3- الإخوان المسلمون النشأة والحقائق ج1 = الجزء الأول

الإِخْوانُ المُسْلِمُون
النشأة والحقائق
الجزء الأول

الإخوان المسلمون
قراءة في البدايات
( نحن إخوة في الإسلام ، ومن ثم فنحن الإخوان المسلمون )
هذا هو الشعار الذي قاله حسن البنا لأتباعه مُعلناً تشكيل جماعة الإخوان المسلمين .
تاريخ الميلاد: شهر ذي القعدة عام 1347ه المصادف آذار 1928م .
الهيكل القيادي: مكتب الإرشاد ، ويعمل تحت إمرة المرشد العام ، وهو بمثابة مجلس الشورى . لكن صالح العشماوي – أحد قادة الجماعة – يقول وهو يمتدح المرشد: “عند أول عهدي بعضوية مكتب الإرشاد ثار البحث ، هل الشورى في الإسلام مُلزمة أم غير ملزمة ؟ أي هل يتقيد فضيلة المرشد العام برأي مكتب الإرشاد ، أم أن المكتب هيئة استشارية له أن يأخذ برأيها أو يخالفه إن شاء ؟ وكان رأي المرشد أن الشورى غير ملزمة ، وأن من حقه مخالفة رأي المكتب”  .
لذلك يعتبر المرشد العام في فكر الحركة مُشَرع له حقوق لا تكون لغيره ، وهذا المنهج هو المتبع حتى في عصرنا الحاضر .
البدايات المالية: أول تبرع مالي تلقته الجماعة كان من شركة قناة السويس الفرنسية ، وقد أكد حسن البنا ذلك وقال: إن التبرع كان خمسمائة جنيه ، وهو مبلغ كبير بمقياس هذا العصر،  وعند حل الجماعة عام 1948م اتضح أنها كانت أغنى الجمعيات والأحزاب السياسية في مصر  .
طبيعة الجماعة: حرص حسن البنا على أن يُضفي صبغة ضبابية على الجماعة ، وألا يُقدم تفسيراً واضحاً لأهدافها أو طبيعتها ، حتى يُوائِم بَينها وبين تقلبات الأحوال ، حيث قال حسن البنا: “أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية ، ولا حزباً سياسياً ، ولا هيئة موضوعية الأهداف محدودة المقاصد ، ولكنكم روح جديد يَسري في قلب الأمة”  .
ولا شك أن مِثل هذا عبارة مطاطة لا يُمكن الإمساك بأيٍّ مِن أطرافها ، وهي وَاضِحَةَ الغُموضِ والضَبَابيَّة ، وهذا هو شأن الإخوان .
البرنامج:
سُئل حسن البنا عن البرنامج فقال: “ولم البرنامج ؟ إنه يُفَرِّقُنَا” ، واكتفى بعبارة عامة: “القرآنُ دستورنا ، والرسولُ زعيمنا  .
ولقد بقي حسن البنا في بداية الأمر يُنكر أن لجماعته علاقة بالسياسة ، لكنه ما أن قوي عود جماعته حتى أعلن على صفحات مجلة “النذير”: “أن الجماعة سوف تنتقل من دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال” ، وتوجه إلى أتباعه مُتحدثاً عن السياسيين جميعاً قائلاً: “ستخاصمون هؤلاء جميعاً في الحكم وخارجه خصومة شديدة لديدة إن لم يستجيبوا لكم”  .
ولم يلبث حسن البنا أن صَارح الجميع بهدفه الأساسي ، وهو أنه يَطمح إلى الحُكم لِيُقيم دولة دينية ، وقال: “الإسلام الذي يُؤمن به الإخوان المسلمون يَجعل الحُكُومة رُكناً من أركانه ، ويَعتمد على التَنفيذ كما يَعتمد على الإرشاد ، والحكم معدود في كُتبنا الفقهية من العقائد والأصول ، فالإسلامُ حُكم وتنفيذ ، كما هو تشريع وتعليم ، كما هو قانون وقضاء” .
وقال أيضاً: “الذين يقولون أن تعاليم الإسلام إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون ، فالإسلام عبادة وقيادة ، دين ودولة ، وروحانية وعمل ، وصلاة وجهاد ، ومصحف وسيف ، لا يَنفك أحدها عن الآخر”  .
وبغير ذلك لم يقل البنا ، لم يَقل ما موقف جماعته من مشكلات الحياة اليومية ولا مِن الجديد فيها ، فقط عُموميات لا يُمكن الإمساك بشيء منها .
أبرز العلامات المميزة لجماعة الإخوان المسلمين
تميزت جماعة الإخوان المسلمين عَن غيرها من القوى السياسية المعاصرة بِعلامتين مميزتين أساسيتين: البيعة ، والجهاز السري .
أما عن البيعة فقد استند فيها حسن البنا إلى حديثين شريفين:
الأول يقول: (مَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)  .
والثاني يقول: (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)  .
واستند أيضاً إلى أقوال أبو الأعلى المودودي: “لا ينتخب للإمارة إلا من كان المسلمون يثقون به ، وبسيرته وبطباعه وبخلقه ، فإذا انتخبوه فهو ولي الأمر المطاع في حكمه ، ولا يُعصى له أمر ولا نهي” .
ويقول أن الإمام أو الأمير من حقه أن يُملي رأيه حتى على الأغلبية ، “فالإسلام لا يَجعل مِن كثرة الأصوات مِيزاناً للحق والباطل ، فإنه مِنَ الْمُمكن في نظر الإسلام أن يَكون الرجل الفَردُ أَصوبَ رأياً وَأَحَدَّ بَصراً من سائر أعضاء المجلس”  .
وقد بايع الأتباع إمامهم بيعة كاملة في المنشط والمكره ، وعاهدوه على السمع والطاعة ، ولم يكن حسن البنا يُخفي ذلك على الناس ، فهو لم يَكن يَقبل مِنهم بأقل من السمع والطاعة دون نقاش . وقال: “يَجب على الأخ أن يُعِدَّ نَفسه إعداداً تَاماً لِيُلَبِّي أَمر القائد في أية ناحية ، إن الدعوة تتطلب منا أن نَكون جُنوداً طائعين بقيادة موحدة ، لنا عليها الاستماع للنصيحة ، ولها علينا الطاعة ، كل الطاعة في المنشط والمكره” . وأيضاً: “يَتعين على العضو الثقة بالقائد ، والإخلاص والسمع والطاعة في العسر واليسر”  .
وهنا يظهر جلياً أن سيطرة البنا على أتباعه كانت مُطلقة وكاملة ، وتصل إلى درجة السحر !
