اختِصَارُ الزَّمَان فِي بُعْدِ المَكَان / من مقالات مجلة نهج الإسلام

اختِصَارُ الزَّمَان فِي بُعْدِ المَكَان

تَمُـرُّ علينا ذكرى الإسـراء بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، والإعراج به إلى السَّـماء.. ونحن نَسْتَروِح في ظلالها، ونستعذب الحديث عن نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلموعن معجزة ذهابه إلى المسجد الأقصى في ليلة مباركة، ونذكر بالفخار إمامته بالأنبياء عليهِم الصَّلاة وَالسَّلام، ثـمَّ نتطرَّق لقصَّة عروجه إلى كلِّ سماء وما فيها مِن دروس وعِبَر وعظات.
ولا شـكَّ أنَّ لكلِّ ذكـرى أثراً في قلوبِ الذَّاكـرين: حيث تمضي الأيّـَام والأعوام، والذِّكريات الخالدة تؤتـي أكُلَها – بإذن ربِّها – بالتّذكار والدَّرس الملْهِم، مهما تقادم الزَّمـن.
ومعجزة الإسراء والمعراج: الَّتي تحقَّقت في السَّنة العاشرة للبعثة ـ قبل الهجرة بعام واحد تقريباً (1)، هي رحلة أرضيَّة سـماويَّة خُصَّ بها نبيُّنا محمَّد صلَّى الله عليهِ وَسلَّم: (سُبحَانَ الَّذي أَسرَى بِعبْدهِ لَيلاً مِن الـمَسجدِ الحرَامِ إِلى المسْجدِ الأقْصَى الَّذي بَاركنَا حَولَهُ لنُريَهُ مِن آيَاتِنَا إنَّهُ هوَ السَّميعُ البَصير). [الإسرَاء:1].
في تلك المناسـبة، تتالت مشاهد لا سابق لها، وأنبأَ عليهِ الصَّلاة وَالسَّلام عن مسيرة القوافل: الجملُ الأورق يأتيكم، ومغيب الشَّمس موعدكم، وبيت المقدس هذه أوصـافه، وعَرَض الدُّنيا كلُّه زائل.
ومع هذه المعجزة نوقن يقيناً تامَّاً، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليهِ وَسلَّم كان في رِحلة عملٍ، بالدَّرجة الأولى، ولم تكن ترفيهاً محضاً، فقد أَرْسل اللهُ تعَالى للخليقة منذ بدايتها، أرسل الرُّسلَ والأنبياء: ليَهدُوا الخلقَ إلى صراط الله الحقّ، وما أجابهم في جَمْعِ الزَّمان إلاَّ قليل، كما كان الحال مع النَّبيِّ الصَّابر نوحٍ عليهِ السَّلام الَّذي قال الله تعَالى عنـه: (وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) . [هُود:40]. وذلك بعد رحلة دعويَّة استمرَّتْ لألف سنة إلاَّ خمسين عاماً.
ونبيُّنا محمَّد صلَّى الله عليهِ وَسلَّم صَعِد إلى سماءٍ لا تُطاولها سماء، وهناك: (رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى ). [النَّجم:18].
أراد الله عزَّ وَجلَّ أن يريَ نبيَّه الكريم مِن هذه الآيات الكبرى: حتَّى يقوى قلبه، ويصلب عوده، وتشتدّ إرادته في مواجهة الظَّالمين، كما فعل الله تعَالى مع موسى عليهِ السَّلام، حينما أراد أن يبعثه إلى فرعون، أراه مِن آياته، فما خافَ موسى مِن فرعون، ولا تزلزلَ أمامه. فإذا علمت أنَّك تركن إلى ركن ركين، وتعتصم بحصن حصين، وتتمسَّك بحبل متين، فأنت في حفظ الله ربِّ العالمين.
وما أروع ما قيل في حقِّه صلَّى الله عليهِ وَسلَّم:
كَيفَ تَـرقَى رُقِيَّكَ الأَنبيَـاءُ يَـا سَـمَاءً مَا طَاوَلَتهَا سَمَاءُ
** ولقد أسفرت معجزة الإسراء والمعراج، أسفرت عن أجلِّ الدُّروس في تاريخ الدَّعوة الإسلاميَّة، وتجلَّت آثارها العظيمة في إعداد خير أمَّة أُخرجت للنَّاس، وانتشار الرِّسالة المحمَّديَّة في آفاق الحياة..
لَيلَةُ الإسرَا وَمِعرَاجِ الرَّسولْ شَهدَتْ آياً عِظَاماً وَعَطاءْ
يَا لهَا مِـن رِحْلةٍ قدْسـيَّةٍ أنْسَتِ الآلامَ فَاشتدَّ الوَلاءْ
معجزة الإسراء والمعراج تـمَّت، بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى الطَّائف يعرض عليهم الإسلام، وبعدما صبر على أذى قريش ما يقرب مِن عشر سنين، فقابلته الطَّائف بسفهائها يستهدفونه بالحجـارة، وزيد بن حارثة رضي الله عنه يدفع عنه تلك الحجارة..
كَانَ يَلقَى الحجَارةَ عَنهُ زَيدٌ ألاَ إنَّ رُوحي لنَعلِ زَيدٍ فِداءُ
وشكى الرَّسول صلَّى الله عليهِ وَسلَّم إلى ربِّه ضعف قوَّته، وقلَّة حيلته، وهوانَه على النَّاس: ليعـلِّمنا بأنَّ الشَّكوى إلى الله عبـادة.
لقد كان دعاءً معبِّراً عن غاية الرِّضى.. ومهما بلغ عظم المحنـة، فإنَّ المؤمن الصَّادق لا يبالي بكلِّ ما يصيبه مِن إيذاء..
* وإذا كانت الأرض قد ضاقت بتكريم رسـول الله، فإنَّ العناية الإلهيَّة كلَّها وقفت معه، وكأنَّها كانت تخاطبه: يا محمَّد ! إن كان يؤلمك أن يشتمك في الأرض أعداء: أفلا يرضيك أن ترحِّبَ بك ملائكةُ السَّماء ؟..
يا محمَّـد ! إن كان يحزنك أن يتناولك بالحجارة سفهاء: أفلا يسرّك أن تصـلّيَ إماماً بالأنبياء ؟.
** ومرَّت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظات كان فيها بين النَّوم واليقظة، وإذ بالأمين جبريل يهبط عليه حاملاً إليه دعوة ربِّه عزوجل، وركب صلَّى الله عليهِ وَسلَّم البراق بصحبة جبريل عليهِ السَّلام..

