال محدث العصر الإمام الألباني رحمه الله تعالى عند حديث: ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة()( ) بعد أن رد على الخوارج قال: والمقصود أنهم سَنّوا في الإسلام سنةً سيئة، وجعلوا الخروج على حكام المسلمين دِيناً على مر الزمان والأيام، رَغم تحذير النبي صلى الله عليه وسلم منهم في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((الخوارج كلاب النار))( )، ورغم أنهم لم يَروا كفراً بَواحاً منهم، وإنما ما دون ذلك من ظلم وفجور وفسق.
واليوم -والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون- فقد نبتت نابتة من الشباب المسلم لم يتفقهوا في الدين إلا قليلاً، ورأوا أن الحكام لا يَحكمون بما أنزل الله إلاقليلاً، فرأوا الخروج عليهم دون أن يستشيروا أهل العلم والفقه والحكمة منهم، بل ركبوا رؤوسهم وأثاروا فتناً عمياء، وسفكوا الدماء في مصر وسوريا والجزائر، وقبل ذلك فتنةالحرم المكي، فخالفوا بذلك هذا الحديث الصحيح، الذي جرى عليه عمل المسلمين سلفاً وخلفاً إلا الخوارج( ).
أقول: فليتأمل البصير العاقل فتوى ابن باز الواضحة الصريحة التي تحرم الخروج على الحاكم في السعودية، وكان سابقاً يحرمها في سوريا ومصر والجزائر، والآن علماء السلطة في السعودية يبيحونها في مصر بعد الانقلاب على مرسي، وهذا تسييس للدين وفق مصالحهم السياسية، وأهوائهم النفسية والمريضة، فتأمل.
2- تكفير مرتكب الكبيرة:
وسئل الإمام ابن باز رحمه الله:
سماحة الوالد: نعلم أن هذا الكلام أصل من أصول أهل السنة والجماعة ، ولكن هناك- للأسف- مِن أبناء أهل السنة والجماعة مَن يرى هذا فكراً انهزامياً، وفيه شيء من التخاذل، وقد قيل هذا الكلام؛ لذلك يَدعون الشباب إلى تبني العنف في التغيير.
فأجاب: هذا غلط من قائله وقلة فهم؛ لأنهم ما فَهموا السنة ولا عرفوها كما ينبغي، وإنما تحملهم الحماسة والغيرة لإزالة المنكر على أن يَقعوا فيما يُخالف الشرع، كما وقعت الخوارج والمعتزلة، حملهم حب نصر الحق أو الغيرة للحق، حَملهم ذلك على أن وقعوا في الباطل، حتى كفروا المسلمين بالمعاصي، كما فعلت الخوارج، أو خلدوهم في النار بالمعاصي، كما تفعل المعتزلة.
فالخوارج كفروا بالمعاصي وخلدوا العصاة في النار، والمعتزلة وافقوهم في العاقبة وأنهم في النار مخلدون فيها، ولكن قالوا: إنهم في الدنيا بمنزلة بين المنزلتين ، وكله ضلال.
والذي عليه أهل السنة-وهو الحق- أن العاصي لا يَكفر بمعصيته ما لم يَستحلها، فإذا زنى لا يكفر، وإذا سرق لا يكفر، وإذ شرب الخمر لا يكفر، ولكن يكون عاصياً ضَعيفَ الإِيمان فاسقاً ، تُقام عليه الحدود، ولا يُكفر بذلك إلا إذا استحل المعصية، وقال: إنها حلال، وما قاله الخوارج في هذا باطل، وتكفيرهم للناس باطل؛ ولهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما معناه: ((يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)).
هذه حال الخوارج بسبب غلوهم وجهلهم وضلالهم، فلا يليق بالشباب ولا غير الشباب أن يقلدوا الخوارج والمعتزلة، بل يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية، فيقفوا مع النصوص كما جاءت، وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة بالمكاتبة والمشافهة، بالطرق الطيبة الحكيمة، وبالجدال بالتي هي أحسن، حتى ينجحوا، وحتى يَقل الشر أو يزول ويكثر الخير.
