النص الكامل لكلمة السيد الرئيس المضيئة بأبعادها الإيمانية والفكرية والوطنية في لقائه مع الداعيات 21 كانون الثاني 2015

أهلاً وسهلاً بكن… والحمد لله على السلامة للجميع.

أنا سعيد جداً بهذا اللقاء. أهلاً وسهلاً بالسيدات والآنسات اللواتي نلتقي بهن للمرة الأولى ، وأهلاً وسهلاً بالسيدات والآنسات اللواتي التقينا بهن سابقاً في مناسبات أخرى. اشتقنا لهذا اللقاء وخاصة أننا نعتبر هذه المؤسسة جزءاً أساسياً من المؤسسة الدينية وقد أصبحت مرتبطة بي وبوزير الأوقاف وبالشهيد البوطي الذي نعتبره دائماً موجوداً معنا في هذه اللقاءات. دائماً أعود وأذّكر في كل لقاء أنه عندما كان لدينا تردداً في إنشاء هذه المؤسسة أو بإعطائها المجال لتتحرك بشكل رسمي وشرعي كان لدينا دائماً تساؤلات، يومها سألت وزير الأوقاف قلت له: مهما تعاملنا من خلال الشك أو الثقة يبقى عندنا شخص نثق به هو الشهيد البوطي في ذلك الوقت. فسألناه فهو كان المعيار الذي انطلقنا من خلاله بهذه التجربة. واليوم أقول، بعد حوالي سبع سنوات تقريباً أقل أو أكثر بقليل، أن هذه التجربة أثبتت نجاحات وهي تسير بشكل ثابت ومستقر، ولكن خلال العام الأخير تحديداً عام 2014 أثبتت أنها ليست فقط مؤسسة دينية بالمعنى المجرد(أساساً لا يوجد شيء مجرد في الدنيا ) ولكن مؤسسة وطنية. كنتن تمثلن دعوة دينية ولكن في نفس الوقت دعوة وطنية. لذلك في كل لقاء كنتن تتعرضن لهجوم، لأن مشكلة البعض هي ليست مع اللا وطني وليست مع الكافر أو الملحد أو المنحرف عن الدين أو مع السطحي في الدين، مشكلتهم مع المؤمن الحقيقي الذي يفهم الدين، فأنتن وقفتن في المكان الصحيح. كما قلت سابقاً لا يمكن أن نفصل بين الدين والوطن، ولو كان هناك أوطاناً يوم نزلت الرسالة فبكل تأكيد كانت ستكون هناك آيات وأحاديث تتحدث عن الأوطان ولكن نزلت في ظروف مختلفة. ليس من المعقول أن يكون هناك توصية بالقريب والجار وبأهل المنطقة التي نعيش فيها ولا يكون هناك توصية بالوطن، فأنتن قمتن بهذه المهمة على أحسن وجه. وهجومهم بالتأكيد لا يؤثر بكن. ما يهمنا حقيقة أنه في كل لقاء علينا أن نفكر كيف نستطيع أن ندفع هذه التجربة للأمام.

حصلت عدة لقاءات في مراحل سابقة وكان هناك لقاءاً أخير من حوالي سبعة أو ثمانية أشهر بيني وبين العلماء، وكان البعض منكن موجود، ولكن هذه اللقاءات لا تُغني عن لقائي مع الداعيات وذلك لخصوصية هذه المؤسسة، لكن في لقائي الأخير معهم عندما كانوا موجودين بمناسبة النشاط الذي حدث في جامع العثمان قبل عيد المولد النبوي بعدة أيام، قلت لهم أنه اليوم وبعدما قطعنا هذه الخطوات أثبت الداعيات أنفسهن كحركة دينية بالمعنى العام، في البداية كان لدى الناس شك أن المدارس الدينية هي سبب المشاكل، والتطرف في الدين سببه الدعوة الدينية والخ …الآن هذا الكلام تجاوزناه كمجتمع، ولم يعد وجود لهذا الشك أو لهذا النوع من قلة الوعي لدى الكثير من المواطنين. اعتقد أن الأبواب أمامنا أصبحت مفتوحة، والكلام الذي أقوله اليوم لو قلته قبل عام، أو في بدايات الازمة كان من الصعب أن على الناس أن يفهموه لأنه كان هناك تشويشاً في الرؤية. تذكرن في بداية الأزمة عندما ذهب الناس بالاتجاه الطائفي، لأن الذين حركوا الأمور حركوها باتجاه العناوين الطائفية وكثير من الناس اقتنعوا بأن القضية طائفية، وبعد سنة واحدة اكتشف الناس أن القضية لا علاقة لها بالطائفية.. بالعكس هم يريدون الطائفية لأنها تخدمهم، مشكلتهم مع الدين الصحيح أو الإنسان المؤمن، كل هذه الأمور تجاوزناها. اليوم عندما نقول لهم أن أمريكا لها دور والسعودية وقطر، فهم يعرفون. وإذا قلنا لهم أن هناك إرهاباً وتطرفاً لم يعد أحد يناقش. وإذا قلنا لهم أن القضية ليست كما كانت في البداية عندما كان يقول البعض أن المشكلة هي أن الدولة ضد الدين والخارجون من الجوامع الذين يقولون الله أكبر هم المؤمنون الذين يدافعون عن الدين، أيضاً تجاوزناها.