وتصف الأمر جريدة مصرية فتقول في تهكم واضح: “إذا عطس المرشد في القاهرة ، قال له الإخوان في أسوان: يرحمكم الله” ، ولقد ترتب على البيعة بمفهوم البنا أنه ليس مسموحاً بالخلاف مع المرشد ، بل إن كلمة “ليس مسموحاً” هذه ليست أمراً معنوياً فحسب ، وإنما كان العنف والإرهاب المعلن والتباهي به سبيلاً لفرضها .
فمنذ البداية دَبَّ الخلاف في شعبة الإسماعيلية “مكتب الإخوان” ، وحاول البعض التمرد على البنا ، وأبلغوا النيابة العامة ضده في مخالفات مالية ، فكان رد فعل البنا عنيفاً ، فقد جَمع عدداً من أتباعه واعتدوا على المخالفين بالضرب .
ويعترف البنا بذلك ويتباهى به ، ويُبرره بأن “المخالفين قد تلبسهم الشيطان وزين لهم ذلك ، وأن من يَشق عَصَا الجَمع فاضربوه بالسيف كائناً من كان” ، ويتأسف البنا على رفض البعض لضرب المخالفين وردعهم قائلاً: “إننا قد تأثرنا إلى حد كبير بالنظم المائعة التي يَسترونها بألفاظ الديموقراطية والحرية الشخصية”  .
أما العلامة المميزة الثانية فهي الجهاز السري الذي مارس عمليات إرهاب وقتل كانت البداية والنموذج والقدوة للإرهاب المتأسلم . وقد تدرج الفكر التنظيمي لحسن البنا في سلاسة ويسر ليصل إلى هذا الهدف غير المعلن ، فبدأ “بالجوالة” بهدف تعويد الإخوان على النظام شبه العسكري ، وتدريبهم على الطاعة التامة والتفاني المطلق .
ثم كانت “كتائب أنصار الله” وهي مجموعات تضم كل منها أربعين عضواً من الأعضاء النشطين في الجماعة ، يلتقون معاً ليلة كل أسبوع ، حيث يَقضون الليل في العبادة والتلاوة ، والعيون اليقظة تتابع ذلك لتفرز منه من يَصلحون للجهاز الخاص .
ولقد أنكر البنا طويلاً أنه يُوجد ثمة جهاز خاص ، ونفى ذلك نفياً قاطعاً ، بل لقد وصف القائمين بأعمال النسف والتفجير والقتل عام 1948 – 1949م بأنهم: “ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين” .
وظلت الجماعة على إنكارها لوجود الجهاز الخاص حتى بِرغم اعترافات عشرات – بل مئات – من أعضائه أمام محكمة الشعب ، وقيل ساعتها: أنها أكاذيب أمليت وترددت تحت وطأة التعذيب .
“ثم لا تلبث الحقيقة أن تظهر عندما يتنافس رجال الإرهاب الإخواني القدامى في كتابة مذكرات يحاول كل منها أن ينسب إلى نفسه أكبر قدر من القتل والإرهاب ، فكانت مذكرات “صلاح شادي ، أحمد عادل كمال ، عبد المنعم عبد الرؤوف ، محمود الصباغ” وقد اعترفوا جميعاً بأعمال إرهابية بشكل مثير للدهشة ، لأنهم تَحدثوا في تباهٍ وتمجِيد للفعل الإرهابي ، مؤكدين انتسابهم إلى الجهاز السري والتزامهم بصيغته وأهدافه”  .
حسن البنَّا والسياسة
لقد ظل حسن البنا طوال عشر سنوات كاملة يُنكر أية صفة سياسية لجماعته ويؤكد في إلحاح أنه لا علاقة له بالسياسة ، ولكنه ما إن شعر بالقوة وبضعف الآخرين حتى جاهر بدوره السياسي: الدين شيء والسياسة غيره .. دعوى نحاربها بكل سلاح .
ثم ما لبث أن قال: “أستطيع أن أَجهر بصراحة بأن المسلم لا يتم إسلامه إلا إذا كان سياسياً بَعيد النظر في شؤون أمته مهتماً بها غَيوراً عليها” .
لكن الأمر لا يكون مُستقيماً أبداً مع حسن البنا .
فهو يعود ليغمض القول: “هل نحن طريقة صوفية ، مؤسسة اجتماعية ، حزب سياسي؟”
ويجيب على هذه الأسئلة بالنفي مؤكداً: “نحن دعوة القرآن الحق الشامل” .
لكنه لا يَلبث أن يعود ليؤكد: “إن الإخوان دعوة سلفية ، طريقة صوفية ، هيئة سياسية ، جماعة رياضية ، رابطة ثقافية ، شركة اقتصادية ، فكرة اجتماعية”.
الزئبق الإخواني
متى تستطيع أن تُمسك بالزئبق ؟ فَحَسن البنا يَعود لينفي ما قال: “أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية ، ولا حزباً سياسياً ، ولا هيئة موضعية الأغراض محدودة المقاصد ، ولكنكم روح جديد ونور جديد ، وصوت دَاوٍ”.
ومع ذلك فإن أحداً لا يُنكر أن الإخوان قد تداخلوا في السياسة ، وشاركوا في غمارها مشاركة كاملة . وحتى في المبادئ الجوهرية كان الإخوان يَتلاعبون تلاعب السياسيين غير المبدَئِيِّين .
فبعد أن يُوجه البنا نَقداً شديداً للدستور قائلاً: “إن فيه ما يَراه الإخوان مُبهماً غَامضاً يَدع مَجالاً واسعاً للتأويل والتفسير الذي تُمليه الغايات والأهواء”. لكنه يعود فيتراجع تحت ضغط قيل أنه قد أتى من القصر الملكي ليعلن: “إن الدستور بِرُوحه وأهدافه العامة لا يَتناقض مع القرآن ، وإن ما نحتاج إلى تعديل منه يُمكن أن يُعَدَّل بالطريقة التي رسمها الدستور ذاته”.
ويؤكد:” وما كان لجماعة الإخوان المسلمين أن تُنكر الاحترام الواجب للدستور باعتباره نظام الحكم المقرر في مصر ، ولا أن تُحاول الطعن فيه ، ما كان لها أن تفعل ذلك وهي جماعة مُؤمنة مخلصة تَعلم أن إهاجة العامة ثورة ، وأن الثورة فِتنة ، وأن الفتنة في النار”.
ولكن لعبة السياسة عند البنا استمرت على هذا المنوال ، قول ونقيضه في آن واحد ، وإن كان الخط الثابت هُوَ الْمُناورة بين الجميع ، والتلاعب بالجميع ، غير أن البنا أدرك وإن مُتأخراً أن الجميع كانوا يتلاعبون به ، بَينما يَتخيل هو أنه تلاعب بهم.
وبهذا نكتفي في مجال السياسة ، فكل الخطى متشابهة .
العنف والإخوان
والعنف هو النتيجة المفترضة للخلط المتعمد بين الدين والفكر الديني ، وبذرته الخبيثة موجودة منذ البدايات الأولى للجماعة .