هكذا جاءت النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل يقول: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك( )، فالواجب على الغيورين لله، وعلى دعاة الهدى، أن يَلتزموا حدود الشرع، وأن يناصحوا من ولاهم الله الأمور، بالكلام الطيب والحكمة والأسلوب الحسن، حتى يكثر الخير ويقل الشر، وحتى يكثر الدعاة إلى الله، وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن، لا بالعنف والشدة، ويناصحوا من ولاهم الله الأمر بشتى الطرق الطيبة السليمة، مع الدعاء لهم بظهر الغيب: أن الله يهديهم ويوفقهم ويعينهم على الخير، وأن يعينهم الله على ترك المعاصي التي يفعلونها وعلى إقامة الحق.
هكذا يدعو المؤمن الله ويضرع إليه: أن يهدي الله ولاة الأمور، وأن يعينهم على ترك الباطل، وعلى إقامة الحق بالأسلوب الحسن،  ويذكرهم حتى ينشطوا في الدعوة بالتي هي أحسن، لا بالعنف والشدة، وبهذا يكثر الخير، ويقل الشر، ويهدي الله ولاة الأمور للخير والاستقامة عليه، وتكون العاقبة حميدة للجميع( ).
إن المتتبع لمنهج الدعاة في النصح الديني للشباب المسلم السعودي الهادف في جميع مراحله إلى التأني وعدم الخروج على الحاكم ليخيل إليه أن هذا النصح شامل لعموم شباب العالم الإسلامي، فإذا ما تحول الأمر إلى غايات سياسية نجد أن النصائح تنهال من علماء هذا الفكر إلى الشباب في البلدان الإسلامية الأخرى لحثهم على الخروج والتكفير والإلغاء والإقصاء، ومن ثم الوصول لمرحلة متقدمة من التهور في السلوك والاعتقاد وحمل السلاح، فتأمل.
3- تهييج الناس وإيغار صدروهم على الحكام، بذكر معايبهم والطعن فيهم، والتظاهر ضدهم:
سئل سماحة الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله:عن المنشورات الوافدة من لندن، ومضمون كلام السائلين: أنهم سمعوا كلاماً لبعض العلماء لكن يُريدون الفتيا التي يصدرها سماحته حتى يكونوا على بينة من أمرهم.
فأجاب رحمه الله: الواجب الشرعي عدم نشرها، أو بإتلاف ما يوجد منها، لأنها تجر إلى الفتن والفرقة والاختلاف، فالواجب إتلاف ما يَصدر وعدم تداوله بين المسلمين، والدعاء لولاة الأمور بالتوفيق والهداية والصلاح، وأن الله يُعينهم على كل خير، وأن الله يُسدد خطاهم، ويمنحهم البطانة الصالحة، في الصلاة وغيرها؛ يَدعو الإنسان ربه في سجوده، وفي آخر صلاته، وفي آخر الليل، للمسلمين ولولاة الأمرِ بالتوفيق والهداية وصلاح الأمر والبطانة، أما نشر العيوب فهذا من أسباب الفتن.
ولما نَشرت الخوارج العيوب في عهد عثمان، قام الظلمة والجهلة على عثمان فقتل، حتى قتل علي بسبب هذه المنشورات الخبيثة، ما بَين كَذِبٍ وَبين صِدق لا يوجب الخروج على ولاة الأمور، بل يُوجب الدعاء لهم بالهداية والتوفيق، هذه الأشياء التي سَلكها المسعري وأشباهه هي من جنس ما سلكه عبد الله بن سبأ وأشباهه في عهد عثمان وعلي، حتى فرقت الأمة، وحتى وقعت الفتنة، وقتل عثمان ظلماً، وقتل علي ظلماً، وقتل جمع كثير من الصحابة ظلماً( ).
وسئل رحمه الله: يرى البعض أن حال الفساد وصل في الأمة لدرجة لا يُمكن تغييره إلا بالقوة ، وتهييج الناس على الحكام، وإبراز معايبهم لينفروا عنهم، وللأسف فإن هؤلاء لا يتورعون عن دعوة الناس لهذا المنهج والحث عليه، ماذا يقول سماحتكم؟
فأجاب: هذا مذهب لا تقره الشريعة، لما فيه من مخالفة للنصوص الآمرة بالسمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، ولما فيه من الفساد العظيم والفوضى والإخلال بالأمن.