ما الذي سنتكلم به اليوم، أنتن تقمن بواجباتكن اليومية بالنسبة للدعوة في القضايا الفقهية والقضايا الأخرى المتعلقة بالدعوة الدينية، لكن يجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً، في البداية أنا كمواطن ماذا أستطيع أن أفعل؟ بالتأكيد كل واحدة منكن تفكر وتسأل نفسها ماذا أستطيع أن أفعل. فالأزمة تأكل البلد رويداً رويداً وتأكل البنية التحتية وعقل ومعنويات وأموال وعيش الناس.

السؤال الذي أطرحه دائماً ، أننا يجب أن نعرف ما هو دورنا في المشكلة في الأساس. نحن لا نستطيع أن نساهم في الحل، إذا كنا لا نريد أن نعرف ما هي المشكلة، أنا عندما أتيت كرئيس كانوا يقولون لي يوجد هذه المشكلة ، ولكن أنت لا تتحمل مسؤولية المشكلة، أقول لهم ما عمر هذه المشكلة تقريباً؟ يقولون هذه القصة قديمة منذ بداية السبعينات والستينات ، أقول لهم انني لم اكن قد وُلدت عندها ولكن اتحمل المسؤولية. فأول أمر يجب أن نتحمل المسؤولية ، ولكن كيف يكون ذلك ؟ دعونا نبدأ بمثال لو انني انا كمسؤول شاهدت هذا المجتمع يتجه نحو الانحراف والفسق وأنا استطيع ان اتخذ قراراً بمنع هذا المجتمع من الانحراف. أنا لم أساهم معهم في هذا الموضوع ولا ساعدت ولا كنت أنا فاسقاً ولكن كان بإمكاني أن أمنعهم ولم أمنعهم، بعد فترة من الزمن سوف يكون هناك آلاف الناس يمارسون هذا الفسق وبالتالي سوف يأخذون سيئات ولكن أنا شريك معهم في كل هذه السيئات، لأنني كنت صاحب قرار ولم أمنعهم ، على الرغم من أنني اتخذت هذا القرار الخاطئ مرة واحدة، ولكن أنا أعتقد بأنه في كل سيئة سوف ترتكب فأنا سوف أخذ معهم سيئات يومياً. نفس الشيء في الاتجاه الديني، عندما نترك الساحة للانحراف عن الدين، حتى لو لم نكن متطرفين ، فنحن نتحمل المسؤولية. فإذاً لو عدنا إلى الأزمة، أنا أقول أن أول من يحمل المسؤولية (طبعاً نحن كمجتمع سوري كلنا نتحمل المسؤولية) ولكن أول من يحملها هو المسؤول في الدولة، وثاني من يحملها هم العاملون في الحقل الديني، كون شعار الدين استخدم فيها. عندما نقول أنه لدينا قاعدة لا يكفي أن نقول أن هذا منحرف عن الدين و لا يمثل الإسلام، فهو بالنسبة لي لا يمثل الإسلام ولكن بالنسبة له هو يدافع عن الدين، فعندما يقتل ويقطع رأساً هو يعتقد أن الله راض عنه. فنحن لا يكفي أن نقول أن هذا لا يمثل الدين.

