2- الكفر والتكفير وضوابطهما = الجزء الأول

المبحث الأول
حُكم الكُفر والتّكفير وضوابطهما
الكُفر (لغةً): السَّتْر.
الكافر (لغةً): هو الذي يستُر الأشياء الظّاهرة، لذلك يُسمّى الزّارعُ كافراً لأنه يدفِن (يستُر) البذرَ في باطن الأرض.
قال تعالى: ” اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً” [الحديد(20)]    الْكُفَّارَ هنا تعني الزُّرَّاع.
ويتفرّع عن هذا المعنى كلُّ ما أنكره الإنسانُ بلِسانه وقد أيقن به عقلُه.
الكُفر (شرعاً): هو كلُّ قولٍ يُعبّر تعبيراً صريحاً عن إنكارِ رُكنٍ من أركان الإسلام أو الإيمان، أو عن إنكار حُكمٍ من الأحكام الإسلامية المعروفة من الدّين بالبداهة والضرورة، كأن يُبيحَ الفاحشةَ أو قتلَ النفسِ بغير الحقّ أو الرّبا عموماً بعبارةٍ صريحةٍ قاطعةٍ في الدّلالة على ذلك،
أو كلُّ فعلٍ يحملُ دلالةً قاطعةً على شيءٍ يناقض ركناً من أركان الإسلام كالسّجود لصنم.
أو أن يسخر من شيءٍ من أركان الإسلام أو الإيمان أو أيِّ حُكمٍ من الأحكام الإسلامية المعروفة للجميع بالبداهة والضرورة أو أن يحتقره بوسيلةٍ واضحةٍ من وسائل التحقير.
مثال: رمى بالمصحف أرضاً أو ألقاه بين الأقذار.
ومَدارُ الأمر في أصلِ كلٍّ من الكُفر والإسلام هو الاعتقاد، فإذا ترتَّبَ على القَولِ أو الفعل حُكمٌ بالتكفير فذلك لأن القولَ أو الفعلَ ذو دلالةٍ قاطعةٍ على عقيدةٍ مُكَفِّرَةٍ، فأما إذا لم تكن له دلالة قاطعةٌ لم يَجُـزْ ترتيبُ حُكمِ الكُفر عليه، وانحصرت دلالتُه على الفسق و العصيان مع إحالةِ باطن الأمر إلى الله عزّ وجلّ.
أما المعاصي مهما عَظُمَت فلا يُحكَم على مرتكبها بالكُفر حتى الكبائر، وإنما يُحكَم عليه بالفسق، وقد أوضح الإمام أحمد بن حنبل هذه الحقيقة بقوله: (من قال الخمرُ حلالٌ فهو كافرٌ يُسْتَتابُ وإلا ضُرِبَت عنقُه، وهذا محمولٌ على من لا يخفى على مِثْلِه تحريمُه لــِما ذَكرْنا، فأما إنْ أَكَلَ لحمَ خنزيرٍ أو مِيْتةً أو شرب خمراً لم يُحكَم برِدَّته بمجرد ذلك، لأنه يجوز على أن يكون فَعَلَه مُعتَقِداً تحريمَه، كما يفعل غير ذلك من المحرّمات).
ومن الواضح أن هذا التعريف يشمل الكافر المستكبِر الذي عَلِم حقائق الدّين وأيقن بها عقلاً ولكن صدَّه عن الاعترافِ بها استكبارُه قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) النمل 14.
وهؤلاء الكفار المستكبرون هم الذين يتوعّدهم البيان الإلهي دائماً بالعقوبة، قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) [الصافات 35].
فكلما تحدّث البيان الإلهي عن الأمم السابقة التي أهلكها يؤكّد أن سبب إهلاكها هو الاستكبار.
أما الكافر الجاهل فلا يحَمِّله الله تعالى مسؤولية جهله، بل ربما يحاسِب من عرف دينَ الله ثم لم يُبَلّغه لأمثال هذا الكافر الجاهل.
ولا يجوز للمسلم أن يحكمَ على فلانٍ من الناس أنه مات كافراً إذا بدا منه أثناء حياته تصرّفٌ يدلّ على كفرٍ صريحٍ، ثم غاب عنه ولم يعلم بأي خاتمة خُتِمَ له، فلرُبّـما تدارَكه الله بلُطفِه ورحمتِه وألهمَه العودةَ عن كفره قبل الموت، وإنما يجوز القَولُ أنه في يومِ كذا وقتَ كذا قد تلفّظَ بما يدلّ عل الكُفر، ولكن نسأل الله أن يكون قد تاب قبل موته.
كما لا يجوز التكفيرُ الجماعيّ كأن يقال أبناء القرية الفلانيّة كلهم كفّار.
مثالٌ على أخطاءَ يرتكبها البعض في تكفير أبناء طائفة معينة أو سكّان منطقة معينة:
في أوائل الثمانينات استدعى السيد الرئيس حافظ الأسد ثُـلّةً من العلماء المسلمين وكان من ضمنهم الدكتور البوطي باعتباره كان آنذاك مسؤولاً عن كلية الشريعة فسأله السيد الرئيس: (هل يوجد بين طلاب كلية الشريعة أحد من سكان جبل العلويّين).