والواجب عند ظهور المنكرات إنكارها بالأسلوب الشرعي، وبيان الأدلة الشرعية من غير عنف، ولا إنكار باليد إلا لمن تخوله الدولة ذلك، حرصاً على استتباب الأمن وعدم الفوضى، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى من أميره شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة))( )، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره في المنشط والمكره ما لم يؤمر بمعصية الله))( )،وقد بايع الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، وعلى ألا ينزعوا يداً من طاعة، إلا أن يَرَوا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
والمشروع في مثل هذه الحال: مناصحة ولاة الأمور، والتعاون معهم على البر والتقوى، والدعاء لهم بالتوفيق والإعانة على الخير، حتى يقل الشر ويكثر الخير.
نسأل الله أن يُصلح جميع ولاة أمر المسلمين، وأن يَمنحهم البطانة الصالحة، وأن يَكثر أعوانهم في الخير، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباده، إنه جواد كريم.
وقال الإمام ابن عثيمين رحمه الله: “بل العجب أنه وجه الطعن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، قيل له: (اعدل)، وقيل له: ((هذه قسمة ما أريد بها وجه الله))( )، قيل للرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه ((يخرج من ضئضئ هذا الرجل من يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم))( ) (ضئضئ أي: نفسه)، وهذا أكبر دليل على أن الخروج على الإمام يكون بالسيف، ويكون بالقول والكلام، لأن هذا ما أخذ السيف على الرسول، لكنه أنكر عليه، وما يوجد في بعض كتب أهل السنة من أن الخروج على الإمام هو الخروج بالسيف، فمرادهم من ذلك الخروج النهائي الأكبر، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: الزنا يكون بالعين، يكون بالأذن، يكون باليد، يكون بالرجل، لكن الزنا الأعظم الذي هو الزنا في الحقيقة هو: زنا الفرج، ولهذا قال: ((والفرج يُكذبه))، فهذه العبارة من بعض العلماء هذا مرادهم، ونحن نعلم علم اليقين بمقتضى طبيعة الحال، أنه لا يمكن أن يكون خروجاً بالسيف إلا وقد سبقه خروج باللسان والقول، الناس لا يمكن أن يحملوا السيف على الإمام بدون شيء يثيرهم، فلا بد من أنه هناك شيء يثيرهم وهو الكلام، فيكون الخروج على الأئمة بالكلام خروجاً حقيقةً دلت عليه السنة ودل عليه الواقع، أما السنة فعرفناها، وأما الواقع فإننا نعلم علم اليقين أن الخروج بالسيف فرع عن الخروج باللسان والقول، لأن الناس لن يخرجوا على الإمام بمجرد [يالله أمش خذ السيف] لا بُد أن يكون هناك شوكة وتمهيد، وقدح للأئمة وسلب لمحاسنهم، ثم تتملئ القلوب غيضاً وحقداً وحينئذ يحصل البلاء”( ).
وسئل العلامة الفوزان حفظه الله: هل الخروج على الأئمة يكون بالسيف فقط أم يدخل في ذلك الطعن فيهم وتحريض الناس على منابذتهم والتظاهر ضدهم؟
فأجاب: ذكرنا هذا لكم، قلنا: الخروج على الأئمة يكون بالسيف، وهذا أشد الخروج، ويكون بالكلام بسبهم وشتمهم، والكلام فيهم في المجالس وعلى المنابر، هذا يُهيج الناس ويحثهم على الخروج على ولي الأمر، وينقص قدر الولاة عندهم، فالكلام خروج.
وقال العلامة الفوزان عن الخوارج: وفي عصرنا ربما سَمّوا من يَرى السمعَ والطاعةَ لأولياء الأمور في غير ما مَعصية عميلاً، أو مداهنًا، أو مغفلاً‏،‏ فتراهم يقدحون في وَليِّ أمرهم، ويشهِّرون بعيوبه من فوق المنابر، وفي تجمعاتهم، والرسولُ صلى الله عليه وسلم يقول:‏ (‏(‏من أرادَ أن ينصحَ لسلطان بأمر، فلا يبدِ له علانيةً، ولكن ليأخذْ بيدِه، فيخلو به، فإن قَبِلَ منه فَذَاكَ، وإلا كان قد أدَّى الذي عليه‏))(‏ ).