السؤال كيف يجب أن نعالج المشكلة؟ لماذا تركنا هذا المنحرف ليصل إلى هنا؟ كل واحدة منكن منذ سنوات طويلة تمارس عملها في حارتها، ولكن نسيت أنه إن كان هناك تطرف في الحارة التي بجانبها ولم تحاول أن تمنعه فإذاً هي سوف تحمل المسؤولية، لأن هذا التطرف سوف ينتشر وبالتالي كل عملها ، ولو كان بحسن نية وبالتأكيد لها حسنات، ولكنها مساهمة بشكل أو بآخر في هذا الخلل.

فلا بد أن نتحرك باتجاه أن نوسع ساحة العمل، ولكن يجب أن نوسع ساحة الفكر أيضاً. وفي هذا الإطار أنا أقول أن لدينا بعض المصطلحات كأن نقول أن فلاناً ختم القرآن، ولكن أنا لا أريد أن يختمه أريد أن يفهمه في بداية الأمر، ونحن لا نستطيع ختمه نحن لأنه منهج حياة وليس مجرد كتاب. إذا أردت ختمه بمعنى كتاب فأنا أشبه القرآن بكتاب جغرافيا أو كتاب شعر أو أي شيء آخر أقوم بحفظه، ولكن عندما يكون منهج حياة هذا لا يعني سبع مليارات شخص، ولكن هذا يخص من أول انسان حتى آخر انسان سيموت قبل يوم القيامة، هم مليارات من المليارات، عندما أريد أن أجمعهم في كتاب لا يوجد انسان قادر على ختمه، نحن بشر لدينا عقل محدود، نحن نريد أن نفهم القرآن والمرحلة الثانية نريد ممن يفهمه أن يطبقه، وعندنا لا الحالة الأولى موجودة ولا الثانية موجودة، وبالتالي أنا أعتقد أنه يجب ندخل أكثر في موضوع العمق والتفكير.
أعود لأقول أن أول كلمة نزلت هي اقرأ على رسول ليس بقارئ، كان أمياً، ولكن القراءة بالعقل، فنحن لا بد أن نقرأ الأمور بعقلنا بشكل مستمر.

هنا يأتي دور الدعوة النسائية لأهميتها في المجتمع ليس فقط كمؤسسة، وإنما كأمهات وزوجات وأخوات تؤثرن في المجتمع، فعملياً في المجتمع الشرقي للمرأة دور أكثر من الرجل بعكس ما يذكر، حقيقةً هي تدير الأمور بعقل وبأسلوب ذكي في كثير من الحالات، ولكن أنا بالنسبة لي كلمة الداعيات هي كلمة مؤقتة لا أومن بها، لأنه لا يمكن لشخص أن يدعي لشيء وهو لا يعلم به، فإذا كان يعلم به فإنه سيكون عالماً، لماذا نقول علماء ونقول داعيات؟ لماذا لا نقول علماء وعالمات؟.

الدين لم يفرق، صحيح أن الدعوة النسائية حديثة العهد. والمؤسسة الدينية عمرها من عمر الإسلام في سورية، ولكنها لم تكن تضم نساءً . وهنا لديكن دوراً مهماً. الفكرة هي أننا لا نريد أن نفترض أن الدعوة النسائية هي رديفة للدعوة الذكورية. كل واحدة منكن لها دور كأي شيخ وقد يكون أهم، لأن الشيخ يقف على المنبر ويلقي خطابه بدون أن يحاور أحداً، ولكن أنتن عملكن دروس فيها حوار وأخد ورد، لذلك فيها تأثير ودخول في العمق، رغم وجود دروس لرجال الدين، ولكن جوهر علمكن هو الحوار المباشر. الحوار هو الذي يوصلنا للعقل، وأنا اجلس مع الكثير من الناس ويروون لي قصصاً أعرفها وأعلم أنهم قادمون لرواية قصة اعرفها وسوف أدخل معهم في نفس النقاش الذي ناقشته ألف مرة مع ألف شخص قبلهم ولكن في كل مرة وفي كل نقاش أتعلم شيئاً جديداً لسببين، أولاً لأن كل شخص لديه شيئاً جديداً، وثانياً لأن النقاش نفسه هو الذي يحفز الأفكار لدي فتظهر معي فكرة مختبئة في عقلي، فإذا لم يكن الدين دين حوار لن نصل إلى مواجهة التطرف.