فأجابه الدكتور: (لا يا سيادة الرئيس).
فقال السيد الرئيس: (فما رأيُكَ أن يُنتقى في كل عام نُخبةٌ من طلاب الثانوية العامة من سكان تلك المنطقة ويرسل بهم إلى كلية الشريعة لتَعَلُّم الدّين، فمُشكلتُنا نحن في الجبل الجهلُ).
فأجابه الدكتور: (بل واجبُنا نحن أن نذهب إليهم، ولكن إذا جئتم بهم إلينا فهذا تفَضُّلٌ منكم). وبالفعل تم في العام التالي انتقاءُ بعثةٍ من هؤلاء سُمِّيَت بعثةَ القصر.
وذات يومٍ بعد انتهاءِ محاضرةٍ للدكتور تَبِعتْه إحدى الطالبات قائلةً: (أودّ أن أسألك سؤالاً يا دكتور، هل صحيح أننا نحن لسنا مسلمين) وإذا بالطالبة قد بدت عليها آثار البكاء وتبيّن أنها من بعثة القصر، فقال لها: (ومن قال لك ذلك، ألستِ تشهدين ألا إله إلا الله)، قالت: (بلى، وأصلّي أيضاً) فقال لها: (ادعي لي يا ابنتي فأنت خيرٌ منّي).
ما هو الفرق بين المنافق والكافر؟
المنافق: هو كلّ من أظهر الإيمان بلسانه وقد كفر قلبُه.
وهذا يُعامَل في الدّنيا معامَلة المسلم، لأن القاعدة الشرعية تَنُصّ على ألا يتعامل الناس في دُنياهم إلا بالظواهر التي تتبدى عليهم وألا يقتحم أحدٌ بواطن الآخرين في هذه الدنيا، فلا الحاكم الأعلى ولا القاضي ولا المفتي حتى الرسل والأنبياء لا يملك أحد منهم إذا أراد أن يحكم أو إذا أراد أن يتبين الخير والشر من شخصيةِ إنسانٍ ما، لا يملك إلا أن يقف عند الأدلة الظاهرة، فإذا أراد أن يقتحم ذلك إلى الباطن جاء التحذير من لدن رب العالمين لينبهه إلى أن المحكمة الباطِنة موكولة إلى الله سبحانه وتعالى.
قرر علماء المسلمين بالإجماع أن زيداً من الناس إذا طافت به احتمالاتُ الكُفر وكانت احتمالاتٍ كثيرةً ولم يبقَ إلا احتمالُ واحدٍ في المئة لاعتبارِ أنه لا يزال مسلماً فيجب أن نتمسك بالاحتمال الباقي الواحد وأن نطوي دلائل كفره.
عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن عبيد الله بن عدي حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس معه أصحابه جاءه رجل فاستأذنه في أن يُسارَّه قال: فأذن له فَسَارَّه في قتل رجل من المنافقين فجَهَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: “أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال بلى ولا شهادةَ له قال أليس يصلي قال بلى ولكن لا صلاة له قال أولئك الذين نُهِيتُ عنهم”
ولو كان في المسلمين من يستأهل أن يُكَفَّرَ لذنبٍ ما، لدليلٍ ما لكان أولى الناس بأن يُكَفَّرَ هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، ذاك الذي أمعن إيذاءً لرسول الله r، والذي قال بملء صوته أثناء رجوع رسول الله r من إحدى الغزوات: ما أُرانا وجَلابيبَ قريش – أي رَعاعَ قريش يقصد رسولَ الله وأصحابَه – ما أُرانا وجلابيب قريش إلا كما قال الـمَــثل سمِّنْ كلبَك يأكُلْكَ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجنَّ الأعزُ منها الأذلَّ، ولكنه كان يشهد أن لا إله إلا الله وكان في ظاهره ملتزماً بالإسلام ومبادئه وأركانه.
وجاء ابن هذا الرجل – عبد الله بن أبي بن سلول – وكان من المسلمين الصادقين يقول لرسول الله: يا رسول الله لقد بلغني أنك قاتل أبي فيما قال فإن كان كذلك فمرني آتيك برأسه. تبسَّم رسول الله r  قائلاً: بل نترفق به ما كان بيننا. ولما توفي عبد الله بن أبي بن سلول أرسل ابنه إلى رسول الله على استحياء يرجوه أن يعطيه قميصه الذي يلبسه ملتصقاً على جسده ليكفن به أباه لعل ذلك يخفف عنه. خلع رسول الله الثوب وأرسله إليه، ولما جيء به ليُصَلَّى عليه أقبل رسول الله r  ليصلي عليه، وقف في وجهه عمر يهمس في أذنه: يا رسول الله أتصلي عليه وقد فعل كذا وقد قال كذا، ورسول الله لا يلتفت إليه، ولما أكثر عليه عمر التفت إليه رسول الله قائلاً: أَخِّرْ عني يا عمر فلقد خيرني الله واخترت، وصلى رسول الله r على عبد الله بن أبي بن سلول.