أو إذا رأى وليُّ الأمرِ إيقافَ أحدِهم عن الكلام في المجامع العامة، تجمعوا وساروا في مظاهرات، يَظنونَ -جهلاً منهم- أنَّ إيقافَ أحدِهم أو سجنَهُ يسوغُ الخروج، أوَلَمْ يسمعوا قولَ النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه:‏ (‏(‏لا‏،‏ ما أقاموا فيكم الصلاة‏))‏(‏ ).‏ وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في ‏”‏الصحيحين‏”‏‏:‏ (‏(‏إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)‏)‏ وذلك عند سؤال الصحابة، واستئذانهم له بقتال الأئمة الظالمين‏.‏
ألا يَعلمُ هَؤلاء كَم لَبِثَ الإمامُ أحمدُ في السجن، وأينَ ماتَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية‏؟‏‏ ألم يُسجن الإمام أحمد بضع سنين، ويُجلد على القول بخلق القرآن، فَلِمَ لَمْ يأمر الناس بالخروج على الخليفة‏؟‏‏ ألم يعلموا أن شيخ الإسلام مكث في السجن ما يربو على سنتين، ومات فيه، لِمَ لَمْ يَأمرِ الناسَ بالخروجِ على الوالي -مع أنَّهم في الفَضلِ والعلمِ غاية، فكيف بمن دونهم-‏؟‏‏ إنَّ هذه الأفكارَ والأعمالَ لم تأتِ إلينا إلا بَعدما أصبحَ الشبابُ يَأخذون عَلمَهم من المفكِّرِ المعاصرِ فلان، ومن الأديب الشاعرِ فلان، ومن الكاتبِ الإسلامي فلان، ويتركونَ أهل العلمِ، وكتبَ أسلافِهم خلفَهم ظهرياً؛ فلا حولَ ولا قوّةَ إلا بالله( ‏).‏
فنقول: فلننظر إلى تحريمهم بث الشائعات والكذب والافتراء، وانظر إلى دعمهم للقنوات الفضائية التي تبث ليل نهار الأكاذيب والفتن والشائعات، وتحرض الناس في هذا البلد أو ذاك على الطعن والقذف والشتم، ويبثون ذلك بشكل مباشر على الناس. والأعجب والأغرب أن هذه القنوات تستضيف كبار العلماء لديهم للتحريض والطعن على الحكام في البلدان الإسلامية الأخرى، أما في بلدانهم فالأمر على عكس ذلك، حيث تخرج الفتاوى وتصدر كنصوص جاهزة للتحريم ومنع الخروج، فتأمل.
4- تكفير من يحكم بما أنزل الله مطلقاً:
سئل الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله: متى يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله؟
فقال الشيخ ابن باز رحمه الله: إذا كان مُستحلاً له، أو يرى أنه ما هو مناسب، أو يرى الحكم بغيره أولى، المقصود أنه مَحمول على المستحل، أو الذي يرى بعد ذا أنه فوق الاستحلال يَراه أحسن من حكم الله، أما إذا كان حَكم بغير ما أنزل الله لهواه يكون عاصياً، مثل من زنا لهواه لا لاستحلال، عق والديه للهوى، قتل للهوى، يكون عاصياً، أما إذا قتل مستحلاً، عصى والديه مستحلاً لعقوقهما، زنا مستحلاً: كفر، وبهذا نخرج عن الخوارج، نباين الخوارج يكون بيننا وبين الخوارج حينئذ متسع، ولا -بتشديد اللام بمعنى أو- وقعنا فيما وقعت فيه الخوارج، وهو الذي شبه على الخوارج هذا، الاطلاقات هذه.
وسئل في نفس الشريط هل ترون أن هذه المسألة اجتهادية ؟
فقال الشيخ ابن باز: والله أنا هذا الذي اعتقده من النصوص يعني من كلام أهل العلم فيما يتعلق في الفرق بين أهل السنة والخوارج والمعتزلة، خصوصاً الخوارج، أن فعل المعصية ليس بكفر إلا إذا استحله أو دافع عن دونها بالقتال( ).
سئل الإمام محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- عمن يُكفر حكام المسلمين فقال: “هؤلاء الذين يُكفّرون؛ هؤلاء ورثة الخوارج، الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والكافر من كَفَّرَه الله ورسوله، وللتكفير شروط: منها: العلم، ومنها: الإرادة؛ أن نعلم بأن هذا الحاكم خالف الحق وهو يعلمه، وأراد المخالفة، ولم يكن متأولاً”( ).