فعندما أصدرت جماعة الإخوان مجلتها “النذير” ، تعجل عبد الرحمن الساعاتي “والد المرشد العام حسن البنا” في أن يَجعلها نذيراً للجميع ، فكتب في عددها الأول مقالاً عنوانه: “استعدوا يا جُنود” ، يقول فيه: “استعدوا يا جنود ، وليأخذ كل منكم أُهبته ، ويُعد سلاحه ، ولا يلتفت منكم أحد ، امضوا إلى حيث تؤمرون” .
ثم يقول: “خُذوا هذه الأمة في رفق ، فما أحوجها إلى العناية والتدليل ، وصفوا لها الدواء ، فكم على ضفاف النيل من قلب يُعاني وجسم عَليل ، اعكفوا على إعداده في صيدليتكم ، ولتقم على إعطائه فرقة الإنقاذ منكم ، فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود ، وأثقلوا ظهرها بالحديد ، وجرعوها الدواء بالقوة ، وإن وجدتم في جسمها عَضواً خبيثاً فاقطعوه ، أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه . استعدوا يا جنود ، فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر ، وفي عيونهم عمى”  .
والعنف هنا مقصود لذاته بل هو السبيل الوحيد ، فحسن البنا يقول: “وما كانت القوة إلا كالدواء المُر الذي تحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حملاً ليرد جماحها ويكسر جبروتها وطغيانها ، هكذا كانت نظرية السيف في الإسلام . لم يكن السيف في يد المسلم إلا كالمشرط في يد الجراح لحسم الداء الاجتماعي”  .
بل إنهم يعتبرون – وحتى أكثرهم اعتدالاً – أن القتل سلاح في العمل السياسي يمكن لآحاد الناس أن يوقعه متى اعتقد أنه يقيم الحد .
وما من مجال لسرد كل الدعاوى الإخوانية التي تقرر أن العنف والإرهاب هو أساس الدعوة وجوهرها ، فلقد يحتاج الأمر إلى مجلدات . فقط أدعو القارئ إلى قراءة الكتب الآتية التي أصدرها قادة بارزون من الجماعة ، بل لعلهم كانوا أبرز القادة الفعليين ، فهم قادة الجهاز السري الذي كرس الإرهاب المتأسلم في مصر .
* أحمد عادل كمال “النقط فوق الحروف” ويقول فيه: جماعة دون عنف يحميها .. تهريج .
* صلاح شادي “حصاد العمر” ويورد مئات الوقائع عن ارتكاب أعمال إرهابية .
* عبد المنعم عبد الرؤوف “أرغمت فاروق على التنازل عن العرش” وفيه يؤكد أن الإخوان هم الذين حاولوا اغتيال عبد الناصر في حادث المنشية ، ويورد تفاصيل الترتيبات .
* محمود عبد الحليم “الإخوان المسلمون – أحداث صنعت التاريخ” وفيه يؤكد أن رئيس الجهاز السري للإخوان عبد الرحمن السندي هو الذي دبر قتل نائبه سيد فايز ، ويقول: “وقد ثبت ثبوتاً قاطعاً أن هذه الجريمة الأثيمة كانت بتدبير السندي” .
وإذ يطالع القارئ هذه الكتب أو حتى واحداً منها سيجد فيضاً من المعلومات والأدلة والاعترافات والاتهامات المتبادلة التي تكفي وتزيد لإقناعه بأن جماعة الإخوان كانت المصدر الأساسي للإرهاب المتأسلم في العصر الحديث .
ولكن لنتوقف أمام كاتب إخواني من قادة الجهاز السري ، نتوقف أمامه لأنه الأصرح والأوضح ، وربما الأفدح ، إنه “محمود الصباغ” ، ونقرأ: يبدأ عضو الجهاز الخاص بالبيعة “يدخل إلى حجرة مطفأة الأنوار ، ويجلس على بساط في مواجهة أخ في الإسلام مغطى جسده تماماً من قمة رأسه إلى أخمص قدمه برداء أبيض ، ثم يخرج من جانبه مسدساً ويطلب من المبايع أن يتحسسه ، وأن يتحسس المصحف الشريف ، ثم يقول له: فإن خنت العهد أو أفشيت السر ، فسوف يؤدي ذلك إلى إخلاء سبيل الجماعة منك ، ويكون مأواك جهنم وبئس المصير” .
ما معنى “إخلاء سبيل الجماعة منك ؟” تأتي الإجابة في صفحة أخرى عندما يورد الصباغ نصوص لائحة الجهاز الخاص – الجهاز السري لجماعة الإخوان – م 13: “إن أية خيانة أو إفشاء سر بحسن قصد أو بسوء قصد يعرض صاحبه للإعدام ، وإخلاء سبيل الجماعة منه ، مهما كانت منزلته ، ومهما تحصن بالوسائل ، واعتصم بالأسباب التي يراها كفيلة له بالحياة” .
بل إنه يعطي لنفسه ولزملائه الحق في القتل المباشر دون إذن من القيادة ، “إن أعضاء الجهاز يمتلكون – دون إذن أحد – الحق في اغتيال من يشاؤون من خصومهم السياسيين ، فكلهم قارئ لسنة رسول الله  في إباحة اغتيال أعداء الله” . فقط نلاحظ أن “خصومهم السياسيين” هم أعداء الله ويباح اغتيالهم .
بل إن الصباغ يُغالي فيقول: “إن قتل أعداء الله – أي الخصوم السياسيين للجماعة – هو من شرائع الإسلام ، ومِن خِدَعِ الحرب فيها أن يَسُب المجاهد المسلمين وأن يضلل عدو الله بالكلام حتى يتمكن منه فيقتله”  .
يبقى أن نشير إلى أن “مصطفى مشهور” مرشد الجماعة بعد حسن البنا يقول: “وإن من سياساتنا أن الإسلام يتجاوز عن قتل المسلمين إذا كان في ذلك مصلحة” ، ويقول: “إن من السياسيين من يجب استئصاله وتطهير البلاد منه ، فإن لم توجد سلطة شرعية تصدهم فليتول ذلك من وضعوا أنفسهم للإسلام جنوداً ، وأن الإسلام يتجاوز عن احتمال قتل المسلمين إذا كان في ذلك مصلحة”  .
ومن أشكال العنف “الفتوى” ، فالمفتي من أعضاء الجماعة يضع السم في الشراب ويترك الآخرين ليتجرعوه ، وكمثال نورد الفتوى التالية التي كانت سبباً في موجة للاعتداء على الكنائس وإحراقها:
في مجلة الدعوة “لسان حال الجماعة” وردت الفتوى التالية التي أفتى بها مفتي المجلة “محمد عبد الله الخطيب” حول حكم بناء الكنائس في ديار الإسلام” فقال: حكم بناء الكنائس في ديار الإسلام على ثلاثة أقسام:
الأول: بلاد أحدثها المسلمون وأقاموها كالمعادي والعاشر من رمضان وحلوان ، وهذه البلاد وأمثالها لا يجوز فيها إحداث كنيسة ولا بيعة .