فإذا لم يكن الدين دين حوار، لن نصل لمواجهة التطرف. هم ماذا يفعلون؟ أول شيء يلغون المدارس، هذا ما فعلوه في أفغانستان. ألغوا المدارس، لماذا؟ لأنه في هذه الحالة يصبح الدين مجرد أداة. لم يعد الدين هو للإيمان بالمعنى الذي نفهمه نحن. لم يعد دين عقل، أو دين تفكير. لذلك أقول أننا أمام خطوات كبيرة، فلو تمكنا من تجاوز الأزمة سيكون العبء أكبر بكثير من المرحلة الحالية، وسيكون العمل الكمي بحاجة إلى جهد كبير، ولكن العمل النوعي بحاجة لعشرات الأضعاف من الجهد. فالعبء عليكن كبير جداً. لكن أريد أن أؤكد نقطة مهمة جداً، أنه أنا شخصياً أرى أن الناس الذين هم في الأساس بعيدون عن الدين أو يشككون بالعمل الديني أو لديهم أي حاجز بينهم وبينه، هم نفسهم اليوم بدأوا يتحدثون بلغة مختلفة، وبدأوا يفهمون ما هي أهمية الدين. فإذاً الأبواب مفتوحة. لكن في نفس الوقت لدينا تحد خطير جداً، هو أنه بمقدار وجود أشخاص كانوا بعيدين عن الدين، وفهموا الدين، بمقدار وجود أشخاص أقرب إلى الدين ويفهمونه ولكن أصبح لديهم رد فعل على الدين، لماذا؟ لسبب بسيط، لأن فهمهم للدين سطحي. هذه هي القصة. عندما يكون فهمي للدين سطحياً فإما سأكون متطرفاً في المستقبل، أو منحرفاً عن الدين أو سأتحول إلى ملحد. طبعاً لا نستطيع القول أن المجتمع يبتعد عن الدين أو يقترب منه. الناس أجناس. فكل واحد يفهمه بطريقته. ولا نعرف كيف ستذهب الأمور، لكن هذا التحول معناه أن مجتمعنا غير متجانس، وهويتنا غير واضحة. عندما يكون هناك شخصاً قريباً من الدين وآخر بعيداً عنه، فمعنى هذا أن الدين ليس جزءاً من هوية توحد البلد. كيف نستطيع أن نوحد الناس؟ يجب إقناع كل الناس أن الدين مهم. في الممارسة .. الناس درجات، شخص يكون مؤمناً أكثر من الآخر… وشخص يمارس الدين أكثر من الآخر، هذا موضوع آخر. أما جوهر الدين فهنا تكمن المشكلة. عندما يكون هناك خلافاً حول الجوهر، أن الدين هو سبب المشكلة.. أو أن الدين هو الحل.. كلا، لا يجوز أن يكون لدينا هكذا حوار. طالما يوجد لدينا حوار من هذا النوع في المجتمع فإذاً نحن في أزمة. هذه الأزمة هي التي توصلنا إلى الموضوع الخطير. فأنا أقول في النهاية، لأنني أريد أن اختصر الحديث لاسمع منكم، .. اليوم الحرب علينا هي حربان، الأولى التي ترونها، يمسكون البندقية ويطلقون النار علينا. فنحن كالمحاربين القدماء يجب أن يكون في يدنا السيف لضرب العدو، لكن الأخطر من ذلك أنه إذا لم يكن لدي ترس لأحمي نفسي من ضربات العدو، فأقوم بضرب الأول لكن الثاني يقتلني. ” ترسنا ” هو القرآن. لأن حربهم علينا هي فكر. هم يريدون قتل الفكر لدينا. صراعنا مع الغرب قبل الأزمة كان صراعاً فكرياً. تتذكرون قبل الأزمة، كيف حاولوا أن يدخلونا في اتفاقيات لها علاقة مثلاً بموضوع الطفولة، أنه يجب على الطفل أن يختار دينه. هذا الكلام يقولون أنه “حرية “، لكن الطفل لدينا الذي يولد من أب وأم مسلمين يكون مسلماً، هناك شيء له علاقة بجوهر الدين. هم لا يضعون هذا الكلام عن غباء، هم كان هدفهم في الأساس فكفكة الأمور. فهذا ” الترس” يجب أن نستخدمه.. سابقاً لم نكن نستخدمه.