فائدة: قال الإمام الشاطبي في الاعتصام (2/736):
استشهاد الخوارج على كفر الحاكم بقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾( )، وهذا الاستشهاد ليس وليد عصرنا، بل خوارج عصرنا رووه بالإسناد المتصل إلى شيوخهم الخوارج الأوّلين، الذين خَرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه تَشَابَهَت قُلُوبُهُم( ). وأخرج ابن وهب عن بُكير أنه سأل نافعاً: كيف رأي ابن عمر في الحرورية؟ -أي: الخوارج- فقال: “يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات أُنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين”، فَسُّر سعيد بن جبير من ذلك، فقال: “مما يتّبع الحرورية من المتشابه قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾( ) ويقرنون معها: ﴿ثُمَّ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعدِلُون﴾( )، فإذا رأوا الإمام يَحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كَفر عَدل بربه؛ ومن عدل بربه فقد أشرك، فهذه الأمة مُشركون. فَيَخرجون-أي:الحرورية-فيقتلون ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية”.
5- تكفير الحاكم بحجة أنه عطّل الجهاد:
سئل العلامة الفوزان حفظه الله: هناك من يقول: إن ولاة الأمر والعلماء في هذه البلاد قد عطلوا الجهاد، وهذا الأمر كفر بالله، فما هو رأيكم في كلامه؟
فأجاب: هذا كلام جاهل، يدل على أنه ما عنده بصيرة ولا علم، وأنه يُكفر الناس، وهذا رأي الخوارج والمعتزلة، نسأل الله العافية، لكن ما نُسيء الظن بهم، نقول: هؤلاء جهال يَجب عليهم أن يَتعلموا قبل أن يَتكلموا، أما إن كان عِندهم عِلم ويقولون بهذا القول، فَهذا رأي الخوارج وأهل الضلال( ).
6- التفجير:
قال الإمام ابن عثيمين في حادث تفجير الخُبر: لا شك أن هذا العمل لا يرضاه أحد، كل عاقل فضلاً عن المؤمن، لأنه خلاف الكتاب والسنة، ولأن فيه إساءة للإسلام في الداخل والخارج، ولهذا تعتبر هذه جريمة من أبشع الجرائم، ولكن بِحَول الله إنه لا يفلح الظالمون، سوف يُعثر عليهم إن شاء الله، وَيَأخذون جزاءهم، ولكن الواجب على طلاب العلم أن يُبينوا أن هذا المنهج مَنهَجٌ خَبيث، مَنهَجُ الخوارج الذي استباحوا دِمَاءَ المسلمين، وكفوا عن دماء المشركين”( ).
كيف يكون التفجير حراماً عندكم وحلالاً في بلادنا، نحن لم نسمع لأحد من علماءكم تحريماً وشجباً واستنكاراً للجماعات الإرهابية المسلحة التي تعتمد التفجير والقتل منهجاً لها لتحقيق أهدافها. والنتيجة ما هي ؟ قتل المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ …، فإذا كان القتل حراماً والتفجير حراماً وترويع الآمنين حراماً والاختطاف حراماً، وكل أمر فيه تعدٍ على حُكامكم حرام، فلماذا تتغير الفتاوى من حرام إلى حلال في البلاد الإسلامية الأخرى ؟ إن هو إلا ضلال أنتم فيه.
7- تجويز قتل رجال الأمن:
سئل العلاّمة الفوزان حفظه الله:
انتشر بين الكثير من الشباب منشورات تفيد جواز قتل رجال الأمن، وخاصة “المباحث”، وهي عبارة عن فتوى مَنسوبة لأحد طلاب العلم، وأنهم في حكم المرتدين، فنرجو من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي في ذلك، والأثر المترتب على هذا الفعل الخطير؟
فأجاب: هذا مذهب الخوارج، فالخوارج قَتلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أفضل الصحابة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، فالذي قَتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ألا يقتل رجال الأمن؟ هذا هو مذهب الخوارج، والذي أفتاهم يكون مثلهم ومنهم، نسأل الله العافية( ).
الخوارج والخروج على الحاكم
سؤال: هل كل مَن يَخرج على الإمام يعتبر من الخوارج، وينطبق عليه كل ما أَعد الله للخوارج من العذاب الأليم، والخزي في الدنيا والآخرة ؟ حيث إنهم كلاب النار، وإن كان من أصحاب العقائد السليمة؟ أرجو التوضيح مع ذكر الأدلة في ذلك، وجزاكم الله خيراً.