فإن فتحنا باب التكفير لسببٍ ما فليس أولى في الناس جميعاً من عبد الله بن أبيٍّ بن سلول أن يُكَفَّرَ، وإذا كان في الحُكّام وفي القضاة وفي العلماء والمفتين من يحق لهم أن يُكَفِّرُوا فليس فيهم أولى من رسول الله r بأن يُكَفِّرَ ولكنه لم يُكَفِّرْ عبدَ الله بن أبي بن سلول، ولما مات كان رسول الله في مقدمة مَن صلى عليه.
الفِرَقُ الإسلامية قديماً وحديثاً وموقفُ المسلمين منها:
عندما توفي رسول الله r وكاد أن ينطوي عهد الصحابة وجاء عهد التابعين تنامَت فرقٌ إسلاميةٌ شاردة عن منهج الإسلام، تكاثرت في كيان الدولة الإسلامية كما تتكاثر الثآليل على الجسد السويّ من أمثالِ المرجئة والجهمية والحشوية والمجِّسَدة والخوارج وما إلى ذلك، فلم يُكَفّر المسلمون أي فرقة من هذه الفرق نهائياً، لا خارِجياًّ ولا مُرجِــئِيّاً ولا أيّاً من هذه الفئات أو الفرق التي شذَّتْ وشردت عن صراط الله سبحانه وتعالى.
ولما سئل سيدنا عليّ  عن الخوارج الذين آذَوه إيذاءً شديداً قال: “هم إخوانُنا بَغَوا علينا”.
والإمام أحمد بن حنبل هو الذي أوذِيَ أشد أنواع الإيذاء عن طريق المعتزلة القائلين بأن القرآن مخلوق، لم يكن كلامُ الله ثم وُجِد، أوذِيَ وحُبِسَ وضُرِبَ مدة طويلة في عهد المأمون، ثم إن الله عز وجل شاء أن ترتفع عنه المحنة في عهد الــمُتوكّل، جاء بعضُ أصحابه يقولون له يا سيدي ادعُ الله على ابنِ أبي دُؤات رأسِ المعتزلة، قال له: “وما يفيدكَ أن يُعذِّبَ الله عزَّ وجلّ يومَ القيامة أخاً من أجلك، لا بل أدعو الله سبحانه وتعالى له”.
والفِرق الإسلامية الحديثة شأنُها شأن القديمة في الحُكم والمعاملة، فكم نحن اليوم بحاجة للتّأسّي بهذا السَّلف الصالح في لُطفِهم وسموِّ أخلاقهم.
ما هي خطورة التكفير المزاجي:
إن الإسلام بكل أحكامه وآدابه وشرائعه يقوم على محورٍ قُدسيٍّ هام هو وحدة الكلمة والتآلف والتآخي بين أفراد المجتمع الإسلاميّ يقول تعالى: ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” [آل عمران (103)]
فهذه الآية الكريمة تذكّرنا بنعمةِ توحيد الإسلام للناس الذين كانوا مُتشرذمين مُتَفرّقين، ولو علِم الله شِرعةً أكثرَ ضمانةً لتوحيد الأمة وتآلفِها لَأَمَرَنا بها.
فثمرة الإسلام في دار الدّنيا طَيُّ عوامل الفُرقة وتحويلُ الفئاتِ المتصارعةِ إلى إخوةٍ مُتَحابِّين مُتآلفين.
فكان من أهمّ ضماناتِ هذه الوحدة ضبطُ التكفير بضوابطَ دقيقةٍ لا تخضع للمزاجِيّات أو العصبيّات أو الرُّعونات، لأن الحُكم بكُفرِ شخصٍ سيؤدي بعد ذلك إلى اتهامِه بمُعاداةِ الإسلام والكَيْدِ له، ومن ثمّ الحُكمِ بجَوازِ قتْلِه.
ماذا يعني كُفر أهل الكتاب:
عندما يصف البيان الإلهي أهل الكتاب بأنهم كافرون فهذا يعني أنهم يكفرون (أي ينكرون) بأمورٍ وردت في الشريعة الإسلامية، ولا يعني أنهم يكفرون بأُلوهِيّة الله سبحانه وتعالى، أما في الآخرة فأمرهم إلى الله سبحانه وتعالى.
من هي الـمِلّة الناجية:
مِلّةُ الإسلام بكل فئاتها، بكل مذاهبها، بكل أقوامها، الجامعُ المشترك بينها والذي يجعل لها هويةَ الرحمة من الله سبحانه وتعالى ويجعلها تدخل إلى بوابة الرحمة الإلهية والواسعة أنها جميعاً لَقِيَت الله عز وجل وهي تؤمن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله.