والثاني: ما فتحه المسلمون من البلاد بالقوة كالإسكندرية بمصر والقسطنطينية بتركيا ، فهذه أيضاً لا يجوز بناء هذه الأشياء فيها “لاحظ كلمة هذه الأشياء” ، وبعض العلماء قال بوجوب الهدم لأنها بلاد مملوكة للمسلمين .
والثالث: ما فتح صلحاً بين المسلمين وبين سكانها ، والمختار هو إبقاء ما وجد بها من كنائس وبيع على ما هي عليه في وقت الفتح ، ومنع بناء وإعادة ما هدم منها . وواضح أنه لا يجوز إحداث كنيسة في دار الإسلام”  .
هذا هو الفكر الإخواني ، ولسنا نريد الخوض في تفنيد هذا الرأي وتخطئته شرعياً ، وعبر الممارسات الإسلامية على مدى التاريخ من عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وحتى الآن ، وإنما فقط نشير إلى أن فتوى كهذه كانت أساساً لأن يقوم بعض الصبية الذين صدقوها والتزموا بها بالتعدي على الكنائس ومحاولة إحراقها . ولعل هذا يقودنا إلى فكرة طالما نادينا بها وهي: أن الإرهاب يبدأ فكراً .
البدايات المشبوهة للإخوان
منذ البدايات الأولى حاول حسن البنا – وإن بحذر – أن يَضع اللبنات الأولى للمفارقة بين عضو الجماعة والمجتمع حكاماً ومحكومين ، وللمفاصلة التامة بينهما ، بل ولتكفير المجتمع – حكاماً ومحكومين – وإنكار ما يقوم عليه المجتمع من أسس دستورية وقانونية .
وفي رسالة “التعاليم” يحدد حسن البنا واجبات “الأخ المجاهد” وعددها ثماني وثلاثين واجباً ، وفي الواجب الخامس والعشرين منها يأمر العضو “أن تقاطع المحاكم والمدارس والهيئات التي تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعة تامة” .
وفي البند السابع والثلاثين يأمره “أن تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرتك”  .
وعلى نهجه سار عبد القادر عوده ، إذ قرر تكفير كل قائل بالقانون الوضعي ، والغريب أنه ظل حتى آخر حياته محامياً ويدير مكتباً كبيراً للمحاماة التي تعتمد فقط على التحاكم إلى القانون الوضعي . ويقول الأستاذ عوده: “من الأمثلة الظاهرة على الكفر بالامتناع في عصرنا الحالي: الامتناع عن الحكم بالشريعة الإسلامية وتطبيق القوانين الوضعية بدلاً منها” .
ويقول: “فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا لأنه يفضل غيره من أوضاع البشر عليه ، فهو كافر قطعاً”  .
ويقول مفكر إخواني آخر هو علي جريشه: “ولا خلاف في جهادِ مَن مَنع بعض شريعة الله ، وأولى به مَن مَنع كل الشريعة ، والقعود عن الجهاد تَهلكة نهى الله عنها”  .
وغني عن القول أن القول بتكفير كل من يقبل بالقانون الوضعي هو تكفير للحكم والمجتمع والمحكومين ، أما القعود عن الجهاد ضد هذا المجتمع فهو “تهلكة نهى الله عنها” .
ودون صعوبة نكتشف أن جوهر فكرة التكفير ومن ثم “المفاصلة” مع المجتمع والعنف ضده قديمة قدم الدعوة ذاتها ، وأن الذي أرسى أساسها هو مؤسس الجماعة ذاته “حسن البنا” .
والذين يتصورون أن سيد قطب أستاذ “التكفير” والذي انبثق من فكره كل دعاة الإرهاب المحدثون – إلى درجة أنهم يسمون بالقطبيين – كان شارداً عن خط الجماعة واهمون ، هو فقط وضع كلمات في موضعها الواضح ، ولم يتلاعب بالألفاظ كما فعل سابقوه . وسيد قطب رجل لا يعرف المساومة ، فيقول: “إن الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات: مجتمع إسلامي ، ومجتمع جاهلي” والمجتمعات الجاهلية عند سيد قطب هي كل المجتمعات ، “الشيوعية والوثنية واليهودية والمسيحية ، والمجتمعات التي تزعم أنها مسلمة”  .
وبشكل أوضح يقول: “يدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة على الأرض”
وكما قلنا لا حل وسط فهو يقول: “فنحن وهذه الجاهلية على مفرق الطريق ، فإما إسلام وإما جاهلية ، وإن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات والتقاليد الإسلامية في مكان الجاهلية ، ولن يكون هذا بمجاراة الجاهلية في بعض الخطوات لأننا حين نسايرها خطوة ، فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق”  .
وهو لا يعترف بإسلام المسلمين فيقول: “إن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون ، وهم يحيون حياة الجاهلية ، ليس هذا إسلاماً ، وليس هؤلاء مسلمين . والدعوة إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام ، ولتجعل منهم مسلمين من جديد”  .
ولنتأمل في قوله: “لتجعل منهم مسلمين من جديد” ، فهو لا يعتبر أن الإسلام قائم إلا في حدود جماعته ، ومن ثم فهو يدعو إلى إعادة إنشائه قائلاً: “وينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة ، حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين ، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون ، فإذا دخل في هذا الدين عصبة من الناس ، فهذه العصبة هي التي يُطلق عليها اسم المجتمع المسلم” .
ما معنى ذلك كله ؟ ما معنى تكفير المسلمين جميعاً ، حكاماً ومحكومين ؟ معناه ببساطة أنهم جميعاً مرتدون. . ثم .. الإرهاب .
وهكذا فإن الإرهاب يأتي منقاداً وبشكل طبيعي للفكرة الأولى الذي وضع بذرتها حسن البنا ومدها على استقامتها سيد قطب .
الممارسة العملية لنظرية فصل الأقوال عن الأفعال
ونأتي إلى ساحة الممارسة ، ولقد تعودنا من جماعة الإخوان أن تختلف الأقوال عن الأفعال ، وفي البداية يُحدد محمد شريف – مسؤول مكتب العمال بالجماعة – الهدف الأساسي للجماعة من العمل وسط جماهير العمال: “أن معاداة الشيوعية كانت أحد هدفين أساسيين استهدفتهما الجماعة من عملها المنظم في صفوف الطبقة العاملة ، أما الهدف الآخر فهو السعي لنشر دعوة الإسلام في الأوساط العمالية”  .