أجاب عن السؤال الشيخ أ.د. ناصر بن عبد الكريم العقل، أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقال: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: إطلاق كلمة “خوارج” لها معانٍ متعددة، فبعض علماء السلف يَصفون كُلَّ مَن فارق الجماعة وخرج عليها، أو خرج على السلطان: خوارج ، وبعضهم يحصر الخوارج بالفرقة المعروفة، وكل من أخذ بمنهجها وأصولها الكبرى، وأهمها: التكفير بالذنوب “مرتكب الكبيرة”، واستحلال الدماء، والخروج على الإمام والجماعة بالسيف، ومنع الشفاعة الثابتة بالنصوص، والقول بخلود أهل الكبائر بالنار، والقدح في علي رضي الله عنه والحكمين وغيرهم رضي الله عنهم، فمن قال بهذه الأصول أو أكثرها فهو من فرقة الخوارج، ومن أطلقها على كل من خَرج على الجماعة والسلطان، واستحل الدماء، بأنه من الخوارج. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((من فارق الجماعة وخرج من الطاعة فمات، فميتته جاهلية))( )، فيستدل بمثل قوله: ((ومن خرج على أمتي بسيفه يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى مؤمناً لإيمانه، ولا يفي لذي عهد بعهده، فليس من أمتي…))( ).
الأحاديث الصحيحة الواردة في الخوارج
لا شك فقد صنف العديد من العلماء قديماً وحديثاً عن الخوارج، فأصلوا لفكرهم واستدلوا بالنصوص والأحاديث على بطلان دعواهم، وها نحن نورد أبرز الأحاديث الصحيحة الواردة فيهم، فقد نقل العلامة محمد سعيد عبد العال العالم الأزهري في كتابه “الخوارج وسموم الفكر”( ) ما نصه:
*عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ((ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل)) فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: ((دعه، فإن له أصحاباً يَحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يَنظر إلى نَصله فلا يوجد فيه شيء، ثم يَنظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم يَنظر إلى نضيه -وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مِثلُ ثَدي المرأة، أو مثل البِضعَة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس)) قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته. قال: فأنزلت فيه: وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَات( ).
معاني الكلمات:
(لا يجاوز تراقيهم): لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة، وهي عَظم يَصل ما بين ثَغرة النحر والعاتق، والمراد: لا يَفقهون معناه، ولا تخشع له قلوبهم، ولا يُؤثر في نفوسهم، فلا يَعملون بمقتضاه.
(يمرقون): يَخرجون منه سريعاً دون أن يستفيدوا منه.
(الرمية): هو الصيد المرمي، شبه مروقهم من الدين بمروق السهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه دون أن يَعلق به شيء منه، لشدة سرعة خروجه.
(نصله): حديدة السهم.
(رصافه): هو العصب الذي يلوى فوق مدخل النصل.
(قدحه): هو عود السهم قبل أن يوضع له الريش.
(قذذه): جمع قذة وهي واحدة الريش الذي يعلق على السهم.
(قد سبق الفرث والدم): أي لم يتعلق به شيء منهما لشدة سرعته، والفرث ما يجتمع في الكرش مما تأكله ذوات الكروش.
(آيتهم): علامتهم.
(البضعة): قطعة اللحم.
(تدردر): تضطرب وتذهب وتجيء.
(حين فرقة): أي زمن افتراق بينهم، وفي رواية (على خير فرقة): أي أفضل طائفة.
*عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يُعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: ((إنما أتألفهم)). فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: ((من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنونني))فسأل رجل قتله -أحسبه خالد بن الوليد- فمنعه، فلما ولى قال: ((إن من ضئضئ هذا، -أو: في عقب هذا- قَوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الومية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))( ).
معاني الكلمات:
(بذهبية): قطعة من ذهب.
(صناديد): رؤساء، جمع صنديد.
(غائر العنين): عيناه داخلتان في رأسه لاصقتان بقعر الحدقة، ضد الجاحظ.
(مشرف الوجنتين):عاليهما، والوجنتان العظمان المشرفان على الخدين، وقيل لحم جلد الخدين.