              سِرْ – يَا بُراقُ فَأنتَ تَحمِلُ مِشعَلاً بِبَريقـهِ أُفقُ الظَّلامِ أَضَـاءا
                 سَـطِّرْ بحافِـركَ الطَّهورِ حِكايـةً قَدْ أَعجـزَتْ أَحْداثُها البُلَغاءا

وأُسري به إلى المسجد الأقصى، وهناك مُثِّلت لـه أرواح الأنبياء، فصلَّى بهم ركعتين، كما كان يفعل إبراهيم عليهِ السَّلام.
رُوح وَجسَـد:
ثمَّ عُرج بـه صلى الله عليه وسلم”بالرُّوح والجسد” إلى السَّماء الأولى فلقيَ آدم عليهالسلام، وفي السَّماء الثَّانية لقي عيسى ويحيى عليهمَا السَّلام، وفي السَّماء الثَّالثة لقي يوسـف عليه السلام ، وفي السَّماء الرَّابعة لقي إدريس عليه السلام ، وفي السَّماء الخامسة لقي هارون عليه السلام ، وفي السَّماء السَّادسة لقي موسى عليه السلام ، وفي السَّماء السَّابعة لقي إبراهيـم عليه السلام (2).
* ثـمَّ وصل صلَّى الله عليهِ وَسلَّم إلى سدرة المنتهى، وفي تلك اللَّحظات الخالدة فُرضت الصَّـلاة لتكون صلة بين العبد وربِّـه(3).
قال الله تعَالى: ( وَأَقيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاركَعوا مَعَ الرَّاكعِين ). [البقَرة:43].
فَيض مِن الرُّوح:
والَّذي حصل في قصَّة ( الإسراء والمعراج )، أنَّ الله تعَالى أفَاضَ على نبيِّه e قوَّةً روحيَّةً ومادَّة أساسيَّة في منهاج التَّربية الإلهيَّة، وذلك أنَّ الله تعَالى أعدَّ رسوله الكريم: ليكون سيِّد المربِّين: ولهذا طاف الله به السَّموات العلا: ليكون إيمانُه رؤيةً ومشاهدة، وليس إيماناً نظريَّاً وحسب..
ولعلَّ بعضاً مِن النَّاس يزعُم أنَّ /الإسراء والمعراج/ يتعارض مع النَّواميس الكونيَّة، فإنَّ انتقال إنسان مِن مكان إلى آخر بينهما هذه المسافة البعيدة مُحال في العادة، ويا لَيتهم وقفوا عند هذا الحدّ، وإنَّما قالوا: إنَّه عَرج إلى السَّماء فكيف إذن يتنفَّس ؟. وظلُّوا يتشكَّكون آماداً متتالية، وعلماؤنا يقولون في مثل هذا الموضع: إنَّها معجـزة خارقة للعادة، وهبة من الله تعالَى لنبيِّه الكريم، ولله درُّ القائل:
مَلكُ الملـوكِ إذْ وَهَـبْ لاَ تَسـألَنَّ عنِ السَّـبَبْ
ثـمَّ إنَّنا نقول لهؤلاء المتشكّكين: تعالَوا نفكِّر قليلاً.. هل أدركتم جميع سـنن الكون ؟ إنَّكم تُقرُّون بأنَّكم لم تدركوا كلَّ قوى الكون، ولم تُحيطوا علماً بنواميس الطَّبيعة، فافرضوا هذا مـمَّا غاب عنكم علمه، ولم يصل إلى مدارككم فهمه، وربُّنا جلَّ جلالُه يقول: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. [الإسرَاء:85].
.. مِن صُـورِ الإِصـلاَح:
ولقد جسَّدت ليلة الإسراء والمعراج، جسَّدت صوراً عديدة لإصلاح الإنسان.. فالمغتاب يأكـل لحم أخيه ميتاً، والَّذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنَّما يأكلون في بطونهم ناراً، ومَن قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنَّما قتل النَّاس جميعاً.. والَّذين يأكلون الرِّبا لا يقومون إلاَّ كمـا يقوم الَّذي يتخبطّه الشَّيطان مِن المسّ.. ومعـروف أنَّ جبريل عليهِ السَّلام أتى النَّبيَّ صلَّى الله عليهِ وَسلَّم بإناءين، إناء مِن خمر، وإناء مِن لبن، فاختار صلَّى الله عليهِ وَسلَّم إناء اللَّبن، فقال له جبريل u: لقد اخترتَ الفطرة.