ولا شك أن نشاطاً من هذا القبيل قد لقي ترحيباً شديداً من جانب الحكومات والرأسماليين على السواء  .
والحقيقة أن تركيز الإخوان في نشاطهم على مقاومة الشيوعية قد أوقعهم في محاذير شديدة الخطر ، فدفعوا عضويتهم إلى التجسس على العمال النشطين ، وعلى الشيوعيين عموماً ، وإبلاغ السلطات عنهم .
وأمام محكمة الشعب – التي شكلتها سلطة أيار لمحاكمة الإخوان عندما تصادمت معهم – وقف أحد قادة الجماعة – صلاح الدين أبو الخير – ليعترف صراحة “أن قسم الأخبار في الجماعة كان يقوم بجمع الأخبار المهمة التي تهم الجماعة ، وأيضاً نشوف حاجة … خلية شيوعية مثلاً … وأنا أعرف أن الإخوان ضبطوا عدة خلايا وأبلغوا عنها”  .
ولكن أغلب النشاط الإخواني التجسسي ضد اليسار عموماً ، تركز أساساً في المجال العمالي . ويمكن القول أن الظروف كانت مواتية كي يمارس الإخوان دوراً أزيد بكثير مما فعلوا ، فهناك أولاً المشاعر الدينية المسيطرة على جماهير العمال باتجاه الجماعة ، وهناك أيضاً الفراغ السياسي في صفوف الطبقة العاملة في مطلع الثلاثينيات عند نشأة الجماعة ، فالحزب الشيوعي المصري وجهت له ضربات عنيفة ، والاتحاد العام لنقابات العمال الذي أسسه الحزب عام 1921م تم حله أيضاً ، وصودرت ممتلكاته وسجن قادته ، وحلت محله اتحادات عمالية شكلية تابعة بشكل مباشر للأحزاب البرجوازية أو للقصر الملكي ، وتولى رئاستها بكوات وباشوات ، بل وأحد نبلاء الأسرة المالكة ، وكانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية تدفع بالعمال إلى العمل المباشر .
لكننا نعتقد أن المناورة السياسية والمراهنة على القصر الملكي وعلى عدم إغضاب كبار الملاك والرأسماليين بالإضافة إلى المنطلق المعتقدي كل ذلك أدى بالجماعة إلى العجز عن الاستفادة من كل هذه الممكنات .
وبرغم ذلك فلا بد لنا أن نلاحظ وباهتمام أن أول من انضم إلى حسن البنا في عملية تأسيس الجماعة كان ستة من العمال ، لكن الإسهام المكثف في عملية التأسيس لم يتواصل معه تواجد جدي للجماعة في صفوف العمال .
وعلى أية حال فقد تطور موقف الإخوان إزاء الطبقة العاملة من الاتصالات الفردية إلى العمل المباشر والمنظم ، شهد عام 1938م بداية هذا التوجه ، ففي 22 أغسطس 1938م ، “التقى بالمركز العام للجماعة مجموعة من العمال “المتعلمين” ، وتداولوا الأوضاع السيئة التي تعيشها الحركة العمالية ، وحول إمكانية تأسيس حزب عمالي”  .
ويعلق أحد الباحثين على هذه المحاولة قائلاً: “ويبدو أن هذا الحزب قد تَكَوَّن من عدد محدود ولفترة وجيزة ، واتخذ له مقراً المركز العام للجماعة ، ويبدو أنه كان مجرد واحدة من المناورات التي حاكها القصر ضد الوفد”  .
وتأتي الأربعينيات لتشهد انطلاقة يسارية واسعة ، ونشاطاً شيوعياً في صفوف العمال ، ولعل هذا هو الذي دفع الجماعة لبذل اهتمام مضاعف بالقضايا العمالية ، ففي 29 آب 1942م صدر العدد الأول من جريدة “الإخوان المسلمون” ليعلن تأسيس “قسم الشؤون الاجتماعية” بالجماعة ، مما يعني بداية اهتمام منظم ومنتظم بهذه المسألة .
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة أسست الجماعة “قسم العمال” بالمركز العام ، لكنها حرصت على التأكيد بأن “الغرض من إنشاء هذا القسم ليس التدخل في شؤون العمال النقابية ، ولا التنافس مع الهيئات العمالية ، أو التعرض للعمال في مصانعهم أو شركاتهم ، ولكنه أنشئ بغرض توصيل الدعوة إلى نفوسهم ، وحتى يكون دافعاً لتمسكهم بتعاليم الدين” .
وعلى العكس تماماً …
دأبت جماعة الإخوان المسلمين منذ فجر البعث الوطني الحالي على بث الدسائس وتدبير المؤامرات التي ترمي في مجموعها إلى القضاء على الحركة الوطنية أو تحويلها عن أهدافها مما لا يخدم غير الاستعمار . ولما كانت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة هي اللجنة الشرعية الممثلة للطلبة والعمال والموظفين ، والمنتخبة انتخاباً ديموقراطياً ، والمنظمة لكفاح طوائف الشعب حتى يقضي على الاستعمار ؛ فقد دبر الإخوان مؤامرتهم خاصة ضد العمال والطلبة الغير متعاونين ، وبدأوا في إعلان تكوين لجان خاصة بهم وسط العمال .
والحقيقة أن موجة العداء التي تصاعدت ضد الإخوان وفي صفوف العمال لم تكن فقط بسبب الممارسات السياسية المعادية للمشاعر الوطنية ، والتي وقفت بالإخوان في صف رئيس الوزراء الطاغية إسماعيل صدقي ، وضد حركة الجماهير الشعبية المعادية للاستعمار بقيادة اللجنة الوطنية للعمال والطلبة ، وإنما كانت بسبب ممارسات محددة ضد مصالح العمال المباشرة  .
ففي سبتمبر 1945م قاد الشيوعيون إضراباً شاملاً وناجحاً في منطقة شبرا الخيمة ، حيث توقفت كل مصانع تلك المنطقة عن العمل ، وتشكلت قيادة سرية للإضراب عجز البوليس عن الوصول إليها ، وفي البداية أيدت جماعة الإخوان الإضراب لكنها ما لبثت أن انسحبت منه ، وبدأت حملتها ضده ، بل لقد أرسلت وفوداً من دعاتها إلى المنطقة لإقناع العمال بالعدول عن الإضراب ، بحجة “أن الدين يُحرم الإضراب لأن فيه خسارة لأصحاب المصانع من المسلمين” .