(كث اللحية): كثير شعرها.
(ضئضئ): هو الأصل والعقب، وقيل: هو كثرة النسل.
(لا يجاوز حناجرهم): لا يفقهون معناه ولا ينتفعون بتلاوته.
(يمرقون): يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيء.
(الرمية): الصيد المرمي.
(قتل عاد): أي أستأصلهم بالكلية بأي وجه، ولا أبقي أحداً منهم.
*عن أبي سلمة وعطاء بن يسار، أنهما أتيا أبا سعيد الخدري، فسألاه عن الحَروريَّة: أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا أدري ما الحروريَّة؟ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يَخرج في هذه الأمة -ولم يقل منها- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم، أو حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرميَّة، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة، هل علق بها من الدم شيء))( ).
*عن سعيد بن جُمْهان قال: أتيتُ عبد الله بن أبي أوفى، وهو مَحجوب البصر، فَسلّمت عليه، قال لي: مَن أنت؟ فَقلت: أنا سعيد بن جمهان، قال: فما فعل والدك؟ قلت: قتلَتْه الأزارقة، قال: “لعن الله الأزارقة! لعن الله الأزارقة! حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم: ((كلاب النار))، قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بلى الخوارج كلها، قال: قلت: فإن السلطان يَظلم الناسَ ويفعل بهم، قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة ثم قال: “ويحك يا ابن جمهان! عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فأْتِهِ في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قَبِل منك وإلا فدَعْهُ؛ فإنك لست بأعلم منه”( ). (الأزارقة): هم أتباع نافع بن الأزرق الخارجي.
*عن أبي غالب قال: كنت بدمشق زمن عبد الملك، فأتي برؤوس الخوارج، فنصبت على أعواد، فجئت لأنظر، هل فيها أحد أعرفه؟ فإذا أبو أمامة عندها، فدنوت منه فنظرت إلى الأعواد، فقال: ((كلاب النار)) ثلاث مرات ((شر قتلى تحت أديم السماء، ومن قتلوه خير قتلى تحت أديم السماء)) قالها ثلاث مرات، ثم استبكى، قلت: يا أبا أمامة ما يبكيك؟ قال: كانوا على ديننا، ثم ذكر ما هم صائرون إليه غداً. قلت: أشيئاً تقوله برأيك أم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً إلى السبع ما حدثتكموه، أما تقرأ هذه الآية في سورة آل عمران: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه إلى آخر الآية وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ثم قال: ((اختلف اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، سبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة، واختلف النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعين في النار وواحدة في الجنة،وتختلف هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة)) فقلنا: انعتهم لنا، قال: ((السواد الأعظم))(.(
*عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سيكون في أمتي اختلافٌ وفرقة، قومٌ يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يَمرقون من الدِّين مروق السهم من الرمية، لا يَرجعون حتى يرتدَّ على فوقه، هم شرُّ الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله تعالى منهم)) قالوا: يارسول الله، ما سيماهم؟ قال: ((التحليق)). وفي رواية عن أنيس قال: ((سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا لقيتموهم فأنيموهم))( ).قال أبو داود: التسبيد: استئصال الشعر.
*عن عقبة بن وساج قال: كان صاحب لي يحدثني عن شأن الخوارج، وطعنهم على أمرائهم، فحججت فلقيت عبد الله بن عمرو، فقلت له: أنت من بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جعل الله عندك علماً، وأناس بهذا العراق يَطعنون على أُمرائهم ويشهدون عليهم بالضلالة، فقال لي: أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقليد من ذهب وفضة، فجعل يَقسمها بين أصحابه، فقام رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، والله لئن أمرك الله أن تعدل، فما أراك أن تعدل، فقال: ((ويحك من يعدل عليه بعدي)) فلما ولى قال: ((ردوه رويداً)) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن في أمتي أخاً لهذا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرجوا فاقتلوهم ثلاثاً))( ).
*عن أبي برزة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم، هديهم هكذا، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يَرجعون إليه، ووضع يده على صدره، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة))(.(
*وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: ((ينشأُ نَشْءٌ يقرءون القرآن لا يُجاوِز تراقيهم، كلما خرج قرنٌ قُطِع)) قال ابن عمر: سَمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلما خرج قرنٌ قُطع)) أكثر من عشرين مرة: ((حتى يَخرج في عِراضهم الدَّجَّال))( ).