عن أبي عمرة الأنصاري أن رسول الله  قال: “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني عبده ورسوله لا يلقى اللهَ عبدٌ يؤمن بهما إلا حُجِبَتْ عنه النار يوم القيامة”
فالمسلمون اليوم بكل مذاهبهم، بكل فرقهم، كلهم يستظلون بظل الإيمان بالله، كلهم لهم هوياتهم التي يدخلون بها غداً في رحمة الله عز وجل ألا وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
متى ظهرت بدعة التكفير:
في القرن التاسع عشر قام صراعٌ في الجزيرة العربية بين آل رشيد وآل سعود وقد انتصرت بريطانيا التي كانت تتزَعّم الدّول الـمـُستعمِرة للبلاد الإسلامية، انتصرت لآل سعود.
ووجدت في شخصِ (محمّد بن عبد الوهاب) غايتها المنشودة لاستلام الزّعامة الدينية التي اشترطت وجودَها في الجزيرة العربية، بالإضافة إلى الزعامة السياسية نظراً لمكانة الجزيرة الغربية الدّينية عند المسلمين.
كان (محمّد بن عبد الوهاب) تلميذاً لأخيه (سليمان بن عبد الوهاب) ولكنّه كان يتجاوز الحدودَ العلمية التي أخذها عن أخيه وأتى بأمورٍ بِدْعِيَّةٍ لا عهدَ للشريعةِ الإسلامية ولا للعلماءِ بها.
منها تكفيرُ من يطوفُ بالقبور ويتمسَّحُ بها، وتكفيرُ من يسألُ غير الله كمن يقول: (يا رسول الله اشفني) وتكفير من ينذُر للأموات.
مع أن كل ما سبق معاصٍ ولكنّها ليست مُكَفِّرات, كما زاد على ذلك أن كلّ من لا يؤمن بأن ذلك كُفْرٌ فهو كافر.
وهذه الفتاوى التكفيرية التي أعلنها لم يَنسِبْها إلى دليلٍ من القرآن أو السُّنَّة أو الإجماع، ولا صِحّةَ لنِسبتها لابن تيمية ولتلميذِه ابن القيّم بل على العكس من ذلك إنّ ابن تيمية يحذّر في كل فتاواه من التكفير:
قال ابن تيمية في كتابه (الإيمان): (هنا كأن الشيخ تردّد بين ابن تيمية وابن القيم ولا أدري ما هو الصواب) (لم يكفِّر الإمام أحمد أحداً من أهل القِبلة، لا الخوارج ولا الـمُرجِئة ولا القَدَريّة ولا الـمُعتزِلة بل صلّى خلفَ الجَهَميّة بل كان يعتقد إيمانَهم وإمامَتَهم ويدعو لهم ويرى الائتمامَ خلفَهم في الصلاة) ومعلومٌ أن الإمام ابن تيمية حنبليّ الـمذهب.
يقول الإمام ابن تيمية في التحذير من تكفير أهل القبلة: (ومن البِدِع الـمُنكَرة تكفيرُ أيِّ طائفةٍ مؤمنةٍ من طوائفِ المسلمين واستحلالُ دمائهم وأموالِهم وهذا عظيم (أي خطير) لوَجهيَين: أحدها أنّ تلك الطائفةَ الأخرى قد لا تكون فيها من البِدعةِ أعظمُ مما في الطائفةِ الـمُكَفِّرةِ لها، بل قد تكون بدعةُ الطائفةِ الـمُكَفِّرةِ لها أعظمَ من بدعةِ الطائفةِ الـمُكَفَّرَة، وهذه حالُ معظمِ أهلِ البِدَع والأهواءِ الذين يُكَفِّرُ بعضُهم بعضاً، الثاني: أنه لو فُرِض أنَّ إحدى الطائفتين مُختصّة بالبِدعة والأخرى موافقة للسُّنّة لم يكُن لهذه السّنِّيَّة أن تُكَفِّرَ كلَّ من قال قولاً أخطأَ فيه فإن الله يقول: ” رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا “)
والكثيرُ مما قاله محمد بن عبد الوهاب ابتداعاً واختلاقاً يُنسَبُ إلى ابنِ تيمية مع أن ابنَ تيمية يقول العكسَ تماماً فهذا مما ظُلِمَ به ابنُ تيمية.
أما محاربةُ البِدَع فهو جامعٌ مشتَرَكٌ بين المسلمين جميعاً فالبدعة هي: كلُّ أمرٍ استُحدِثَ وأُدخِلَ في الدّين وهو ليس منه، ولكنَّ محاربةَ البدعة لا تعني تكفيرَ الناس وإخراجَهم عن الملِّة فضلاً عن أن يقال (مَن خالفَ مذهبي فهو كافر) فهذا الأمر هو نفسه من البِدعة.
وما يُستَحدث في شؤون الحياة وتَطُوِّرها لا يدخل في تعريف البدعة بل هو من التطوّر الذي يدعو إليه كتاب الله عزّ وجلّ، فالمسلمون في عهد الخلفاء الراشدين تطوَّروا تطوُّراً هائلاً في مجال العُمران والصناعة والتجارة وكان سيدنا عمر رضي الله عنه ممن شهدت الدولة الإسلامية في عهدهم تقدماً هائلاً في شتّى نواحي الحياة.