وعاد عمال شبرا الخيمة إلى الإضراب من جديد ، في إضراب أكثر شمولاً وأكثر تنظيماً ، استمر طوال شهري مايو – يوليو 1946م ، ومنذ البداية وقف الإخوان ضد الإضراب ، واتهم قادة الإضراب – وأيدتهم في ذلك صحف الوفد – أعضاء جماعة الإخوان ، “بأنهم قد سلموا البوليس قوائم بأسماء وعناوين القادة السريين للإضراب ، ونتيجة لهذه المعلومات ألقي القبض على أكثر من مائة من القادة العماليين” ، لكن الإضراب استمر رغم ذلك ، وصمم أصحاب المصانع على عدم السماح للعمال بالعودة للعمل إلا إذا تعهدوا كتابةً بعدم العودة للإضراب ، وأيدت جريدة الإخوان ذلك ، ودعت العمال إلى “إنهاء الإضراب والتوقيع على التعهد الذي طلبه منهم أصحاب المصانع ومكتب العمل بعدم اللجوء إلى سلاح الإضراب في المستقبل” ، وقالت الجريدة أنها “تؤمل بعد عودة العمال للعمل وتوقيعهم على التعهد المطلوب أن تعمل الحكومة على حل مشاكل العمال”  .
ويفسر البعض ذلك بأن نشاط الجماعة وسط العمال كان دوماً في خدمة الاستخبارات والقصر الملكي وبالتنسيق معها .
وعندما عادت الجماعة للنشاط في نهاية 1950م حاولت أن تتخطى أخطاء الفترة السابقة ، وأن تواكب المد الثوري الملتهب والذي اتخذ منحى ثورياً ، وأن تتكلم بلغته كي تكسب موقعاً ما وسط صفوف العمال ، فكتب سيد قطب كثيراً عن اشتراكية الإسلام ، وتنشر مجلة “الدعوة” مقالات ملتهبة تهاجم الرأسماليين لأول مرة ، وتدافع عن حق العمال في الإضراب ، بعد أن أكدوا كمن قبل أنه ضد تعاليم الإسلام .
وثمة مقال لمحمد الفولي بعنوان: “أيها الرأسماليون لا تحاربوا النقابات” يُهاجم فيها قانون 1940م لأنه يحرم تكوين اتحادات عمالية ، كما أنه يحرم العمال من حق الإضراب الذي هو سلاحهم الوحيد في مواجهة بطش الرأسماليين بهم وبحقوقهم .
لكن هذا التطور لم يَستمر سِوى فترة قصيرة جداً ولم يُثمر نفوذاً ما وسط العمال ، وبدت الجماعة وكأنها تفقد أملها في هذه الطبقة ، وفي وجود نفوذ حقيقي لها في صفوفها ، ومن ثم راهنت ومن جديد على القوى الأخرى .
وعندما قامت ثورة 1952م ، كانت تتنازعها مواقف متعددة إزاء قضية الطبقة العاملة ، واختار الإخوان الانحياز إلى أكثر العناصر محافظة وعداء لحقوق العمال .
ولعله من الضروري الإشارة إلى أن الجماعة بينما كانت تتخذ من خلف الستار مواقف معادية للعمال ، كانت وفي هذه الفترة بالذات – وكما رأينا من قبل – تتخذ موقف المزايدة على الجميع ، مدعية الدفاع عن العمال .
ومرة أخرى يهزم التوجه الإخواني إزاء العمال ، فقد استطاعت استقالة خالد محيي الدين أن تستقطب إلى جانبه جمال عبد الناصر الذي كان متغيباً عن الجلسة التي وقع فيها الصدام ، وعقدت جلسة جديدة ، وتم اتخاذ موقف جديد ، وبدأ نفوذ سيد قطب يتقلص في مجال وزارة الشؤون الاجتماعية ، وما لبث أن أبعد عن موقعه .
ولعل مواقف كهذه قد انعكست بالسلب أيضاً على علاقة الإخوان بالعمال ، ويمكن القول أن هذه العلاقة ظلت – وحتى الآن – محدودة ، فبرغم تصاعد المد الإسلامي وتزايد نفوذ الجماعات الإسلامية – ومنها الإخوان المسلمين – وسط فئات المجتمع المختلفة ، وبرغم تزايد نفوذ الإخوان في عدد من النقابات المهنية – المهندسين ، الأطباء – فإن المرشحين الإسلاميين قد فشلوا فشلاً ذريعاً في انتخابات النقابات العمالية الأخيرة ، ولعل ذلك كله ليس منفصلاً عن مجمل مواقف الجماعة سواء الأيديولوجية منها أو العملية .
حقائق إرهابية تاريخية
صدرت مذكرة بحل جماعة الإخوان المسلمين في 20 أيلول 1984م للأعمال الإجرامية الآتية:
1-    أن الجماعة كانت تُعد للإطاحة بالنظام السياسي القائم ، وذلك عن طريق الإرهاب ، مستخدمة تشكيلات مدربة عسكرياً هي فرق الجوالة .
2-    مسؤولية الجماعة عن مقتل أحد خصومها السياسيين “وفدي” في بورسعيد .
3-    مسؤولية الجماعة بحيازة أسلحة ومفرقعات ومتفجرات ، “حادث المقطم ، مستودع السلاح بعزبة الشيخ محمد فرغلي ، ضبط مصنع للمتفجرات بالإسماعيلية” .
4-    نسف فندق الملك جورج بالإسماعيلية .
5-    نسف العديد من المنشآت التجارية المملوكة لليهود .
6-    الاعتداء على رجال الأمن أثناء تأدية وظيفتهم .
7-    إرهاب أصحاب المنشآت التجارية وتهديدهم بهدف الحصول على “تبرعات” و “اشتراكات” مدفوعة مقدماً لصحيفة الجماعة .
وبناء على هذه المذكرة أصدر الحاكم العسكري العام محمود فهمي النقراشي باشا قراراً عسكرياً من تسعة مواد ، تَنص مادته الأولى: تُحل فوراً الجمعية المعروفة باسم جماعة الإخوان المسلمين بشعبها أينما وجدت ، وتُغلق الأمكنة المخصصة لنشاطها ، وتُضبط جميع الأوراق والوثائق والسجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال ، وعلى العموم كافة الأشياء المملوكة للجمعية .
ويحظر على أتباعها والمنتمين إليها بأية صفة كانت مواصلة نشاط الجمعية ، وبوجه خاص عقد اجتماعات لها أو لإحدى شعبها ، أو تنظيم مثل هذه الاجتماعات أو الدعوة إليها ، وجمع الإعانات أو الاشتراكات ، أو الشروع في شيء من ذلك ، ويعد من الاجتماعات المحظورة في تطبيق هذا الحكم اجتماع خمسة فأكثر من الأشخاص الذين كانوا أعضاء بالجمعية المذكورة . كما يحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي السماح باستعمال أي مكان تابع له لعقد مثل هذه الاجتماعات ، أو تقديم أي مساعدة أدبية أو مادية أخرى .