الخاتمة:
نستطيع أن نقول بعد هذا التطواف في الفكر الوهابي وعلاقته بالخوارج قديماً:إن محمد بن عبد الوهاب مُرشد ومُؤسس الفكر الوهابي الذي اعتمدته تنظيمات القاعدة وحركة طالبان وغيرها من المنظمات الإرهابية التكفيرية، قد انطوى فكره ومَذهبه على تناقض جوهري أبدي مع الديمقراطية والشورى، بسبب رَفضه الاعتراف بالأمة الإسلامية على أساس الشهادتين، وإصرارها على النظر إلى الناس من خلال نظرية الإلغاء والإقصاء والتكفير، ولا يمكن للحركة الوهابية أن تخرج من هذه الأزمة المستعصية إلا بإحداث ثورة ثقافية، تُعيد فيها النظر في التصور الوهابي للإسلام والإيمان، وتتخلى بالإضافة إلى إعادة النظر في الفقه السياسي الإسلامي الضيق عن سياسة التكفير لعامة المسلمين، وبكلمة أخرى: لا يمكن للحركة الوهابية أن تتقدم على طريق الدعوة والشورى أو الديمقراطية إلا بالتخلي عن الوهابية؛ لأن هذا الفكر كان الدليل الأوضح، والبارز على التحجر الفكري والتعصب الخطير الذي وَصلت إليه الحركات الإسلامية السياسية التي تَسترشد بهذه الآراء، وبمثل هذا النَّمط من التفكير الذي لا يَقبل أي نقد أو إصلاح فكري، لأنها تعتقد أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وما عداها كافر، حيث برزت بشكل واضح قضية تسييس الإسلام في العصر الحديث من بعض الأحزاب والحركات السياسية، واتخذت من الإسلام منهاجاً، ودليل عمل لها للوصول إلى الحكم، لتكون لها ولاية دينية وولاية سياسية، بإشاعة الرعب والخوف بوسائل شتى، وهو جَوهَرٌ العمل الإرهابي الذي يُعَد فعلاً جرمياً عمدياً، إذ إن العقيدة الوهابية هي عقيدة واهية، أوهى من بيت العنكبوت، ليس لأصحابها سلف فيها إلا السفهاء الكافرون، ممن خلق الله وأضل وطمس على قلوبهم، فالوهابية إذاً مبتدعة وليست متبعة. وبعجالة نقول: الوهابيون اليوم فكراً ومنهجاً في خدمة من؟ هل فكَّر الوهابيون يوماً ما بمصالح المسلمين الكبرى؟ هل فكروا يوماً في التصدي للمطامع الاستعمارية؟ ماذا قدموا في مواجهة النفوذ الصهيوني في بلاد المسلمين؟ وليس هذا فقط، بل لو تتبعنا تاريخ محمد بن عبد الوهاب وقادة الوهابية الأوائل من بعده لانجد فيه أثراً لعمارة الأرض وإقامة العدل وإنصاف المظلوم ومكافحة الجهل، ولا أثراً للسلم والرخاء، بل لا تَجِدُ فِيه سوى تكفير المسلمين، ورميهم بالشرك، وإيجاب قتلهم، واستباحة دمائهم وأموالهم، وأن كل ما يَشغل بالهم هو نشر عقيدة التجسيم والتشبيه والكفر والضلال، وإنكار أي جُهد لسلف الأمة من العلماء والدعاة، هذا هو شغلهم لا غير، وهذا هو هَمهم الوحيد الذي انطلقوا تحت غِطائه يَسفكون دماء المسلمين الأبرياء، ويستبيحون المحرمات، ويثيرون الفتن الواحدة تلو الأخرى.
وإنك لتجد صدورهم الضيقة مليئة بالحقد والكراهية، وحب إلحاق الضرر بالأمة، ويضاف إلى ذلك أنهم يُوالون الغرب، ويُمهدون لتثبيت أقدام المعسكر الغربي في قلب البلاد العربية والإسلامية، فهم الأيادي الخبيثة التي يُحركها أعداء الإسلام كيفما يشتهون، هذه هي حقيقة ما أنجزته الوهابية، وما تُنجِزُهُ اليوم، وما تسعى له في المستقبل.
والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>