وقد نصحَ (سليمان بن عبد الوهاب) أخاه بعدم الخضوع لأوامر بريطانيا فلم يَستجِب له، فألّف كتاباً للردّ عليه ولبيان بُطلان أقوالِه وعدم نِسبَتها إلى الشريعة الإسلامية.
فظهور فِكر (محمّد بن عبد الوهاب) هو الذي أدّى إلى ظهور بدعة التكفير في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد كانت الوهابية أحدَ ثلاثةِ أسافين زرَعَتْها بريطانيا في العالَم الإسلامي وهي:
•    الوهابية في الجزيرة العربيّة.
•    البابِيّة والبهائيّة في مصر.
•    القاديانيّة في الهند.
وهذا المذهب (مذهب ابن عبد الوهاب) لم يكن لِينتشرَ هذا الانتشارَ لولا رعايةُ بريطانيا له لتحقيق مصالحها السياسيّة.
ففي اجتماعٍ لمجلس وزراء بريطانيا أخرج وزيرُ خارجية بريطانيا آنذاك مصحفاً من جيبه وقال: (إذا أردتم أن تصلوا إلى مصالحكم في العالم العربي والإسلامي فعليكم أن تُخرِجوا سلطانَ هذا الكتاب مما بينهم، وما دام سلطانُ هذا الكتابِ موجوداً فلن يتأتّى لنا أن نصل إلى ما نبتغيه) وكانت وسيلتُه إلى ذلك رعايةَ الفِكر التكفيري الوهابيّ لِبَــثّ الفُرقة بين المسلمين.
وتقوم أمريكا اليوم أيضاً برعاية المذهب الوهابيّ خدمةً لمصالحها في تمزيق وحدة المسلمين وبثّ الفرقة والخلافات بينهم.
أصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي عام (1991) تقريراً يتحدث في نصفه الأول عن خطورة هجوم الإسلام على المجتمعات الغربية بشَطرَيها الأوروبي والأمريكي، وخطرِه على الحضارة الغربية والأمريكية والأوروبية ويدلّل على ذلك.
ويذكر في الشَّطر الثّاني العلاجاتِ والوسائلَ التي تَقِي المجتمع  الغربي من هذا (الأخطبوط) ويتكون هذا العلاج من عدّة بنود:
1-    إثارة التّناقضات في العقيدة الإسلاميّة.
2-    تأليب المسلمين بعضِهم على بعضٍ فيحاربَ بعضُهم بعضاً.
3-    تحويل العَمالة الإسلامية في الخليج إلى عَمالَةٍ آسيوية غيرِ مسلمة.
صدر هذا التقرير وبدأ البحثٌ عن وسائلِ تنفيذه، فوجدوا أنّ مذهب (محمّد بن عبد الوهاب) أفضلُ ما يمكن أن يثيرَ التناقضات في العقيدة الإسلامية ويؤلّبَ المسلمين على بعضهم، فأخذوا يروِّجون له بكل الوسائل، وأخذ هذا الفكر يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى فكرٍ إرهابيّ.
فتكفيرُ كلِّ من يسلك سلوكاً خاطئاً يؤدي بعد ذلك إلى محاربة هذا الكافر وقتْلِه.
أما الحكّام فيُفتُون بقَتلِهم بناءً على قوله تعالى: “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ” المائدة (44)، ثم يُفتُون بكُفْرِ كلِّ من مشى برَكْبِهم وبالتالي يُفتُون بقَتلِهم جميعاً, ثم يتمّ دعمُ هذه الفتاوى بالمال وبوسائل القَتْل.
يقول برنارد لويس (اليهودي) في كتاب (الشرق الأوسط والغرب) ص 44:
(إنّ التَّغريب في المنطقة العربية أدى إلى تفكيكِها وتجزئتِها، وإنّ هذا التفكيكَ السياسيّ واكَبَهُ تفكيكٌ اجتماعيّ وثقافيّ.
والواقعُ أنّ إلْحاقَ المنطقةِ بالغَربِ لم يكن ممكِناً إلا من طريقِ تفكيكِها وتجزئتِها عن طريق إثارةِ الفِتَنِ الطّائفيّة وافتِعالِ أسبابِ الخصوماتِ والعنف.
…. ولعلّ من يستبِعد دَورَ الغربِ في إشعالِ فَتيلِ هذا التّقاتُل واحدٌ من اثنَيْن: خادِعٌ أو مَخدوع).
ما هي الثمرة التي يبتغيها الغرب من نشر بدعة التكفير؟
هذه الثمرة تتَلَخَّص في الهبوطِ بالمجتمعات الإسلامية من مستوى الغِنى الذي أكرمها الله به إلى حضيض الفقر حتى يَنفَرِطَ عِقدُها ولا تقومَ لها قائمة.
أما الإسلامُ الذي يثيرُ انتشارُه مخاوِفَ القادَةِ الغربيّين فلا سبيلَ للحَدّ من انتشارِه – حسب نظرهم – إلا تصويرُه بصورةٍ سوداءَ مثيرةٍ للاشمئزازِ والرّعبِ حتى ترتبطَ هذه الصورةُ ارتباطاً شرطياً بالإسلام في ذهن الإنسان الغربيّ، مما يجعله يبتعد عن مجرّد التفكير في التعرّف على الإسلام، فضلاً عن اعتناقِه.