وتنص المادة الثالثة: “على كل شخص كان عضواً في الجمعية المنحلة أو منتمياً لها وكان مؤتمناً على أوراق أو مستندات أو دفاتر أو سجلات أو أدوات أو أشياء أن يُسلمها إلى مركز البوليس المقيم في دائرته في خلال خمسة أيام من تاريخ نشر هذا الأمر” .
أما المادة الرابعة فتنص على تعيين “مندوب خاص مهمته استلام جميع أموال الجمعية المنحلة وتصفية ما يَرى تَصفيته ، ويخصص الناتج للأعمال الخيرية أو الاجتماعية التي يُحددها وزير الشؤون”  .
ودارت ماكينة العنف البوليسي ضد الإخوان ، هؤلاء الذين باركوا دورانها ضد خصومهم من الوفديين والتقدميين والشيوعيين ، فإذا بغول الديكتاتورية يبتلعهم هم أيضاً .
والمعتقلات التي افتتحت في ظل مباركة الإخوان وتهليلهم يوم 15 مايو – أيار-  1948م  ، بمناسبة حرب فلسطين ، والتي استقبلت خصومهم السياسيين ، أخذت تتوسع كي تستقبل الألوف من أعضاء الإخوان .
الدين والشريعة والواقع والمنطق يُحاربون الإخوان
ومع ماكينة التعذيب كانت ماكينة الدعاية تَدور لِتُجَرِّم الجماعة وشيخها ومنهجها وجهازها السري .
فخرجت فتوى مفتي الديار المصرية تدين أفعال الجماعة وتتهم القائمين بها بالكفر ، وبيان من هيئة كبار العلماء ، وبيان ثالث من الأزهر ، وساهم في حملة الإدانة لأعمال العنف والإرهاب الإخوانية مفكرون وكتاب يتمتعون باحترام جمهور مصر العريض ، منهم:
د. طه حسين يقول: “ما هذه الأسلحة ؟ وما هذه الذخيرة التي تدخر في بيوت الأحياء وفي قبور الموتى ؟ ما هذا المكر الذي يكمن ، وما هذه الخطط التي تدبر ، وما هذا الكيد الذي يكاد ؟ ولم كل هذا الشر ؟ ولم كل هذه المكر ؟ ولم رَخصت حياة المصريين ؟ يُقال أنها إنما رخصت بأمر الإسلام الذي لم يُحرم شيئاً كما حرم القتل ، ولم يَنه عن شيء كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان”  .
وكامل الشناوي يقول: “إنني حزين أن يوجد إنسان واحد – لا جماعات منظمة – يصنع الموت للناس ، ويحترف التخريب والتدمير ، وإن قلبي ليقطر حزناً إذ كانت هذه الجماعة ترتكب جرائمها باسم الإسلام ، وتجد من يُصدقون دعواها . إن الإسلام الذي يقول كتابه الكريم: وجادلهم بالتي هي أحسن لا يُقر الجدل بالمسدسات والمدافع والمتفجرات”  .
لكن استنكار الجهاز السري وجرائمه لم يأت من خارج الجماعة فقط ، بل لعله أتى أكثر ما أتى من داخلها ، بل من شيخها ومن منشئها ومؤسس الجهاز السري نفسه  .
التداعيات
وإذا كان حسن البنا هو البذرة الصالحة فإن سيد قطب هو الثمرة الناضجة ، أو على الأقل هذا هو رأي واحد من كبار رجال الجماعة – الصاغ صلاح شادي – الذي كان مسؤولاً عن قسم “الوحدات” بالجماعة ، الفرع الأكثر سرية من الجهاز السري ، فهو الفرع الخاص بأعضاء الجماعة في الجيش والبوليس .
ولم يحدث أبداً أن وجه إخواني أياً كان مرتبته أي نقد أو شبه نقد لممارسات أو كتابات سيد قطب . وسيد قطب – وهو شخصية مثيرة لجدل شديد – هو سيد عصر الإرهاب الحالي ، فكل الإرهابيين المتأسلمين الذين مَلؤوا الدنيا قتلاً وسفكاً للدماء هم “قطبيون” أي أنهم من أتباعه . وفي سجن طره بدأ سيد قطب في استقطاب أكثر عناصر شباب الجماعة تشدداً ، ليكون منهم تياراً يَنتقد اعتدال البعض من رموز الجماعة ، ويدعو إلى تكفير المجتمع الحاكم والمحكوم على السواء .
وكان من أبرز تلاميذه في السجن “شكري مصطفى” الذي سرعان ما كَوَّنَ بَعد خُروجه من السجن “الجماعة المسلمة” التي أسميت إعلامياً بجماعة التكفير والهجرة ، وَمِن هَذه الجماعة الشديدة التشدد والتي تعرضت لضربات قاصمة في أعقاب اختطافها للشيخ الذهبي واغتياله ؛ تولدت جماعات عدة لعل كل منها كان أكثر تَطرفاً مما سبقه .
لكن سيد قطب هو صاحب نَواة كُرة الثلج التي تَضَخمت لتفرز لنا كل الإرهابيين المتأسلمين من أعضاء “جماعة الجهاد” و “الجماعة الإسلامية” وما أفرزتاه من تكوينات تالية .
ولقد يتململ بعض الإخوان من نسبتهم إلى هذه التداعيات ، لكن الشيء المؤكد أن أحداً لم يجرؤ أو يتجاسر أن يَنطق بكلمة نقد واحدة لفكرة أو كلمة أو فعل من أقوال أو أفعال سيد قطب .
أليس هو الثمرة الناضجة للدعوة ؟ أليس هو الأمل المرتجى للدعوة ؟ كما أكد الهضيبي المرشد العام للإخوان على زمن سيد قطب ؟
بل إن أحداً من الإخوان لم يُوجه أي نقد أو إدانة لكل ما ارتكبه الإرهابيون من مجازر ، يتنصلون منها نعم ، أما إدانتها وإدانة القائمين بها أو القائلين بضرورتها فلا .
ويبقى مُعلقاً في عنق الجماعة كل فعل أو قول ، وكل قطرة دم أريقت بأيدي المتأسلمين حتى يعلنوا بَراءتهم منها ، ويُعلنوا إدانتهم لها .
والغريب أن هؤلاء المتأسلمون يسارعون من قبيل التفقه وسد منافذ الحياة أمام الناس بتحريم عشرات الأفعال والأقوال والكتابات ، لكن أحداً منهم لم يُحرم حَرفاً مما كتبه هؤلاء الإرهابيون الجدد ، ابتداءاً من سيد قطب وحتى عمر عبد الرحمن وعبود الزمر وأسامة بن لادن وأمثالهم ، ولم يحرم فعلاً مما فعلوا ، هو فقط يقول: لم أفعل ، ولكن أين واجب المسلم في تبيان الحق ؟ أليس “الساكت عن الحق شيطان أخرس؟” .