اليوم هناك عامل إيجابي وباب فتح أمامنا وأمامكم هو أن البلد في هذه الأزمة نظفت من الانتهازيين في الجسد الديني وهذه نقطة مهمة، وهي من النقاط التي نحن كدولة أكثر الناس دفعنا ثمنها، نحن كنا نجلس مع رجل دين في ذلك الوقت فإذا أردنا أن نقوم بأمر جيد يقول لا انتبهوا هذا الأمر يهيج الناس وسيفهمونه بشكل خاطئ، فنقول أن هذا رجل دين وعمله أن يفسر هذه الأمور فنعمل برأيه، ووزير الأوقاف دفع ثمنها كثيراً، فكثير من الأمور التي كان سيقوم بها فرضت عليه بالاتجاه الآخر، كنا نقول له لا فهذا رأي هذه الطبقة التي كانت تسوق لنفسها أنها تمثل الدين في البلد والعكس صحيح، وعندما تكون الأمور سيئة يقولون لنا أن الأمور جيدة والناس تدعوا لكم، ثم يجلسون معهم ثاني يوم في جلسات خاصة جداً ويقولون أن هذه الدولة ملحدة وضد الدين، هذه الأمور كلها انتهينا منها.

نحن الآن أقرب إلى الصفاء، طبعاً لسنا أقرب إلى الكمال ، لا أحد منا كامل، لكن نحن في المحصلة ما نريد الوصول إليه هو أقرب ما يكون إلى الكمال قدر المستطاع حسب إمكانياتنا البشرية، لن نكون أنبياء ولن يكون أحداً منا رسول ولكن نقترب من رسولنا بالصفات قدر المستطاع، وهذا هو الشيء الذي نستطيع أن نحققه.

كلام السيد الرئيس في نهاية اللقاء:

بالعودة الى فكرة الترس ، إن كان الشخص لا يعرف كيف يستخدم هذا الترس فسيتحول الى (صمدية)، وكثير منا يأتي بأجمل قرآن ونضعه في المكتبة كديكور ونستمتع بالنطر إليه. هذا الترس حولناه إلى مظهر، ولكن نحن نريد أن نعلم الناس كيف يستخدمونه بالفكر، هنا تأتي فكرة فقه الأزمة أولاً ثم مشروع الفضيلة ثانياً، هذا التسلسل الزمني له معنى، فقه الأزمة هو بداية العمل الديني ونهايته هي الفضيلة، طالما أن الهدف من العمل الديني هو الوصول بالمجتمع للشيء الصحيح فلا بد من وجود مؤشرات. ونقطة ضعف العمل الديني هي عدم وجود مؤشرات لهذا العمل، كانت المؤشرات هي فقط بالشعائر، بينما العمل الديني ليس هدفه الشعائر، الشعائر هي أدوات للوصول للهدف النهائي وهو صلاح المجتمع، ولكن لم يكن لدينا مؤشرات لصلاح المجتمع لذلك لم نستطع أن نصل بالعمل الديني لأهدافه المنشودة.

فالعمل على فقه الأزمة ينطلق من خلال العلماء والعالمات، ولكن الفضيلة هي الحالة العامة التي يجب أن تشمل كل مؤمن أو مسلم والمجتمع بالمعنى العام، فالهدف من الثانية هي أن نصل إلى مؤشرات، إذا لم نستطع الوصول إلى فكرة الفضيلة ليس الآن كمنهاج وانما كتطبيق، خاصة من خلال أولادنا، معنى ذلك أن كل العمل الديني واقف في مكانه مثل المحرك القديم الذي يصدر ضجيجاً ولكن دون نتيجة، وهذا يجب أن ننتبه له. هذان الموضوعان ( فقة الأزمة-مشروع فضيلة) لم نروج لهما إعلامياً، نحن لا نريد أن نفتعل ضجة أننا نقوم بعمل ديني، لسنا مضطرين لذلك، لكن في الحقيقة ما كان ينقصنا هو تنظيم الأولى ووضع مؤشرات للثانية ، وفي النهاية إن لم يكن في مجتمعنا محبة وتعاون بكل معنى الكلمة وبشكل حقيقي وليس بالمظهر فأعتقد أننا لن نكون قد استفدنا من العملية الدينية. مثلاً أنا سافرت إلى الهند عام 2008 بزيارة رسمية ، أول نقطة رأيتها لديهم ولم أكن أفكر بها، أن ديانتهم الهندوسية وهي ليست ديناً من عند الله، ولكن أول شيء نلمسه في المجتمع الهندي، وهذا ما جعل الهند تتطور مع أنها من أفقر بلدان العالم، هي فكرة الحسد، ليس لديهم حسد نهائياً، تشاهدون شخصاً في بيت من الصفيح ويموت من الجوع جالساً بجانب قصر ، ولكنه تعود أن لا يحسد، كنا نتجول كموكب رسمي في مكان ما، يكون العامل يعمل على الأرض نصل إلى جانبه ولا ينظر إلينا، فقط يهتم بعمله. لديهم ثقافة العمل، فالسؤال هنا، كيف من يملك ديناً دنيوياً يصل إلى هذا الشيء، بينما نحن لدينا دين من عند الله ومع ذلك لا نصل إلى ذلك الشيء . فنحن لم نستطع أن نترجم هذا الدين العظيم إلى ممارسة، وهنا كان الهدف من الفضيلة ومن فقه الأزمة.