هل تُثمِر محاولاتُ نشرِ الفكر التكفيريّ وبثِّ الفتنة الطائفية في بلادنا:
لن تُثمِر لسبَبَين:
الأول: أنّ اللهَ تعالى ميَّز هذه الأرضَ المباركةَ بميزةٍ تقتضي أن تَمُرَّ بها الفِتَنُ والشّدائد مروراً ولكنّها لا تتلبّث بها ولا تصل إلى المدى الـمُراد منها.
الثاني: أنّ المسلم في هذه البلاد متوازنٌ بين العاطفة والعلم بسبب إقبالِ النّاسِ على تعلُّم الدّين في المساجد والمؤسسات الدّينيّة العامّة والخاصّة، مما يجعل الجامعَ المشترَكَ بين المذاهب والفئات الإسلامية يتغلَّبُ على الخلافات.
لذلك على الدّولة أن تُغذّي هذا التوازن بين العاطفة والعلم عن طريق:
•    تفعيل مناهج التربية الدّينية بمخاطبة العقل والعلم معاً والانتقال من النظري إلى التطبيق.
•    تبيين تاريخ الإسلام والتعريفُ بشخص رسول الله  ومحبّته لأُمّـَته ورحمته بالناس جميعاً.
•    تجنيد وسائل الإعلام ومختلف الفنون لنشر هذه التربية التي تضمن اجتناب الفتن الطائفية.
المبحث الثاني
الــرِّدَّة وأحكــــــــــــــــــامـــــــــــــــــــها
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
تعريف الرِّدَّة: هي تَركُ الإسلام بنية أو قول كفر أو فعل، سواء استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً.
وللمرتدّ حالتان:
الأولى: أن يمارس قناعاته الجديدة بينه وبين نفسه, ويمسك عن إعلانها بين الناس.
الثانية: أن يصرّ على إعلان ردّته، وأن يتباهى بأفكاره المناقضة لِما كان عليه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه معتزّاً بها، ويسعى إلى تشكيك الناس بعقائدهم ومبادئهم الإسلامية، فهذا عَــزْمُ الحِرابة في نفسه واضح إلى درجة القطع واليقين, كما كان شأن المرتدين عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ، فقد أعلنوا من خلال ردّتهم الحرب على المسلمين، ولهذا وصف النبي  المرتدّ بــــــ: (المفارق للجماعة) فالمراد هنا جماعة المسلمين بكلّ مقوّماتها الدينية والوطنية والسياسية.
ومفهوم الحِرابة: يطلق عندما تظهر وتتجلى لنا أدلّة واضحة ثابتة على تبييت نية العدوان، أو ثبوت التخطيط للعدوان، أو الــــمُباغتة العدوانية. وهو المعنى المتداول حتى بين الدول بعضها مع بعض. لذلك فإن المرتد في حالته الثانية يعتبر عازم على الحِرابة مستعلن بها؛ نظراً لما صاحب ردته من تصرفات معادية.
والسبب في اعتبار هذه الحالة نوعاً من الـحِرابة، هو أن الدولة الإسلامية تحيط بها دائماً قوىً استعمارية طامعة وتبحث في داخله عن أُجراء وعملاء أو خارجين عن مجتمعهم ودين أمَّتهم لتوظّفهم كأسلحة فعّالة في تمزيق وحدة المسلمين تمهيداً لاختراقاتهم الاستعمارية وعملياتهم العسكرية.
حُــــكم الــمُرتدّ:
1- حكم الحالة الأولى: أي الـإنسان الذي يعاني من شُبُهاتٍ زعزعت يقينه الإيماني وجعلته يعاني بينه وبين نفسه من تخبّطٍ فكريٍّ أو تبنّى اعتقاداتٍ معاكسةً أمسك عن إعلانها، أو أخذ يعلن عنها ضمن أسرته فقط فهذا لا يُـلاحَق بأي عقوبة أو حدّ بل يظلّ محميّـاً بمبدأ: (لا إكراهَ في الدّين)، لأن حالته لا تدلّ على أنّه يواجه المسلمين بالحِرابة.
2- حكم الحالة الثانية:  أي الذي أعلن عن ردّته وأخذ ينشر أفكاره ويسعى إلى تشكيك الناس بعقائدهم ومبادئهم الإسلامية، فإن صاحب هذه الحالة يلاحق.
للحاكم فقط – كما سيأتي – أن ينظر في أمره وسُبُل القضاء على خطره بما يراه في مصلحة الأمة، فله أن يحبسه أو يضيِّق عليه، أو يحاوره في أمر الشُّبهات التي اعتمد عليها في ارتداده، وله أن يقتله إن رأى ذلك، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: “لا يحلُّ دم رجلٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا اللّه وأنِّي رسول اللّه، إلاَّ بإِحدى ثلاثٍ: الثَّيِّبُ الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة”.