تداعيات التداعيات
ومع وجود قيادة للجماعة منغلقة على نفسها ، ولا تمتلك لا الكفاءة الفكرية ولا التنظيمية التي اعتاد عليها الإخوانيون ، ومع بروز قيادات من الكوادر الوسطى اكتسبت في ظل ظروف محددة بعضاً من وجود جماهيري ، وهي قيادات قدمت إلى الجماعة من صفوف “كرة الثلج” التي ولدها سيد قطب ، أي من صفوف الجامعات الجهادية كما يسمونها ، دخلوا الجماعة شباناً – طلاباً أو خريجين جدداً – صَعدوا خطوة أو خطوتين ، ثم … كفى .
فالحصون العليا في قيادة الجماعة محصنة لا يَمسها إلا المقربون ، “ابن المرشد والمؤسس ، وابن المرشد التالي” أما هؤلاء الغرباء فلا مكان لهم في قمم القيادة الإخوانية .
ثم بدأت القيادة تلعب لعبة غريبة ، تورط قواعدها ولا تتورط هي ، هم يسجنون وهي تنجو ، الأمن يقبض على الكوادر الوسطى يحاكمها ويسجنها ، بينما “القيادة” تَعيش في مَأمن .
ويبدو غريباً وربما مُريباً أن يُقبض على مئات من أعضاء القيادات الوسطى الإخوانية بتهمة الانضمام إلى الجماعة وهي تنظيم محظور ، وتكون الأدلة كتابات ومطبوعات إخوانية كتابها ومؤلفوها من أعضاء مكتب الإرشاد الذي يَعيش حُراً طليقاً ، بل ويُعلن أعضاؤه عن مواقعهم في الجماعة ، فالعضو يُسجن لأنه يُشتبه في أنه مُنضم للجماعة ، بَينما مصطفى مشهور يُعلن في كل يوم أنه المرشد العام ، والمستشار مأمون الهضيبي يعلن علناً أنه نائبه .
هذا المنطق المفتقد أثار حفيظة الكوادر الوسطى ، خاصة وأن المواقع القيادية قد حجبت عنها قصراً .
وإن الجماعة تفتقد أي شكل من أشكال الديموقراطية ، فأية ديموقراطية مع من بَايعته “أميراً” أو “مرشداً” ، بايعته على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، ومن تلقنت دوماً أنه يتحتم عليك أن تطيعه وإن ضربك على ظهرك وبطنك ؟ وأية ديموقراطية فيما أُسمي ببيعة المقابر ؟ حيث – بشكل مفاجئ – بويع مصطفى مشهور مُرشداً للجماعة خلال مراسم دفن المرشد السابق ، بايعه المشيعون دون ترتيب ، ودون احتراز من أن يَكون المبايعون لا يُمثلون الجماعة تمثيلاً حقيقياً ، أو حتى لا يكونون أعضاء فيها . وأية ديموقراطية مع مرشد عام هو واحد من الرعيل الأول لمؤسسي الجهاز السري الذي يفرض طاعة مضاعفة ، وخضوعاً لا نقص فيه ؟
وهكذا بدأ التململ في صفوف الكوادر الوسطى ، وظهرت تداعيات جديدة ، انشقاقات من الجماعة ، بعضها أسمى نفسه “حزب الوسط” والآخر “حزب الشريعة” وآخرون كثيرون متمردون صامتون ، أو منسحبون دون ضجيج ، أو يَستعدون لذات الشيء .
لكن التداعيات – ومهما حاولت أن تتزين – تبقى مُفعمة بثوابت الأصل ، مثقلة بكل نوازعه وكل مقولاته المتأسلمة ، وإن تزينت أو تجملت أو حاولت .
ذات يوم شاهد هارون الرشيد سحابة تُسرع بعيداً دون أن تُمطر فوق بغداد ، فنظر إليها مُتهكماً وقال: “أمطري حيث شئت ، فخراجك سيأتيني” .
وأكاد أتخيل المرشد العام للإخوان في موقع هارون الرشيد ، أما السحابة فهي كل هذه التداعيات وتداعيات التداعيات ، لكن “الخراج” هنا دماء وقتل وإرهاب وتأسلم .
ونعود لنؤكد ما كررنا من قبل: أن الإرهاب يبدأ فكراً ، يبدأ بفكرة خبيثة متأسلمة ، لا تلبث أن تقتاد صاحبها أو متلقيها خطوة خطوة في طريق المفاصلة مع المجتمع ، أو مع كل مختلف معه ، ويصبح الآخر هو العدو ، ولأن الفكر الديني الإنساني النسبي الصحة يُروج له باعتباره ذات الدين الإلهي المحتوى الكلي الصحة ، فإن الآخر العدو يُصبح بالضرورة الكافر ، الذي يَجب أن يُقام عليه حد الردة .
ونعود إلى حكاية عربية قديمة نتذكرها إذ نتحدث عن البذرة الخبيثة التي تَتولد مِنها تَداعيات مُتفجرة: “التقى رجل صالح بإبليس فعاتبه ، فقال إبليس: يا مولانا … أنا أضع البذرة وأتركها ، وأتركهم هم يفعلون كل شيء ، ولما سأله الرجل الصالح كيف ؟ اصطحبه إلى السوق وأمسك بخنفساء ووضعها على الحائط بجوار كلب ، لمح الكلب الخنفساء ، ارتفع نباحه ، وحاول القفز ليلتقط الخنفساء ، ففزعت قطة كانت مارة بالمصادفة ، قَفزت القطة من فزعها لتصطدم بحلواني يَقلي بعض الحلوى في قدر من الزيت ، أجفل الرجل ، انقلب الوعاء وانقلب الموقد ، فجرى الرجل خَلف الكلب لِيضربه ، وأتى صاحب الكلب ليضرب الحلواني ، وأتى أنصار كل منهم وتشابك السوق مع بعضه البعض في عراك ضارٍ ، بينما نار الموقد تمتد ، تُشعل المحل وتشعل كل محلات السوق ، ولم يَنفض العِراك إلا مع احتراق السوق بأكمله .
ونظر الرجل الصالح إلى إبليس دون أن ينطق” .
البذرة الخبيثة هي تلك الأفكار المتأسلمة … والتداعيات هي احتراق كل شيء … والإرهاب المتأسلم يبدأ فكرة … أما إبليس فالجميع يَعرفونه .
هذه البدايات لتأسيس دين بلا دين , دين ممسوخ الهوية , دِين يتأسس على العنف والإرهاب والمؤامرة والدسائس , دين هذه بداياته ذات الطابع المشبوه والنشأة السوداء , دين يَحتكم إلى المصلحة الفردية ، وتغيب عنه سمة الموضوعية , دين هكذا بداياته ، فما هي نتائجه ؟
وللحديث بقية في الجزء الثاني بإذن الله تعالى .
والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>