مجلة نهج الإسلام – العدد /137/ – المقال الثاني

القدوة والمنهج من وحي السيرة النبوية الشريفة

ونحن في ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم تحضرنا نفحات من سيرته المشرقة عليه الصلاة والسلام بكل دقائقها ولحظاتها العطرة التي كانت مقرونة ببعثة أمة جديدة، أمة تعيش هذه الدعوة السامية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..}(آل عمران/110). أمة تعيش الحرية والمساواة التي نشرتها في العالم أجمع. فسيرته عليه الصلاة والسلام ضمت روائع لا تنفذ، وعظمة لا تُحدّ، وجوانب متعدّدة كلها سموٌّ ورفعةٌ ، فهو نبي كريم وصفَه سبحانه وتعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}(الأحزاب 45/46). وفي وصف خصه الله سبحانه وتعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم قال جلّ جلاله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء/107). وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: «إنما أنا رحمة مهداة». لذلك كانت دراسة السيرة النبوية الشريفة لنبي الرحمة هي القدوة الكاملة لمن ضلَّ الطريق وتاه في السُّبل وأضاع الهدف؛ وعند التعرف على صفات وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم نجد أنها من أهم السُّبل لتهذيب الأمة وشدِّها إلى أمجاد الإسلام وتاريخه العريق، حتى تترسخ القيم في نفوس أبنائها، وتسمو مداركهم، وتقدم القدوة المثلى لهم، وهم يرون الأمجاد التي حققتها السيرة النبوية الشريفة أمام عيونهم.
إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي الصفحة الجلية التي نتعلم منها ونرى فيها هذه الأخلاق النبوية الكريمة؛ والصحابة الكرام عايشوا هذه السيرة معايشة عملية، ونحن نستطيع أن نعايشها بأرواحنا وقلوبنا إذا قرأنا وتدارسنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم واطلعنا على أحداثها وجدنا كيف كانت معاملته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم مع الكفار والمنافقين والعصاة، ومع المتقين والمحسنين؛ فسيرته عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها هي مثال حي للأخلاق التي يجب أن تكون عليها الأمة الإسلامية. يقول شاعر الهند (أسد الله خان الدهلوي) محدِّثاً عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم : « إن بنانه لم يمسِك القلم، ولكنه سطر ما عجزت عنه أقلام التاريخ..» كان عليه الصلاة والسلام زاهدا في الدنيا، مقبلا على الآخرة، وقال معلما أصحابه: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعدَ نفسك من أصحاب القبور».
وفي جهاده لتبليغ الرسالة واجه عليه الصلاة والسلام أشد الصعاب للحد من دعوته، كما واجه أعظم مغريات الدنيا لينصرف عنها، ولكنه أبى وقال لعمه أبي طالب قولته الخالدة: «يا عمّ: والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته». وفي مواجهة الصعاب كان أشدها رحلته إلى الطائف ماشياً على قدميه نحو ستين ميلا ًذهاباً وإياباً ولاقى فيها أسوأ مما لاقاه في مكة من جفاء فقال لأهل الطائف: «أما إن رفضتم ما جئت به فاكتموه عني» ولكنهم تمادوا وسلطوا السفهاء حتى خرج إلى طرف البلدة؛ والتجأ إلى ربه بالدعاء: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». ولم يعزف رسول اللهصلى الله عليه وسلم عن دعوته رغم ما لاقاه من رحلة الطائف بل وجد بادرة لقبولها عند عبد ضعيف نصراني يقال له: عدّاس الذي دعاه إلى الإسلام فأسلم. ورحم الله الشاعر الهندي (إقبال أحمد سهيل) الذي عُرف بمدائحه للمصطفى عليه الصلاة والسلام ومنها قصيدته (موج كوثر) والتي جاء فيها: « صَبَّ على من عاداه وآذاه رشحات عفوه وحبه، وشمل برعايته وعطفه وحنانه، وجمع بين سلطان الفقر والغنى، والجسد والروح، والدين والدنيا». هكذا كانت أخلاق الرسولصلى الله عليه وسلم في دعوته وتبليغ الرسالة التي كانت المفتاح الأساسي في فهم سرِّ انتشار الإسلام في قلوب الناس شرقاً وغرباً ودوام انتشاره على مر العصور.