وموجب العقوبة هنا ليس مجرد الكفر بعد الإسلام، وإنما هو (عند جمهور الفقهاء) بسبب ما تتضمنه ردة المرتد من إعلانه الحرابة على المسلمين, وبما أنّ مقاومة الـحِرابة أيّــاً كان مصدرها هي من اختصاص إمام المسلمين وحده وليست من اختصاص الأفراد، فلا يجوز لأفراد الناس أياً كانوا أن يحكموا على المرتدّ أو يلاحقوه بالعقوبة وهذا بإجماع الفقهاء، بل للحاكم أن يعاقِب قاتِل الـمُرتدّ عقوبةً قد تصل إلى القتل فيما يراه المالكية.
ولذلك .. فقد ذكر بعض الفقهاء أن المرأة لا تُــقتل بسبب الرّدّة؛ لكونها لا تتأتّى منها الحِرابة واستدلّوا على ذلك بأن رسول الله  نهى عن قتل النساء في الحروب.
المبحث الثالث
من هي أمة سيدنا محمد 
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة”
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة فقيل له ما الواحدة قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي”(مستدرك الحاكم)
تمهيد:
بعث الله سيدنا محمداً  إلى الناس جميعاً فمنهم من آمن بالله تعالى وأقرّ لنبيه محمد  بالرسالة ومنهم من لم يؤمن، فكل من وُجِدَ في عصر رسول الله  وكل من وُجِدَ فيما بعد إلى قيام الساعة من أمة رسول الله  فهو من (أمة الدعوة)، وأما الذين استجابوا له وأقروا بنبوته فهم من (أمة الاستجابة).
وبالتالي فإن المقصود من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وتفترق أمتي) أمة الدعوة وليس أمة الاستجابة؛ أي كل من تلقى خطاب الدعوة من عصره عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، سواء استجاب لدعوته أم لم يستجب.
شرح الحديث:
يقول المصطفى : (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة)، مقتضى بلاغة المصطفى وكونِه حجة في البيان والفصاحة أن يقابل كلمة اليهود والنصارى بكلمة المسلمين فيقول وسيفترق المسلمون إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، لكنه عَدَلَ عن كلمة المسلمين. وإنما قال: (وستفترق أمتي إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة والمراد بالأمة هنا أمة الدعوة لا أمة الاستجابة)، كل من وُجِدَ في عصر رسول الله  وكل من وُجِدَ فيما بعد إلى قيام الساعة من أمة رسول الله  لكنه من أمة الدعوة ومن آمن منهم أصبح من أمة الاستجابة، يقول المصطفى : (وستفترق أمتي)، أي أمة الدعوة، (إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة)، أي إلى أديان مختلفة متناقضة شتى، والدليل الناطق على هذا أنه قال بعد ذلك: (كلها في النار إلا ملة واحدة) ولم يقل إلا فرقة واحدة، كلها في النار إلا ملة واحدة هي ملة الإسلام بكل فئاتها، بكل مذاهبها، بكل أقوامها.
الجامع المشترك بينها والذي يجعل لها هوية الرحمة من الله سبحانه وتعالى ويجعلها تدخل إلى بوابة الرحمة الإلهية والواسعة أنها جميعاً لَقِيَت الله عز وجل وهي تؤمن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله، هذا هو المعنى الذي قصده المصطفىفالمسلمون اليوم بكل مذاهبهم، بكل فرقهم، كلهم يستظلون بظل الإيمان بالله، كلهم لهم هوياتهم التي يدخلون بها غداً في رحمة الله عز وجل ألا وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
عن أبي عمرة الأنصاري أن رسول الله  قال: “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني عبده ورسوله لا يلقى اللهَ عبدٌ يؤمن بهما إلا حُجِبَتْ عنه النار يوم القيامة”
فهذا الحديث حديث صحيح وله معنى يزيد الأمة إلى الاجتماع والألفة فالأمة التي تتمتع بسلاح الوحدة والتضامن لن ينال البغي منها أي منال مهما استعان به من أسلحة الفتك والدمار، وإن الأمة التي تركن إلى عوامل الخصومة والشقاق والتي تصدعت إلى فِرَقٍ وفئات متخاصمة متعادية لا يمكن أن يُكْتَبَ لها النصر مهما تمتعت واستعانت به من الأسلحة الفتاكة المتنوعة، ولولا هذه الحقيقة ما قرأنا في كتاب الله سبحانه وتعالى الدعوة الملحة والمتكررة إلى التضامن، إلى الوحدة، إلى نبذ الشقاق والتفرق، وكلنا يقرأ في كتاب الله سبحانه وتعالى هذه الدعوة المتكررة بأساليب شتى، يقول آناً: ” وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا “
ويقول:( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ) أي لا تتفرقوا بين المذاهب المتطاحنة (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وكل مجتمع يركن أفراده إلى عوامل الفرقة والتشاحن ويضحي أفراده بواجب الوحدة التي أمرنا الله عز وجل بها في سبيل الانتصار للرأي وللمذهب وللاجتهاد ليسوا صادقين في إسلامهم وليسوا مخلصين في التمسك بأوامر مولاهم وخالقهم سبحانه وتعالى، فالعصبية للذات، العصبية للمذهب مهلكة وأي مهلكة.