ونحن نصـدق ونؤمن بما جاء في هذه المعجزة، نُؤمن بذلك أكثر مـمَّا لو رأينا بأعيينا: لأنَّنا قد نرى شيئاً فيزيغ منَّا البصر، ولكنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وصفه ربُّه بأنَّه ما ضلَّ وما غوى.. هذا الموقف الَّذي ثبت فيه “أبو بكر الصّدِّيق” عندما كذَّب أهل مكَّة ما حدَّث به الرَّسول الكريم عن الإسراء، وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له: أرأيت ما يقول صاحبك ؟ إنَّه يقول: أُسري به إلى المسجد الأقصى، ونحن لو أردنا أن نذهب هناك لقطعنا مسيرة كذا وكذا، فما رأيك ؟ فقال رضي الله عنه : أهو قال ذلك ؟ قالوا: نعم. قال: “أشهد إن كان قال ذلك فأنا أصدقه، إنَّا نصدقه في أعظم مِن ذلك، نصدقه في خبر السَّـماء يأتيه وهو جالس بين ظهرانينا”.
ومِن هنا كان هذا اللَّقب العظيم.. لقب الصّدِّيق، ولا يُعرَف في أرض الله بهذا اللَّقب بعد إدريس ويوسف عليهمَا السَّلام إلاّ الصِّدِّيق رضيَ الله عَنه.
ونستفيد مِن دروس الإسراء والمعراج أنَّه لا مقدَّس إلاّ ما قدَّسه الله، ولا مبارك إلاّ ما باركه الله، ولا عظيم إلاّ ما عظَّمه الله، ولا عالٍ إلاّ ما رفعه الله: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ ). [القَصص:68].
قُدسـيَّة الأقـدَاس:
* وفي الاقترانِ الزَّمنيِّ بين إسرائه عليهِ الصَّلاة وَالسَّلام إلى بيت المقدس، ومعراجه إلى السَّموات السَّبع: دلالة واضحة على ما لبيوت الله مِن مكانة وقدسيَّة، فالمســاجد ينابيع الهدى، وأحبّ البقاع إلى الله، فيها يتمُّ التَّعارف وتتصافح القلوب، وهي مدارس عِلم وأخـلاق.
والمسـجد الأقصى معْلَم مِن معالم الإسلام، ومشعر مِن مشاعر الإيمان، وقد ذهب عدد مِن مفسِّري القرآن الكريم إلى أنَّ المقصود بقوله تعَالى: ( وَالتِّين وَالزَّيتـون ) بيت المقدس: حيث ينبت التَّين والزَّيتون.
والحديث عن بيت المقدس، حديث عن التَّاريخ بمعانيه العديدة وأعماقه البعيدة، هو حديث عن تاريخ العبادة والاستقامة على نهج الخالق عزوجل : وحديث عن المعجزات الإلهيَّة الَّتي جلَّاها الله تعَالى في هذه البقعة المباركة: وحديث عن الكرامة والعزَّة والقيم الَّتي ترمز إليها معالم المسجد الأقصى: وحديث عن استقراء الحضـارة الإسـلاميَّة بكلِّ إبداعاتها وتضحياتها، مِن أجل هذا انطلق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى بيت المقدس في غمرة استقبال حافل، آلَ بالمسلمين بعد ذلك إلى أن رفعوا جدران المسجد الأقصى، وشيَّدوا صرحه الشَّامخ في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك.
ولـمَّا وقع الأقصى في أيدي الصَّليبيّين، هبَّ صلاح الدِّين يجمـع الجموع، وينطلق بجيش الإيمان إلى حطِّين: حيث دارت معركة طاحنة انتهت بهزيمة المعتدين.
وها هو الأقصى يحدِّثنا اليوم:

