بناء الجامع

وبدأ بناء الجامع

تجاور المسلمون والنصارى في العبادة قرابة سبعين عاماً كُل ٌ في معبده ؛ المسلمون في مسجد الصحابة الذي أقيم شرقي جنوب معبد جوبيتر  والنصارى في كنيسة يوحنا المعمدان في الجزء الغربي من معبد جوبيتر ، إلى عصر الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي وجد الحاجة ملحًة إلى إقامة جامع كبير يليق بعظمة الدولة , التي امتدت فتوحاتها حتى بلغت من الأندلس غرباً إلى الصين شرقاً ، ويلائم حالة التطور الذي بلغه المجتمع العربي الإسلامي , وقد غدت دمشق العاصمة الكبرى لأعظم دولة إسلامية في التاريخ ,وازداد عدد سكانها والنازلين فيها وضاق بهم المسجد ولم يعد يتسع للأعداد الكبيرة من المصلين .
عندها قرر الخليفة الوليد تنفيذ مشروعه المعماري الهام , وكيف لا يفعل ذلك , وهو الذي اشتهر بالفتوحات العظيمة واهتمامه بالحركة العمرانية الكبيرة .

إنَّ الحاجة إلى توسيع المسجد أصبحت ضرورية والخليفة الوليد يريد حلاً منصفاً سريعاً لا يخفر به الذمة ويغضب الله تعالى ، فيلجأ إلى حل عادل ، مفاده التفاوض والحوار والبذل والتعويض , وبعد مجريات ومفاوضات مع النصارى تمخَّضت عن إقطاعهم أربع كنائس : المريمية وحميد بن درّة وماريوحنا والمصلّبة ، وبنى لهم كنيسة مار يوحنا الكبرى ، فتنازلوا عن كنيسة يوحنا المعمدان وهم راضين .

بعد ذلك انصرف إلى تحقيق مشروعه الكبير وهدم الكنيسة ، وبدأ بإنشاء الجامع الأموي أعظم آبدة معمارية في المنطقة سنة 87هــ / 706م وفق مخطط جديد مبتكر يتلاءم وشعائر الدين الإسلامي وأغراض الحياة العامة ، وكتب على الجامع باللازورد (( ربنا الله لا نعبد إلا إياه ، أمر ببناء هذا المسجد وهدم الكنيسة التي كانت فيه ، عبد الله الوليد أمير المؤمنين في ذي الحجة سنة سبعٍ وثمانين )) .

وتمت عمارة المسجد سنة ست وتسعين للهجرة الموافق سنة 714م ، فجاء بناءً فريداً في هندسته لم يبنَ على نسقه بناءٌ قبله في الدنيا ، وقد عبّر الخليفة الوليد عن ذلك بقوله : (( إني أريد أن أبني مسجداً لم يبنَ من مضى قبلي ولن يبني من يأتي بعدي مثله )) .

وعندما رآه الإمام الشافعي عدّه من عجائب الدنيا الخمس . وكذلك الخليفة العباسي المأمون الذي زاره فأعجب به لدرجة أنه قال : (( إنَّ مما أعجبني فيه كونه بُني على غير مثال متقدم )) .

وقد رأى فريدريش فون تيرش F.von thirsch أنَّ بناء الجامع إسلامي صرف .

لقد أمضى الخليفة الوليد في بنائه قرابة عشر سنين من بداية خلافته إلى نهايتها ,وبذل الجهد الكبير والمال الوفير حتى غدا جامعه آية
من الإبداع المتّقد وتحفة من الفن الرفيع ، وقُدّرت نفقات بنائه بنحو ستة ملايين دينار
فكان بذلك أجمل مسجد في العالم كما وصفه المؤرخون .

وهكذا ظهر جامع دمشق وقتئذٍ انطلاقةً في مضمار فنون العمارة والزخرفة ، وضعت بإشادته مبادئ هندسة الجوامع الكبرى التي شيدت بعده في العالم الإسلامي ، وظل المعماريّون عدة قرون يستوحون منه وينسجون على منواله ، وأمسى بهجة للزائرين وفتنة للناظرين ، تسارع الشعراء في مدحه ، وتسابق الكُتّاب في وصفه ، ولهج المؤرخون بإبراز محاسنه ، وهزت أنباء بنائه القسطنطينية ، وزلزلت أصداء عظمته الدولة البيزنطية ، حتى أرسلت وفداً رسمياً إلى دمشق للاستطلاع ، فلما وصل الوفد إلى دمشق وقابل الخليفة الأموي الزاهد
عمر بن عبد العزيز ، والذي قيل أنه لم يرض َ عن البذخ والترف اللذين حفل بهما الجامع .
وفكر في نزع بعض ما في الجامع من نفائس وذهب وردّه إلى بيت مال المسلمين .
ويؤذن للوفد بالدخول إلى الجامع ومعهم عين من عيون الخليفة يراقبهم ويفهم لغتهم ، فإذا بالوفد يذهل بما يشاهد ، وسقط رئيسهم مغشيا ً عليه، فلما أفاق سئل عما أصابه فأجاب :

(( إننا أهل رومية نتحدث أن بقاء العرب في هذه البلاد قليل ـ فلما شاهدنا هذا البنيان أيقنا بأنهم باقون فيها وأنه لا رجعة لبيزنطة إليها بعد
اليوم )) فلما أخبر الخليفة عمر بذلك قال : ما أرى مسجد دمشق إلا غيظاً على الأعداء ، وترك ما كان همَّ عليه .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>