آخر نقطة أريد المرور عليها، السيدة فرفور لفتت انتباهي إليها ، عندما مرّت على موضوع اللغة العربية. أنا دائما أقدم مثالاً: لو قلنا لكنّ سوف نقيم في هذه الصحراء مشروعاً للكهرباء ما هو أول شيء يخطر في بالكن؟ أول شيء المولدة وأسلاك الكهرباء، نحن المولدة لا نراها لأنها موجودة في مكان آخر، ما نراه هو سلك الكهرباء والمصباح، فعندما نقول كهرباء لا يخطر ببالنا الكهرباء التي تمشي في السلك لأننا لا نراها، يخطر في بالنا السلك، لكن الكهرباء ليست السلك، السلك حامل لهذه الكهرباء، فما هو حامل الدين في المجتمع؟ هو اللغة العربية. هذه نقطة مهمة جداً وهذا أكبر تحد يواجهنا لأن كل واحدة منكن لديها أبناء في سن الطفولة أو الشباب، ولديهم هذه المشكلة.

مع الوقت إذا فقدنا اللغة لن يكون لدينا الحامل للدين، وهذا هو الفرق بين المسلم العربي والمسلم الأجنبي ، عدة أشخاص من المسلمين الأجانب قالوا لي أنا أقرأ القرآن ولكن يا ليتني أفهمه، فهم يصلون بلغة لا يفهمونها ، يوجد صعوبة ومشكلة نفسية حقيقية، لذلك دائماً بالنسبة لهم ينظرون للمسلم العربي نظرة فيها خصوصية ويعتبرونه هو الحامل للدين ويمشون وراءه، وعندما ينحرف المسلم العربي فكل الآخرين سوف ينحرفون، وعندما تضرب اللغة سوف يتحول الدين إلى وعاء أجوف نردده كالببغاء دون أن نفهم. رغم أن التحدي لدينا كان منذ أربعين أو خمسين سنة أو حتى ثلاثين سنة هو بين اللغة العامية واللغة الفصحى، اليوم تجاوزنا هذا الموضوع، أصبح التحدي اللغة نفسها، فعندما يتحدث أحدهم العامية نقول من الجيد أنه يتكلم العربية، أصبح الأبناء يتكلمون مصطلحات كلها باللغة الأجنبية، فهذا جانب مهم لا تستطعن أن تفصلنه عن العمل الديني، مع العلم أن جزءاً منكن غير مختص باللغة العربية، بعضكن طبيبات أو مهندسات أو لا يحملن شهادة جامعية، ولكن موضوع اللغة لا نستطيع فصله عن موضوع الهوية بالمعنى الشامل سواء كانت الهوية الدينية أو القومية أو الوطنية. أتمنى أن يكون هذا جزء من العمل الديني ولا ينفصل عنه، لا يكفي أن أحفظ القرآن، اللغة العربية مهمة بكل معانيها حتى لو كانت لغة عامية على الأقل في المرحلة الحالية. جزء من اللغة العامية من إيبلا والآخر من أوغاريت من أيام الفينيقيين. جزء من لغتنا العامية هو نتيجة تراكم وطبعاً جزء منها جاء من الأتراك وجزء لا نعرف من أين ولكن في النهاية بشكل أو بآخر هي تعبر عن هوية كنا نرفضها منذ أربعين سنة . ولكن الآن لدينا تحدٍ أكبر هو موضوع اللغة الأجنبية.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>