فأين الإسلام من مسلمي هذا الزمان؟! الذين انقطعت صلتهم عن القلب، وحرمت من لذة الحب، وصدق شاعر الإسلام (محمد إقبال) حين قال: « إن كارثة المسلمين في هذا العصر أنهم يحملون القلوب ولا يعرفون المحبوب.. إنهم يملكون مادة الحب ولا يعرفون من يشغلونها به ويوجهونها إليه.. فقلوبهم تائهة، وجهدهم ضائع، وحياتهم لا لذة فيها.. ».
إننا في زمن يمكن أن يسمى بزمن الشهوات و فتن الشبهات؛ الشهوات التي تستأثر بكل ذكاء وبكل الوسائل حتى تطغى على الإحساس والفكر والسلوك، والشبهات التي يفبركها أعداء الدين يؤمن بها كثيرون ممن ضل الطريق وأخطأ الهدف، ففي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنه أشرف على أطم من أطام المدينة ثم قال: هل ترون ما أرى؟ إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر» متفق عليه.
ألسنا اليوم نشهد ما تنبأ به عليه الصلاة والسلام وفتن الشبهات والشهوات تدخل البيوت وتعرض في الطرقات من دون إذن من أحد؟ وإذا كانت القيم كلها تتفرع عن الحق والخير: فإننا لا نبالغ إن قلنا أن تيارات الفتن الجارفة قد جعلت الكثيرين يولون وجوههم نحو الجماليات الحسية على حساب الحقائق والأخلاق.
إن الناس في المشرق والمغرب يعانون السحر العظيم الذي يمارس من قبل الإعلام والميديا بكل أشكالها: فأين الخطاب الإسلامي من كل هذا؟ فهل ما زلنا مصرين على الترفع عن هذا الخطاب وأساليبه ظانين أن الخطب الرنانة والعبارات المنمقة والصور البيانية كفيلة بإيصال دعوة الحق إلى العالم؟
وبعد.. إن دعوة نبينا المصطفىصلى الله عليه وسلم تميزت بالعالمية لأنها الدعوة الخاتمة ولم تحدّد بزمان ولا مكان وعمت البشرية قاطبة لقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا..}(الأعراف/158). ويترتب عن ذلك أنها ملزمة للناس كافة باتباعها ولا عذر بعدها لأحد لقوله تعالى: {.. لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}(النساء/165). لقد كانت كل دعوة حجة على قومها، ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم حجة على الناس كافة.
وهنا لا بد أن نذكِّر أنفسنا قبل غيرنا أننا ننتمي إلى الإسلام، وهذا الانتماء هو الذي شرفنا الله به وسمَّانا به، ورسولنا عليه الصلاة والسلام هو إمام الدعاة، وهو القدوة والأسوة والداعية المعلم الذي أمر الله تبارك وتعالى باقتفاء نهجه والاقتداء به في عبادتنا ودعوتنا وأخلاقنا ومعاملاتنا وجميع أمور حياتنا، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}(يوسف/108).
فواجب كل مسلم ومسلمة الاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فالاقتداء أساس الاهتداء، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(الأحزاب/21). قال (ابن كثير): هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول اللهصلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أُمِرَ الناسُ بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل. فمنهج الإسلام يحتاج إلى من يحمله ويترجمه بسلوكه وتصرفاته، ويحوِّله إلى واقع عملي محسوس وملموس، ولذلك بعثه سبحانه وتعالى بعد أن تمَّم في شخصيته الصورة الكاملة للمنهج ليترجِم هذا المنهج ويكون خير قدوة للبشرية جمعاء.
ولا بد من القول: إن سيرة الرسولصلى الله عليه وسلم كانت سيرة حية أمام أصحابه وأتباعه في حياته، وأمام المسلمين بعد وفاته، وكانت أنموذجاً بشرياً متكاملاً في جميع المراحل وفي جميع جوانب الحياة العملية، وأنموذجاً عملياً في صياغة الإسلام إلى واقع مشاهدٍ يعرفُ من خلال سيرته النبوية الشريفة عليه أفضل الصلاة والسلام..
ونختم بما أورده ابن القيم في كتابه الفوائد في الاقتداء والتأسي بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم:
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامُنــــــا كفى بالمطايا طيبُ ذكراكَ حادياً
وإن نحن أضللنّا الطريق ولم نجدُ دليلاً كفانا نورُ وجهكَ هاديـــــــــــــاً

One Comment

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بوركت جهودكم وجزاكم الله كل خير

Reply

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>