              أنَا المسجدُ الأقصَى وَمَسرَى محمَّدٍ أنَا القِبـلةُ الأُولى، مَنارةُ إيمانِ
                 إنْ مَسَّني ضُـرٌّ ففِي الله نصـرَتي يبدِّدُ أعدَائي، وَلَو بَعـدَ زمانِ

وقد أعلم الله تعَالى نبيَّه محمَّـداً صلى الله عليه وسلمبأنَّ هذه الأرض المقدَّسـة سيحتلّها الأعـداء، ولهذا حـرَّض علـيهِ الصَّلاة وَالسَّلام أمَّته على الدِّفاع عن الحقّ، وأخبر بالمعركة المرتقبة بين المسلمين واليهود المعتدين: حيث سينطق الحجر دالَّاً على الأعـداء، وكذلك الشَّجر، وسيكون النَّصر في النِّهاية للمسلمين بإذن الله.
قال تعَـالى: (وَلاَ تهِنـوا وَلاَ تَحْزَنوا وَأنتُم الأَعلَـون إنْ كُنتُم مؤمِنـين).

هـامـــــش
1.    صحيح مسـلم 1/184، فتح الباري 3/492، البداية والنَّهاية 3/107.
2.    أخرجه البخاري في بدء الخلق (3207) مِن حديث مالك بن صعصعة.
3.    انظر: كيف فُرضت الصَّلاة ليلة المعراج، وكيف أصبحت خمساً بعد خمسين: البخاري كتاب 8 – باب 1، مسلم ك 1 – حديث رقم 259.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>