غداً إذا امتد أحدنا على فراش الموت ماذا عسى أن تفيده العصبية؟ ماذا عسى أن تفيده دعوى أنه من الفرقة الناجية وأن إخوانه جميعاً إلى النار؟
بل ينبغي أن نرحل إلى الله عز وجل وكلنا أمل أن جميع عباد الله الذين آلوا إليه مؤمنين به هم في ظل رحمته وفي كنفه ولطفه.
المبحث الرابع
الإنسان بين الحرية والتكليف
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
التكليف: هو توَجُّه الخطاب من الله تعالى بالأمر والنهي إلى عباده. من خلال مطالبته بفعل ما أو تَركِه باستعمال القوة التي بثّها فيه الله عزّ وجلَّ, والاختيار الذي متّعه به.
ويتجسد التكليف في قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً).
أي أقدرناه على كلّ من الاستجابة وعكسها، ليستأهل في الحالة الأولى المثوبة والأجر، وليستحق في الحالة الثانية الوعيد والعقاب.
الصفات التي يجب أن تتوافر في الإنسان ليكون أهلاً للتكليف:
1- الإعلام: ويكون بإبلاغ الإنسان الخطاب الإلهي عن طريق الرسل والأنبياء فلولا هذا الخطاب لما عَلِم الإنسان بأنه مُكَلَّف.
2- تمكُّن الإنسان من القيام بالمطلوب منه: فإذا حيل بين الإنسان وبين أداء ما كلفه الله به سقط عنه التكليف.
3- امتلاك الإنسان للخَيار في أن يستجيب أو لا يستجيب لله تعالى في الأمر الصادر إليه.
وهناك ما يطلق عليه أوامر تكوينية صادرة من الله تعالى لمخلوقاته عموماً: وهي المقرونة بخَلْقِه المباشَر دون اختيار من المأمور وهي الـمَنوطة بقوله تعالى (كُن)، الدّالّ عليها قوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وتتجلى أوامر الله تعالى التكوينية في إبداعاته الكونية سلسلة ومخلوقاته في عالَم  الجمادات والحيوانات والنباتات. ومن أمثله هذه الأوامر – مما يتعلق بالإنسان – وجودنا وموتنا كذلك، وتمتعنا بالصحة أو المرض .. وكل أمر ليس لنا فيه حول ولا قوة.
ومن هنا قرر العلماء سقوط التكليف عن:
1- الغافل الذي لا يدري شيئاً عن الخطاب الإلهي الذي توجه إليه.
2- النَّاسي والسّاهي ونحوهما.
3- الـمُلجَأ: أي الـمُجبَر وهو الذي لا يملك أي خيار في الفعل الذي يصدر منه، فهذه الحرية الذاتية هي المناخ الأساسي للتكليف.
ولذا كان التكليف منطوياً على أعظم مظاهر التشريف من الله تعالى للإنسان، فالله سبحانه لم يدفع الإنسان إلى تنفيذ أحكامه قسراً أو عن طريق الغريزة الآلية كما هو حال سائر المخلوقات والحيوانات الأخرى, بل جهّزه بالعقل الـمُمَيِّز بين الخير والشّر، ثم متّعه بالقدرة على الاختيار واتخاذ القرار طبق رغبته الذاتية ودون أي قسر خارجي يفقده اختياره.
هل تتعارض حرية الإنسان مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية من العقوبات على ارتكاب بعض المحرّمات كالقتل والسرقة والزّنا؟
إن المعاصي التي قد يرتكبها الإنسان تنقسم إلى قسمين:
معاصٍ تنطوي على هَدرٍ لحقوق الله فقط: فهذه لم يُشرَع لها أي عقاب عاجل في الدنيا، بل ادّخر الله تعالى الجزاء عليها إلى يوم القيامة، وترك مُرتكبيها أحراراً في هذه الحياة الدّنيا.
المعاصي التي تتضمن ظلماً أو إساءة للآخرين: فهذه تعرض صاحبها للعقاب, ولكنّ هذا العقاب يأتي تسويةً لحقوق الناس الذين حاق بهم هذا الظلم، لا جزاءً على مخالفة أمر الله عزّ وجلّ، مثال ذلك معاقبة السارق والقاتل.
وبناء عليه، فإن مما ينبغي أن نعلمه:
–  أن عقوبات المعاصي التي فيها هدر لحقوق الله، كشرب الخمر مثلاً، لا تتَقرّر إلا في حق من أعلن عن إيمانه بحقائق الإسلام، مما يعني بالضرورة أنه أعلن عن خضوعه لأحكامه السلوكية، فكان من حق القضاء أن يلاحقه بتطبيقها، أما من لم يذعن بعد لمبادئ الإسلام وأركانه لا يلاحَق قضائياً (أي في دار الدنيا) بهذه العقوبات، بخلاف المعاصي التي فيها ظلماً وإساءة للآخرين كما أوضحنا.

One Comment

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>